0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

1. مقدمة إلى مناهج القراءة؟ 

أ. مدخل إلى نقد القرن الرابع الهجري : مع دخول القرن الرابع الهجري بدأ النقد الأدبي بالتمايز والتنوع والانفصال عن الدراسات اللغوية، والبلاغية والتاريخية رغم اعتماده في أدواته الإرث النقدي الذي سبق تلك المرحلة، وقد بدأت الثقافات الوافدة تتغلغل في الدراسات النقدية وهو ما أدى إلى تلونه بألوان مختلفة من اللغة والفلسفة وعلوم الكلام، بالإضافة إلى ظهور الدراسات النقدية التطبيقية التي ابتدأت بالكشف عن السرقات والمساوئ والعيوب وانتهت بالموازنة والمقايسة بين الشعراء مع سعي بعض النقاد إلى وضع قواعد علمية تنظم عمليات الإبداع وتضع حدودا للنص الأدبي وتقنن الأحكام.

وقد تأثر النقد في هذا القرن بما سبقه من الدراسات من خلال التزامه بقضايا النقد التي درج عليها النقاد السابقون وامتاز بالسعي نحو العلمية والابتعاد عن أحكام الذوق الفردية، مع النظرة العميقة في تحليل الظواهر الأدبية ويجمع نقاد القرن الرابع على اختلاف بيئاتهم النظر إلى الشعر على أنه مرتد إلى شيء أبعد من الوزن والقافية، وهم بعد ذلك متفاوتون في تقديم عنصر على آخر من العناصر التي يتكون منها العمل الشعري وأظهر البيئات التي يظهر بينها الاختلاف في النظر إلى الشعر وهو اختلاف يدخل في إطار الوحدة اللغويون والفلاسفة، أما اللغويون فيرون أن الشعر في المحل الأول وزن وقافية وأما الفلاسفة فالشعر عندهم في المقام الأول نشاط تخييلي.

وقد تعددت اتجاهات النقاد في ذلك القرن متأثرين بالحركة النقدية التي أثارتها عدة قضايا كقضية الطبع والصنعة التي مثلتها المعركة التي دارت بين أنصار القديم والمحدث، حول أبي تمام والبحتري إلى جانب قضية السرقات الأدبية وقضية اللفظ والمعنى ودراسات إعجاز القرآن،وقد كان للمعارك النقدية التي أدارها النقاد والشعراء النقاد أهمية في هذا السياق فقد ذكر الباحثون أن عدة نقاد ألفوا كتباً ورسائل نقدية للرد على كتاب تقد الشعر لقدامة بن جعفر على سبيل المثال، ونقد الأدب والشعر في القرن الرابع فريقان فريق كتب ونقد ووازن وحكم متأثراً بذوقه الأدبي وطبعه العربي وثقافته الخالصة من شوائب الثقافات الأخرى التي جرت جداول يم الثقافة الإسلامية الصميمة المتدفقة ومن هؤلاء الحاتمي الحسن بن بشر الآمدي، علي بن عبد العزيز الجرجاني، ابن وكيع، أبو بكر الباقلاني، أبو بكر الصولي، أبو الفرج الأصبهاني، وفريق آخر كتب بروح أدبي هذبت فكره ووسعت أفقه الثقافات الأخرى الذي هضمها القرن الرابع وأحالها غذاء عقليا لكل من توسع في الدراسة والبحث العميق ومن هذا الفريق قدامة بن جعفر، ابن العميد، الصاحب بن عباد، أبو هلال العسكري، والفريق الأخير يختلف نقده قوة وضعفا بحسب تمكن الطبع العربي من نفوس رجاله وأعلامه وتتفاوت منازلهم في الإجادة والإحسان بتفاوتهم في الذوق الأدبي الذي يعتد به في الحكومات الأدبية العادلة.

وبالإضافة إلى المؤلفات النقدية النظرية والبلاغية والتطبيقية فقد تضمنت المؤلفات اللغوية والنحوية والفلسفية بعض الآراء النقدية، وقد عنيت كتابات إعجاز القرآن بالنقد الأدبي مباشرة لأن الكلام المعجز تظهر ملكاته وطاقاته قياساً على الكلام البشري وقد تنوعت الأعمال النقدية في القرن الرابع بين ضروب مختلفة فمنها الكتب النظرية التي تطمح إلى تكوين رؤية متكاملة للعمل الإبداعي الشعري ومثالها كتابا قدامة بن جعفر وابن طباطبا العلوي نقد الشعر وعيار الشعر، ومنها كتب تطبيقية أساساً تتناول شعراء أو شاعراً وتخصص الكلام لتبيان المشكلات عامة في شعره أو أشعارهم ومقابلتها بما يستحسن والاحتكام إلى معايير يؤخذ بها في أثناء ذلك كله ومثالها كتابا الآمدي والقاضي الجرجاني الموازنة و الوساطة، وهناك كتب تتراوح بين هذين الضربين وذلك كما في عمل أبي هلال العسكري في الصناعتين والمرزباني في الموشح وتسلك الشروح العديدة للدواوين قديمها ومحدثها ضمن القسم التطبيقي أما الكتب الأخرى فهي كثيرة نعثر فيها على ملحوظات قيمة بين الحين والآخر تتصل بالنقد والشعر كما في الصاحبي لأحمد بن فارس، و الخصائص لأبي الفتح بن جني.

إن كثرة النقاد في القرن الرابع وتنوع مؤلفاتهم ومراجعهم الثقافية بالإضافة إلى إفادتهم من آراء من سبقهم من النقاد، أدت إلى تميز النقد ولعل أهم خصائصه آنذاك هي الخصوبة والغزارة واعتماد الذوق والفطرة مع التطلع نحو العلمية والإفادة من المنطق والفلسفة، لذلك نجد جدلاً قائماً بين أنصار الذوق وأصحاب النظرة العلمية الذين سعوا إلى تقنين النقد فقد كان معيار الذوق في النقد مقابلاً لمعيار الطبع في الإبداع وممثلاً لسجية التذوق والحكم المقابلة السليقة العرب في الإبداع إذ أصر أصحاب الطبع على أهمية الذوق وعلى تدعيم مكانته في فهم الأدب وعلى تسفيه كثير مما جاء به النقاد العلماء وعلى أن النقد صنعة لا بد فيها من طبع وقريحة كما لا بد في الأدب نفسه من طبع وقريحة ولا بد لهذا الطبع من خبرة وطول معاناة وأن هؤلاء العلماء واهمون حين يريدون أن يخوضوا في النقد بما عندهم من علم، وطرق في التفكير، هذا يعني أن أنصار الصنعة في الشعر كانوا يرون أن فهم الأدب وتذوقه يحتاج إلى قواعد علمية وطول مماحكة ونظر عميق لفهم المجازات والاستعارات والتشبيهات البعيدة والإشارات والإيماءات والصناعات الجديدة البعيدة عن السليقة العربية التي تحتاج إلى أكثر من الذوق السليم والحس المرهف لفهمها واستجادتها.

كذلك فإن ما يميز النقد في هذا القرن هو انصرافه إلى الغوص أعمق في الأطراف التي تكون العملية الأدبية المبدع والنص والمتلقي فنرى عنايتهم الشديدة بأهمية توجيه كتاب الشعر والخطباء ووضع قوانين الصياغة التي تنظم كتاباتهم، موضحين اختلاف الأمزجة بل إن القاضي الجرجاني يسهب في التفريق بين شعر وآخر على أساس اختلاف الشعراء موضحاً أثر البيئة والشخصية في عملية الإبداع الشعري، ولعل الأهمية الكبرى كانت في ولوجهم أعماق النص وذلك لمعرفة مواطن الجودة والرداءة من جانب ولتنظيم العلاقة بينه وبين متلقيه من جانب آخر فنراهم يلاحقون المعاني الجيدة والرديئة ويهتمون بحدوده التي تفرقه عن النثر ويتعقبون التشبيهات والاستعارات والمجازات وضروب العناصر المكونة لجمالياته من مطابقة وإشارة مع اهتمامهم بالأوزان والقافية.

وتلتقي الكتابة النقدية في هذا القرن مع الكتابات التي عنيت بدراسة إعجاز القرآن وهذا اللقاء كان أوضح ما يظهر عند نقطة البلاغة وأثر النص في المتلقي، ومن هذا اللقاء نرى أن كتاب الإعجاز عرجوا على النقد الأدبي وجعلوا نقد النصوص الشعرية من أسس كتابتهم وأدواتها وخلصت بعض أعمال البلاغيين لبيان جوانب الإعجاز والإفادة من أسس البلاغة والنقد لفهم النص المعجز وتبين أثره في القارئ ومثل هؤلاء أفضل تمثيل أبو هلال العسكري.

ويقودنا ذلك إلى الحديث عن الأهمية التي حظيت بها البلاغة لتغدو مكوناً ثقافياً وطاقة وظيفية تعمل على إيصال المعنى إلى القارئ مع الإشارة إلى أن علوم البلاغة كانت ما تزال في طور التداخل في فروعها أقصد علم البيان وعلم البديع وعلم المعاني، فهذه العلوم قد تمايزت وأخذت ملامحها في مرحلة زمنية متأخرة بعد ذلك،ونكاد نقول في هذا السياق إن البلاغة كانت الأساس المشترك في الدراسات النقدية فمن النقاد من عدها المرجع الأهم لثقافة الإبداع والتلقي ويبرزها النص في الوقت ذاته ومنهم من عدها طاقة نصية خالصة وهي الحامل الوحيد الرسالة المبدع الجمالية والفكرية وتحمل الوظيفة الإيصالية.

وكان للمتلقي أهمية كبرى لأنه غاية العمل الأدبي التي يسعى إلى إيصال الرسالة إليه، وقد كان حاضراً في أثناء وضعهم القواعد التي توجه عمل الأديب وتنظم النصوص،إلا أنهم لم يعنوا بوضع آلية علمية أو نفسية تصف الطريقة التي يلج فيها المتلقي عالم القصيدة ولم يصفوا العمليات التي تحدث في أثناء قراءته النص وإنما كان حضوره بمنزلة رقيب يقف خلف المبدع كالقارئ الضمني يوجه كتابته حسب توجهات المزاج الأدبي العام والخاص سواء أكانت مدحاً أم نسيباً أم رثاء فيؤدي به إلى الإجادة في عمله عن طريق تنقيح القصيدة وتحكيكها، بالإضافة إلى مهمة إطلاق الحكم الأدبي جودة ورداءة دون المشاركة في عملية تحقق النص.

كذلك فإن الآراء النقدية للفلاسفة ذهبت مباشرة إلى الأثر الذي يتركه الأدب وأجناس الفنون المختلفة في المتلقي فمبدأ تأثير الشعر على سلوك المتلقي مبدأ استقر في القرن الرابع مرتبطاً بفهم شامل عن أثر أنواع الفنون المختلفة في السلوك بما فيها الشعر والغناء والرسم وغيرها، وتحدد فهم هذا التأثير في ضوء ثلاثية الإدراك والنزوع والسلوك بمعنى أن أنواع الفنون تحدث حالات من الإدراك تؤدي إلى نزوع يعقبه سلوك.

إن هذه السمات هي ما يهمنا في دراستنا قضية التلقي في نقد القرن الرابع الهجري مع الإشارة إلى أن هذا النقد من الخصوبة والغنى وهو ما يطول الحديث عنه فهو يحمل كثيراً من السمات والميزات التي وطأ بها لما أتى بعده إلا أننا نكتفي بما يخدم القضية التي نقوم بدراستها ويتصل بها.

ب- التلقي ومناهج القراءة عند نقاد القرن الرابع : إن البحث عن الطرائق التي تلقى فيها النقاد العرب في القرن الرابع النصوص الأدبية من خلال قراءة أعمالهم النقدية التطبيقية أو رسائلهم التي حاولت إيجاد نظرية في الأدب أو في دروسهم البلاغية التعليمية يفتح الأبواب لمحاولة فهم آليات الاستقبال الأدبي وأدواته لمن يمثلهم كل ناقد من النقاد ففي تراثنا النقدي والبلاغي نصوص لا نستطيع أن نزعم وصولها إلى النضج الذي وصلت إليه هذه النظرية الحديثة أو أن أصحابها يصدرون عن وعي مماثل، ولكن تلك النصوص تتضمن إشارات مهمة تدل على وجود مناهج متنوعة في القراءة أغناها تنوع الرؤى النقدية لأن نقاد الأدب والمنظرين في البلاغة والباحثين في قضايا الإعجاز ، وظفوا ثقافتهم النقدية للنظر إلى العمل الأدبي كاملا دون إغفال طرف من أطرافها بل إنهم أكدوا غائيته وأهمية المتلقي فيه، وقد مثل كل ناقد من نقاد القرن الرابع اتجاهاً من اتجاهات الذوق العام في التلقي فمن مطبوعين إلى مصنوعين ومن أنصار اللفظ إلى أنصار المعنى لذلك فإن مناهج النقاد في القراءة لم تكن وليدة مزاج فردي لأن الثقافة الأدبية وهي الثقافة الشائعة في أمة تفاخر الأمم بلغتها تركت أثرها وأثر قضاياها على الرؤى المختلفة عند النقاد، وهذا ما يسوغ ولوج بيئات ثقافية أخرى عالم النقد الأدبي من فلاسفة ومتكلمين ولغويين وكتاب إعجاز.

وتتراوح النظرات النقدية القديمة في هذه القضية بين محاولات وضع قواعد للأحكام التقويمية للأدب والأدباء وتنظيم هذه الأحكام مع الاهتمام الواضح بالمتلقي ومستوى وعيه النقدي وذائقته بإبراز مكانته الاجتماعية والسياسية والثقافية وربما العرقية إذا ما تطور البحث إلى الحديث عن النص القرآني المعجز وإلى معرفة الطريقة التي يجب أن يحاور فيها المبدع ذلك المتلقي ومعرفة الشكل الأكمل لنص يجب أن يصل إلى القارئ باحترام قواعد الكتابة في الموضوعات الأدبية من مدح للخلفاء والوزراء وغزل ورثاء وهجاء بالإضافة إلى الحديث عن أثر الأدب في المتلقي، وهذا الاهتمام بالمتلقي كما يبرز لم يكن مجرداً وإنما جاء في ثنايا حديثهم عن المبدع وآليات الإبداع والشروط التي تجعل من الشاعر مجوداً أو تضعه في الطبقة العليا بين الشعراء أو من خلال تفكيك النص الأدبي وإضاءة مكامن الحسن والجودة فيه فعلى الشاعر أن يعتمد الوفق في تشبيهاته وحكاياته ويحضر لبه عند كل مخاطبة ووصف، فيخاطب الملوك بما يستحقونه من جليل المخاطبات ويتوقى حطها عن مراتبها وأن يخلطها بالعامة، كما يتوقى أن يرفع العامة إلى درجة الملوك، ويعد لكل معنى ما يليق به ولكل طبقة ما يشاكلها، وعليه بالإضافة إلى ذلك أن يسعى إلى الوصول إلى قلب المستمع بالتجويد والتحسين فتخير الألفاظ وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته فإن كان مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن وأدعى للقلوب إليه.

وعلى الرغم من أن المتلقي هو غاية العمل الأدبي إلا أن تنظير العرب القدماء كان يهدف إلى كشف الوجوه التي يتفاضل فيها المبدعون لذلك كنا نراهم يلاحقون المعاني وتواردها عندهم من خلال استقصائهم الحثيث السرقات الشعراء فقد كانوا يوازنون بينهم بحسب مراتبهم من العلم بصنعة الشعر فتشترك الجماعة في الشيء المتداول وينفرد أحدهم بلفظة تستعذب أو ترتيب يستحسن أو تأكيد يوضع موضعه أو زيادة اهتدى لها دون غيره فيريك المشترك المبتذل، في صورة المبتدع المخترع.

ويجعل شكري المبخوت حديث النقاد العرب عن مستويات المتلقين وضرورة مراعاة الكلام المقتضى الحال والإلحاح على مبدأ لكل مقام مقال في إطار حديثه عن المتقبل الضمني وهذا ما يدعو الشاعر إلى صقل قصيدته لإخراجها في أحسن وجه من الجودة ومراعاة المناسبة والمتلقي مدحاً أم هجواً أم فخراً أم غزلاً أم رثاء والهدف من هذا التجويد إنما يعود إلى أمرين: 

أولهما تحقيق الأدب لوظيفته المركزية: وهي النفاذ إلى قلب السامع أو ما عبروا عنه بالتأثير والإقناع. 

وثانيهما تحقيق القول الأدبي لغايات أخرى: وهي تنجر عن إصابة المبدع المرمى. 

2 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

ومن هذه الغايات نوال القائل عند المدح وصلات السلاطين وجوائزهم أو بلوغه عند الهجاء المنزلة المرجوة في تحقير المهجو والتنكيل به، ويتبع ذلك معرفة الغاية من كل نوع من أنواع الشعر وحدوده ومعرفة سبل التحسين والتجويد فيه لبلوغ أبعد آثاره في المتلقي.

إن الحديث عن وجود منهج واضح ينظم عملية التلقي في نقد القرن الرابع الهجري هو حديث فيه كثير من المبالغة ويسعى لإقحام تلك النظرية في قلب الآراء النقدية القديمة سعياً لإيجاد أصول لها في نقدنا، وفيه محاولة ربما لابتكار منهج مفصل على مقياس الاصطلاحات النقدية الحديثة ومقولاتها في التلقي، فعلى الرغم من انشغال النقد القديم بأطراف العمل الأدبي واهتمامهم بالمتلقي إلا أن ذلك كله جاء في تضاعيف درسهم لقضايا النقد حينذاك ومن ثم كانت حركة النقد الأدبي بمنأى عن الكليات الفلسفية أو النظريات العامة التي يمكن أن تنظم مفهوم الاستقبال في فكرة جامعة لأن الأحكام النقدية في تراثنا إنما كانت تستمد من أحوال النص في علاقته بالمفاهيم العلمية والثقافية المختلفة.

وبدءاً من الأهمية التي حظى بها المتلقى ركز النقاد على ضرورة أن يتذوق جماليات النص وأن يفهم معناه بما يمتلك من أدوات بمعنى أن الحديث عن الغوص في النص والبحث عن معنى غير واضح وجمال غير مميز كان على درجة من الصعوبة، فالشعر هو ديوان العرب يجب أن يفصح عما يريده الشاعر ويجعل من المتلقي مستقبلا لقوله فحسب ويحصر دوره في التقويم والتذوق، وهكذا يلاحظ قارئ تراثنا النقدي والبلاغي موقفاً واضحاً من القارئ واهتماماً بدوره إذ يمكننا الزعم بوجود علاقة ما بين المبدع والمتلقي بدأت ملامحها في التشكل منذ القديم فالمبدع ينظم قصائده لهذا المتلقي ومن الطبيعي أن يهتم برأيه فيها ويسعى إلى أن تكون على الصورة التي يرتضيها،ونتيجة لهذه المكانة التي أولاها المبدع المتلقيه اهتم به النقاد والبلاغيون. 

انطلاقا من ذلك سنتجه في بحثنا إلى النقاد العرب في القرن الرابع الهجري وإلى مؤلفاتهم النقدية الغنية لمعرفة الطريقة التي تلقى فيها كل منهم النص الأدبي ولنعرف الطرائق التي اعتمدتها قراءتهم له وهذا ما سيسعفنا في فهم الاتجاهات العامة لمناهج القراءة في القرن الرابع الهجري لأن كل ناقد من نقاد ذلك القرن كان يعبر عن ذوق شريحة من شرائح القراء، لذلك ستهتم الدراسة بمناهج القراءة عند كل منهم فالحديث عن دراسة القضية بشكلها الحديث سيقودنا إلى وضع أسس النظرية أمامنا في أثناء بحثنا في آرائهم وهو ما يؤدي إلى إقحام تلك المفاهيم والاصطلاحات في الدراسة، لذلك سنكتفي بالكشف عن المناهج التي وضعوها أو قرؤوا النصوص الأدبية من خلالها مع المقارنة العفوية بمفاهيم التلقي في النقد الحديث حين يتطلب البحث ذلك.

وهنا نعود إلى تأكيد أن مؤلفاتهم النقدية غنية إلى الدرجة التي جعلت كثيرا من النقاد قادرين على صياغة طرائقهم الخاصة في القراءة أو التنظير لمنهج عام لها كذلك سنجد أن تلك المناهج كانت محكومة بالسياق النقدي في تلك المرحلة وبجملة من القضايا التي كان الناقد مرغماً على الخوض فيها في عمله النقدي ونشير إلى أننا سنكتفي بالنقاد الذين تمايزت آراؤهم وأساليبهم في القراءة إلى الدرجة التي يمكن أن نقول إنها تكون منهجاً خاصاً في القراءة ولهذا سنستبعد الدراسات التي عنيت بملاحقة العيوب والسرقات ونهتم بالدراسات النقدية والبلاغية المتكاملة.

2. ابن طباطبا العلوي ولذة النص؟ 

يعد ابن طباطبا العلوي من أوائل النقاد في القرن الرابع بكتابه عيار الشعر وهو الكتاب الذي حاول أن يكون فيه منظراً في فن الشعر وطرائق صناعته أكثر من أن يكون ناقداً تطبيقيا لأحد الشعراء مبتعدا عن الانغماس في قضايا النقد الأدبي على الرغم من أنه يقول رأيه في معظم تلك القضايا دون الإسهاب في تتبعها ومناقشة وجوهها مثل قضية السرقات واللفظ والمعنى والطبع والصنعة، ولكن ما يميز هذه الآراء عند ابن طباطبا هو الجدة ومحاولة التدقيق انطلاقاً من تأكيده ضرورة الانسجام في مكونات النص ليبلغ غايته الجمالية، فأهم ما يركز عليه ابن طباطبا في تلك الآراء هو الموضوع الذي نتحدث عنه أي علاقة القارئ بالنص الأدبي، إلى الحد الذي يضعه كما يقول الدكتور عيسى العاكوب بين النقاد الجماليين عندما يتحدث عن ملكة الحكم الجمالي.

وعلى الرغم من أن نظرة ابن طباطبا تجول بين أطراف العمل الأدبي إلا أننا نراه يؤكد العلاقة بين النص والقارئ وما حديثه عن المبدع وإرشاداته له إلا في سبيل الحديث عن النص الجميل، ومنهج التلقي عند ابن طباطبا ينحرف عن المعتاد الذي يصف عمليات القراءة المتجهة من المتلقي إلى النص إلى وصف عملية السطوة التي يمارسها النص على القارئ والأثر الذي يتركه فيه، فمنهج التلقي عند ابن طباطبا هو لذة النص إنه المتعة الجمالية المحضة الناشئة عن وقوع العمل الأدبي على قارئه وهو يصف هذا الوقع ثم يحدد ميزات النص الجميل الذي يجذب القارئ بمكوناته الجمالية، إن غاية النص الأساسية وعياره هو المتعة الجمالية المتأتية من استقباله، ويقاس مقدار الجمال في النص بالأثر الناتج عن ذلك الورود ووقعه على القارئ فعيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب فما قبله واصطفاه فهو واف وما مجه ونفاه فهو ناقص والعلة في قبول الفهم الناقد للشعر الحسن الذي يرد عليه ونفيه للقبيح منه واهتزازه لما يقبله، وتكرهه لما ينفيه أن كل حاسة من حواس البدن إنما تتقبل ما يتصل بها مما طبعت له إذا كان وروده عليها وروداً لطيفاً باعتدال لا جور فيه، وبموافقة لا مضادة معها، إن النص الجميل هو الذي يقبله القارئ ويتمتع بهذا القبول فيلتذ الفهم بحسن معانيه كالتذاذ السمع بمونق لفظه فهو يتجه إلى السامع، وهو المتلقي هنا فيؤثر فيه بالمعاني والألفاظ، وهو يتابع في ذلك السياق ليجعل قنوات الاتصال بين النص والقارئ كذلك ناتجة عن النص الجميل نفسه فكل سامع للشعر مهياً للتأثر والالتذاذ به إلا أن النص هو الذي يفتح تلك القنوات ليمارس سطوته على السامع فيؤدي إلى التذاذ السامع أو نفوره فإذا كان الكلام الوارد على الفهم منظوماً مصفى من كدر العي مقوماً من أود الخطأ واللحن سالماً من جور التأليف موزوناً بميزان الصواب لفظاً ومعنى وتركيباً اتسعت طرقه ولطفت موالجه فقبله الفهم وارتاح له وأنس به وإذا ورد عليه على ضدّ هذه الصفة وكان باطلا محالاً مجهولاً انسدت طرقه ونفاه واستوحش عند حسه به وصدئ له وتأذى به كتأذي سائر الحواس بما يخالفها. 

إن تركيز ابن طباطبا على هذا المنهج يجعله من النقاد السابقين لعصره في هذا الرأي ويعزز ذلك ما أورده متمما كلامه عن الطريقة التي يؤثر فيها النص في القارئ وما ينتج عن ذلك التأثر ثم حديثه عن مواصفات النص الجميل القادر على ممارسة ذلك التأثير، إن لذة النص هي ذلك الحوار الناشئ بينه وبين سامعه والأثر العقلي الجمالي الناتج عن هذا الحوار هو الذي يعزز في الوقت ذاته الحكم الجمالي عليه ويتأثر الحكم الجمالي على الفن الشعري بأمرين: الذات المدركة أو النفس التي تسكن لما وافق هواها وتقلق مما خالفها وللذات أحوال متقلبة، ثم الموضوع أي المادة الشعرية وأحسن ما يكون الموضوع الجمالي أو الشعري لدى النفس عندما يأتي موافقاً للحال التي هي عليها.

ورغم ذلك فإن ابن طباطبا يحمل النص مسؤولية إدارة ذلك الحوار مع الذات المتلقية مؤكداً الدور المحوري في تلك العملية وضرورة أن يمتلك النص أدوات السطوة الجمالية ليجعله كما يقول رولان بارت في أصله أي النص حرز وإن هذا الحرز ليرغبني والنص يختارني أداته في ذلك ترتيب كامل الشاشات خفية وتدبير المماحكات انتقائية: فثمة المفردات والمراجع وقابلية المقروء للقراءة، وهكذا بعد أن يحمل النص تلك الإمكانية على إدارة حوار اللذة من خلال موافقة المتلقي وهواه والحال التي يكون عليها يبقى على السامع أن يمارس فعل الامتلاك الجمالي عن طريق الاستمتاع بذلك النص والارتياح للمعنى واللفظ وترك نفسه على سجيتها.

وتؤكد النزعة العقلية عند ابن طباطبا أن قناة الاتصال الأساسية التي يعتمدها النص في حواره مع السامع هو الفهم الثاقب، أو الفهم الناقد فإذا كان النص الشعري عند صاحب عيار الشعر عملاً عقلياً خالصاً فإن تأثيره على المتلقي كذلك أيضاً، إن القصد من النص مخاطبة الفهم وأدواته في ذلك الحسن أو الجمال.

إن انفتاح السامع على فهم النص يؤدي إلى ابتهاجه وذلك عندما يتوافق النص مع الحالة العقلية له، فالنص الجميل يعزز تجارب السامع من نافذة الفهم الثاقب ويحدث ذلك اللقاء النفسي والعقلي بينهما فليست تخلو الأشعار من أن يقتص فيها أشياء هي قائمة في النفوس والعقول فيحسن العبارة عنها وإظهار ما يكمن في الضمائر منها فيبتهج السامع لما يرد عليها مما قد عرفه طبعه وقبله فهمه فيثار بذلك ما كان دفينا ويبرز به ما كان مكنونا فينكشف للفهم غطاؤه فيتمكن من وجدانه بعد العناء في نشدانه أو تودع حكمة تألفها النفوس وترتاح لصدق القول فيها وما أتت به التجارب منها أو تضمن صفات صادقة وتشبيهات موافقة وأمثالاً مطابقة تصاب حقائقها ويلطف في تقريب البعيد منها فيؤنس النافر الوحشي حتى يعود مألوفا محبوباً ويبعد المألوف المأنوس به حتى يصير وحشياً غريباً فإن السمع إذا ورد عليه ما قد مله من المعاني المكررة والصفات المشهورة التي كثر ورودها عليه مجه وثقل عليه وعيه.

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

إن هذه الفقرة الطويلة نسبياً تؤكد ما جاء سابقاً وهي تشرح فكرة ابن طباطبا عن الدور الذي يمارسه النص بمختلف مكوناته من خلال ولوجه نفس المتلقي وروحه من نافذة الوعي والفهم، وهنا يجب أن نؤكد أن هذه النزعة العقلية عند ابن طباطبا ينشأ عنها ذلك التلاقي بين النص وقارئه عند نقطة العقل وأنها تنظم ذلك الحوار الدائم بينهما إلا أن وسيلة النص إلى ولوج العالم العقلي للمتلقي هو الحسن والجمال لأن المدخل للفهم والممهد لتقبل الشعر حسن الوقع في الأذن وعذوبة اللفظ فالأول يؤدي إلى الطرب والطرب انفعال وتجاوب والثاني يؤدي إلى اتضاح المعنى وبيانه ويشبه الشعر بالغناء المطرب فهو مركب من اللفظ والمعنى واللحن المطرب، وإذا خلا من عنصر من هذه العناصر قل رونقه، ونقص قدره هذا الجمال الذي يؤثر في المتلقي يؤثر في الفهم كما تتأثر الحواس بما طبعت له ثم يؤدي إلى تلك اللذة المتمثلة في الفهم والطرب وهذا يقودنا إلى أول صفة من صفات النص الجميل وهي الاعتدال فالمتلقي يمتلك النص المعتدل جماليا كما تتقبل حواسه الأشياء المعتدلة فللأشعار الحسنة على اختلافها مواقع لطيفة عند الفهم لا تحد كيفيتها كمواقع الطعوم المركبة الخفية التركيب اللذيذة المذاق.

وقبل ولوج عالم النص الجميل عند ابن طباطبا يجب أن نعرج على قضيتين في الجانب التنظيري عنده، أما الأولى فهي الأثر الناتج عن امتلاك النص وهنا نرى ابن طباطبا يذهب بعيداً ويبين أن ثمة أثراً نفسياً بالإضافة إلى الالتذاذ الجمالي وهذا التأثير سببه أن عمل الشعر كعمل السحر أو الخمر في الإنسان فإذا ورد عليك الشعر اللطيف المعنى الحلو اللفظ التام البيان المعتدل الوزن مازج الروح ولاءم الفهم وكان أنفذ من نفث السحر وأخفى دبيباً من الرقى وأشد إطراباً من الغناء فسل السخائم وحلل العقد وسخى الشحيح وشجع الجبان وكان كالخمر في لطيف دبيبه وإلهائه وهزه وإثارته، وهذا الرأي يتفق كما يتضح مع رأي أرسطو ومن ثم الفلاسفة العرب الذين وضعوا آراء في النقد الأدبي كالفارابي بأن للشعر وظيفة تطهيرية وأثراً سلوكياً عند المستمع أو المتلقي فهو يزيل الشرور ويفك العقد بل نراه يتعدى ذلك إلى تشجيع الجبان وتسخية البخيل فعمل النص الجميل كعمل السحر والرقى والخمر يهز السامع ويثيره ويدفع نزوعه إلى السلوك والفعل ففي ضوء هذا الفهم للشعر، من حيث غايته أو مهمته يصبح للقصيدة مجموعة من الآثار تحدثها في المتلقي، أهمها بالقطع تغيير سلوك المتلقي نحو الأفضل، وأما القضية الثانية فهي أن ابن طباطبا يدخل أبعد من ذلك في جوانب التلقي إذ إن النص الجميل يؤدي إلى مشاركة السامع في إنتاجه أو إلى توقع القارئ ما يسمعه من خلال التساوق الجمالي والمعرفي بينهما أو بلغة نظرية التلقي التوافق بين أفق التوقع وأفق النص أو المكتوب فالقارئ بذلك يغدو وكأنه يدرك سابقاً ما سيسمعه فكلما كان النص جميلا ومعتدلاً أدى إلى امتلاكه والاستمتاع به ليضع المتلقي على ناصية التوقع وربما المشاركة فإذا كان الشعر على هذا التمثيل سبق السامع إلى قوافيه قبل أن ينتهي إليها راويه وربما سبق إلى إتمام مصراع منه. 

وهكذا نرى مما سبق أن منهج القراءة عند ابن طباطبا هو منهج لذة النص الناتجة عن وقعه وأثره في السامع وهي فكرة جديدة ومتقدمة زمنيا أرغمته على وضع مقاييس النص الجميل القادر على ممارسة هذا الفعل وهو ما سنوضحه.

3. النص الجميل عند ابن طباطبا؟ 

يضع ابن طباطبا مقومات للنص تجعل منه نصاً مثالياً فيؤدي وقعه على متلقيه إلى الالتذاذ والتأثر، ويمكن أن نضع لهذه المقومات عناوين رئيسية وهي الاعتدال والانسجام والوحدة وتنسحب هذه الصفات على مكونات النص الداخلية والخارجية بنسب بحسب كل مكون، ولعل صفة الاعتدال ناتجة عن النزعة العقلية عند ابن طباطبا وتؤدي مع الصفات الأخرى إلى حالة الامتلاك الجمالي للنص، فالمعاني يجب أن تكون صحيحة ولا يجب أن تباعد الحقيقة وهي إحدى ثلاثة أسس في النص الجميل الفاعل في المتلقي فإذا اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى وعذوبة اللفظ فصفا مسموعه ومعقوله من الكدر تم قبوله له لأن المعنى غير الصحيح علةً من علل الاضطراب ومن ثم القبح ينكره الفهم بمقدار هذا الاضطراب، لذلك فهو يؤكد أنه ينبغي للشاعر أن يتجنب الإشارات البعيدة والحكايات الغلقة والإيماء المشكل ويتعمد ما خالف ذلك ويستعمل من المجاز ما يقارب الحقيقة ولا يبعد عنها ومن الاستعارات ما يليق بالمعاني التي يأتي بها، ويعزز ذلك بأمثلة تبين حدود الحكاية الغلقة ويمثل لما يقترب من الحقيقة وكذلك يورد الأمثلة على الإيماء المشكل.

وهو يجعل من الغموض الناشئ عن التعريض والكناية ميزة جمالية في النص فهي من جانب تزيد النص لذة ومن جانب آخر يعرف فيها فضل القارئ الجيد فقد استحسن الغموض في موضعين اثنين من كتابه لا ثالث لهما: أولاً التعريض الذي يكون بخفائه أبلغ من التصريح الذي لا ستر دونه، وأما الموضع الثاني الذي استحسن فيه الغموض فليس يرجع الأمر فيه إلى الصياغة التعبيرية بقدر ما يرجع إلى المضمون الفكري والمرتبط بالعادات التي اندثرت ولعل هذا الخفاء الناشئ من التعريض والكناية وبعض صور المجاز مع القرب مع المشابه في بعضها الآخر: من استعارة وتشبيه قد يصنع عملاً فنياً ممتازاً، إذن فذكر هذه الأمور الخفية التي يزداد الشعر فيها غموضا جائز ولا عيب فيه على الشاعر ما دام يشير إلى الأمور الغامضة التي تضمنها والتي يمكن أن تعرف ويعرف بها فضل قارئها، فابن طباطبا مع الغموض الجمالي وليس مع الحكايات المغلقة والإشارات البعيدة فهو من سمات الجمال الأدبي وهنا يجب أن نتنبه إلى أن ابن طباطبا يدعو القارئ إلى البحث عن المعنى الغامض المتواري ولكنه يشترط على المبدع أن يشير إليه وعملية البحث هنا لا تتعدى فهم الإشارات ومتابعة الإيماءات للوصول إلى المعنى المعطى وهنا تعرف ميزة القارئ الخبير بالقراءة عن غيره، ولكن ابن طباطبا لا يدعو القارئ إلى المشاركة في إنتاج المعنى أي إن يملأ الفراغات بمعانيه الخاصة بل إن المعنى موجود ومشار إليه من قبل الكاتب إنه المعنى الذي وضعه المبدع وقام بستره وإخفائه وما مهمة القارئ الخبير سوى استنطاق الإشارات وفك الرموز ومتابعة الإيحاءات للكشف عن هذا المعنى.

إن الاعتدال الذي يطلبه ابن طباطبا يؤدي إلى وضع حد للتشبيه الجميل وهو التشبيه الصادق فأحسن التشبيهات ما إذا عكس لم ينتقض بل يكون كل مشبه بصاحبه مثل صاحبه ويكون صاحبه مثله مشتبها به صورة ومعنى، وربما أشبه الشيء الشيء صورة وخالفه معنى وربما أشبهه معنى وخالفه صورة وربما قاربه وداناه أو شامه وأشبهه مجازاً لا حقيقة، فما كان من التشبيه صادقاً قلت في وصفه كأنه أو قلت ككذا وما قارب الصدق قلت فيه تراه أو تخاله أو يكاد، فمن التشبيه الصادق قول امرئ القيس:

نظرت إليها والنجوم كأنها

مصابيح رهبان تشب لقفال

وابن طباطبا لا يغالي بهذه السمة فهو يؤكد كل حالة تجعل النص جميلا لذلك يترك للشاعر الحرية في التحرك ضمن مفهوم الاعتدال فهو يقبل الغلو كما رأينا ويجيزه في الاستعارة والتشبيه، حين توضع الموضع المناسب في النص بشرط أن يشير الشاعر إليها فلا تبقى غلقة على الفهم.

أما الانسجام فهو يوطئ لمفهوم الوحدة الجمالية الناشئة عن وحدة المفردات والمكونات الجمالية في القصيدة عند ابن طباطبا والانسجام من أهم أسس النص الجميل وهو ينتج من الترتيب والاتساق الداخلي ويبدأ من الانسجام بين اللفظ والمعنى بحيث يتلاءم كل منهما مع الآخر دون زيادة أو نقصان وإذ قد قالت الحكماء إن للكلام جسداً وروحاً فجسده النطق وروحه معناه فواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة لطيفة مقبولة مستحسنة مجتلبة لمحبَّة السامع له والناظر بعقله إليه مستدعية لعشق المتأمل في محاسنه والمتفرس في بدائعه، فيحسن جسماً ويحققه روحا أي يتقنه لفظاً ويبدعه معنى ويجتنب إخراجه على ضد هذه الصفة فيكسوها قبحا ويبرزه مسخاً، فالانسجام بين اللفظ والمعنى يعني أن يلبس المعنى لفظاً جميلاً فلا يجوز أن يكون اللفظ جميلا والمعنى قبيحاً ولا عكس ذلك، وهكذا نراه يذكر كثيراً من أمثلة الأشعار المحكمة الوصف المستوفاة المعاني السلسة الألفاظ الحسنة الديباجة وأمثلة لأضدادها ثم ينبه على الخلل الواقع فيها ويذكر الأبيات التي زادت قريحة قائليها فيها على عقولهم والأبيات التي أغرق قائلوها فيما ضمنوها من المعاني والأبيات التي قصروا فيها عن الغايات التي جروا إليها في الفنون التي وصفوها.

وفي هذا السياق من الحديث عن المعاني وضرورة انسجامها مع اللفظ والمناسبة نراه يضع الحدود التي تجعل المعنى جميلا في اتساقه مع اللفظ، فيؤكد ضرورة تحسين مفتتح القصائد وهو ما يجذب انتباه المتلقي ويفتح وعيه على سماع النص ولذلك يجب تجنب البدايات التي يكرهها السامع مما يتطير به أو يستجفى من الكلام والمخاطبات كذكر البكاء ووصف إقفار الديار وتشتت الآلاف ونعي الشباب وذم الزمان، لأن ذلك مما يؤدي إلى تطير السامع فالعمل الأدبي يهدف إلى إيصال رسالة الأديب لذلك يجب عليه أن يسعى إلى التجويد وشد انتباه المتلقي ومراعاة المناسبة وليتجنب التشبيب بامرأة يوافق اسمها اسم بعض نساء الممدوح من أمه أو قرابته أو غيرهما، وكذلك ما يتصل به سببه أو يتعلق به وهمه، وفي خطوة متقدمة في شرح الانسجام يؤكد ابن طباطبا على ضرورة انسجام الوزن والقافية مع المعنى واللفظ الحسن فالوزن يجب أن ينسجم مع المعنى واللفظ والقافية يجب أن لا تكون قلقة بل إننا نراه في نهاية كتابه يضع حدوداً للقوافي ووجوه تصرفها، فيقسمها إلى سبعة أقسام ويدع للشاعر التصرف فيها، إن الغاية من هذه الانسجامات هو ضرورة الاتساق الجمالي في النص فإن نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها وهي: اعتدال الوزن وصواب المعنى وحسن الألفاظ كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه.

إن الهدف النهائي من كل ذلك هو بلوغ النص المثالي جمالياً وهو النص المكتمل الناضج القادر على التأثير في المتلقي وهو نص متكامل لذلك ينبغي على الشاعر أن يتأمل تأليف شعره وتنسيق أبياته ويقف على حسن تجاورها أو قبحه فيلائم بينها لتنتظم له معانيها ويتصل كلامه فيها ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه وبين تمامه فضلاً من حشو ليس من ما هو فيه فينسي السامع المعنى الذي يسوقه القول إليه، كما أنه يحترز من ذلك في كل بيت فلا يباعد كلمة عن أختها ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها، ويتفقد كل مصراع هل يشاكل ما قبله، فالسامع يجب أن يبقى مشدوداً إلى كل أجزاء القصيدة فلا يفوته المعنى ولا يعكره اللفظ.

إن سعي النص إلى هذا المستوى من الانسجام هو سعي نحو التجويد والحسن وهو ما يوافق الأفكار الأساسية عند ابن طباطبا ومنهجه في التلقي القائم على امتلاك النص جماليا والالتذاذ والاستمتاع به لينتج عن ذلك الأثر النفسي، ويتوج ابن طباطبا آراءه في النص الجمالي بمفهوم الوحدة أي الكمال الناتج عن الاعتدال والانسجام ذلك أنه أحسن الشعر ما ينتظم فيه القول انتظاماً يتسق به أوله مع آخره على ما ينسقه قائله فإن قدم بيت على بيت دخله الخلل،وهذا الانتظام والتنسيق والترتيب يسعى بالقصيدة لأن تكون كلها كلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها نسجاً وحسناً وفصاحة وجزالة ألفاظ ودقة معان وصواب تأليف، ويكون خروج الشاعر من كل معنى يضيفه إلى غيره من المعاني خروجاً لطيفاً.

وهكذا يكون ابن طباطبا من النقاد الذين وضعوا رأياً نقدياً وجمالياً مهماً في القرن الرابع الهجري أسس فيه ما أتى بعده، فكان سابقاً لكثير من النقاد في نظرته إلى العلاقة بين النص وقارته فهو يبدأ من نقطة معاكسة في القراءة تتجه من النص إلى القارئ وتهتم بالوقع الناتج عن ورود النص على مستمعه جمالياً ونفسياً وسلوكياً ثم يتسع ليسبر أغوار ذلك الحوار الذي ينتج عنه منهج قائم على لذة النص بحق.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...