ترتكز نظرية التلقي على أهمية إيصال المادة الأدبية وتقليبها على وجوهها لإدراك أبعادها الجمالية والمعرفية، لذلك فهي تصب اهتمامها على آلية الاستجابة والأدوات التي يحملها المتلقي عندما يواجه نصاً ما، فالظاهرة الجمالية تطلب حساسية المتلقي ومستقبلات ذوقية ينتج عنها استثارة انفعالاته الجمالية وجذب اهتمامه إلى تلك المادة، ثم الغوص في البواطن المعرفية من خلال ملكة الوعى ومرجعياته النقدية والثقافية، فللتلقى غاية جمالية ومعرفية تشترك في تحصيلها الحواس والثقافة والتأمل والخيال، والمتلقي يعيد بناء الأثر المعرفي في النص ولكنه في الوقت ذاته يتذوق أبعاده الجمالية.
إن تذوق العمل الأدبي يمثل المرحلة الأولى في تلقيه مرحلة الدهشة التي تغيب معها السلطة المعرفية للعقل بقياساته ومنطقه وأحكامه الصارمة فالذوق يساير ما يشعر به المتلقي أمام الاحتمالات الجمالية الموجودة في العمل الأدبي، وكلما تطابق الموقف العاطفي والوجداني في العمل مع مقابلاتها عند المتلقي تثار عواطفه وذكرياته وانتباهه، وهو ما يؤدي إلى محاكاة الأبعاد الجمالية التي تمثل أمامه، ولكن الوعي يبحث عن المعنى الذي يمثل الغاية المعرفية في عملية الإيصال والمعنى ينتج من تركيب الصور في عملية واعية قوامها التأمل والتخيل ثم المقارنة والقياس مع ما يختزنه العقل من تجارب سابقة.
وتحمل ثقافة المتلقي أهمية كبرى في هذا العمل لأنها الرافد الأساسي في كل عمل ذهني، وكما أن المبدع بحاجة إلى ثراء ثقافي وخيالي لكتابة النص الأدبي فكذلك المتلقي يعبر عن أنه يعي ذاته ويعي الآخر، من خلال تمثله تلك الحالة الثقافية في أثناء تلقيه العمل فالتلقي حالة من التوازن الجمالي والثقافي بين المبدع والمتلقي، والقراءة ليست ثابتة أو نهائية بل تتبع المتلقي، والعوامل المؤثرة في القراءة وتهتم بالنص وبالإمكانات المختزنة فية وبانفتاحة أو انغلاقه أمام القارئ، فالتلقي يختلف باختلاف هذه العوامل لأن تغير ظروف القراءة قد يؤدي إلى فهم أوسع أو أضيق، وهكذا فالقراءة تغاير مفهوم الفهم النهائي، ويقوم النص بما يخفيه من الدلالات في تعميق هذه المغايرة، فالنصوص ليست على السوية ذاتها في مثولها أمام القارئ، فثمة نصوص واضحة، ونصوص أقل وضوحاً، ونصوص ممتنعة لا تمنح مفاتيحها لكل القراء.
انطلاقاً من العلاقة بين النص وقارئه وهي علاقة محكومة بمجموعة من العمليات النفسية والذهنية يشترك فيها قراء الأدب على اختلاف ثقافاتهم وعصورهم الزمنية، بدأ اهتمامي بنظرية التلقي وهي نظرية تفسر تلك العمليات وتضع منظومة من القواعد والمفاهيم النظرية التي تساعد على فهم عمليات التذوق والاستجابة والوعي ومحاولة إدراك الحدث الذي ينشأ من خلال القراءة، وهذا ما دفعني إلى محاولة فهم هذه النظرية ومعرفة الطرائق التي تنظر من خلالها إلى عمليات التلقي ومعرفة أبعادها المرجعية والنظرية والتاريخية التي صدرت عنها فوجدت أنها تستلهم مادتها من تاريخ الفلسفة والنقد وعلم الجمال مع خلو تلك المصادر من إشارات تدل على مشاركة النقد العربي القديم في وضع أسس تلك النظرية.
وتأتي أهمية البحث من أنه يحاول أن يرفد سلسلة الدراسات التي وضعت لفهم أسس نظرية الأدب في النقد العربي القديم، ويحاول الإجابة عن الأسئلة التي تؤدي إلى وضع المفاهيم النقدية في موضعها التاريخي الصحيح لتاريخ النقد عامة، فالنقد مثل الأدب يخضع لعملية التأثر والتأثير وذلك بسبب تكامل المعارف الإنسانية، وقد دفعني ذلك إلى دراسة التلقي في النقد العربي القديم سعياً لمعرفة الطرائق التي تلقى فيها النقاد العرب الأدب، والأسس التي انطلقوا منها في قراءتهم، والنتائج التي انتهوا إليها ومقارنتها بالمقولات النقدية الحديثة لنظرية التلقي بهدف معرفة ما أسهم فيه النقد العربي، وما أضافه إلى أسس التلقي، وما سبق فيه النظرية الحديثة، وقد وضعت الحدود الزمنية للبحث في القرن الرابع الهجري لأنه يمثل مرحلة من مراحل النشاط النقدي التي تعطينا تصورا عن النقد العربي القديم فقد نضجت فيه الدراسات النقدية العربية وتنوعت روافدها الثقافية وتعددت أشكالها وفرضياتها، إذا أفادت من المراحل السابقة وأسست ما جاء بعدها.
ولعل أهم العقبات التي وجدتها في أثناء البحث هو قلة المادة النقدية التي تبحث في نظرية التلقي في النقد العربي القديم، بسبب خلوه من مفهوم نقدي مشابه اصطلاحيا، وهو ما دفعني إلى الاعتماد على المفاهيم النقدية المعروفة وقضاياها، لمحاولة وصف الأفعال المشابهة لفعل التلقي واستنباطها من المقولات النقدية القديمة أي إن المادة البحثية التي استندت إليها الدراسة هي النقد النظري، أما أهم الدراسات التي اقتربت من موضوع هذا البحث فهي:
١- قضية التلقي في النقد العربي القديم للدكتورة فاطمة البريكي.
٢- التلقي الجمالي في النقد العربي القديم شعر المتنبي نموذجاً في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وهي رسالة ماجستير من إعداد الطالبة سماح عدنان أورنة، وإشراف الدكتور علي أبو زيد.
٣- قراءة النص وجماليات التلقي، للدكتور محمود عباس عبد الواحد.
٤- جماليات الألفة، للدكتور شكري المبخوت.
أما الدراستان الأولى والثانية فهما في النقد التطبيقي فقد قامت الدكتورة فاطمة البريكي بدراسة التلقي في النقد التطبيقي عند النقاد والبلاغيين وعند المفسرين وعند شراح الدواوين الشعرية، وقامت الطالبة سماح أورنة بدراسة التلقي التطبيقي لأشعار المتنبي وقد قدمت له بدراسة نظرية هدفت من خلالها إلى تأصيل المفهوم، والبحث عن مدلولاته في النقد العربي القديم، ثم تحدثت عن محاور التلقي وهي عندها الشاعر والنص والمتلقي، وشرحت فيها أدوات الشاعر التي يجب أن يمتلكها بالإضافة إلى موهبته الشعرية، ثم قامت بالتعريف بالنص الشعري، وتحدثت عن الوضوح والغموض، والصدق والكذب، وأثر ذلك في المتلقي، وتحدثت في محور المتلقي عن مراتب المتلقين سواءً أكانوا أفراداً من عامة الناس، أم من الخاصة مثل الخلفاء والأمراء والوزراء، وطبيعة أحكام المتلقي الأدبية، وفي الفصل الثاني تناولت أنواع المتلقي الصريح والضمني وأثره في شعر الشاعر، وتحدثت في الفصل الثالث عن جماليات التلقي إذ رصدت بعض ظواهر الإحساس في الجمال عند ثلاثة نقاد أحدهم يمثل القرن الرابع الهجري وهو ابن طباطبا العلوي.
أما دراسة الدكتور محمود عباس عبد الواحد فهي دراسة مقارنة بين نظرية التلقي وبين مظاهرها في النقد العربي القديم حول تأصيل المفهوم، وتحدث عن تطور فلسفة التلقي في مذاهب النقد الغربي كذلك تحدث عن محاور التلقي في النقد، فدرس لغة النص عند ابن قتيبة وعبد القاهر الجرجاني والعقاد وتابع الحديث عن المتلقي وذوقه الجمالي وعن صاحب النص وعن طريقة تلقي الأدب وعلاقته بالجمهور بشقيه المسموع والمقروء.
وتعد دراسة الدكتور شكري المبخوت من أهم الدراسات التي احتفلت بنظرية التلقي في النقد العربي القديم، وما تتميز به أنها دراسة نظرية معيارية انطلقت أساساً من مفاهيم نظرية التلقي ومقولاتها في النقد الحديث، فقامت بقياس مفاهيم النقد العربي القديم وتطورها بما يوافق مفاهيم نظرية التلقي فكان عمود الشعر أفقاً للانتظار، والنص المحدث لحظة العدول الجمالي، وتحدث عن سنة القراءة وتداخل آفاق الانتظار وبين في دراسته أنماط المتقبل ووظائفه، والمتقبل الضمني والصريح في النقد القديم، فهي دراسة تقحم مفاهيم نظرية التلقي في النقد العربي القديم.
وقد أفدت من هذه الدراسات جميعاً، غير أن البحث الذي أقدمه، يختلف عنها في أنه ينطلق من مفاهيم النقد العربي القديم في القرن الرابع الهجري، ومناهج القراءة عند نقاده، ويحاول وصف عمليات التلقي عندهم دون إقحام المفاهيم والاصطلاحات النقدية الحديثة فيها، سعيا لفهم طرائق التلقي العامة آنذاك، انطلاقا من تجاربهم النقدية التي تتميز بخصوصية الثقافة والعصر، وهي دراسة اهتمت بالنظرية الأدبية، ولم تتطرق إلى الجانب التطبيقي، إلا بما يخدم الدراسة، بهدف الشرح ووضع الأمثلة، وذلك لأن الدراسات السابقة كانت وافية في وضع صورة لعمليات التلقي في النقد العربي القديم، بشكلها التطبيقي ولاسيما بحث الدكتورة فاطمة البريكي، وبحث الطالبة سماح أورنة.
أما المنهج الذي اتبعته في الدراسة، فهو المنهج الوصفي، إذ قمت باستقراء مناهج القراءة، ومعايير التلقي في النقد العربي في القرن الرابع، مع تحليل المعطيات بهدف تشكيل رؤية واضحة للتلقي مع الاستعانة بأدوات المنهج المقارن، لمعرفة مدى تقارب المفاهيم والاصطلاحات والطرائق، بين نظرية التلقي بشكلها الحديث، وبين مناهج النقاد في القرن الرابع الهجري وقد ابتعدت عن استخدام المنهج التاريخي، بسبب عدم وجود مفهوم واضح للتلقي يساعد على تتبع أسسه ومعطياته وتطوره التاريخي في النقد القديم.
وقد سار البحث باتجاه بلوغ الغاية وهي رسم ملامح التلقي في النقد العربي القديم، فجاء في مقدمة ومدخل إلى نظرية التلقي وثلاثة فصول وخاتمة، وقد ذيلت البحث بقائمة المصادر والمراجع التي أغنت البحث، أما المدخل إلى نظرية التلقي، فقد تتبعت فيه أهم المراحل التي مرت بها، فرضيات التلقي، حتى أخذت شكلها النهائي في العصر الحديث في مدرسة كونستانس الألمانية، ثم تحدثت عن أهم المدارس التي أثرت في شكلها الفكري الحديث وأغنته، وهي مدرسة الشكلانيين الروس، والظاهراتية في الأدب، وسوسيولوجيا الأدب، وتحدثت عن أهم المفاهيم عند أعلامها وهما: هانز روبيرت ياوس، وفولفجانج إيزر.
أما الفصل الأول فقد كان لدراسة مناهج القراءة والتلقي عند أهم نقاد القرن الرابع الهجري، من خلال وصف الطرائق التي قاموا بقراءة الأشعار فيها، في مؤلفاتهم النقدية، ومن خلال تتبع مقولاتهم التي تقارب مفاهيم نظرية التلقي في النقد الحديث. فكان لكل منهم منهجه الذي يقترب في بعض مظاهره من غيره من النقاد، ويختلف في الوقت ذاته باتجاه تكوين منهج خاص، غير أنني وجدت أن أكثر ما اغتنت فيه مناهجهم آنذاك هو النص الأدبي ومكوناته مع الاهتمام بثقافة المتلقي، ورسم ملامح القارئ الناقد.
أما الفصل الثاني، فقد قمت فيه بدراسة التلقي على قاعدة إصدار حكم الجودة، فكان لتوضيح أسس القراءة التقويمية عندهم، بوصفها أهم النقاط التي التقى عندها النقاد، في تلقيهم الأدب مع ملاحظة المرجعيات الذوقية والمعيارية لتلك القراءة، ثم بينت أهم الخبرات التي اعتمدها النقاد في إصدار أحكامهم على الأدب والأديب.
وفي الفصل الثالث بحثت عن أثر مكونات النص في عملية التلقي، وتوضيح أثر الثقافة التي يصدر الناقد عنها، في مواجهة النص ومكوناته. فمكونات النص تحمل المعطيات الجمالية والمعرفية، التي تعد حاملاً لوظائف النص في حوارها مع المتلقي في أثناء قراءة الأدب فتسهم في تلقيه، وقمت في هذا السياق بالحديث عن أهم تلك المكونات وهي: التشكيل الجمالي، والصورة، والدلالة والوزن والقافية، عموماً، مع وضع الأمثلة والشواهد من نظرياتهم النقدية.
وبحثت عن الأثر الذي تتركه ثقافة النقاد في قراءتهم النصوص وحوارهم مع مكوناتها، عبر الكشف عن الطريقة التي نظروا بها إلى النص ووظائفه، ومعرفة الأدوات التي سلحتهم بها تلك الثقافة في مواجهة النص، إذا افترضت أن كل ناقد من النقاد، يتسلح عند تلقيه الأدب، بمجموعة من الأدوات النقدية التي يمتلكها انطلاقا من الثقافة التي يصدر عنها، مما يوجه نقده بما يتلاءم مع تلك الأدوات الثقافية، فتلقي الأديب الناقد يختلف عن تلقي اللغوي، وتلقي اللغوي يختلف عن تلقي الفيلسوف أو البلاغي وهكذا قمت بدراسة الأسس التي وجهت التلقي عند النقاد، مع الاكتفاء بالحديث عن المناخ الثقافي العام الذي انطلق منه النقاد بهدف فهمه ومعرفة أدواته، ومن ثم ذكر الشواهد من النقاد الذين يمثلون تلك الثقافة، ويسهمون في إغناء البحث.
أما الخاتمة فجاءت باستعراض لما قمت به فاختصرت المقدمات والنتائج، وذلك لنتمكن من رؤية ملامح التلقي في القرن الرابع الهجري بصورة كلية، فتتضح معالمها، ونرى من خلالها أن المتلقي في النقد العربي القديم، كان يبدأ من أولية التقويم الجمالي في قراءته، أو ينتهي إليه، مستخدماً أدواته النقدية التي يمتلكها من خلال الدربة والثقافة التي يصدر عنها، فيحاور النص ومكوناته، لينتهي إلى امتلاكه جماليا ومعرفيا، مع التنبه إلى التداخل الحاصل بين كل تلك المعايير والمناهج في النقد العربي القديم، وذلك لأن النقد القديم كان يسير في فلك القضايا النقدية التي درجت آنذاك.
وبعد فإن ما قمت به هو حلقة من السلسلة التي تهدف إلى الكشف عن النظرية النقدية والأدبية عند العرب القدماء، اتخذت إطاراً زمنياً محدداً، فأرجو أن أكون قد أخلصت لدراستي هذه بما بذلته من جهد، محاولاً إضافة رؤية جديدة، وتصور واضح، يؤدي إلى فهم الطرائق التي تلقى فيها النقاد العرب الأدب في القرن الرابع الهجري.
عنوان البحث؛ مدخل إلى نظرية التلقي؟
أ- مقدمة في تاريخ النظرية الفكري.
ب- أهم المدارس التي أثرت في نظرية التلقي.
١. الشكلانيون الروس.
٢. الظاهراتية.
٣. سوسيولوجيا الأدب.
ج- أعلام مدرسة كونستانس.
۱- هانز روبيرت ياوس.
٢- فولفجانج إيزر.
مدخل إلى نظرية التلقي؟
أ- مقدمة في تاريخ النظرية الفكري؟
ان الاستعراض التاريخي السريع لآليات قراءة العمل الأدبي من جانب، وفهمه وتفسيره من جانب آخر، بأدوات المناهج النقدية يكشف عن الطريقة التي يواجه فيها الناقد المنهجي ذلك العمل، ويوضح اتساع الروافد الأساسية لمنهج القراءة من زاوية النظر التي تعنى بالقارئ وسبل الاستجابة أي من قلب نظرية التلقي، فقد خرج النقد الحديث عن المقولات البلاغية القديمة، وأصبحت المناهج النقدية تعطي أهمية لشروط الإنتاج وأدوات التلقي.