فإن انتشار عيون الشرك في غاية الغثاثة والقباحة وأيضاً فإن انتشار عيون الشرك ليس بموجب للاصطلام، وهذا المقبوس الطويل يبين فيه الآمدي رأيه بالوجه الصحيح الذي يفضله الطبع العربي إنه الابتعاد عن الصنعة في الشعر والاقتصار على الجماليات التي تأتي عفو الخاطر وهي القليلة فهو لا يرفض تلك الزينة بل يرفض كثرتها وجعلها غاية الشعر والشاعر، وفي طباقات أبي تمام يقول: فلو اقتصر الطائي على ما اتفق له في هذا الفن من حلو اللفظ وصحيح المعنى نحو قوله: نثرت فريد مدامع لم تنظم ونحو هذا مما يكثر إن ذكرته لتهذب عظم شعره وسقط أكثر ما عيب عليه منه، فهو كذلك ينكر على أبي تمام إكثاره من الطباق وذلك غير دارج في أشعار القدماء ويفضل مذهب الاقتصار على ما يأتي منه عفو الخاطر وما تجلبه السليقة بل إننا نراه يجعل الإكثار منه إكثاراً في العيوب والسقطات لأن الطبع والذوق العربي يمجه، ومن معاظلات أبي تمام قوله:
خان الصفا أخ خان الزمان أخاً
عنه فلم يتخون جسمه الكمد
وهذا التراكب في الكلام له أثر في معنى القصيدة، ولفظها فهو يغلق المعنى ويذهب بجمال الشكل فإذا تأملت المعنى مع ما أفسده من اللفظ لم تجد له حلاوة ولا فيه كبير فائدة لأنه يريد خان الصفا أخ خان الزمان أخاً من أجله إذا لم يتخون جسمه الكمد، وأما حوشي الكلام فإن أبا تمام كان لعمري يتتبعه ويتطلبه ويتعمل لإدخاله في شعره فمن ذلك قوله: أهلس أليس، ويقول معلقاً على هذا: فهاتان لفظتان مستكرهتان إذا اجتمعتا ثم لم يقتنع بأهلس أليس حتى قال في آخر البيت الليسا يريد جمع أليس.
إن أخطاء أبي تمام الموسيقية وزحافاته كذلك تذهب بجماليات شعره كما يراها منهج الآمدي في القراءة لذلك نراه يتتبعها كغيرها مدققاً مصححاً كقوله:
وأنت بمصر غايتي وقرابتي
بها وبنو أبيك فيها بنو أبي
وهذا من أبيات النوع الثاني من الطويل ووزنه فعولن مفاعیلن وعروضه وضربه مفاعلن فحذف نون فعولن من الأجزاء الثلاثة الأول وحذف الياء من مفاعيلن التي في المصراع الثاني وذلك كله يسمى المقبوض لأنه حذف خامسه.
وفي عرض الأمدي لأخطاء البحتري نلاحظ ما يدعم الرأي السابق وهو أن منهج القراءة عنده هو قياس مسافة الانزياح عن الطبع العربي أو انحراف أفق النص عن أفق التوقع أو عمود الشعر المعروف، ومما يدل على ذلك أولاً أننا لا نكاد نرى إلا ما قل من عيوب البحتري وهذا يعود إلى أن البحتري شاعر مطبوع يتبع الذوق ويكتب على نهج عربي قديم فنراه يعدد له بعض الأخطاء في المعاني وعيوب الوزن فمن أخطاء المعاني نجد الخطأ في الوصف كقوله:
ذنب كما سحب الرداء يذب عن
عرف وعرف كالقناع المسبل
هذا خطأ في الوصف: لأن ذنب الفرس إذا مس الأرض كان عيباً فكيف إذا سحبه، وإن الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يمسها كما قال امرؤ القيس: بضاف فويق الأرض ليس بأعزل.
إذا فالمقياس أصبح واضحاً للغاية فوصف البحتري لذيل الفرس خاطئ لأنه يقيسه على قول امرئ القيس وهو خطأ في المعنى لأن العرب لا تصف الذيل بأنه ينسحب على الأرض، ومن أخطاء المعاني الحقائق المغلوطة والخارجة عن العرف العربي كقول البحتري:
هجرتنا يقظى وكادت على عا
داتها في الصدود تهجر وسنى
وهذا أيضاً عندي غلط لأن خيالها يتمثل لها في كل أحوالها كانت يقظى أو وسنى أو ميتة والجيد قوله:
أرد دونك يقظاناً، ويأذن لي
عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا
فصحح المعنى وأتى به على حقيقته، والمعنى الجيد كما نرى في قول الآمدي هو المعنى الصحيح والذي ينطبق على معرفة سابقة وحقيقة معلومة لدى المتلقي، ومن خطأ المعاني مخالفة عادات العرب كقول البحتري في مدح المعتز بالله:
لا العذل يردعه ولا
التعنيف عن كرم يصده
وهذا عندي أهجن ما مدح به خليفة وأقبحه ومن ذا يعنف الخليفة أو يصده، إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح،وهذا أيضاً يخرج عن السياق المألوف إلى الدرجة التي جعلت الآمدي يعتد بنهج القدماء الاجتماعي ويدخله في صميم النقد الأدبي وهذا تجاوز من قبله ومبالغة في تقديم عادات العرب وتقييد لإبداع الشاعر فالعرف الاجتماعي لا يمكن أن يحد من ملكات الشاعر ويضعف طاقة القصيدة إن منهج الآمدي يجعل كل أصل عربي مقياساً يُقاس عليه حتى وإن كان اجتماعياً.
ومن أخطاء المعاني خطأ البحتري في تصريف الكلمة ومعناها وأيضاً الابتعاد عن القصد كقوله:
قف العيس قد أدنى خطاها كلالها
وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها
هذا لفظ حسن ومعنى ليس بالجيد لأنه قال: قد أدنى خطاها كلالها أي قارب من خطوها الكلال وهذا كأنه لم يقف لسؤال الدار التي تعرض لأن كتاب يشفيه سؤالها وإنما وقف لإعياء المطى.
ويعلل الآمدي سبب كثرة أخطاء أبي تمام الشعرية في مقابل قلة أخطاء البحتري فأبو تمام يجهد نفسه في التصنيع إلى الدرجة التي يذهب فيها إلى التعقيد بينما يبقى البحتري على السجية والطبع العربي وهو يتنبه إلى ذلك ويذكر تفاوت نسبة الخطأ بين الشاعرين صراحة وما رأيت شيئا مما عيب به أبو تمام إلا وجدت في شعر البحتري مثله، إلا أنه في شعر أبي تمام كثير وفي شعر البحتري قليل، ويذكر من أخطاء البحتري أيضاً اضطراب الوزن وقد جاء في شعر البحتري بيت هو عندي أقبح من كل ما عيب به أبو تمام في هذا الباب وهو قوله:
ولماذا تتبع النفس شيئاً
جعل الله الفردوس منه بواء
وكذلك وجدته في أكثر النسخ، وهذا خارج عن الوزن والبيت من العروض هو البيت الأول من الخفيف فهو يؤكد تتبعه الخطأ في نسخ ديوان البحتري وهذا ما يميز منهجه في القراءة من دقة وتدقيق.
أما الجانب الثاني الذي يدل على نهج الآمدي في القراءة هو أنه يجعل البحتري من المطبوعين ويسير في نصوصه الشعرية ضمن السياق القديم أي ضمن أفق توقع القارئ ولا يخرج من ثم، عن عمود الطبع العربي وسجيته الشعرية ويبدو ذلك في معرض دفاعه عن عيوب البحتري التي أخذت عليه، وهو لا يعدها من العيوب فنراه يستجيدها ويسعى لتبرئة البحتري منها، ومن ذلك أنهم أنكروا عليه قوله:
ضحكات في إثرهن العطايا
وبروق السحاب قبل رعوده
وقالوا: أقام الرعود مقام العطايا وإنما ينبغي أن يقيم الغيوث مقام العطايا، وهذا جهل ممن قاله بمعاني كلام العرب ومعنى التمثيل في البيت صحيح، فالبحتري لم يخرج عن كلام العرب ومنتقديه من الجهلة الذين لا علم لهم بمعاني العرب، وفي هذا السياق نرى أنه إذا أراد التأكيد على جودة معنى عند البحتري إنما أعاده إلى التوافق مع ما قاله الشعراء قبله ومثل له بمعنى من عندهم من ذلك أنهم يعيبون عليه قوله:
متى أردنا وجدنا من يقصر عن
مسعاته أو فقدنا من يدانيه
والبيت عندي صحيح وغرض البحتري فيه معروف ومثله أو نحوه قول الأعشى:
وأخو النساء متى يشأ يصرمنه
ويعدن أعداء بعيد وداد
فما يجعل البحتري صحيحاً في معانيه هو أنه يقول كما قال الأعشى قبله وهذه المعاني يجب أن تكون معروفة لذلك فهي صحيحة وجيدة، فحكم الجودة عند الآمدي هو حكم ينبع من مدى التطابق بين أفق انتظار القارئ وأفق النص بين المنتظر والمكتوب بين جماليات النص وما درج عليه الأسلاف من الشعراء السابقين.
بقي أن نذكر أن الآمدي في قراءته نصوص البحتري وأبي تمام يبدي اهتمامه بالمتلقي مما جعله يرسم ملامح المتلقي القادر على القراءة الصحيحة للنص، فهو لا يرى أن كل إنسان قادر على القراءة الصحيحة للشعر ذلك أن النقد صناعة كالشعر ويجب أن تترك لمحترفيها وأصحابها وعلى الرغم من أنه يعمد إلى بث فكرة تعدد القراءات والاهتمام بها من خلال عدم قوله صراحة أي الشاعرين أجود مؤكدا على تفاوت القراء في الفهم فقد اكتفى بالموازنة دون إصدار حكم التفضيل تاركا هذه المهمة للقارئ من خلال ما تفضي إليه الفطنة والتمييز بعد إنعام النظر والتأمل، إلا أن حقيقة الأمر تقول إن الآمدي يحسم الأمر ويرجع الحكم بعد الموازنة إلى معياره الخاص من خلال رسمه معالم القارئ الناقد والقارئ الحق الذي يكون حكمه فوق كل الأحكام وهو الذي يجب العودة إليه والتعويل على حكمه بعد أن ينكر معرفة القارئ العادي ويحيله إلى القارئ المختص المتمرس إذ لا يجب أن يدعي كل إنسان العلم بالشعر والأدب ويجب العودة إلى أهل المعرفة في هذه الصناعة كما يرجعون إلى أهل العلم بالجواهر والجواري والثياب.
فعلى قارئ الشعر إذا أراد الحكم أن يرجع إلى أهل المعرفة بتلك الصناعة ولا يجب أن يكتفي بما يرتاح له من حسن في الوزن والقافية وما يشتمل عليه من معان وأمثال وحكم وينعته بالتقول والادعاء في هذا المجال فلم لا تصدق نفسك أيها المدعي وتعرفنا من أين طرأ لك الشعر أمن أجل أن عندك خزانة كتب تشتمل على عدة من دواوين الشعر وأنك ربما قلبت ذلك وتصفحته أو حفظت القصيدة والخمسين منه، فإن كان ذلك هو الذي قوى ظنك ومكن ثقتك بمعرفتك فلم لا تدعى المعرفة بثياب بدنك ورحل بيتك ونفقتك.
والآمدي لا يثق بحكم هذا القارئ ولا يجعله منازعاً للنقاد منهم والأئمة في هذه الصناعة ولكي يحظى هذا القارئ العادي المثقف بثقافة عادية بحكم صحيح، فما عليه إلا أن يفعل كما يوجهه الآمدي قائلا: "وبعد: فإني أدلك على ما ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بهذه الصناعة أو الجهل بها وهو أن تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض الشعراء على بعض فإن عرفت علة ذلك علمت وإن لم تعرف فقد جهلت فالثقافة الوحيدة التي تمكن القارئ من الحكم الجيد كما يقول الآمدي هي ما جاء به القدماء وأئمة الشعر العربي وطباع العرب وسجاياهم وكل ما هو غير ذلك لن يسعف القارئ على سلوك الطريق الأصوب في الحكم فإن علمت من ذلك ما علموه ولاح لك الطريق التي به قدموا من قدموه وأخروا من أخروه فثق حينئذ بنفسك واحكم يسمع حكمك، وإن لم ينته بك التأمل إلى علم ذلك فاعلم أنك بمعزل عن الصناعة.
إن أهم ما نستنتجه من رسم الأمدي ملامح القارئ الحكم هو أنه يفرق بشدة بين مستويين من القراء كما نرى القارئ العادي المثقف بثقافة شعرية عادية وهو يستطيع أن يستمتع بالشعر من حيث هو وزن وقافية ومعنى جميل وحكم وأمثال وغير ذلك مما يقدمه الشعر من متعة جمالية ومعرفية وهذا القارئ جاهل في حكم التفضيل بين الشعراء ومعرفة أسباب الجودة والرداءة، أما المستوى الثاني من القراء فهم القراء النقاد الذين يمثلهم الآمدي وهم أئمة العلم بهذه الصناعة والذين يجب العودة إليهم والركون إلى معرفة الجيد من الرديء في صناعتهم كما أن القارئ العادي يمكن أن يتثقف بثقافتهم إذا أطال التأمل للحصول على علمهم فيكون منهم ويسمع حكمه بالشعر إذا حكم فمن سبيل من عرف بكثرة النظر في الشعر والارتياض فيه وطول الملابسة أن يقضى له بالعلم بالشعر والمعرفة بأغراضه وأن يسلم له الحكم فيه ويقبل ما يقوله ويعمل على ما يمثله ولا ينازع في شيء من ذلك إذ كان يجب أن يسلم لأهل كل صناعة صناعتهم ولا يخاصمهم فيها ولا ينازعهم إلا من كان مثلهم نظيرا في الخبرة وطول الدربة والملابسة، ولا يخفى على أحد، بعد ذلك أن هذا المستوى من القراء هم أصحاب الذوق العربي الذين يفضلون الشعر المطبوع ويؤوبون إلى القياس عليه عند النظر في أي قصيدة.
وبعد فإن الآمدي قد اتبع أسلوباً خاصاً في قراءته أشعار الطائيين ووضع أسساً لمنهجه وإن لم تكن جديدة إلا أنها لم تكن قد وضعت قبله كقاعدة استدلال للقراءة والحكم مهد به لمن أتى بعده من نقاد مطبوعين.
أما أهم ما جاء به الآمدي في قضية التلقي ومناهج القراءة فيمكن اختصاره بما يلي:
١. القراءة الدقيقة التي تجول في كل مستويات النص، التي تقترب من الوصف البنيوي.
٢. آلية القراءة التي تعتمد قياس مسافة الانزياح والانحراف عن النهج العربي السابق أي عمود الشعر والطبع العربي وهي ما يسميه شكري المبخوت أفق التوقع.
٣. تعدد القراءات.
٤. رسم ملامح القارئ الناقد وتفريقه بين مستويين من القراء القارئ العادي الذي تعينه ثقافته وأدواته على قراءة شكلية بهدف المتعة والقارئ الناقد الذي يمكن الاطمئنان إلى حكمه لأن تأمله ومتابعته لأئمة الصناعة أفضيا به إلى معرفة نقدية تؤهله للحكم بعد المفاضلة وفصل الجيد عن الرديء في الشعر، وقراءته قراءة معرفية مدققة تتبع أصول الذوق العربي ومعرفة المستحب والمستكره من الأشعار.