0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

ترتكز نظرية التلقي على أهمية إيصال المادة الأدبية وتقليبها على وجوهها لإدراك أبعادها الجمالية والمعرفية، لذلك فهي تصب اهتمامها على آلية الاستجابة والأدوات التي يحملها المتلقي عندما يواجه نصاً ما، فالظاهرة الجمالية تطلب حساسية المتلقي ومستقبلات ذوقية ينتج عنها استثارة انفعالاته الجمالية وجذب اهتمامه إلى تلك المادة، ثم الغوص في البواطن المعرفية من خلال ملكة الوعى ومرجعياته النقدية والثقافية، فللتلقى غاية جمالية ومعرفية تشترك في تحصيلها الحواس والثقافة والتأمل والخيال، والمتلقي يعيد بناء الأثر المعرفي في النص ولكنه في الوقت ذاته يتذوق أبعاده الجمالية.

إن تذوق العمل الأدبي يمثل المرحلة الأولى في تلقيه مرحلة الدهشة التي تغيب معها السلطة المعرفية للعقل بقياساته ومنطقه وأحكامه الصارمة فالذوق يساير ما يشعر به المتلقي أمام الاحتمالات الجمالية الموجودة في العمل الأدبي، وكلما تطابق الموقف العاطفي والوجداني في العمل مع مقابلاتها عند المتلقي تثار عواطفه وذكرياته وانتباهه، وهو ما يؤدي إلى محاكاة الأبعاد الجمالية التي تمثل أمامه، ولكن الوعي يبحث عن المعنى الذي يمثل الغاية المعرفية في عملية الإيصال والمعنى ينتج من تركيب الصور في عملية واعية قوامها التأمل والتخيل ثم المقارنة والقياس مع ما يختزنه العقل من تجارب سابقة. 

وتحمل ثقافة المتلقي أهمية كبرى في هذا العمل لأنها الرافد الأساسي في كل عمل ذهني، وكما أن المبدع بحاجة إلى ثراء ثقافي وخيالي لكتابة النص الأدبي فكذلك المتلقي يعبر عن أنه يعي ذاته ويعي الآخر، من خلال تمثله تلك الحالة الثقافية في أثناء تلقيه العمل فالتلقي حالة من التوازن الجمالي والثقافي بين المبدع والمتلقي، والقراءة ليست ثابتة أو نهائية بل تتبع المتلقي، والعوامل المؤثرة في القراءة وتهتم بالنص وبالإمكانات المختزنة فية وبانفتاحة أو انغلاقه أمام القارئ، فالتلقي يختلف باختلاف هذه العوامل لأن تغير ظروف القراءة قد يؤدي إلى فهم أوسع أو أضيق، وهكذا فالقراءة تغاير مفهوم الفهم النهائي، ويقوم النص بما يخفيه من الدلالات في تعميق هذه المغايرة، فالنصوص ليست على السوية ذاتها في مثولها أمام القارئ، فثمة نصوص واضحة، ونصوص أقل وضوحاً، ونصوص ممتنعة لا تمنح مفاتيحها لكل القراء.

انطلاقاً من العلاقة بين النص وقارئه وهي علاقة محكومة بمجموعة من العمليات النفسية والذهنية يشترك فيها قراء الأدب على اختلاف ثقافاتهم وعصورهم الزمنية، بدأ اهتمامي بنظرية التلقي وهي نظرية تفسر تلك العمليات وتضع منظومة من القواعد والمفاهيم النظرية التي تساعد على فهم عمليات التذوق والاستجابة والوعي ومحاولة إدراك الحدث الذي ينشأ من خلال القراءة، وهذا ما دفعني إلى محاولة فهم هذه النظرية ومعرفة الطرائق التي تنظر من خلالها إلى عمليات التلقي ومعرفة أبعادها المرجعية والنظرية والتاريخية التي صدرت عنها فوجدت أنها تستلهم مادتها من تاريخ الفلسفة والنقد وعلم الجمال مع خلو تلك المصادر من إشارات تدل على مشاركة النقد العربي القديم في وضع أسس تلك النظرية.

وتأتي أهمية البحث من أنه يحاول أن يرفد سلسلة الدراسات التي وضعت لفهم أسس نظرية الأدب في النقد العربي القديم، ويحاول الإجابة عن الأسئلة التي تؤدي إلى وضع المفاهيم النقدية في موضعها التاريخي الصحيح لتاريخ النقد عامة، فالنقد مثل الأدب يخضع لعملية التأثر والتأثير وذلك بسبب تكامل المعارف الإنسانية، وقد دفعني ذلك إلى دراسة التلقي في النقد العربي القديم سعياً لمعرفة الطرائق التي تلقى فيها النقاد العرب الأدب، والأسس التي انطلقوا منها في قراءتهم، والنتائج التي انتهوا إليها ومقارنتها بالمقولات النقدية الحديثة لنظرية التلقي بهدف معرفة ما أسهم فيه النقد العربي، وما أضافه إلى أسس التلقي، وما سبق فيه النظرية الحديثة، وقد وضعت الحدود الزمنية للبحث في القرن الرابع الهجري لأنه يمثل مرحلة من مراحل النشاط النقدي التي تعطينا تصورا عن النقد العربي القديم فقد نضجت فيه الدراسات النقدية العربية وتنوعت روافدها الثقافية وتعددت أشكالها وفرضياتها، إذا أفادت من المراحل السابقة وأسست ما جاء بعدها.

ولعل أهم العقبات التي وجدتها في أثناء البحث هو قلة المادة النقدية التي تبحث في نظرية التلقي في النقد العربي القديم، بسبب خلوه من مفهوم نقدي مشابه اصطلاحيا، وهو ما دفعني إلى الاعتماد على المفاهيم النقدية المعروفة وقضاياها، لمحاولة وصف الأفعال المشابهة لفعل التلقي واستنباطها من المقولات النقدية القديمة أي إن المادة البحثية التي استندت إليها الدراسة هي النقد النظري، أما أهم الدراسات التي اقتربت من موضوع هذا البحث فهي:

١- قضية التلقي في النقد العربي القديم للدكتورة فاطمة البريكي

٢- التلقي الجمالي في النقد العربي القديم شعر المتنبي نموذجاً في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وهي رسالة ماجستير من إعداد الطالبة سماح عدنان أورنة، وإشراف الدكتور علي أبو زيد.

٣- قراءة النص وجماليات التلقي، للدكتور محمود عباس عبد الواحد.

٤- جماليات الألفة، للدكتور شكري المبخوت.

أما الدراستان الأولى والثانية فهما في النقد التطبيقي فقد قامت الدكتورة فاطمة البريكي بدراسة التلقي في النقد التطبيقي عند النقاد والبلاغيين وعند المفسرين وعند شراح الدواوين الشعرية، وقامت الطالبة سماح أورنة بدراسة التلقي التطبيقي لأشعار المتنبي وقد قدمت له بدراسة نظرية هدفت من خلالها إلى تأصيل المفهوم، والبحث عن مدلولاته في النقد العربي القديم، ثم تحدثت عن محاور التلقي وهي عندها الشاعر والنص والمتلقي، وشرحت فيها أدوات الشاعر التي يجب أن يمتلكها بالإضافة إلى موهبته الشعرية، ثم قامت بالتعريف بالنص الشعري، وتحدثت عن الوضوح والغموض، والصدق والكذب، وأثر ذلك في المتلقي، وتحدثت في محور المتلقي عن مراتب المتلقين سواءً أكانوا أفراداً من عامة الناس، أم من الخاصة مثل الخلفاء والأمراء والوزراء، وطبيعة أحكام المتلقي الأدبية، وفي الفصل الثاني تناولت أنواع المتلقي الصريح والضمني وأثره في شعر الشاعر، وتحدثت في الفصل الثالث عن جماليات التلقي إذ رصدت بعض ظواهر الإحساس في الجمال عند ثلاثة نقاد أحدهم يمثل القرن الرابع الهجري وهو ابن طباطبا العلوي. 

أما دراسة الدكتور محمود عباس عبد الواحد فهي دراسة مقارنة بين نظرية التلقي وبين مظاهرها في النقد العربي القديم حول تأصيل المفهوم، وتحدث عن تطور فلسفة التلقي في مذاهب النقد الغربي كذلك تحدث عن محاور التلقي في النقد، فدرس لغة النص عند ابن قتيبة وعبد القاهر الجرجاني والعقاد وتابع الحديث عن المتلقي وذوقه الجمالي وعن صاحب النص وعن طريقة تلقي الأدب وعلاقته بالجمهور بشقيه المسموع والمقروء.

وتعد دراسة الدكتور شكري المبخوت من أهم الدراسات التي احتفلت بنظرية التلقي في النقد العربي القديم، وما تتميز به أنها دراسة نظرية معيارية انطلقت أساساً من مفاهيم نظرية التلقي ومقولاتها في النقد الحديث، فقامت بقياس مفاهيم النقد العربي القديم وتطورها بما يوافق مفاهيم نظرية التلقي فكان عمود الشعر أفقاً للانتظار، والنص المحدث لحظة العدول الجمالي، وتحدث عن سنة القراءة وتداخل آفاق الانتظار وبين في دراسته أنماط المتقبل ووظائفه، والمتقبل الضمني والصريح في النقد القديم، فهي دراسة تقحم مفاهيم نظرية التلقي في النقد العربي القديم. 

وقد أفدت من هذه الدراسات جميعاً، غير أن البحث الذي أقدمه، يختلف عنها في أنه ينطلق من مفاهيم النقد العربي القديم في القرن الرابع الهجري، ومناهج القراءة عند نقاده، ويحاول وصف عمليات التلقي عندهم دون إقحام المفاهيم والاصطلاحات النقدية الحديثة فيها، سعيا لفهم طرائق التلقي العامة آنذاك، انطلاقا من تجاربهم النقدية التي تتميز بخصوصية الثقافة والعصر، وهي دراسة اهتمت بالنظرية الأدبية، ولم تتطرق إلى الجانب التطبيقي، إلا بما يخدم الدراسة، بهدف الشرح ووضع الأمثلة، وذلك لأن الدراسات السابقة كانت وافية في وضع صورة لعمليات التلقي في النقد العربي القديم، بشكلها التطبيقي ولاسيما بحث الدكتورة فاطمة البريكي، وبحث الطالبة سماح أورنة.

أما المنهج الذي اتبعته في الدراسة، فهو المنهج الوصفي، إذ قمت باستقراء مناهج القراءة، ومعايير التلقي في النقد العربي في القرن الرابع، مع تحليل المعطيات بهدف تشكيل رؤية واضحة للتلقي مع الاستعانة بأدوات المنهج المقارن، لمعرفة مدى تقارب المفاهيم والاصطلاحات والطرائق، بين نظرية التلقي بشكلها الحديث، وبين مناهج النقاد في القرن الرابع الهجري وقد ابتعدت عن استخدام المنهج التاريخي، بسبب عدم وجود مفهوم واضح للتلقي يساعد على تتبع أسسه ومعطياته وتطوره التاريخي في النقد القديم.

وقد سار البحث باتجاه بلوغ الغاية وهي رسم ملامح التلقي في النقد العربي القديم، فجاء في مقدمة ومدخل إلى نظرية التلقي وثلاثة فصول وخاتمة، وقد ذيلت البحث بقائمة المصادر والمراجع التي أغنت البحث، أما المدخل إلى نظرية التلقي، فقد تتبعت فيه أهم المراحل التي مرت بها، فرضيات التلقي، حتى أخذت شكلها النهائي في العصر الحديث في مدرسة كونستانس الألمانية، ثم تحدثت عن أهم المدارس التي أثرت في شكلها الفكري الحديث وأغنته، وهي مدرسة الشكلانيين الروس، والظاهراتية في الأدب، وسوسيولوجيا الأدب، وتحدثت عن أهم المفاهيم عند أعلامها وهما: هانز روبيرت ياوس، وفولفجانج إيزر.

أما الفصل الأول فقد كان لدراسة مناهج القراءة والتلقي عند أهم نقاد القرن الرابع الهجري، من خلال وصف الطرائق التي قاموا بقراءة الأشعار فيها، في مؤلفاتهم النقدية، ومن خلال تتبع مقولاتهم التي تقارب مفاهيم نظرية التلقي في النقد الحديث. فكان لكل منهم منهجه الذي يقترب في بعض مظاهره من غيره من النقاد، ويختلف في الوقت ذاته باتجاه تكوين منهج خاص، غير أنني وجدت أن أكثر ما اغتنت فيه مناهجهم آنذاك هو النص الأدبي ومكوناته مع الاهتمام بثقافة المتلقي، ورسم ملامح القارئ الناقد.

أما الفصل الثاني، فقد قمت فيه بدراسة التلقي على قاعدة إصدار حكم الجودة، فكان لتوضيح أسس القراءة التقويمية عندهم، بوصفها أهم النقاط التي التقى عندها النقاد، في تلقيهم الأدب مع ملاحظة المرجعيات الذوقية والمعيارية لتلك القراءة، ثم بينت أهم الخبرات التي اعتمدها النقاد في إصدار أحكامهم على الأدب والأديب.

وفي الفصل الثالث بحثت عن أثر مكونات النص في عملية التلقي، وتوضيح أثر الثقافة التي يصدر الناقد عنها، في مواجهة النص ومكوناته. فمكونات النص تحمل المعطيات الجمالية والمعرفية، التي تعد حاملاً لوظائف النص في حوارها مع المتلقي في أثناء قراءة الأدب فتسهم في تلقيه، وقمت في هذا السياق بالحديث عن أهم تلك المكونات وهي: التشكيل الجمالي، والصورة، والدلالة والوزن والقافية، عموماً، مع وضع الأمثلة والشواهد من نظرياتهم النقدية. 

وبحثت عن الأثر الذي تتركه ثقافة النقاد في قراءتهم النصوص وحوارهم مع مكوناتها، عبر الكشف عن الطريقة التي نظروا بها إلى النص ووظائفه، ومعرفة الأدوات التي سلحتهم بها تلك الثقافة في مواجهة النص، إذا افترضت أن كل ناقد من النقاد، يتسلح عند تلقيه الأدب، بمجموعة من الأدوات النقدية التي يمتلكها انطلاقا من الثقافة التي يصدر عنها، مما يوجه نقده بما يتلاءم مع تلك الأدوات الثقافية، فتلقي الأديب الناقد يختلف عن تلقي اللغوي، وتلقي اللغوي يختلف عن تلقي الفيلسوف أو البلاغي وهكذا قمت بدراسة الأسس التي وجهت التلقي عند النقاد، مع الاكتفاء بالحديث عن المناخ الثقافي العام الذي انطلق منه النقاد بهدف فهمه ومعرفة أدواته، ومن ثم ذكر الشواهد من النقاد الذين يمثلون تلك الثقافة، ويسهمون في إغناء البحث.

أما الخاتمة فجاءت باستعراض لما قمت به فاختصرت المقدمات والنتائج، وذلك لنتمكن من رؤية ملامح التلقي في القرن الرابع الهجري بصورة كلية، فتتضح معالمها، ونرى من خلالها أن المتلقي في النقد العربي القديم، كان يبدأ من أولية التقويم الجمالي في قراءته، أو ينتهي إليه، مستخدماً أدواته النقدية التي يمتلكها من خلال الدربة والثقافة التي يصدر عنها، فيحاور النص ومكوناته، لينتهي إلى امتلاكه جماليا ومعرفيا، مع التنبه إلى التداخل الحاصل بين كل تلك المعايير والمناهج في النقد العربي القديم، وذلك لأن النقد القديم كان يسير في فلك القضايا النقدية التي درجت آنذاك. 

وبعد فإن ما قمت به هو حلقة من السلسلة التي تهدف إلى الكشف عن النظرية النقدية والأدبية عند العرب القدماء، اتخذت إطاراً زمنياً محدداً، فأرجو أن أكون قد أخلصت لدراستي هذه بما بذلته من جهد، محاولاً إضافة رؤية جديدة، وتصور واضح، يؤدي إلى فهم الطرائق التي تلقى فيها النقاد العرب الأدب في القرن الرابع الهجري.

عنوان البحث؛ مدخل إلى نظرية التلقي؟ 

أ- مقدمة في تاريخ النظرية الفكري. 

ب- أهم المدارس التي أثرت في نظرية التلقي. 

١. الشكلانيون الروس. 

٢. الظاهراتية. 

٣. سوسيولوجيا الأدب. 

ج- أعلام مدرسة كونستانس. 

۱- هانز روبيرت ياوس.

٢- فولفجانج إيزر.

مدخل إلى نظرية التلقي؟ 

أ- مقدمة في تاريخ النظرية الفكري؟ 

ان الاستعراض التاريخي السريع لآليات قراءة العمل الأدبي من جانب، وفهمه وتفسيره من جانب آخر، بأدوات المناهج النقدية يكشف عن الطريقة التي يواجه فيها الناقد المنهجي ذلك العمل، ويوضح اتساع الروافد الأساسية لمنهج القراءة من زاوية النظر التي تعنى بالقارئ وسبل الاستجابة أي من قلب نظرية التلقي، فقد خرج النقد الحديث عن المقولات البلاغية القديمة، وأصبحت المناهج النقدية تعطي أهمية لشروط الإنتاج وأدوات التلقي. 

3 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
وهذا ما مهد لظهور فرضيات القراءة بشكل مطرد، فبعد أن أصبحت ثلاثية المرسل - الرسالة - المرسل إليه، أو المبدع - النص - المتلقي، علامة دالة في عملية النقد، ومنارة توجه بوصلته، نشطت فرضيات القراءة، وأصبحت تلك الفرضيات من ركائز البناء النقدي، الذي تطور حتى ظهر متكاملا في مدرسة كونستانس الألمانية، إذ أصلت تلك الفرضيات، وحددتها بالشروط المعرفية، لتخرج بنظرية التلقي، التي تولي القارئ وعمليات الاستجابة والتذوق والمشاركة والتواصل الأهمية الكبرى في النقد.

ويعد ما قام به نقاد تلك المدرسة، أهم ما جاء من مادة وضعت نظرية التلقي في سياقها النقدي التاريخي، لتصبح حلقة مهمة تكمل سلسلة الاطراد المعرفي في النقد، وقد يبدو أن ما قامت به مدرسة كونستانس من خلال ممثليها المشهورين هانس روبيرت ياوس، وفولفجانج إيزر، هو أنها قد أعادت بناء تصور جديد لمفهوم العملية الإبداعية من حيث تكونها عبر الزمن والتاريخ وطرق اشتغال القراءة، ودور القارئ في إنتاج هذه العملية أو النص، إن هذه الفرضية بما تحمله من جمالية التلقي التي تتكون عبر صيرورة تاريخية أو عبر صيرورة القراءة ذاتها هي التي ستعطي لهذه النظرية ميزتها، وجدتها، وبعدها الخاص.

وهنا يجب أن يبرز العامل الأيديولوجي الذي قاد إلى اهتمام النقد بالعمل الفردي والذاتي لمواجهة النص الفني والأدبي، لأن طغيان الاستبداد النقدي الذي غاص في مكونات النص من جانب، والاستبداد المعرفي الذي ينظر إلى عمليات الإنتاج من جانب اجتماعي جماعي، بأدوات جاهزة موجهة باتجاه نفعي، مغفلا ذاتية الفرد أديا إلى ظهور هذه النظرية وقوامها الأساسي البحث عن مكانة الفرد في عمليات التذوق والفهم لقد أرادت جمالية التلقي أن تكون طريقاً ثالثاً، وسطاً بين الجمالية الماركسية والشكلانية، كانت الأولى ترى أن الأدب انعكاس للواقع الاجتماعي صراع الطبقات، وتعتبر الثانية أن الأدب والنص الأدبي منظومات مغلقة.

إن اهتمام نظرية التلقي بالمتلقي بوصفه أهم عنصر بين عناصر العمل الإبداعي، لأنه يكمل ذلك العمل، تتجه إلى وضع النصوص في سياقها التاريخي، في كل زمن يختلف قراؤه، وتتنوع مداركه وأدواته، وتذهب بعيداً عن تفسير الشفرات الداخلية وآليات البناء النصية، وترفض التفسير الطبقي الذي يعبر عن نظرة أحادية ضيقة، تحيد بالأدب عن جوهره وتضعه في لبوس نفعي وغائية ثورية؛ إنما تضع القارئ من جديد في مكانه، مستخدماً العمليات الذهنية والذوقية، المحدودة بتاريخ القراءة، وهكذا يفهم التلقي هنا، من خلال معنى مزدوج، يمتد إلى الاستقبال أو الامتلاك والتبادل، في الآن نفسه.

فالتلقي هو البحث عن قنوات التواصل بمقدار ما هو بحث عن ملء الفراغات، وكسر أفق التوقع، إنه تعريف آخر للجمالية، يعنى بنشاطات الإنتاج، ومكونات النص، فالتلقي هو فاعلية بناء وإنتاج، بمقدار ما هو مفعولية قراءة، والقارئ يسعى لإعادة تركيب النص، وإغنائه بفهم جديد، ويتطلب التأويل بحسب جمالية الاستقبال، أن يبحث المؤول في مراقبة المقاربة الذاتية، معترفا بالأفق المحدود لوضعيته التاريخية، ويؤسس هذا التأويل هرمنوتيكية تفتح حوارا بين الحاضر والماضي، وتدخل التأويل الجديد في السلسلة التاريخية لتجسيد المعنى.

والتناغم في هذا السياق هو انسجام الحوارية بين أدوات الحاضر وإمكانية الماضي، هو ذاكرة تتشكل في لحظة حضور تضع النص في تاريخه الصحيح، مرتكزاً على ذاتية تسعى إلى المشاركة الفعالة بإنتاج نص راهني، هو نص القارئ.

يمكن القول إذن وعلى شكل توليف، بأن تلقي النص الأدبي، وإذا كان بالإمكان مطابقته مع التحقق والتحيين هو بالأساس سيرورة نوعية، وذلك في اتجاهين في علاقته بالشروط المنتجة له الشروط المتحكمة في تكونه وفي إنجازه، وفي علاقته بنتيجته، أي النموذج الذي يحققه والمظهر الثاني بالطبع هو الذي يكتسي أهمية، وذلك لارتباطه بفعل التلقي.

إن هذه النتيجة التي ولدت عمليات القراءة، واتجهت بالممارسة النقدية إلى المتلقي، لم تكن وليدة انبثاق معرفي فلسفي مفاجئ، وإنما هي تطور طبيعي لما جاء من عمليات الفهم والتفسير والتحليل في تاريخ النقد والأدب والفلسفة، وهنا نستطيع أن نؤكد أن نظرية التلقي تعطي الحرية في شكل الاستجابة ومظاهر الوعي والنقد والتحليل، فنجد فيها كل أشكال القراءة وكل مناهج النقد، لأنها تسعى لترسيخ فردية الاستجابة.

إن النظر المتأمل في تاريخ النقد الأدبي، والتاريخ الفكري، يكشف أنه لا يمكن لأي نظرية معرفية ونقدية أن تتخلق مستقلة عن ذلك التاريخ، وهذا ينسحب على نظرية التلقي، بل إن هذه النظرية استقت ونهلت من تاريخ النقد، ومن بعض مدارسه أهم مصطلحاتها وآلياتها وأدواتها. هذا التأمل سيعيدنا إلى بدايات الفكر النقدي في نظريات الفلاسفة اليونان التي انطوت على مؤثرات متعددة في الدراسات الحديثة، فنرى أن الاستجابة في فكر أفلاطون وأرسطو، تنطلق من فكرة الإبداع القائمة على المحاكاة، إلا أن تلقي العمل الفني والأدبي متغاير بين الفيلسوفين، في آلياته ومؤثراته.

يرى أفلاطون أن المحاكاة هي انعكاس للانعكاس، ونظرية الكهف والظل عنده تعطي رأيه في التلقي بشكل واضح إن الحقيقة بعيدة عن المتلقي بمقدار ما يبتعد المنتج عن عالم المثل. وتلقي المفاهيم الأدبية والفنية والفلسفية، يشكل في ذهن المتلقي تصورات عن تلك المفاهيم، ولذلك حين تقع عين الناس على شتى الأشياء الجميلة، ولكنهم لا يقدرون أن يروا الجمال بالذات، ولا أن يتبعوا من يقودهم إليه، وحين يرون أشياء عديدة عادلة لا يرون العدل بالذات، وهكذا في كل مثل، فإنا نقول إن لهم في كل موضوع تصوراً، لا معرفة حقيقية في الأشياء التي يتصورونها.

فالعلاقة بين المتلقي والمعرفة الحقة تكتنفها القطيعة، وعالم المثل والحقائق عالم إلهي بعيد عن البشر، وهذا ما يؤدي إلى آثار سيئة في نفس المتلقي، كما يقول أفلاطون، ويؤدي إلى إفساد البشر، لاسيما القادة منهم، فالشعراء، مثلا، مضرون ومفسدون في مدينة أفلاطون المثالية، كما هو معروف، وتلقي الأعمال الفنية يجب أن يحتكم إلى الوعي، والعمليات الذهنية، أفليس من الجوهري أن يكون الحكم في قبضة مملكة الذهن لكونها حكيمة، فتقوم بتدبير مصالح النفس كلها، وتكون مملكة الحماسة في النفس حليفة ورعية، فالنفس وانفعالاتها يجب أن تأتي في المرحلة الثانية في عملية التلقي، لأن العقل حكيم بمحاكماته، أما النفس فليست على نفس السوية في استجابتها، يصيبها القلق والاضطراب، فهو يرى أن حال النفس متى اتجهت نحو موضوع، سطعت عليه أنوار الحقيقة والوجود الحقيقي، أدركت الموضوع بفعل الذهن، ففهمت وبرهنت بذلك على أن فيها إدراكاً على أنها إذا اتجهت نحو ما اكتنفه الظلام من الموضوعات عالم الولادة والموت استقرت على قيمة تصور فضعف بصرها، وكان تصورها متردداً متقلقلا، فكأنها فقدت قوة الإدراك، فالتلقي عند أفلاطون عملية ذهنية عقلية، والمعنى فيه هو مقاربة شبحية للحقيقة، يقوم على مبدأ المحاكاة الثانية لعالم المثل.

وعلى عكس أفلاطون الذي يرى المحاكاة بذلك الشكل المثالي، فإن أرسطو يرى أن المحاكاة تنطوي على الإبداع في حالات الخلق الفني، فالفن يقوم بتصوير الحياة البشرية الأرضية، ويؤدي إلى التأثير المباشر في المتلقي، لأنه ينطلق من حياتهم ومفاهيمهم، ولعل أهم وظيفة للفن، تتأتى من الاستجابة التي تحدث عند المتلقين، وهي الوظيفة التطهيرية للفن، وهذه الوظيفة تتجلى أثراً منعكساً عند المتلقين، ونمط الاستجابة هذا نفسي، يحرر البشر من الانفعالات السلبية ويسمو بوظيفة الفن، فالتراجيديا هي محاكاة فعل جليل كامل له عظم ما في كلام ممتع تتوزع أجزاء القطعة عناصر التحسين فيه، محاكاة تمثل الفاعلين ولا تعتمد القصص، وتتضمن الرحمة والخوف لتحدث تطهيراً لمثل هذه الانفعالات.

ونلاحظ أن أرسطو يؤكد التجويد المبدع للمحاكاة، لأن قدرة الفعل على التأثير تأتي من مشابهته للحقيقة، وعلى نحو غريب وبعيد عما يتوقعه المشاهد وهذا يقترب من فرضية أفق التوقع والمسافة الجمالية عند ياوس، فالمحاكاة ليست لعمل كامل فحسب، بل لأمور تحدث الخوف والشفقة، وأحسن ما يكون ذلك حين تأتي هذه الأمور على غير ما توقع، وتكون مع ذلك مسببة بعضها عن بعض، فإنها تحدث على هذا الوجه روعة أعظم مما تحدثه لو وقعت من تلقاء نفسها أو بمحض الاتفاق، فالفن يصور الواقع، ويتجه إلى النفس البشرية فيطهرها من الشرور والخوف والألم، وهو يبدو أشد تأثيرا عندما يحمل تلك الوظيفة، ويبلغ تأثيره العظيم في النفوس حين يغاير النتائج التي يتوقعها المتلقي.

إن أرسطو يهتم بعناصر العمل الفني كافة، ويربط ما بينها بشكل غائي فالفن له وظيفة، والمبدع يرغب إلى التأثير في المتلقي، فهو يبدع عمله ويبذل جهده في ترسيخ الانفعالات والهياجات التي ستؤدي، بصدقها، إلى التأثير، فأرسطو يهتم بالاستجابة في العمل الفني، ويؤكد الأثر الهام الذي تتركه الأعمال الأدبية من ردود أفعال تطهيرية، فالمحاكاة عند أرسطو شكل يؤدي وظيفته التطهيرية وعلى ذلك فإنها ضرب من الإبداع.

إن تمايز الفكر الفلسفي، وتنوع نظرته إلى الحياة الاجتماعية والعقلية والروحية، كثيراً ما أثرى الاطراد المعرفي على مر التاريخ الإنساني، وأغنى مقولاته المتنوعة، فالسفسطائيون الذين اعتمدوا الجدل ومنطق الحوار والخطابة، أعطوا أهمية كبرى للسامع، فالحوار الجدلي، يجب أن يؤثر في المتلقي، ليشد انتباهه أولاً، وليقنعه ثانياً، ويبدو أن السفسطائيين كانوا يرجحون طريق الظن الذي قال به بارمنيدس، وهو الوجه الآخر للحقيقة، فجعلوا الظن وهو مفهوم يقترب كثيرا من التأويل مدخلاً أساسياً لتحقيق غرضهم في جعل المحتمل حقيقة واقعة، وقد نشطت فلسفتهم الإقناعية على هذا الأساس وعلى هذا كان ذلك النشاط في جعل المحتمل حقيقة عن طريق الإقناع، أصلاً من أصول التأويل، إن جدل السفسطائيين يدور بين قطبي الظن والحقيقة، وقد عكسوا آراءهم الفكرية في فن الخطابة، فوضعوا المستمع المتلقي في الطرف الغائي منها، فقد كانت غاية الخطابة في المقام الأول هي إقناع المستمع، فكشفوا بذلك عن أول أصل من أصول الاستجابة.

وقد تطورت الآراء في التلقي في مدرسة لونجنوس وأستاذه هوراس، وإن كانا يستقيان من معين الفلسفة فالأمر الأساسي الذي يفترضه هوراس هو القيمة المعيارية للمبدأ المرافق الذي يحدده مصطلح اللياقة كما ورد في النقد الأرسطي وهو ما يدعى عند العرب، موافقة الكلام لمقتضى الحال وهذا يدعو إلى الاهتمام بمستويات التلقي، إلا أن لونجنوس يعقد الأهمية للمبدع الكاتب، ويطلق مفهوم السمو الذي ينصب على المتلقي، وذلك لأن اتساع قراءات الكاتب وقدرته على الحماسة من أكثر ملامح المقالة تأثيرا، ويتضح الاهتمام الشديد في الاستجابة الانفعالية التي يبديها جمهور الشعر بالتمييز بين البلاغة والشعر، والسمو يوضح أثر الأدب في المتلقي، فهو مقدرة على خلق الاستجابة، وقد كرر مفهوم النشوة أو الجذب بوصفه مفهوماً مركزياً في أية طريقة يتحقق فيها السمو.
0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

ويتطور مفهوم السمو باتجاه الارتقاء في الأفلاطونية الحديثة، ف أفلوطين، الذي قال بنظرية الفيض، يرى أن نزوع الإنسان باتجاه منبعه هو نوع من الارتقاء والعودة إلى تلك الذات الخالقة، وهو مبدع الفكر الصوفي الفلسفي، الذي تأثر به أكثر المتصوفة المسلمون، إنه يعطي أهمية للحواس في الاستجابة فالجمال يتبين أولاً لحاستي البصر والسمع، فهاتان الحاستان أرفع الحواس أو أكثرها إدراكاً من خلالها نحصل على أكثر أفكارنا عن النموذج وضوحاً، وعن الصورة بطريقة أكثر تجريداً وميتافيزيقية، وأفلوطين يسلم بأن البصر يأتي في المنزلة الأولى الجمال يعرض نفسه على البصر أولاً.

بعد ذلك تتطور فكرة التلقي روحياً، في العصر الوسيط، من خلال سعي الفلاسفة الروحيين لتفسير مظاهر الجمال في الوجود، فنرى أن المتعة الجمالية لا تنسجم فقط مع الحواس بل مع كامل طبيعة الإنسان، وبخاصة العقل باعتباره مسير الحواس ومفسرها عند القديس أوغسطين، ويؤكد توما الأكويني من بعده أن الأشياء الجميلة هي تلك التي تدرك بمتعة، إلا أنه يظن بأن الجمال يدرك بنوع من التأمل الهادئ وهو بهذا المعنى يختلف عن الخير الذي هو موضوع التوق. 

ولكي نصل أخيراً إلى أهم المدارس التي تأثرت بها نظرية التلقي، بشكل مباشر في صوغ مقولاتها، وبسط مفاهيمها، وتطويرها، يجب أن نؤكد أن تاريخ الجمالية، من أهم الحقول التي نادت بتفسير الاستجابة والتلقي الفني والأدبي، بالإضافة إلى الفلسفات الحديثة، فنرى أن ديدرو يفرق بين المتلقين ومقاماتهم، ويؤكد انسجام العمل الجميل، لأن الجمال موضوعي، ويهتم بمقاييسه. وقد استعرض ديدرو مسألة الجمال واختلاف الناس فيه، على حسب أعمارهم، أو على حسب العصور ودرجات المدنية، أما تلقي المعنى الفني والجمالي فهو إدراك العلاقات بين الأشياء والأجزاء. 

أما كانت فقد فرق بين طبيعة الأحكام الأخلاقية والعقلية والجمالية، انطلاقاً من اختلاف الأسس التي تصدر عنها تلك المعارف، فالحكم الجمالي يمتاز بخصائص تفرق ما بينه وبين الحكم العقلي والخلقي، أولى هذه الخصائص تتعلق به من حيث صفته ومصدره، وهو أنه حكم صادر عن الذوق، وأن الذوق يصدره عن رضا لا تدفع إليه منفعة، أي إن المتعة الفنية لا تهتم بحقيقة موضوعها، بخلاف اللذة الحسية التي تطلب التملك، وبخلاف الرضا الخلقي الذي يتطلب تحقيق موضوعه، فالجميل عند كانت هو مصدر متعة جمالية عند المتذوق، والذوق هو مصدر الحكم الجمالي الصحيح، والجمال عند هيجل، ميدانه الإدراك الحسي إدراكا لا يستلزم أقيسة عامة مجردة، والجمال فكرة عامة خالدة، لها وجود مستقل، وتتجلى في الأشياء حسياً، وهي في ذلك تخالف الحقيقة في ذاتها، والاستجابة هي نوع من الإدراك الحسي، لموضوع مثالي، لا يتغير. 

وهكذا نصل إلى العصر الذي بدت فيه الفلسفة، وكأنها أم المعارف وعلوم أخرى، أهمها علم الجمال، والنقد الأدبي الحديث، ونصل إلى أهم المدارس التي أثرت في نشأة نظرية التلقي في مدرسة كونستانس الألمانية على يدي إيزر وياوس، وتعترف نظرية التلقي بمناقضتها المباشرة للماركسية، وإفادتها من البنيوية والتفكيكية، والمدرسة الوجودية في النقد والأدب، غير أن أهم المدارس التي انطلقت منهما في تكوين آرائها هي: مدرسة الشكلانيين الروس، والفلسفة الظاهراتية، وسوسيولوجيا الأدب.

ب- أهم المدارس التي أثرت في نظرية التلقي؟ 

١- الشكلانيون الروس: يؤسس الشكلانيون الروس بناء نظرية التلقى انطلاقاً من تأكيد الخاصية الجمالية للأدب، وضرورة إيجاد تفسير أدبي قائم على تحليل النص من داخله بهدف تذوقه، فتعددت آراؤهم ومقولاتهم، وقد ولدت المدرسة في أثناء الحرب العالمية ولكن سرعان ما قطعت الديكتاتورية مسيرتها عام ١٩٣٠، ومصطلح الشكلية أطلقه خصوم تلك المدرسة عام ١٩٢٤، وكان معتنقو هذه النظرية يتحدثون عن التحليل الصرفي المورفولوجي، أما أهم أعلامها فهم إيخنباوم، وتينيانوف، وجاكوبسون، وتوماشفسكي، وشكلوفسكي، وان إحدى المبادئ الأساسية للمدرسة الشكلية الروسية، يكمن في اعتبار الأدب شكلاً محضاً وعلاقة قائمة بين المواد، ويؤكد إيخنباوم أن القضية الأساسية إنما هي قضية البحث عن الأدبية في النص، بوصفها موضوعاً الدراسة الأدب، أما جاكوبسون فقد ركز على الوظائف الأساسية للنص.

فالأدب حسب المدرسة الشكلية ليس وصفاً للحياة بمقدار ما هو تلاعب في اللغة، والفهم الحقيقي للأدب، مسألة شكلية تعنى بتفسير الأدبية في النصوص، عبر البحث عن العلاقات والبنى الداخلية التي تجعل من الأدب أدباً، وبهذا يتم تصورهم لعملية الإبداع الأدبي على أنها توتر قائم بين القول العادي، والإجراءات الفنية التي تحرفه عن مواقعه أو تغير صورته، فالعمل الأدبي هو مقدرات لغوية متوضعة في بنى النص ومستوياته، وهي لا تمثل الواقع، بل تتصرف بعلاقاتها الداخلية، وتؤدي وظيفتها الأدبية عبر تلك العلاقات. 

لذلك فإن الأدوات اللغوية، هي العنصر المركزي في العمل الأدبي وهو ما ينبغي على الناقد تحليله، ومعرفة العمليات التي تجعله أدباً، وتؤدي بالقارئ إلى الدهشة والغرابة، وهكذا نجد أن قضية الشكل قد ارتبطت بمشكلة التلقي التي تحتل مكاناً بارزاً في نظريتهم عن الأدب، فيرى أحد زعمائهم وهو إيخنباوم أنه إذا أردنا أن نقدم تعريفاً دقيقاً لعملية التلقي الشعرية أو الفنية بصفة عامة فلا مفر من أن ننتهي إلى النتيجة التالية، إن التلقي الفني هو هذا النوع من التلقي الذي نشعر فيه بالشكل على الأقل، مع إمكانية الشعور بأشياء أخرى غير الشكل، ومن الواضح أن فكرة التلقي هنا ليست مجرد فكرة نفسية يتميز بها هذا الشكل أو ذاك، ولكنها عنصر داخل في تكوين الفن الذي لا يوجد خارج نطاق التلقي. 

وينحصر تأثير هذه المدرسة، بما أضافته من أهمية إلى فكرة الإدراك الجمالي، في النقد الأدبي، بل نرى أن ياوس، وهو أحد أهم مؤسسي نظرية التلقي ومنظريها، يلاحق آراء النظرية في قضية التاريخ الأدبي، الذي يجب إعادة النظر فيه على أساس استجابة المتلقي، فيرى أن نظرية التطور الأدبي الشكلانية تعتبر بحق أحد أهم عوامل التجديد بالنسبة لتاريخ الأدب، فلقد أوضحت بأن التحولات التي تتم في التاريخ تندرج، حين يتعلق الأمر بالأدب أو بغيره، ضمن نسق معين، كما حاولت أن تبني نسقاً للتطور الأدبي، واقترحت أخيراً وليس آخراً نموذجاً أبستمولوجيا معرفياً يقضي بتطور الأدب من الإبداع الأصلي نقطة الذروة إلى تشكيل آليات تكرارية. 

إن التركيز على إدراك الأدبية في النص، أدى بالشكليين إلى ملامسة الطابع الجمالي فيه، ورسخ مفهوم الشكل بحيث يندرج في آليات الاستقبال الجمالي للعمل، ويؤكد ياوس أن ما يجعل العمل الأدبي عملا فنيا هو اختلافه النوعي انزياحه الشعري، وليس ارتباطه الوظيفي بالسلسلة غير الأدبية. 

ومن هذا التمييز بين اللغة الشعرية واللغة العملية انبثق مفهوم الإدراك الفني الذي قطع، بعد كل حساب، الصلة بين الأدب وممارسة الحياة.

ورغم تأثر ياوس، بمفهوم التطور التاريخي، من جانب، وبإقحام الإدراك الجمالي للمتلقي في قضية التفسير الأدبية للشكل، إلا أنه يرى أن الشكلانيين الروس لم يستطيعوا بناء نظرية للتلقي، بمفاهيم تهتم بالقارئ قبل النص، وبآليات الاستجابة، قبل السعي نحو التفسير، فالمدرسة الشكلانية لا تحتاج إلى القارئ إلا باعتباره ذاتا للإدراك يتعين عليها، تبعا لتحفيزات نصية، أن تتبين الشكل أو تكشف عن التقنية الفنية المستعملة، شأنها في ذلك شأن المدرسة الماركسية، التي تطابق بكل بساطة بين تجربة القارئ التلقياتية وبين الفائدة العلمية للمادة التاريخية، التي تسعى إلى الكشف في العمل الأدبي عن العلائق بين البنية الفوقية والبنية التحتية. إن المنهجين يهملان القارئ ودوره الخاص الذي يجب، حتماً، على المعرفة الجمالية والمعرفة التاريخية أن تعتبراها، لأنه من يتوجه إليه العمل الأدبي بالأساس.

٢- الظاهراتية: ومثل مدرسة الشكلانيين تؤثر ظاهراتية رومان إنجاردن بشكل مباشر في مدرسة كونستانس فالعمل الأدبي في هذا المفهوم ليس شيئا مستقلا عن تجربة القارئ، والنقد هو عملية وصف لحركة القارئ داخل المستويات النصية، ومحاولة التوقع وسد الثغرات ومعرفة المسكوت عنه بل إن جوناثان كالر، في كتابه النظرية الأدبية" يعد نظرية التلقي، جزءاً من الظاهراتية، عندما يتحدث عن استجابة القارئ عند فولفجانج إيزر وستانلي فيه قائلاً: فالعامل الأدبي هو المعطى للوعي، وبمقدور المرء المحاجة أن العمل ليس شيئاً موضوعياً، يوجد باستقلال عن أي تجربة، بل إنه تجربة القارئ، وبهذا قد يتخذ النقد شكل وصف حركة القارئ المطرد عبر النص محللاً الكيفية التي ينتج بها القراء المعنى من طريق الارتباطات، وسد ثغرات المسكوت عنه، والتوقع والحدس، ومن ثم التأكيد على هذه التوقعات أو إحباطها، وجماليات التلقي، عند هانز روبيرت ياوس هي إحدى طبقات الظاهراتية، لأن العمل الأدبي عنده إجابة عن أسئلة أفق التوقعات، لذلك فهي لا تتركز على تجربة قرائية واحدة، بل على سيرورة القراءة التاريخية المجموعة المتلقين، مع النظر إلى تغير المعايير الجمالية تاريخياً. 

فنظرية التلقي، مثل الظاهراتية، تؤكد العلاقة بين النص والقارئ، وبمعنى فلسفي بين الذات والموضوع، ولعل أهم ما في ذلك من تشابه، هو الآلية التي يتحرك عبرها القارئ في الموضوع، لتحصيل القراءة، فنرى رومان إنجاردن، يؤسس نظرية المستويات الأدبية، فلكي نعرف بالتجربة عملاً أدبياً، ينبغي أن نمس أولاً مستوى الرموز والأصوات بالسمع أو القراءة، ثم ندرك معاني الكلمات المفردة، ثم وحدات الدلالة الكبرى التي تكونها وتحددها ولا تلبث هذه الوحدات أن تعطينا المظاهر الموصوفة أو المحكية للموضوعات والأحداث الشيئية، هذه الموضوعات تمثل بدورها مستوى خاصا يعتمد المظاهر وتقوم عليه الصفات الميتافيزيقية والمثالية الأخيرة، على أنه ينبغي ألا ننسى أن تجربة القراءة، مثلا، تلتقط الوحدات المتتابعة أي الجمل بما تتضمنه من جميع المستويات، ووعي العمل الأدبي يتم من خلال الحركة المستمرة بين تلك المستويات، مع الربط بينها بعلاقات تؤدي إلى فهم النص، وهذه المستويات غير منفصلة إلا في مستوى الدرس النظري، وهذا ما يقترب بشكل أو بآخر من نظرة قدامة بن جعفر بتاريخ ۳۳۷ هـ الشكلية إلى العمل الأدبي، الذي يقسم العمل الأدبي إلى مستويات وائتلافات، تؤدي حدودها المثالية إلى الحكم على العمل الأدبي من خلال بنائه الداخلي، مع ملاحظة أن الفرق هو أن شكلية قدامة تهدف إلى الحكم، في حين تؤدي نظرية المستويات إلى عملية الوعي.

إن تلك النظرة الكلية في الظاهراتية، إنما تتحدد بالأفعال التي تتم في أثناء القراءة، من الربط بين مستويات النص، وملء الفراغات، والبحث عن المسكوت عنه، وكل ذلك يتم من خلال تلك الحركة الدائمة، وهي حركة تختلف من قارئ إلى آخر، عبر الربط بين تلك المستويات، وهكذا يخرج النص عن إمكانية تحديده بشكل نهائي ثابت، إن إنجاردن إذا هو الذي أثار مسألة عدم التحديد التي يتصف بها العمل الفني، وتحقيق العمل يتم كل مرة مع كل قارئ القراءة جديدة، ومن هنا كشف إنجاردن عن تلك الإمكانات التي ينتجها العمل كل مرة مع كل قراءة، ومع كل قراءة يتحقق العمل، وسيعتمد ايزر أيضاً على مفهوم عدم التحديد الذي يتصف به العمل الأدبي، ودور القارئ في إنجاز عدم التحديد باستمرار هو الذي سيدفع بإيزر إلى القول بمفهوم صيرورة القراءة، إن النص إذا ليس سوى كل تلك الإمكانات من العلاقات المتغيرة في كل عملية قراءة. 

٣- سوسيولوجيا الأدب: يقترب المنهج السوسيولوجي في النقد من نظرية التلقي، من حيث اهتمامه بالمتلقي، وثقافته واستعداده لمواجهة النص الأدبي، وتركيزه على الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، إلى الحد الذي يجعل من هذه المدرسة أساساً من الأسس التي قامت عليها نظرية التلقي، بل إن جان إيف تادييه يقول في كتابه النقد الأدبي في القرن العشرين إن نظرية التلقي تنشأ عن السوسيولوجيا والشعرية، فالنقد السوسيولوجي يرى أن الأدب رسالة اجتماعية، تهدف إلى تحليل المجتمع، وتعمل على تغييره، وهذا المجتمع هو الذي يعطي القارئ أدوات القراءة الصحيحة، لأنه المعني بهذه الرسالة، ذلك لأن القارئ ينتمي إلى مجتمع وإلى حياة اجتماعية تحدد قراءته، وفي ذات الوقت يفتحان له فضاءات التأويل، كما يجعلانه محدداً، حراً، وخلاقاً. 

إن الفرد القارئ الذي يتلقى الأدب، هو البنية الأولى التي يتكون منها المجتمع، لذلك نجد اهتماماً بالمتلقى بوصفه فاعلا ومنفعلا، فهو يتلقى الأدب ويكمل دورته من خلال تغيير ظروف الحياة والإنتاج، ومن ثم، يظهر تأثير هذا القارئ بالأدب ذاته، وقد برزت العناية الحقيقية بالقارئ أول ما برزت، واعية بمقاصدها في نظام علم اجتماع یعنی بالظاهرة الأدبية، فلئن ركزت الدراسات في هذا الاتجاه، عنايتها على تدخل السياقات التاريخية في نشأة الآثار الأدبية، فإنها قد ذهبت مع ذلك إلى أن المجتمع لا يتدخل في الإنشاء الأدبي من حيث هو مصدر فحسب، وإنما هو يتدخل أيضاً من حيث هو متقبل يتلقاها، ولكن مدرسة سوسيولوجيا الأدب التي تحيل عمليات إنتاج الأدب إلى غاية نفعية، تنظر إلى المتلقي، بصفته الاجتماعية، فهو القارئ الفعلي للعمل وهو يمارس عملية التلقي الأدبي من خارج العمل الأدبي.

إن تأثير النقد السوسيولوجي بنظرية التلقي، يبدأ من الاهتمام بغائية الأدب وانطوائه على رسالة اجتماعية، ويمتد لوصف المتلقي والكيفية التي سيواجه فيها الأدب والمجتمع في الوقت ذاته، فالتلقي عند لوفينتال يستلزم قوة مكيفة اجتماعياً ومكيفة نفسياً على السواء فهو يستلزم الأيديولوجيا كما يستلزم مقاومة الأيديولوجيا، ويستلزم إشباع الحاجات، وتنحية هذا الإشباع على السواء، ولكن سوسيولوجيا الأدب ترى أن المتلقي ومن ثم المجتمع، هما جوهر العمل الأدبي وغايته، لأنهما المقصودان بالعمل الأدبي الذي ينطلق من واقعهما، وهذا ما يبين الاختلاف بين نظرية التلقي وسوسيولوجيا الأدب، لأن نظرية التلقي تهتم بالمتلقي وآلية الاستجابة بوصفهما جوهرا في العملية الأدبية، فالجوهري مختلف بينهما، وهكذا فإن العلاقة بين سوسيولوجيا الأدب ونظرية التلقي من المحتمل أنها لم تكن علاقة تأثير مباشر أو مجرد علة ومعلول، ولكن يبدو مؤكداً إلى حد بعيد أن تزايد الاهتمام بالدراسات الاجتماعية قد أسهم في تهيئة المناخ الذي مكن لنظرية التلقي وعمل على نجاحها.

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

ج- أعلام مدرسة كونستانس؟ 

۱- هانز روبيرت ياوس: ينطلق ياوس في نظريته عن التلقي من قضية التاريخ الأدبي الذي يجب أن يعاد النظر فيها، وينبغي إعادة بنائها تأسيساً على جمالية الاستجابة والأثر الناتج عن قراءة النص، وقد كانت جمالية التلقي، على نحو ما سمى ياوس نظريته في أواخر الستينات وبداية السبعينات، تذهب إلى أن الجوهر التاريخي لعمل فني ما لا يمكن بيانه عن طريق فحص عملية إنتاجه أو من خلال مجرد وصفه، والأحرى أن الأدب ينبغي أن يدرس بوصفه عملية جدل بين الإنتاج والتلقي، فالتاريخ الأدبي لا يبنى على أساس السبق الزمني، والفهم السابق لا يلغي الفهم اللاحق، إن حضور أي نص في عملية القراءة لأي تلق، محكوم بالأدوات النقدية والمعرفية للعصر الذي تتم فيه القراءة، وبذلك فإن التاريخ العام للأدب، يرتبط بتاريخ التلقي من خلال بيان تلك العلاقة بين النص والمتلقي، في ظروف تاريخية معينة، لذلك ينبغي، تجديداً للتأريخ الأدبي إلغاء الأحكام المسبقة التي تتميز بها النزعة الموضوعية التاريخية، وتأسيس جمالية الإنتاج والتصوير التقليدية على جمالية الأثر المنتج والتلقي، فتاريخية الأدب لا تنهض على علاقة التماسك القائمة بعديا بين ظواهر أدبية، وإنما على تمرس القراء أولاً بالأعمال الأدبية. 

والتفسير الأدبي للنص يعتمد أولاً على المتلقي، وطريقته في الكشف عن الأدبية فيه، فالعلاقات الأدبية ترسخ البعد الذاتي للنص، لأن طريقة التلقي تختلف تبعاً للمتلقي وفق انتظاره، وقد اجتهد ياوس في كشف دور القراءة والتلقي في تجسيد الأدبية وتحقيقها ومن ثم كان تاريخ الأدب هو تاريخ القراءات، أنجز هذه المهمة من خلال خطوتين؛ 

الخطوه الأولى؛ مناقشة جوانب النقص في الاقتراحات النظرية التي عالجت تاريخ الأدب المثالية الميتافيزيقية الوصفية الشكلانية الماركسية، وقد انتقدها جميعاً بسبب إهمال المتلقي أو إعطائه دوراً ثانوياً الماركسية. 

الخطوه الثانيه؛ تحديد مفهومين إجرائيين كبيرين في بناء جمالية التلقي، هما المتلقي وأفق التوقع وبيان دورهما في بناء تاريخ الأدب. 

وأفق التوقع له دور مركزي في نظرية التلقي عند ياوس، فتجربة المتلقي من خلال هذا المفهوم تتداخل مع تجربة المبدع، وهكذا ينطلق وعيه الأدبي من مجموعة تصورات سابقة، ولا يختزل بالانفعالات النفسية للمتلقي، ولقد ذهب يوص، إلى أن الأثر الأدبي يتجه إلى قارئ مدرك تعود التعامل مع الآثار الجمالية، وتكيف مع التقاليد التعبيرية فيها، فكان أفق الانتظار، عنده، يتجسم في تلك العلاقة والدعوات والإشارات التي تفترض استعداداً مسبقاً لدى الجمهور لتلقي الأثر. 

وإن أفق الانتظار، على هذه الصفة يحيا في ذهن الأديب في أثناء الكتابة ويؤثر في إنشائه أيما تأثير، ولقد يختار الكاتب بعمله أن يرضي انتظار القراء فيسايرهم فيما ينتظرون، مثلما يختار جعل الانتظار يخيب، وهنا يظهر مفهوم المسافة الجمالية، وهي مقدار الانحراف الكائن بين أفق انتظار القارئ وما يقوله النص، ومن خلال ردود أفعال القراء يمكن لنا معرفة مقدار هذه المسافة الجمالية.

إذا فالنص الأدبي يعاد تشكيله من خلال القراءة، التي هي عملية تواصل دائم بين عناصر العمل الأدبي، وثقافة القارئ الذي يستند بدءا إلى ثقافته الاجتماعية والنقدية، وذاكرته الأدبية، ثم يعيد تكوين الاستجابة بناءً على مدى التطابق بين أثر النص وأفق التوقع، أو بناءً على مقدار البعد بينهما، عندما يكسر المنتج أفق التوقع لدى المتلقين، وبذلك يمكن أن نفهم جمالية التلقي عند ياوس من خلال أثر المنتج وتلقيه والمكانة التي يحظيان بها في تاريخ الأدب، في محاولة لإعادة المتلقي إلى مكانه في عملية التفسير والتاريخ، لأننا إذا عرفنا العمل بما هو حصيلة تلاقي النص وتلقيه، وبأنه بالتالي بنية دينامية لا يمكن إدراكها إلا ضمن تفعيلاتها التاريخية المتعاقبة فسيمكننا بيسر أن نميز فيه بين الأثر أي وقع ذلك العمل ثم تلقيه، ويؤلف هذان المكونان عنصري تفعيل العمل الفني والأدبي أو العنصرين البانيين لالتقليد، فالأول أي الأثر، يحدده النص والثاني أي التلقي، يحدده المرسل إليه.

فتلقي العمل هو جدل بين المتلقي والنص، فالنص يخاطب المتلقي، عبر منظومة من المكونات الجمالية والوظيفية، التي تهدف إلى التطابق مع أفق توقعه، أو إلى كسر هذا الأفق وخلق مسافة جمالية، والمتلقي يستجيب للنداء المنبعث منه، وهكذا يتغير فهم النص من متلق إلى آخر، بما يناسب أفق التوقع الذي تحدده تجربة كل قارئ. 

٢- فولفجانج إيزر: تتنوع آليات الاستجابة عند المتلقين، والطريقة التي تتم فيها القراءة، في مدرسة كونستانس الألمانية، فإذا كان ياوس ينطلق من مفهوم أفق التوقع، والمسافة الجمالية، فإن فولفجانج إيزر ينطلق من فعل القراءة الذي يقوم به المتلقي، عبر طريقة الربط بين المستويات النصية المختلفة، بهدف سد الثغرات والبحث عن المسكوت عنه، ويبدأ فعل القراءة من ركيزة أساسية، هي مفهوم القارئ الضمني، وهو قارئ موجود داخل النص، يمثل الحد الأدنى للوعي والتجربة التي يبنى عليها فعل القراءة كاملاً.

إن ارتباط إيزر بالنص يبدو أكثر من خلال تأثره بفلسفة الظواهر، التي، كما رأينا عند إنجاردن، ترى العلاقة بين القارئ والنص موازية للعلاقة بين الذات والموضوع، وترى التفسير جدلاً قائماً بين النص والقارئ، ينطلق فيه القارئ من المستويات الأدنى للبنية النصية، إلى المستويات الأعلى في حركة ذهاب واياب ويؤسس إيزر مجموعة من المفاهيم والمصطلحات التي تعين على فهم آليات التلقي، أهمها: مصطلح القارئ الضمني، وهو لا يقرأ النص من خارجه، وليس هو القارئ الفعلي الذي يمكن أن نتصوره في عملية قراءة ميكانيكية إنه بنية نصية وحالة من حالات إنتاج المعنى، ويقول إيزر إنه علينا أن ندرك التأثيرات الناتجة والاستجابات التي تثيرها الأعمال الأدبية، ولا بد أن نسمح بحضور القارئ دون تحديد مسبق لشخصيته أو لموقفه التاريخي، وقد نطلق عليه القارئ الضمني إن أردنا مصطلحاً أفضل فهو يجسد كل الميول المسبقة اللازمة لأي عمل أدبي لكي يمارس تأثيره ميول مسبقة لم يفرضها واقع تجريبي خارجي بل يفرضها النقد نفسه، وبالتالي فالقارئ الضمني لمفهوم له جذور راسخة في بنية النص، إنه معنى ولا سبيل إلى الربط بينه وبين أي قارئ حقيقي. 

فالقارئ الضمني حالة ثقافية، من مكونات النص، وهو معيار أساسي للإنتاج، ومحصلة لمجموع التأثيرات والاستجابات السابقة التي تفرضها النصوص، وتؤدي إلى الحدود الدنيا من عمليات الفهم والتفسير والتذوق، ويطلق على انتقال القراء بين المستويات النصية مفهوم وجهة النظر الجوالة، وهي تكشف الطريقة التي يكون فيها القارئ حاضرا في النص، فعندما نقرأ نصا فإن مشكلنا الأول هو أن النص بكامله لا يمكن أن يدرك دفعة واحدة، بل يدرك من خلال وجهة النظر المتحركة التي تتجول في النص الذي ينبغي أن تدركه هذه الوجهة في المراحل المختلفة والمتتابعة للقراءة، فالإدراك بالترابط لا يحدث إلا على مراحل وكل مرحلة على حدة تحتوي مظاهر الموضوع الذي ينبغي تشكيله، لكن لا يمكن لأي منها أن تدعي أنها تمثله. 

والقارئ في أثناء ذلك يسعى في عملية التفسير إلى ملء الفراغات النصية بالمعنى، وهو بذلك لا يهتم بالنص المتحقق فحسب، وإنما ينظر إلى ما وراء النص، إلى المسكوت عنه، ويسعى لإنتاج النص الكامل، وهو نص القارئ، ومن خلال عمليات تحويل كهذه وبهدى من علامات النص، يستمال القارئ لبناء شيء خيالي ويترتب على ذلك أن يصبح تدخل القارئ أمراً حيوياً لاكتمال النص، فليس لهذا وجود مادي إلا كواقع ممكن فالأمر يحتاج إلى فاعل أي قارئ لكي يتحول الممكن إلى واقع إذن فالنص الأدبي يوجد في البداية كأداة للتوصيل، بينما تعتبر عملية القراءة نوعاً من التفاعل الثنائي. 

إن فكرة إيزر في تحويل النص من غاية، إلى أداة للتوصيل، تعطي تفسيراً جذاباً لعملية التلقي التي يغدو النص فيها جزءاً من عملية أكبر منه بوصفه منتجاً ثابتاً، إنه أداة لاندماج عناصر العمل الأدبي في كل يؤدي إلى وصول الرسالة، ويقترح إيزر مفهوماً آخر في عملية التواصل تلك، حين يقوم القارئ بملء الفراغات النصية، والنظر ما وراء حدود النص، وهو مفهوم الاستراتيجيات، وهي أدوات ثابتة متعارف عليها، تقوم بمجموعة العمليات التي تنظم مادة النص، أي الرصيد المعرفي والأدبي، وتقدمها للقارئ بعد أن تضعها في سياق مرجعي مشترك مع تجربته، وتؤدي هذه المهمة بطرق عديدة، فهي تحدد الصلات بين مختلف عناصر الرصيد، وبذلك تساعد على وضع الأسس لإنتاج المتماثلات، وتعمل على إيجاد نقطة التقاء بين الرصيد وموجد هذه المتماثلات أي القارئ نفسه بعبارة أخرى تقوم الاستراتيجيات بتنظيم كل مادة النص والظروف التي يتم توصيل تلك المادة في ظلها. 

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...