ما المقصود بفن التوقيعات : هل عرفت الحركة الأدبية في العصر العباسي هذا الفن ما هي أهم خصائصه من هم أهم أعلامه وتماشيا مع هذه الأسئلة رسمنا خطة بحث بسيطة تفي بالإجابة عن هذه التساؤلات المطروحة بدأناها بمدخل وفصلين وخاتمة، موزعة على النحو الآتي.

المدخل يتكون من مجموعة من العناصر وهي : ازدهار الحركة الأدبية في العصر العباسي، بعض أعلام هذه الحركة، سواء في الشعر أو النثر، وأخيرا أشهر الفنون التي ظهرت في تلك الفترة.
أما الفصل الأول خصصناه لهذا الفن أي فن التوقيعات من حيث المفهوم، أهم الخصائص، أهم أعلامه، كما تطرقنا لذكر بعض النماذج، وجعلنا الفصل الثاني فصل تطبيقي لهذه النماذج، وختمنا البحث بموجز لأهم النتائج التي توصلنا إليها معتمدين على المنهج الأسلوبي وعلى مجموعة من الدراسات السابقة، من بينها مذكرتين لنيل شهادة الماستر موسومتان بالعنوان الآتي.
الأولى المفاهيم النقدية في العصر العباسي للطرش فتيحة، جامعة الدكتور مولاي الطاهر، سعيدة.
والثانية بلاغة الإيجاز في فن التوقيعات لإيمان فتيحة عراس، جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان.
كما أننا اعتمدنا على مجموعة من المصادر والمراجع من بينها ملامح الأدب في العصر العباسي لمحمد الخفاجي، بالإضافة إلى تاريخ الأدب العربي لحنا الفاخوري، أيضا تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف واجهتنا مجموعة الصعوبات من بينها ضيق الوقت بالإضافة إلى صعوبة تحصلنا على المصادر والمراجع، وأيضا الوضع الراهن للبلاد، كان من أهم الأسباب التي صعبت البحث وذلك لانتشار فيروس كوفيد عفانا وعافاكم الله منه.
وأخير نتقدم بكل الشكر والعرفان لمن وجهنا وأرشدنا وكان كالنور الذي أضاء طريقنا أستاذنا المشرف الدكتور مرجانة بوحوش على جهوده ومساعدته لنا، كما نتمنى أن نكون قد أعطينا هذا البحث حقه واستوفينا بعض من جوانبه على الأقل والله ولي التوفيق.
المبحث الأول أسباب وعوامل ازدهار الأدب في العصر العباسي؟
يعد العصر العباسي محطة مهمة في تاريخنا الإسلامي لما شهده من تغيرات سياسية واجتماعية وثقافية، فقد بدت الحياة فيه أكثر ازدهارا وتألقا، وقد تم تقسيم هذا العصر أدبيا من قبل بعض مؤرخي الأدب إلى ثلاثة أقسام.
1. من بداية القرن الثاني الهجري، حتى منتصف القرن الثالث الهجري.
2. من منتصف القرن الثالث الهجري حتى منتصف القرن الخامس الهجري.
3. من منتصف القرن الخامس الهجري حتى نهاية الدولة العباسية.
لقد شهد الأدب في العصر العباسي تطوراً كبيراً جداً في جميع الفنون والألوان، فقد اتسعت رقعته حتى أصبح من أهم العصور الأدبية في التاريخ العربي الإسلامي، فهو العصر الذي وصلت فيه الحياة الأدبية إلى ذروة التطور والازدهار، ولعل من أبرز الأسباب التي أدت إلى انتعاش هذه الحركة في هذا العصر بالتحديد نجد تعارف العرب على أمم وشعوب أخرى واختلاطهم بثقافاتهم وآدابهم وعلومهم وفنونهم، وكان أكثر هذه الشعوب التي اختلطت بالعرب على جانب عظيم من العلم والحضارة، فرأى الخلفاء أن يستغلوا معارفهم، ويستفيدوا منها فأطلقوا لهم حرية الفكر والقلم فأكبوا على النقل والتأليف، وأتحفوا العربية بكنوز ثمينة كانت العون الأكبر في نهضة العلوم والآداب نعم إن الحضارة العباسية لم تكن حضارة عربية خالصة بل كانت خليطا من شعوب متعددة جمعت بين العرب والفرس وأمم أخرى أعجمية، كانت تسكن العراق فقد ساهمت هذه الأخيرة في تزويد اللغة العربية بكنوز ثمينة وهذا بفضل النقل والتأليف.
ولقد شهد أيضاً العصر العباسي انتشاراً واسعاً للعلوم ومجالس العلم والفكر وكان العصر العباسي الثاني زاخرا بالعلوم، قديمها وحديثها كما كان حافلا بالعلماء والمفكرين والفلاسفة وكانت العلوم المترجمة شرطا في تكوين ثقافة الكاتب والأديب، وراج علم النجوم حتى انتشر بين الخاصة وجمهور الناس والأدباء، فعلا لقد ساهم المفكرون والعلماء في انتشار العلوم في العصر العباسي، وقد اهتم خلفاء الدولة العباسية بالعلوم والأدب والشعر إذ أخذ الخلفاء يشجعون الحركة العلمية في شتى نواحيها ويمدونها بمالهم وجاههم، وبالغوا في إكرام الأدباء وجالسوهم، وولوهم أحيانا المراكز العالية، ثم حذا الأمراء والوزراء حذو الخلفاء في أكبر مدن الدولة، وكانوا يتنافسون في ذلك كما يتنافسون في فتح دور العلم، نعم لقد كان للخلفاء العباسيين دور بارز في انتشار العلم والأدب إذ كانوا يغدقون الأموال على الأدباء ويتقربون منهم هذا ما جعل عجلة الأدب تسير نحو الأفضل.
ولقد كان العصر العباسي حافلاً بمختلف التيارات الفكرية والعلمية والأدبية ولقد كان عصر نفوذ الخلفاء العباسيين عصر ازدهار النهضة الفكرية بعامل تشجيع الخلفاء للعلوم والآداب وفي عصر اضمحلال نفوذ الخلافة العباسية أخذ العلم والأدب في الازدهار كذلك، سبب تشجيع الدويلات التي انشعبت من المملكة الإسلامية واستقلت، فقد كان لكل دولة عاصمة تنافس بغداد النفوذ والسلطان والحضارة، فعلا لقد كانت الحياة الفكرية بجوانبها العلمية والأدبية نقطة أساسية في العصر العباسي على اختلاف مراحله وتقلب الأيام فيه.
وفي العصر العباسي ساد الأمن والاستقرار السياسي وهذا ما جعل الأدب يستفيد استفادة كبيرة من هذا الأخير ظهور الدولة العباسية على إثر سقوط الحضارة الأموية سنة 132هـ، وينتهي بخلافة المتوكل سنة 232 هـ، ومن الطبيعي أن قيام العرش العباسي على أكتاف الفرس أن يطبع الأعاجم بطبعهم ويستأثر سياسية الدولة.
فالعصر العباسي هو العصر الذي نضجت فيه العلوم وفيه نضج النحو ووضع علم العروض، وظهر أئمة الفقه ووضعوا أساس المذاهب الأربعة الباقية إلى الآن وتكاثر الأدباء والشعراء، وتميز الشعر بالحضارة، وتبدلت طريقته وتلطف أسلوبه وتولدت فيه أبواب جديدة، وفيه دخل اللغة طائفة من العلوم القديمة نعني علوم اليونان والفرس والهند وغيرهم، وظهرت المؤلفات فضلا عن الترجمات، لقد كان العصر العباسي الأول المحطة الأولى لنضج العديد من العلوم وظهور الشعراء والأدباء وتحسن أسلوب الشعر، فقد شهد منذ بدايته حركة نشيطة في مجال التأليف والترجمة، كما انتشرت الترجمة انتشارا واسعا وكانت من أهم عوامل ازدهار الأدب في هذا العصر فنجد حركة الترجمة تزداد حدة وقوة وتنمو الترجمة عن اليونانية نموا عظيما، ويتم لها الانتقال من الترجمة الحرفية التي تمثلت بالعثرات والصعوبات اللفظية إلى ترجمة الفقر والعبارات بالمعنى ترجمة دقيقة، نعم لقد تم في هذا العصر بالتحديد استوقاد الكتب والمؤلفات غير العربية وترجمتها إليها في عصر امتزجت فيه الثقافات واختلط العرب بالأجناس الأخرى من فرس وغيرها.
لقد عرف العصر العباسي تطورا في الأدب لما طرأ عليه من عوامل جديدة فقد ساهمت العناصر الفارسية والتركية والسريانية والرومية والبربرية في تكوين الدولة وتمازج تلك العناصر بالتزاوج والتناسل، فاصطبغت العقلية والميول بصبغة جديدة تغلب عليها الفارسية واستفادت العرب من العلوم والآداب الأجنبية بواسطة النقل والترجمة، فكان الأدب مرآة لهذا الشعب الجديد في ميوله وعقليته، في عيشه وترفه، في زخرفة قصوره وألوان بيته في ثقافته وانطلاقه وراء العلوم، كان لابد للأدب أن يزدهر ويصطبغ بصبغة جديدة في العصر العباسي فقد كان لاختلاط العنصر العباسي بالفارسي وغيره دورا في دخول العلوم والآداب الجديدة بفعل الترجمة.
ونلاحظ أيضا من عوامل ازدهار الأدب الحرية الواسعة التي وجدها الشعراء في ساحة النظم فإنهم أطلقوا عنان خيالهم في كل شيء دون خوف أو وجل أو استحياء معبرين عن عواطفهم ومشاعرهم بما يملي عليهم الجو الذي كانوا يعيشون فيه، فعلا لقد شجع الخلفاء والوزراء ورجال الحكم في العصر العباسي العلماء والشعراء خاصة وأخذوا يتقربون منهم وهذا ما أكسبهم حرية واسعة في نظم أشعارهم وأخذوا يسرحون في خيالهم بعيداً.
المبحث الثاني أهم الفنون الأدبية التي ازدهرت في العصر العباسي؟
يعد الشعر ديوان العرب والعصب النابض في قلب المجتمع العباسي والمرآة التي صورت أحوال الناس وشؤون الحياة من استقرار أو اضطراب أو من سعادة أو شقاء فلقد عرف هذا الأخير ميلاد مجموعة من الشعراء أمثال البحتري أبي تمام، ابن الرومي والمتنبي وأبي نواس وغيرهم من الشعراء وقد ظهر في القرن الثاني طائفة من الشعراء تأثروا أكثر من غيرهم بمظاهر الحضارة العباسية الجديدة وعرفوا بالشعراء المحدثين، فهؤلاء تلقوا الشعر من القرن الأول صحيحا قوي العبارة، جزل التراكيب تغلب عليه روح البداوة القديمة في المنهج والصياغة والمعنى والخيال، وقد شدوا بحكم تحضرهم أن احتذاء القدماء في شعرهم احتذاء تاما يتنافى مع روح العصر الذي يعيشون فيه، ومن ثم راحوا يطوعونه لأغراضهم ويحددون فيه، فمن مظاهر التجديد في الشعر التجديد في منهج القصيدة وتعبير الشعر عن حياة الفرد، إضافة الصيغة الفنية كذلك التجديد من حيث الأوزان والقوافي حيث أصبحت أوزانا خفيفة.
من أهم الفنون الأدبية التي ازدهرت في هذا العصر؟
في الشعر لقد عرف الشعر تطورا ملحوظا في العصر العباسي فقد ازداد نظمه وكثر عدد الشعراء إذ لا نجد له نظيرا في أي عصر من العصور، فقد تطورت موضوعاته التقليدية كالمدح والهجاء والغزل بالمؤنث والوصف والفخر والزهد والسياسة والحكمة والمثل، وأكثر الشعراء منها وافتنوا في معانيها وصبغوها بصبغة المبالغة، أما الأغراض التي لم يكونوا يعرفونها من قبل الغزل بالمذكر والتعصب لبعض أنواع الزهد والخوض في المجون وهجاء المغنيين ووصف أنواع المطاعم، والحكايات التهذيبية.
1. المدح؟
لقد عرف المدح تطورا محسوسا لأن قصيدة المدح أصبحت وثيقة تاريخية تصور الأحداث والحروب والبطولات العربية، ولقد ظهر التجديد في هذا الغرض وهو مدح المدن وتعداد محاسنها ومن المدن التي حظيت بالمدح هي مدينة البصرة والكوفة كانت بغداد موردا عذبا لطرائف الشعراء فأقبلوا عليها ينهلون من فيضها، فما ينضب معينه ولا يرتوون، فتكاثر عددهم وأخذوا يتنافسون في مدح الخلفاء والأمراء مستدرين أكفهم، مبالغين في مدحهم والزلفى إليهم فأصبح الغلو ميزة خاصة لهذا النوع من الشعر، لأنه جعل آلة للتكسب، لقد كان من أثر المدينة كثرة شعراء المدح فقد أجزلوا الخلفاء العطاء على قدر مبالغة الشعراء في مدحهم ومن أمثلة ذلك قول البحتري في المتوكل وكان اسمه جعفرا.
خَلَقَ اللَهُ جَـعفَراً قَيِّـمَ الدُن يا سَـدادًا وَقَيِّمَ الدينِ رُشـدًا، أَظهَرَ العَدلُ فَاِستَنارَت بِهِ الأَرضُ وَعَمَّ البِلادَ غَوراً وَنَجدا.
2. الهجاء؟
عرف هذا الغرض ازدهارا في العصر العباسي لأن الشعراء عبروا عن مشاعرهم وقد قسم إلى قسمين هجاء شخصي وهجاء سياسي وقد ظهر قسم آخر وهو هجاء اجتماعي، لقد امتاز هذين اللونين بالسخرية ظل الهجاء على ما كان عليه في صدر الإسلام من فحش وإقذاع وكثرت مهاجاة الشعراء بعضهم لبعض ولا يتنكبوا عن هجاء الخلفاء فِعْلَ بشار ودعبل، وجعلوا الهجو كالمدح آلة للتكسب، يهددون به من يمدحونه إذا أخلفهم غيثه أو أقل دره، فعرضوا أنفسهم للحبس والضرب والنفي، وللموت أحيانًا فعلا لقد مثل الهجاء في هذا العصر ما نتج من خبث النفوس وشبع العثرات لضعف الوازع الديني ومن أمثلة ذلك:هجاء دعبل للمأمون في قوله.
أَيَسومُني المَأمونُ خِطَّةَ عاجِزٍ أَو ما رَأى بِالأَمسِ رَأسَ مُحَمَّدِ، يوفى عَلى هامِ الخَلائِفِ مِثلَ ما توفى الجِبالُ عَلى رُؤوسِ القَردَدِ.
3. الغزل؟
لقد تطور هذا الغرض في العصر العباسي فقد برزت أنواع من هذا الفن الغزل بتنوع الحياة الموجودة في هذا الغرض فبرز الغزل القصصي والغزل الحسي ويعود السبب لانتشار الزندقة وشيوع الملاهي وتنوع المذاهب والآراء كثر الغزل في هذا العصر كثرة مفرطة، حتى يمكن أن يقال إن جميع الشعراء عنوا بالنظم فيه ومن عناية أعدته لكي يزدهر ازدهارا واسعا، إذ تداوله أفذاذ الشعراء وصاغوه بعقلياتهم الخصبة الحديثة وما أوتوه من قدرة على التوليد في المعاني القديمة واستنباط كثير من الخواطر والأخيلة الجديد، إن الغزل في هذا العصر اختلف عن الغزل في العصور السابقة حيث أصبح لكل شاعر جارية، كما انتشرت حركة الغناء وشرب الخمر والذي ساهم في اختلاف الغزل.