1. مقدمة إلى مناهج القراءة؟
أ. مدخل إلى نقد القرن الرابع الهجري : مع دخول القرن الرابع الهجري بدأ النقد الأدبي بالتمايز والتنوع والانفصال عن الدراسات اللغوية، والبلاغية والتاريخية رغم اعتماده في أدواته الإرث النقدي الذي سبق تلك المرحلة، وقد بدأت الثقافات الوافدة تتغلغل في الدراسات النقدية وهو ما أدى إلى تلونه بألوان مختلفة من اللغة والفلسفة وعلوم الكلام، بالإضافة إلى ظهور الدراسات النقدية التطبيقية التي ابتدأت بالكشف عن السرقات والمساوئ والعيوب وانتهت بالموازنة والمقايسة بين الشعراء مع سعي بعض النقاد إلى وضع قواعد علمية تنظم عمليات الإبداع وتضع حدودا للنص الأدبي وتقنن الأحكام.
وقد تأثر النقد في هذا القرن بما سبقه من الدراسات من خلال التزامه بقضايا النقد التي درج عليها النقاد السابقون وامتاز بالسعي نحو العلمية والابتعاد عن أحكام الذوق الفردية، مع النظرة العميقة في تحليل الظواهر الأدبية ويجمع نقاد القرن الرابع على اختلاف بيئاتهم النظر إلى الشعر على أنه مرتد إلى شيء أبعد من الوزن والقافية، وهم بعد ذلك متفاوتون في تقديم عنصر على آخر من العناصر التي يتكون منها العمل الشعري وأظهر البيئات التي يظهر بينها الاختلاف في النظر إلى الشعر وهو اختلاف يدخل في إطار الوحدة اللغويون والفلاسفة، أما اللغويون فيرون أن الشعر في المحل الأول وزن وقافية وأما الفلاسفة فالشعر عندهم في المقام الأول نشاط تخييلي.
وقد تعددت اتجاهات النقاد في ذلك القرن متأثرين بالحركة النقدية التي أثارتها عدة قضايا كقضية الطبع والصنعة التي مثلتها المعركة التي دارت بين أنصار القديم والمحدث، حول أبي تمام والبحتري إلى جانب قضية السرقات الأدبية وقضية اللفظ والمعنى ودراسات إعجاز القرآن،وقد كان للمعارك النقدية التي أدارها النقاد والشعراء النقاد أهمية في هذا السياق فقد ذكر الباحثون أن عدة نقاد ألفوا كتباً ورسائل نقدية للرد على كتاب تقد الشعر لقدامة بن جعفر على سبيل المثال، ونقد الأدب والشعر في القرن الرابع فريقان فريق كتب ونقد ووازن وحكم متأثراً بذوقه الأدبي وطبعه العربي وثقافته الخالصة من شوائب الثقافات الأخرى التي جرت جداول يم الثقافة الإسلامية الصميمة المتدفقة ومن هؤلاء الحاتمي الحسن بن بشر الآمدي، علي بن عبد العزيز الجرجاني، ابن وكيع، أبو بكر الباقلاني، أبو بكر الصولي، أبو الفرج الأصبهاني، وفريق آخر كتب بروح أدبي هذبت فكره ووسعت أفقه الثقافات الأخرى الذي هضمها القرن الرابع وأحالها غذاء عقليا لكل من توسع في الدراسة والبحث العميق ومن هذا الفريق قدامة بن جعفر، ابن العميد، الصاحب بن عباد، أبو هلال العسكري، والفريق الأخير يختلف نقده قوة وضعفا بحسب تمكن الطبع العربي من نفوس رجاله وأعلامه وتتفاوت منازلهم في الإجادة والإحسان بتفاوتهم في الذوق الأدبي الذي يعتد به في الحكومات الأدبية العادلة.
وبالإضافة إلى المؤلفات النقدية النظرية والبلاغية والتطبيقية فقد تضمنت المؤلفات اللغوية والنحوية والفلسفية بعض الآراء النقدية، وقد عنيت كتابات إعجاز القرآن بالنقد الأدبي مباشرة لأن الكلام المعجز تظهر ملكاته وطاقاته قياساً على الكلام البشري وقد تنوعت الأعمال النقدية في القرن الرابع بين ضروب مختلفة فمنها الكتب النظرية التي تطمح إلى تكوين رؤية متكاملة للعمل الإبداعي الشعري ومثالها كتابا قدامة بن جعفر وابن طباطبا العلوي نقد الشعر وعيار الشعر، ومنها كتب تطبيقية أساساً تتناول شعراء أو شاعراً وتخصص الكلام لتبيان المشكلات عامة في شعره أو أشعارهم ومقابلتها بما يستحسن والاحتكام إلى معايير يؤخذ بها في أثناء ذلك كله ومثالها كتابا الآمدي والقاضي الجرجاني الموازنة و الوساطة، وهناك كتب تتراوح بين هذين الضربين وذلك كما في عمل أبي هلال العسكري في الصناعتين والمرزباني في الموشح وتسلك الشروح العديدة للدواوين قديمها ومحدثها ضمن القسم التطبيقي أما الكتب الأخرى فهي كثيرة نعثر فيها على ملحوظات قيمة بين الحين والآخر تتصل بالنقد والشعر كما في الصاحبي لأحمد بن فارس، و الخصائص لأبي الفتح بن جني.
إن كثرة النقاد في القرن الرابع وتنوع مؤلفاتهم ومراجعهم الثقافية بالإضافة إلى إفادتهم من آراء من سبقهم من النقاد، أدت إلى تميز النقد ولعل أهم خصائصه آنذاك هي الخصوبة والغزارة واعتماد الذوق والفطرة مع التطلع نحو العلمية والإفادة من المنطق والفلسفة، لذلك نجد جدلاً قائماً بين أنصار الذوق وأصحاب النظرة العلمية الذين سعوا إلى تقنين النقد فقد كان معيار الذوق في النقد مقابلاً لمعيار الطبع في الإبداع وممثلاً لسجية التذوق والحكم المقابلة السليقة العرب في الإبداع إذ أصر أصحاب الطبع على أهمية الذوق وعلى تدعيم مكانته في فهم الأدب وعلى تسفيه كثير مما جاء به النقاد العلماء وعلى أن النقد صنعة لا بد فيها من طبع وقريحة كما لا بد في الأدب نفسه من طبع وقريحة ولا بد لهذا الطبع من خبرة وطول معاناة وأن هؤلاء العلماء واهمون حين يريدون أن يخوضوا في النقد بما عندهم من علم، وطرق في التفكير، هذا يعني أن أنصار الصنعة في الشعر كانوا يرون أن فهم الأدب وتذوقه يحتاج إلى قواعد علمية وطول مماحكة ونظر عميق لفهم المجازات والاستعارات والتشبيهات البعيدة والإشارات والإيماءات والصناعات الجديدة البعيدة عن السليقة العربية التي تحتاج إلى أكثر من الذوق السليم والحس المرهف لفهمها واستجادتها.
كذلك فإن ما يميز النقد في هذا القرن هو انصرافه إلى الغوص أعمق في الأطراف التي تكون العملية الأدبية المبدع والنص والمتلقي فنرى عنايتهم الشديدة بأهمية توجيه كتاب الشعر والخطباء ووضع قوانين الصياغة التي تنظم كتاباتهم، موضحين اختلاف الأمزجة بل إن القاضي الجرجاني يسهب في التفريق بين شعر وآخر على أساس اختلاف الشعراء موضحاً أثر البيئة والشخصية في عملية الإبداع الشعري، ولعل الأهمية الكبرى كانت في ولوجهم أعماق النص وذلك لمعرفة مواطن الجودة والرداءة من جانب ولتنظيم العلاقة بينه وبين متلقيه من جانب آخر فنراهم يلاحقون المعاني الجيدة والرديئة ويهتمون بحدوده التي تفرقه عن النثر ويتعقبون التشبيهات والاستعارات والمجازات وضروب العناصر المكونة لجمالياته من مطابقة وإشارة مع اهتمامهم بالأوزان والقافية.
وتلتقي الكتابة النقدية في هذا القرن مع الكتابات التي عنيت بدراسة إعجاز القرآن وهذا اللقاء كان أوضح ما يظهر عند نقطة البلاغة وأثر النص في المتلقي، ومن هذا اللقاء نرى أن كتاب الإعجاز عرجوا على النقد الأدبي وجعلوا نقد النصوص الشعرية من أسس كتابتهم وأدواتها وخلصت بعض أعمال البلاغيين لبيان جوانب الإعجاز والإفادة من أسس البلاغة والنقد لفهم النص المعجز وتبين أثره في القارئ ومثل هؤلاء أفضل تمثيل أبو هلال العسكري.
ويقودنا ذلك إلى الحديث عن الأهمية التي حظيت بها البلاغة لتغدو مكوناً ثقافياً وطاقة وظيفية تعمل على إيصال المعنى إلى القارئ مع الإشارة إلى أن علوم البلاغة كانت ما تزال في طور التداخل في فروعها أقصد علم البيان وعلم البديع وعلم المعاني، فهذه العلوم قد تمايزت وأخذت ملامحها في مرحلة زمنية متأخرة بعد ذلك،ونكاد نقول في هذا السياق إن البلاغة كانت الأساس المشترك في الدراسات النقدية فمن النقاد من عدها المرجع الأهم لثقافة الإبداع والتلقي ويبرزها النص في الوقت ذاته ومنهم من عدها طاقة نصية خالصة وهي الحامل الوحيد الرسالة المبدع الجمالية والفكرية وتحمل الوظيفة الإيصالية.
وكان للمتلقي أهمية كبرى لأنه غاية العمل الأدبي التي يسعى إلى إيصال الرسالة إليه، وقد كان حاضراً في أثناء وضعهم القواعد التي توجه عمل الأديب وتنظم النصوص،إلا أنهم لم يعنوا بوضع آلية علمية أو نفسية تصف الطريقة التي يلج فيها المتلقي عالم القصيدة ولم يصفوا العمليات التي تحدث في أثناء قراءته النص وإنما كان حضوره بمنزلة رقيب يقف خلف المبدع كالقارئ الضمني يوجه كتابته حسب توجهات المزاج الأدبي العام والخاص سواء أكانت مدحاً أم نسيباً أم رثاء فيؤدي به إلى الإجادة في عمله عن طريق تنقيح القصيدة وتحكيكها، بالإضافة إلى مهمة إطلاق الحكم الأدبي جودة ورداءة دون المشاركة في عملية تحقق النص.
كذلك فإن الآراء النقدية للفلاسفة ذهبت مباشرة إلى الأثر الذي يتركه الأدب وأجناس الفنون المختلفة في المتلقي فمبدأ تأثير الشعر على سلوك المتلقي مبدأ استقر في القرن الرابع مرتبطاً بفهم شامل عن أثر أنواع الفنون المختلفة في السلوك بما فيها الشعر والغناء والرسم وغيرها، وتحدد فهم هذا التأثير في ضوء ثلاثية الإدراك والنزوع والسلوك بمعنى أن أنواع الفنون تحدث حالات من الإدراك تؤدي إلى نزوع يعقبه سلوك.
إن هذه السمات هي ما يهمنا في دراستنا قضية التلقي في نقد القرن الرابع الهجري مع الإشارة إلى أن هذا النقد من الخصوبة والغنى وهو ما يطول الحديث عنه فهو يحمل كثيراً من السمات والميزات التي وطأ بها لما أتى بعده إلا أننا نكتفي بما يخدم القضية التي نقوم بدراستها ويتصل بها.
ب- التلقي ومناهج القراءة عند نقاد القرن الرابع : إن البحث عن الطرائق التي تلقى فيها النقاد العرب في القرن الرابع النصوص الأدبية من خلال قراءة أعمالهم النقدية التطبيقية أو رسائلهم التي حاولت إيجاد نظرية في الأدب أو في دروسهم البلاغية التعليمية يفتح الأبواب لمحاولة فهم آليات الاستقبال الأدبي وأدواته لمن يمثلهم كل ناقد من النقاد ففي تراثنا النقدي والبلاغي نصوص لا نستطيع أن نزعم وصولها إلى النضج الذي وصلت إليه هذه النظرية الحديثة أو أن أصحابها يصدرون عن وعي مماثل، ولكن تلك النصوص تتضمن إشارات مهمة تدل على وجود مناهج متنوعة في القراءة أغناها تنوع الرؤى النقدية لأن نقاد الأدب والمنظرين في البلاغة والباحثين في قضايا الإعجاز ، وظفوا ثقافتهم النقدية للنظر إلى العمل الأدبي كاملا دون إغفال طرف من أطرافها بل إنهم أكدوا غائيته وأهمية المتلقي فيه، وقد مثل كل ناقد من نقاد القرن الرابع اتجاهاً من اتجاهات الذوق العام في التلقي فمن مطبوعين إلى مصنوعين ومن أنصار اللفظ إلى أنصار المعنى لذلك فإن مناهج النقاد في القراءة لم تكن وليدة مزاج فردي لأن الثقافة الأدبية وهي الثقافة الشائعة في أمة تفاخر الأمم بلغتها تركت أثرها وأثر قضاياها على الرؤى المختلفة عند النقاد، وهذا ما يسوغ ولوج بيئات ثقافية أخرى عالم النقد الأدبي من فلاسفة ومتكلمين ولغويين وكتاب إعجاز.
وتتراوح النظرات النقدية القديمة في هذه القضية بين محاولات وضع قواعد للأحكام التقويمية للأدب والأدباء وتنظيم هذه الأحكام مع الاهتمام الواضح بالمتلقي ومستوى وعيه النقدي وذائقته بإبراز مكانته الاجتماعية والسياسية والثقافية وربما العرقية إذا ما تطور البحث إلى الحديث عن النص القرآني المعجز وإلى معرفة الطريقة التي يجب أن يحاور فيها المبدع ذلك المتلقي ومعرفة الشكل الأكمل لنص يجب أن يصل إلى القارئ باحترام قواعد الكتابة في الموضوعات الأدبية من مدح للخلفاء والوزراء وغزل ورثاء وهجاء بالإضافة إلى الحديث عن أثر الأدب في المتلقي، وهذا الاهتمام بالمتلقي كما يبرز لم يكن مجرداً وإنما جاء في ثنايا حديثهم عن المبدع وآليات الإبداع والشروط التي تجعل من الشاعر مجوداً أو تضعه في الطبقة العليا بين الشعراء أو من خلال تفكيك النص الأدبي وإضاءة مكامن الحسن والجودة فيه فعلى الشاعر أن يعتمد الوفق في تشبيهاته وحكاياته ويحضر لبه عند كل مخاطبة ووصف، فيخاطب الملوك بما يستحقونه من جليل المخاطبات ويتوقى حطها عن مراتبها وأن يخلطها بالعامة، كما يتوقى أن يرفع العامة إلى درجة الملوك، ويعد لكل معنى ما يليق به ولكل طبقة ما يشاكلها، وعليه بالإضافة إلى ذلك أن يسعى إلى الوصول إلى قلب المستمع بالتجويد والتحسين فتخير الألفاظ وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته فإن كان مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن وأدعى للقلوب إليه.
وعلى الرغم من أن المتلقي هو غاية العمل الأدبي إلا أن تنظير العرب القدماء كان يهدف إلى كشف الوجوه التي يتفاضل فيها المبدعون لذلك كنا نراهم يلاحقون المعاني وتواردها عندهم من خلال استقصائهم الحثيث السرقات الشعراء فقد كانوا يوازنون بينهم بحسب مراتبهم من العلم بصنعة الشعر فتشترك الجماعة في الشيء المتداول وينفرد أحدهم بلفظة تستعذب أو ترتيب يستحسن أو تأكيد يوضع موضعه أو زيادة اهتدى لها دون غيره فيريك المشترك المبتذل، في صورة المبتدع المخترع.
ويجعل شكري المبخوت حديث النقاد العرب عن مستويات المتلقين وضرورة مراعاة الكلام المقتضى الحال والإلحاح على مبدأ لكل مقام مقال في إطار حديثه عن المتقبل الضمني وهذا ما يدعو الشاعر إلى صقل قصيدته لإخراجها في أحسن وجه من الجودة ومراعاة المناسبة والمتلقي مدحاً أم هجواً أم فخراً أم غزلاً أم رثاء والهدف من هذا التجويد إنما يعود إلى أمرين:
أولهما تحقيق الأدب لوظيفته المركزية: وهي النفاذ إلى قلب السامع أو ما عبروا عنه بالتأثير والإقناع.
وثانيهما تحقيق القول الأدبي لغايات أخرى: وهي تنجر عن إصابة المبدع المرمى.