0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة (4.2مليون نقاط)

يضع الآمدي ت ۳۷۰هـ في كتابه الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري قضية الموازنة والحكم التقويمي في دائرة النقد التطبيقي وفق منهج واضح إذ يتبع خطوات محددة فقد أراد أن يبتكر أسلوبه ومنهجه في الحكم فكانت قراءته أشعار الطائيين محكومة بالموازنة الدائمة بينهما، وقد حاول الآمدي أن يكون حيادياً وموضوعياً من خلال منهجه في الموازنة بين الطائيين معتمداً على قاعدة دقيقة في قراءته عبر الاستقصاء واتباع المقارنة بين المتشابه في شعر كل من الشاعرين والفيصل عند الآمدي في هذا كله هو دقة النظر التاريخي وتقدير النواميس العامة التي تسير الحياة اللغوية والفنية معاً.

ويحاول الآمدي أن يوضح حياديته بشرح الطريقة التي سيتبعها في موازنته وذلك بأنه سيترك الحكم للقارئ وهو بذلك ينزع إلى منهج واضح في موازنته يقتصر على الموازنة دون الحكم وأنا أبتدئ بذكر مساوئ الشاعرين لأختم محاسنهما وأذكر طرفا من سرقات أبي تمام وإحالاته وغلطه وساقط شعره ومساوئ البحتري في أخذ ما أخذ من معاني أبي تمام وغير ذلك من غلطه في بعض معانيه، ثم أوازن من شعريهما بين قصيدة وقصيدة إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية ثم بين معنى ومعنى فإن محاسنهما تظهر في تضاعيف ذلك وتنكشف، ثم أذكر ما انفرد فيه كل واحد منهما فجود من معنى سلكه ولم يسلكه صاحبه، وأفرد بابا لما وقع في شعريهما من التشبيه وباباً للأمثال وأختم بهما الرسالة. 

إن هذا المنهج الذي يبتدعه الآمدي في موازنته بعد تتبع سرقات الشاعرين وأخطائهما وأغلاطهما أخذ الآمدي نحو القراءة الدقيقة ذلك أن الأخطاء والمساوئ مثل الإجادة والحسنات تبدأ من المستويات الصوتية واللغوية وتخترق المستويات التركيبية وتتبع الدلالات لتصل إلى قراءة القصيدة بشكلها النهائي الكلي، وهذا التنقل من مستوى إلى آخر، مع الربط والتأني ودقة النظر دعا بعض الباحثين إلى جعل الآمدي أول ناقد بنيوي وإلى جعل كتاب الموازنة كتاباً في النقد البنيوي، يقول الدكتور محمد رشاد محمد صالح في كتابه نقد الموازنة بين الطائيين: قبل أن نأخذ في دراسة الكتاب نرى من الضروري أن نشير إلى موقع الموازنة ككتاب بنيوي أوجد مدرسة نقد جديدة لم يسبق لها مثيل فهو أول كتاب جامع في تاريخ النقد عند العرب يعالج النقد الأدبي بشكل تحليلي وموضوعي وجزئي وقد بلغ فيه الجدل أقصى قوته مع طول نفس وقدرات منعدمة النظير ظهرت في المناورة والأخذ والرد في الكتابة، وهو أيضاً نقد شمولي استوعب جميع جوانب النقد الأدبي في تحليل مفصل وتعليل أدير فيه الحوار بين الشيء ونقيضه لحد سد ثغرات الخلاف، ولعل أهم ما فيه أنه لا يكتفي بإبراز الأخطاء اللغوية والفنية والقيمية في شعر الشاعرين في نقد دقيق بل يتبع هذا النقد أيضاً بنقد المقارنات ثم الموازنات التفصيلية بين أشعار الشاعرين وبين معانيهما ثم يردفهما بالحكم بالجودة والرداءة الشعريهما.

كما يجمع الباحثون بالإضافة إلى ذلك على أن الآمدي ناقد مطبوع ومصقول بثقافة الذوق العربي وهو وإن حاول أن يكون موضوعياً إلا أن حكمه الجمالي على قضية نقدية ما عند الشاعرين، يرجع إلى ثقافته الأدبية الواسعة التي تنهل مقاييسها من الطبع العربي فقد كان يميل إلى الطبع والذوق الشعر عنده صحة تأليف وعذوبة لفظ وسماحة عبارة والبلاغة عنده جمال اللفظ والأسلوب وموافقتهما للنهج العربي في صحة التأليف وجودته أما المعاني وسموها والحكمة وروعتها والخيال وجدته فهي ترف زائد عن الحاجة ولها نصيب من حسن الصنعة وبهائها، ولكن لا تتوقف عليها البلاغة، وقد كان الأمدي مدركاً بأن حكمه سيرجع به إلى هذا الرأي حين نبه القارئ على ذلك فهو يعلن من بداية كتابه أن من كان مطبوعاً على السليقة العربية فهو من أنصار شعر البحتري أما من كان من محبي الصنعة في الشعر فهو من أنصار أبي تمام.

وبهذا يتضح أمامنا عنوان آخر من عناوين القراءة عند الآمدي فهو بالإضافة إلى سمة الدقة في التتبع نراه يقيس على نهج عربي سابق وهو منهج الطبع والذوق الفطري الذي تمايز بعد ذلك ليصبح قاعدة نقدية يحتكم إلها بعض النقاد دعيت بعمود الشعر.

وعمود الشعر هذا أدى بالنقاد الذين اعتدوا به إلى قياس درجة الانحراف عنه وإصدار الحكم الجمالي تبعا لمقدار ذلك الانحراف فهو ليس إلا حكماً جمالياً يعبر عن لحظة اكتمال في الذوق الشعري، فبعد مرحلة التشبع بالتجارب السابقة يتحول عمود الشعر إلى معيار محدد لما يجب أن يكون عليه النص حتى يوسم بالشعرية ولما ينتظر القارئ من فعل الكتابة، وهو عقد ضمني يوجه إدراك المتقبل ويخط له سبل الفهم ويدله على أقوم مسالك القراءة، وذلك من خلال التواضع والاتفاق على مجموعة من المفاهيم والمصطلحات والإجراءات النقدية التي اتبعها من سبقهم حتى أصبحت سنة بين المبدعين والمتلقين يدخل بها المبدع وعي القارئ من بوابة التوقع أو النهج السابق الذي دخل إلى الذاكرة الإبداعية والنقدية وأصبح قالباً ومعيارا ثابتاً ويلج بها القارئ عالم النص من البوابة ذاتها.

الحكم وكسر أفق التوقع عند الآمدي؟ 

من التنبه إلى كل ذلك يمكن لنا أن نصف عملية القراءة والتلقي عند الأمدي، فإذا كانت سمتها الأولى هي الدقة في تتبع كل مستويات النص فإن الآلية التي يتبعها في الحكم هي قياس درجة الانزياح عن النهج العربي القديم، وإذا ذهبنا مع شكري المبخوت أبعد من ذلك في جعله عمود الشعر أفق الانتظار عند القارئ والناقد المطبوع، وعلى جعله نظاماً إحالياً يقاس عليه مدى تطابق النصوص مع انتظار الجمهور وما قد يطرأ على هذا الانتظار من خيبة برزت أساساً في الموقف من الشعر المحدث، فإنه يمكننا القول عن درجة الانزياح هذه بأنها المسافة الجمالية بين أفق التوقع وبين المكتوب أو بين أفق القارئ وأفق النص، وقد أصاب شكري المبخوت في قياسه عندما عد عمود الشعر العربي ممثلاً أفق التوقع ذلك أن هذا التمايز الذي جعل منه مقياساً للحكم الجمالي كان بسبب التأثير الكبير الذي أحدثته الصنعة أو لحظة العدول الجمالي كما يسميها في مستوى الإبداع والتلقي.

وهو يجعل عمود الشعر أفقاً للانتظار انطلاقاً من ثلاثة عوامل هي؛ 

١. أن عمود الشعر لدى النقاد القدامى يحدد الفرق بين الكلام العادي والكلام المغير من جهة ويحدد الصلة الممكنة بين العالم التخييلي الذي يعرضه النص على قارئه وبين تجربتهم المعيشية من جهة أخرى.

٢. أن عمود الشعر يكشف عن أنساق النصوص العميقة بتقنينه لما في الآثار من أشكال وأغراض يفترض وجودها لدى القارئ لحظة القراءة حتى يمكن التواصل الأدبي.

٣. أن عمود الشعر لا يعدو أن يكون قراءة لمدونة سابقة خرجت بها من تعدد أشكالها وفردية إنجازها إلى شكل عام مجرد وجدول من جداول الكتابة

واستناداً إلى ذلك يمكننا أن نسير مع الآمدي في كتاب الموازنة لنرى قراءته نصوص أبي تمام والبحتري في ضوء قياسه للمسافة الجمالية بين أفق التوقع والمكتوب وحكمه عليها من خلال انحرافها عن منهج الطبع العربي ليترك الحكم النهائي في التفضيل بين الشاعرين للقارئ العادي بعد أن يسلمه أدوات المفاضلة والقياس فهو يكتفي بالحكم على كل غرض من الأغراض الشعرية منفرداً ليترك القارئ أمام عملية شبه إحصائية لأحكامه المفردة لقضية محسومة النتائج بالنسبة له. 

القراءة عند الآمدي؟ 

كما ذكر الآمدي في منهج الكتاب فهو يذكر سرقات أبي تمام وساقط شعره وأغلاطه وإحالاته لذلك فإنه يبدأ بقراءته من تلك الزاوية التي ذكرنا أنها تعطيه مهمة الناقد الدقيق الذي يستقصي النصوص في كافة مستوياتها مستخدماً ميزان الطبع لقياس مسافة الانزياح عن المألوف والتي تعد ميزة الرداءة في الشعر فنراه يتتبع عيوب شعر أبي تمام ومنها غلطه بالمعاني كالخطأ في التشبيه والاستعارة فهو في قضية التصوير يطالب أبا تمام باتباع أهل الجاهلية والإسلام في تشبيهاته ما علمت أحدا من أهل الجاهلية والإسلام وصف الحلم بالرقة، فالآمدي يرى أن الخروج عما أسسه السابقون في الشعر هو ضرب من البدع والتصنيع غير المقبول وهو خروج عن المألوف الصحيح والاستعارة الصحيحة عنده هي ما جاءت على سنن العرب ومن ذلك قول طفيل الغنوي:

وجعلت كوري فوق ناجية

يقتات شحم سنامها الرحل

كأن جعله إياه قوتاً للرحل في أحسن الاستعارات وأليقها بالمعنى، فهذا مجرى الاستعارات في كلام العرب، ومن رديء استعارات أبي تمام قوله:

مقصر خطوات البث في بدني

علماً بأني ما قصرت في الطلب

فجعل للحزن خطى في بدئه قصيرة لما جعله سهلاً خفيفاً وهذا ضد المعنى الذي أراده لأن الخطى إذا طالت أخذت من الشيء الذي تمر عليه أقل مما تأخذ الخطى القصيرة فعلى هذا يجوز أن يقع قلبه أو كبده بين تلك الخطى الطويلة فلا يمسها من البث  وهو الحزن قليل ولا كثير، وهو كما نرى خروج عن سنن العرب في الاستعارة وهذه السنن عند الأمدي تحدد الجيد للقارئ، كذلك نراه يعيب على أبي تمام كثرة الحذف كقوله:

يدي لمن شاء رهن لم يذق جذعاً

في راحتيك درى ما الصاب والعسل

لفظ هذا البيت مبنى على فساد لكثرة ما فيه من الحذف، لأنه حذف إن، التي تدخل للشرط ولا يجوز حذفها لأنها إذا حذفت سقط معنى الشعر وحذف من، وهي الاسم الذي صلته لم يذق فاختل البيت وأشكل معناه،وهو بعد ذلك يضع عياراً للحذف ذلك أنه موجود في الشعر وهو ليس من ابتكارات أبي تمام إلا أن نهج العرب القدماء فيه مختلف والحذف لعمري كثير في كلام العرب إذا كان المحذوف مما تدل عليه جملة الكلام، لذلك فإن الإكثار من الحذف وعدم ترك ما يدل عليه في الكلام هو خطأ عند أبي تمام يؤدي إلى اختلال الشعر وغموض معناه.

ومن الأغراض التي خرج بها أبو تمام عمن سبقه من الشعراء العرب عند الآمدي المبالغة أو خروج الكلام إلى المحال والقياس عند الآمدي هنا يذهب إلى اعتبار أدنى درجات الانزياح عن النسق القديم، من قبيل الأغلاط ذلك أنه كان يمكن أن يبرر المبالغة ويجعلها لتأكيد المعنى فنراه معلقاً على قول أبي تمام:

بيوم كطول الدهر في عرضه مثله

ووجدي من هذا وهذاك أطول

فجعل للدهر وهو الزمان عرضاً وذلك محض المحال وعلى أنه ما كانت به إليه حاجة لأنه قد استوفى المعنى بقوله كطول الدهر فأتى على العرض في المبالغة، فهو يرفض الذهاب في نهجه إلى أي تعليل وقد صنف ذلك من مساوئ الشاعر وهذا احتكام غاية في التطرف وربما هو ضرب من التعصب على الشاعر إلا أن هذا النوع من القراءة لم يكن يعبر فقط عن رأي الآمدي وإنما هو رأي جملة من القراء الذين رفضوا التجديد والشعر المحدث المصنوع كما ذكر الآمدي في موازنته، ونراه كذلك يذهب في ذكر المساوئ إلى فساد الترتيب فمن أخطاء أبي تمام قوله:

وكلما أمست الأخطار بينهم

هلكى تبين من أمسى له الخطر

لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما

في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر

فالأوضاح هي البياض في الأطراف وقد يكون أيضاً في البهم وكذلك أيضاً الغرر قد توجد في البهم كثيرة وهذا فساد في ترتيب البيت لأنه ليس إذا وجدت شيات البهم وهي صغار الغنم أكثر ما في الخيل أو وجدت شيات الخيل أكثر ما في البهم كان ذلك موجباً لحمد الأوضاح والغرر وإنما كان يصح نظم الكلام لو لم توجد الأوضاح والغرر في البهم حتى تكون مخصوصة بالخيل.

ومن أخطاء معاني أبي تمام في منهج القراءة عند الآمدي استخدامه المعنى القبيح وكذلك الذهاب مذهب العامة في المعاني وهذا يدل على أن منهج الطبع، يرفض تطور اللغة، وخروجها عن قاعدة الفصاحة أي يرفض ذهاب الشعر باتجاه العامة من القراء وهبوطه عن المستوى اللغوي الجزل، ومنها الخطأ في وصف الفرس:

ما مقرب يختال في أشطانه

ملآن من صلف به وتلهوق

قوله ملان من صلف به يريد التيه والكبر وهذا من مذهب العامة في هذه اللفظة فأما العرب فإنها لا تستعملها على هذا المعنى وإنما تقول قد صلفت المرأة عند زوجها إذا لم تحظ عنده وصلف الرجل كذلك إذا كانت زوجته تكرهه.

ولعل أهم ما يختصر به الآمدي قراءته شعر أبي تمام هو خروجه عن عادات العرب وهذا يوضح أن الآمدي يجعل أي خروج عن سنة العرب الشعرية خروج عن السياق السليم والصحيح بل نراه يتابع أخطاءه في الحقائق فيجعل خروجه عن عاداتهم خروجا عن حقائق لا يمكن تكذيبها لأنها تكونت في رحم ذاكرته الأدبية والاجتماعية ومن ذلك قوله:

ظعنوا فكان بكاي حولاً بعدهم

ثم ارعويت وذاك حكم لبيد

أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها

بالدمع أن تزداد طول وقود

وهذا خلاف ما عليه العرب وضد ما يعرف من معانيها لأن المعلوم من شأن الدمع أن يطفئ الغليل ويبترد حرارة الحزن ويزيل من شدة الوجد ويعقب الراحة وهو في أشعارهم كثير موجود ينحى به هذا النحو من المعنى.

ولا يكتفي الأمدي في تتبع أغلاط أبي تمام ومساوئه في المعاني بل يذهب إلى قياس الظواهر الجمالية التي تضفي على الشعر حلية جمالية تزيينية مثل الجناس والطباق بمقياس الطبع أيضاً وكذلك يلاحق معاظلات أبي تمام وغريبه وحوشي كلامه وكذلك أخطاء الوزن والقافية والزحاف، فالآمدي يفضل المجانسة اللائقة المقتصرة على بيت أو بيتين ومثل هذا في أشعار الأوائل موجود لكن إنما يأتي منه في القصيدة البيت الواحد أو البيتان على حسب ما يتفق للشاعر، ويحضر في خاطره وفي الأكثر لا يعتمده وربما خلا ديوان الشاعر المكثر منه فلا ترى له لفظة واحدة، فاعتمده الطائي وجعله غرضه وبنى أكثر شعره عليه فلو كان قلل منه واقتصر على مثل قوله: يا ربع لو ربعوا على ابن هموم وقوله أرامة كنت مألف كل ريم، وقوله يا بعد غاية دمع العين لو بعدو وأشباه هذا من الألفاظ المتجانسة المستعذبة اللائقة بالمعنى لكان قد أتى على الغرض، وتخلص من الهجنة والعيب فأما أن يقول:

قرت بقرآن عين الدين وانتشرت

بالأشترين عيون الشرك فاصطلما. 

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

فإن انتشار عيون الشرك في غاية الغثاثة والقباحة وأيضاً فإن انتشار عيون الشرك ليس بموجب للاصطلام، وهذا المقبوس الطويل يبين فيه الآمدي رأيه بالوجه الصحيح الذي يفضله الطبع العربي إنه الابتعاد عن الصنعة في الشعر والاقتصار على الجماليات التي تأتي عفو الخاطر وهي القليلة فهو لا يرفض تلك الزينة بل يرفض كثرتها وجعلها غاية الشعر والشاعر، وفي طباقات أبي تمام يقول: فلو اقتصر الطائي على ما اتفق له في هذا الفن من حلو اللفظ وصحيح المعنى نحو قوله: نثرت فريد مدامع لم تنظم ونحو هذا مما يكثر إن ذكرته لتهذب عظم شعره وسقط أكثر ما عيب عليه منه، فهو كذلك ينكر على أبي تمام إكثاره من الطباق وذلك غير دارج في أشعار القدماء ويفضل مذهب الاقتصار على ما يأتي منه عفو الخاطر وما تجلبه السليقة بل إننا نراه يجعل الإكثار منه إكثاراً في العيوب والسقطات لأن الطبع والذوق العربي يمجه، ومن معاظلات أبي تمام قوله:

خان الصفا أخ خان الزمان أخاً

عنه فلم يتخون جسمه الكمد

وهذا التراكب في الكلام له أثر في معنى القصيدة، ولفظها فهو يغلق المعنى ويذهب بجمال الشكل فإذا تأملت المعنى مع ما أفسده من اللفظ لم تجد له حلاوة ولا فيه كبير فائدة لأنه يريد خان الصفا أخ خان الزمان أخاً من أجله إذا لم يتخون جسمه الكمد، وأما حوشي الكلام فإن أبا تمام كان لعمري يتتبعه ويتطلبه ويتعمل لإدخاله في شعره فمن ذلك قوله: أهلس أليس، ويقول معلقاً على هذا: فهاتان لفظتان مستكرهتان إذا اجتمعتا ثم لم يقتنع بأهلس أليس حتى قال في آخر البيت الليسا يريد جمع أليس.

إن أخطاء أبي تمام الموسيقية وزحافاته كذلك تذهب بجماليات شعره كما يراها منهج الآمدي في القراءة لذلك نراه يتتبعها كغيرها مدققاً مصححاً كقوله:

وأنت بمصر غايتي وقرابتي

بها وبنو أبيك فيها بنو أبي

وهذا من أبيات النوع الثاني من الطويل ووزنه فعولن مفاعیلن وعروضه وضربه مفاعلن فحذف نون فعولن من الأجزاء الثلاثة الأول وحذف الياء من مفاعيلن التي في المصراع الثاني وذلك كله يسمى المقبوض لأنه حذف خامسه.

وفي عرض الأمدي لأخطاء البحتري نلاحظ ما يدعم الرأي السابق وهو أن منهج القراءة عنده هو قياس مسافة الانزياح عن الطبع العربي أو انحراف أفق النص عن أفق التوقع أو عمود الشعر المعروف، ومما يدل على ذلك أولاً أننا لا نكاد نرى إلا ما قل من عيوب البحتري وهذا يعود إلى أن البحتري شاعر مطبوع يتبع الذوق ويكتب على نهج عربي قديم فنراه يعدد له بعض الأخطاء في المعاني وعيوب الوزن فمن أخطاء المعاني نجد الخطأ في الوصف كقوله:

ذنب كما سحب الرداء يذب عن

عرف وعرف كالقناع المسبل

هذا خطأ في الوصف: لأن ذنب الفرس إذا مس الأرض كان عيباً فكيف إذا سحبه، وإن الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يمسها كما قال امرؤ القيس: بضاف فويق الأرض ليس بأعزل. 

إذا فالمقياس أصبح واضحاً للغاية فوصف البحتري لذيل الفرس خاطئ لأنه يقيسه على قول امرئ القيس وهو خطأ في المعنى لأن العرب لا تصف الذيل بأنه ينسحب على الأرض، ومن أخطاء المعاني الحقائق المغلوطة والخارجة عن العرف العربي كقول البحتري:

هجرتنا يقظى وكادت على عا

داتها في الصدود تهجر وسنى

وهذا أيضاً عندي غلط لأن خيالها يتمثل لها في كل أحوالها كانت يقظى أو وسنى أو ميتة والجيد قوله:

أرد دونك يقظاناً، ويأذن لي

عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا

فصحح المعنى وأتى به على حقيقته، والمعنى الجيد كما نرى في قول الآمدي هو المعنى الصحيح والذي ينطبق على معرفة سابقة وحقيقة معلومة لدى المتلقي، ومن خطأ المعاني مخالفة عادات العرب كقول البحتري في مدح المعتز بالله:

لا العذل يردعه ولا

التعنيف عن كرم يصده

وهذا عندي أهجن ما مدح به خليفة وأقبحه ومن ذا يعنف الخليفة أو يصده، إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح،وهذا أيضاً يخرج عن السياق المألوف إلى الدرجة التي جعلت الآمدي يعتد بنهج القدماء الاجتماعي ويدخله في صميم النقد الأدبي وهذا تجاوز من قبله ومبالغة في تقديم عادات العرب وتقييد لإبداع الشاعر فالعرف الاجتماعي لا يمكن أن يحد من ملكات الشاعر ويضعف طاقة القصيدة إن منهج الآمدي يجعل كل أصل عربي مقياساً يُقاس عليه حتى وإن كان اجتماعياً.

ومن أخطاء المعاني خطأ البحتري في تصريف الكلمة ومعناها وأيضاً الابتعاد عن القصد كقوله:

قف العيس قد أدنى خطاها كلالها

وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها

هذا لفظ حسن ومعنى ليس بالجيد لأنه قال: قد أدنى خطاها كلالها أي قارب من خطوها الكلال وهذا كأنه لم يقف لسؤال الدار التي تعرض لأن كتاب يشفيه سؤالها وإنما وقف لإعياء المطى.

ويعلل الآمدي سبب كثرة أخطاء أبي تمام الشعرية في مقابل قلة أخطاء البحتري فأبو تمام يجهد نفسه في التصنيع إلى الدرجة التي يذهب فيها إلى التعقيد بينما يبقى البحتري على السجية والطبع العربي وهو يتنبه إلى ذلك ويذكر تفاوت نسبة الخطأ بين الشاعرين صراحة وما رأيت شيئا مما عيب به أبو تمام إلا وجدت في شعر البحتري مثله، إلا أنه في شعر أبي تمام كثير وفي شعر البحتري قليل، ويذكر من أخطاء البحتري أيضاً اضطراب الوزن وقد جاء في شعر البحتري بيت هو عندي أقبح من كل ما عيب به أبو تمام في هذا الباب وهو قوله:

ولماذا تتبع النفس شيئاً

جعل الله الفردوس منه بواء

وكذلك وجدته في أكثر النسخ، وهذا خارج عن الوزن والبيت من العروض هو البيت الأول من الخفيف فهو يؤكد تتبعه الخطأ في نسخ ديوان البحتري وهذا ما يميز منهجه في القراءة من دقة وتدقيق.

أما الجانب الثاني الذي يدل على نهج الآمدي في القراءة هو أنه يجعل البحتري من المطبوعين ويسير في نصوصه الشعرية ضمن السياق القديم أي ضمن أفق توقع القارئ ولا يخرج من ثم، عن عمود الطبع العربي وسجيته الشعرية ويبدو ذلك في معرض دفاعه عن عيوب البحتري التي أخذت عليه، وهو لا يعدها من العيوب فنراه يستجيدها ويسعى لتبرئة البحتري منها، ومن ذلك أنهم أنكروا عليه قوله:

ضحكات في إثرهن العطايا

وبروق السحاب قبل رعوده

وقالوا: أقام الرعود مقام العطايا وإنما ينبغي أن يقيم الغيوث مقام العطايا، وهذا جهل ممن قاله بمعاني كلام العرب ومعنى التمثيل في البيت صحيح، فالبحتري لم يخرج عن كلام العرب ومنتقديه من الجهلة الذين لا علم لهم بمعاني العرب، وفي هذا السياق نرى أنه إذا أراد التأكيد على جودة معنى عند البحتري إنما أعاده إلى التوافق مع ما قاله الشعراء قبله ومثل له بمعنى من عندهم من ذلك أنهم يعيبون عليه قوله:

متى أردنا وجدنا من يقصر عن

مسعاته أو فقدنا من يدانيه

والبيت عندي صحيح وغرض البحتري فيه معروف ومثله أو نحوه قول الأعشى:

وأخو النساء متى يشأ يصرمنه

ويعدن أعداء بعيد وداد

فما يجعل البحتري صحيحاً في معانيه هو أنه يقول كما قال الأعشى قبله وهذه المعاني يجب أن تكون معروفة لذلك فهي صحيحة وجيدة، فحكم الجودة عند الآمدي هو حكم ينبع من مدى التطابق بين أفق انتظار القارئ وأفق النص بين المنتظر والمكتوب بين جماليات النص وما درج عليه الأسلاف من الشعراء السابقين.

بقي أن نذكر أن الآمدي في قراءته نصوص البحتري وأبي تمام يبدي اهتمامه بالمتلقي مما جعله يرسم ملامح المتلقي القادر على القراءة الصحيحة للنص، فهو لا يرى أن كل إنسان قادر على القراءة الصحيحة للشعر ذلك أن النقد صناعة كالشعر ويجب أن تترك لمحترفيها وأصحابها وعلى الرغم من أنه يعمد إلى بث فكرة تعدد القراءات والاهتمام بها من خلال عدم قوله صراحة أي الشاعرين أجود مؤكدا على تفاوت القراء في الفهم فقد اكتفى بالموازنة دون إصدار حكم التفضيل تاركا هذه المهمة للقارئ من خلال ما تفضي إليه الفطنة والتمييز بعد إنعام النظر والتأمل، إلا أن حقيقة الأمر تقول إن الآمدي يحسم الأمر ويرجع الحكم بعد الموازنة إلى معياره الخاص من خلال رسمه معالم القارئ الناقد والقارئ الحق الذي يكون حكمه فوق كل الأحكام وهو الذي يجب العودة إليه والتعويل على حكمه بعد أن ينكر معرفة القارئ العادي ويحيله إلى القارئ المختص المتمرس إذ لا يجب أن يدعي كل إنسان العلم بالشعر والأدب ويجب العودة إلى أهل المعرفة في هذه الصناعة كما يرجعون إلى أهل العلم بالجواهر والجواري والثياب.

فعلى قارئ الشعر إذا أراد الحكم أن يرجع إلى أهل المعرفة بتلك الصناعة ولا يجب أن يكتفي بما يرتاح له من حسن في الوزن والقافية وما يشتمل عليه من معان وأمثال وحكم وينعته بالتقول والادعاء في هذا المجال فلم لا تصدق نفسك أيها المدعي وتعرفنا من أين طرأ لك الشعر أمن أجل أن عندك خزانة كتب تشتمل على عدة من دواوين الشعر وأنك ربما قلبت ذلك وتصفحته أو حفظت القصيدة والخمسين منه، فإن كان ذلك هو الذي قوى ظنك ومكن ثقتك بمعرفتك فلم لا تدعى المعرفة بثياب بدنك ورحل بيتك ونفقتك.

والآمدي لا يثق بحكم هذا القارئ ولا يجعله منازعاً للنقاد منهم والأئمة في هذه الصناعة ولكي يحظى هذا القارئ العادي المثقف بثقافة عادية بحكم صحيح، فما عليه إلا أن يفعل كما يوجهه الآمدي قائلا: "وبعد: فإني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بهذه الصناعة أو الجهل بها وهو أن تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض فإن عرفت علة ذلك علمت وإن لم تعرف فقد جهلت فالثقافة الوحيدة التي تمكن القارئ من الحكم الجيد كما يقول الآمدي هي ما جاء به القدماء وأئمة الشعر العربي وطباع العرب وسجاياهم وكل ما هو غير ذلك لن يسعف القارئ على سلوك الطريق الأصوب في الحكم فإن علمت من ذلك ما علموه ولاح لك الطريق التي به قدموا من قدموه وأخروا من أخروه فثق حينئذ بنفسك واحكم يسمع حكمك، وإن لم ينته بك التأمل إلى علم ذلك فاعلم أنك بمعزل عن الصناعة.

إن أهم ما نستنتجه من رسم الأمدي ملامح القارئ الحكم هو أنه يفرق بشدة بين مستويين من القراء كما نرى القارئ العادي المثقف بثقافة شعرية عادية وهو يستطيع أن يستمتع بالشعر من حيث هو وزن وقافية ومعنى جميل وحكم وأمثال وغير ذلك مما يقدمه الشعر من متعة جمالية ومعرفية وهذا القارئ جاهل في حكم التفضيل بين الشعراء ومعرفة أسباب الجودة والرداءة، أما المستوى الثاني من القراء فهم القراء النقاد الذين يمثلهم الآمدي وهم أئمة العلم بهذه الصناعة والذين يجب العودة إليهم والركون إلى معرفة الجيد من الرديء في صناعتهم كما أن القارئ العادي يمكن أن يتثقف بثقافتهم إذا أطال التأمل للحصول على علمهم فيكون منهم ويسمع حكمه بالشعر إذا حكم فمن سبيل من عرف بكثرة النظر في الشعر والارتياض فيه وطول الملابسة أن يقضى له بالعلم بالشعر والمعرفة بأغراضه وأن يسلم له الحكم فيه ويقبل ما يقوله ويعمل على ما يمثله ولا ينازع في شيء من ذلك إذ كان يجب أن يسلم لأهل كل صناعة صناعتهم ولا يخاصمهم فيها ولا ينازعهم إلا من كان مثلهم نظيرا في الخبرة وطول الدربة والملابسة، ولا يخفى على أحد، بعد ذلك أن هذا المستوى من القراء هم أصحاب الذوق العربي الذين يفضلون الشعر المطبوع ويؤوبون إلى القياس عليه عند النظر في أي قصيدة.

وبعد فإن الآمدي قد اتبع أسلوباً خاصاً في قراءته أشعار الطائيين ووضع أسساً لمنهجه وإن لم تكن جديدة إلا أنها لم تكن قد وضعت قبله كقاعدة استدلال للقراءة والحكم مهد به لمن أتى بعده من نقاد مطبوعين. 

أما أهم ما جاء به الآمدي في قضية التلقي ومناهج القراءة فيمكن اختصاره بما يلي: 

١. القراءة الدقيقة التي تجول في كل مستويات النص، التي تقترب من الوصف البنيوي. 

٢. آلية القراءة التي تعتمد قياس مسافة الانزياح والانحراف عن النهج العربي السابق أي عمود الشعر والطبع العربي وهي ما يسميه شكري المبخوت أفق التوقع.

٣. تعدد القراءات.

٤. رسم ملامح القارئ الناقد وتفريقه بين مستويين من القراء القارئ العادي الذي تعينه ثقافته وأدواته على قراءة شكلية بهدف المتعة والقارئ الناقد الذي يمكن الاطمئنان إلى حكمه لأن تأمله ومتابعته لأئمة الصناعة أفضيا به إلى معرفة نقدية تؤهله للحكم بعد المفاضلة وفصل الجيد عن الرديء في الشعر، وقراءته قراءة معرفية مدققة تتبع أصول الذوق العربي ومعرفة المستحب والمستكره من الأشعار.

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...