0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة (4.2مليون نقاط)

الشعر التأملي هو اتجاه ذاتي يتضمن آراء قائله في الحياة والوجود، وتتفرع منه الصور المختلفة لأشكال التعبير وهو الصوت الخالد لأي فن من الفنون وقد نال في الشعر المعاصر مكانة كبيرة لا تكاد تخلو دواوين شعراء العصر الحديث منه، ولعل أقرب دلالاته وضوحاً أنه انعكاس لتأمل الإنسان في الحياة والطبيعة وما بعدهما. 

والشاعر الحديث في تأملاته يستلهم مجموعة من الخواطر التي تلح عليه بأبعادها النفسية مولدة لديه انفعالات حائرة هو في الأساس لا يدرك جميع خلفياتها فيبدأ بتحليلها وفق مفاهيمه الخاصة، ولذا فقد تتعدد مفاهيم شاعر عن شيء واحد عندما تختلف دواعي نظرته النفسية.

وللتأمل بواعث نفسية تدفع إلى الانطواء على النفس والتعبير عنها في تجارب مختلفة من التأمل تلفها أثواب من العاطفة كالحسرة والألم والخوف والتشاؤم.

وتبدأ رحلة التأمل عند عبدالله شرف حينما يمنح عقله الحرية ليسبح في مدارات غير محكومة بنظام فتحتدم حينئذ في داخله مشاعر ثائرة وأخرى أقل ثورة لترتسم في نهاية المطاف ملامح تأملاته.

ومن هذا المنطلق نجد أن شعر شرف التأملي تتجاذبه نظرتان الأولى مجردة تنظر إلى الطبيعة ومفرداتها وفق تصور الشاعر الخاص لها، والأخرى فلسفية عميقة تتجاوز حدود الطبيعة إلى نظرة تشكلها حالات نفسية صعبة يمر بها الشاعر.

أ. التأمل المجرد : ويدور حول مظاهر الطبيعة وما تثيره في النفس من انعكاسات وخوالج وصور خيالية يرى فيها الشاعر أحياناً رموزاً لأشياء يجدها وأخرى يفتقدها.

لقد كان الشاعر قديماً يعرض للطبيعة عرض الواصف المفتون بجمال مكوناتها وبديع حسنها، أما شعراء العصر الحديث وبخاصة الشعراء الرومانسيون فكانوا ينظرون إلى الطبيعة نظرة أعمق دلالة من تلك النظرات.

والفرق بين شعر الطبيعة لدى الرومانسيين ووصف الطبيعة لدى الآخرين هو أن الأول يقوم على تعبير الشاعر عن التجاوب الشعوري بينه وبين مظاهر الطبيعه، في حين يعتمد شعر وصف الطبيعة على دقة الشاعر في تحديد الصفات الظاهرية لهذه المظاهر. 

ونظرات الرومانسيين إلى مظاهر الطبيعة تقوم على تأمل مفرداتها فكل كائن فيها له رمز يعبر الشاعر من خلاله عما في نفسه فالطائر يرمز للحرية والزهرة ترمز للبراءة والطهر أحياناً والضعف وسرعة الفناء أحياناً أخرى، والبحر يرمز للعطاء، والموج يرمز للحيروت والقوة والخوف والنهر يرمز للهدوء والقنوع، والسماء ترمز للرجاء، والليل يرمز للوحدة والانكسار والنجوم ترمز للبعد، وقد يصنع الشاعر رمزه الخاص المكونات الطبيعة الخاصة به فيجعل من البحر الذي هو مصدر للعطاء عند الكثير من الرومانسيين رمزاً للظلم والخوف ويجعل من النهر رمزاً للضعف والتقوقع وهذا يعود إلى نفسية الشاعر وحالته التي يمر بها. 

وشعراء التأمل يفرون إلى الطبيعة هروباً من واقعهم بحثاً عن مظاهرها التي وجدوا فيها سحر الوجود وجمال الحياة مبتعدين قدر الإمكان عن صخب المدن وضجيجها. 

وكثيراً ما تعامل أولئك الشعراء مع الطبيعة على أنها كائن حي يناجونه ويناجيهم فراحوا يجسدون في تلك الطبيعة ملامح إنسانية، ويجعلونها تضحك وتبكي وتطرب وتشقى وتناجي وتشتكي وتعاني وطأة الوجود وتغتبط به فكأنها إنسان متكامل سوي. 

وأول ما يطالعنا من مظاهر الطبيعة في شعر شرف كائن حر افتقد الشاعر صفته في نفسه، إنه الطائر عصفوراً كان أو بليلاً أو نورسا، فهو يغبط الطير ويتخذ من غنائه دليلاً على سعادته بما هو فيه من حرية.

يقول في مقطوعة تأمل فيها عصفوراً طليقاً رأى فيه نفسه الأسيرة بعنوان، العصفورة والأحلام

عصفور يخرج من جلباب الكون

ويدخل في ملكوت الله

يُقلب في أوراق جرير

وأحلام المتنبي

وينوء بأوراق العشاق

عصفور تنفلت الدنيا من عينيه 

فما يبغي هذا المتسربل بالأحلام

لم يكن شرف في تلك المقطوعة باحثاً عن إجابة السؤال لن يدرك مداه عصفور، ولكنه كان يبحث عن ذاته في ذلك العصفور الطليق ليجد أن تشابهاً يجمع بينهما في كل شيء إلا الحرية.

وفي مشهد آخر يتأمل الشاعر عصافير طليقة مصرحاً بالفارق الذي لم يبده في مقطوعته السابقة لتشعر معه بدرجة غبطته لها، يقول :

المدى أجنحة للعصافير تنثر أنغامها الجامحة. 

والمدى للمساكين تحضن أحلامها المطفأة. 

لقد حلق الشاعر مع العصافير بناظريه ولكن سرعان ما ارتد إليه طرفه وهو في مكانه، لأن ذلك المدى كما ذكر للعصافير فقط وليس في إمكانه هو وأمثاله إلا الانطلاق بالأحلام والتحليق بها في مدارات الخيال ليس غير.

وفي مقطوعة أخرى يسمو بنفسه عن غبطة الطيور في تحليقها، لأنه يرى أن الحرية وحدها غير قادرة على تحقيق أمانيه فيتخيل أنه بلا قيود ويصور نفسه طائراً طليقاً ليحط بعد ذلك على ما لم يتحقق من أمانيه وأحلامه، يقول:

لا طائر الأيك قد أنهى ترنمه

ولا أحس بشدو الطائر الكلأُ

كم طاف في الأفق والآمال تحمله

وآب والحلم في جنبيه يهترئُ

سما به الصدق واسترقى بدوحته

لا الزيف مال به أو غاله الحمأُ

وكم تحامى بدفء الحرف في زمن

عاث الغباء به واستفحل الصدأُ

لا الحرف أجدى ولا الإخلاص أنقذه

من مهمه التيه أو آسى له الملأُ

يا رحلة العمر كم من شمعة ذبلت

وما يزال الفتى في الوهم يختبئ

لقد صور ذاته طائراً محلقاً في الفضاءات التي طالما حلم بالتحليق في أجوائها وغبط عليها الطيور ولكن ما الذي أفاده بعد ذلك وهو ما يزال محللاً بأوهام ظنها أمالا؟ ولا تفارق مظاهر الطبيعة الأخرى الشاعر في غالب أحواله فهو يجد فيها المتنفس والراحة ويستشعر معانيها في وجدانه فيستعرضها في أوان وغير أوان، وهذا الشعور يدفعه إلى استحضارها في مناجاته ليضمنها تباريحه عندما تستقر نفسه وتخيم عليها العوطف الهادئة.

فها هو يدعو حبيبته إلى تأمل مظاهر يجد فيها الهدوء والاطمئنان، لعلها تستحضر معه المشاعر نفسها

إذا ما سرت عند النيل في إشراقة الفجر

وأسمعك النسيم العذب أنغاماً من الطهر

وغنّى الطير ألحان الهوى العذري

فبوحي ليس غير الحب والأشواق في صدري

إذا ما أورق الغصن

وضوّع بالشذى الزهر 

وعادك ذكر أيامي

فعودي لا أزال هنا

أقص على الرّبى أمري.

ورموز تلك المظاهر التي يعنيها الشاعر لا تكاد تخفى فالسياق يدل عليها والقرائن غير خفية، وهذا ما نلمسه جلياً في تعامل الشاعر مع كثير من مظاهر الطبيعة في باقي شعره. 

وفي قصائد أخرى يكثر الشاعر من تناول مظاهر الطبيعة والتعامل معها قاصداً في الغالب رموزها المتعارف عليها عند الرومانسيين وقد يذكرها عرضاً في إشارات دون أن يرمي إلى رمز ما ولكنه يدور معها في أُطر الفقد والحرمان، والطموح المقيد.

وشعره الحر مليء بهذا النوع من التأملات، وربما عاد ذلك الحرية القافية فيه وسهولة التعامل مع عدد التفعيلات في كل شطر.

وهناك جانب آخر يمكن أن نستدل به على كثرة شعره الحر في شعر الطبيعة وهو مبدأ التعويض فالحرية الموجودة في الشعر الحر يحس الشاعر معها بالانطلاق الذي حرم منه بسبب عاهته.

ومن ذلك الشعر الذي استعرض فيه بعض مظاهر الطبيعة ذات الإيحاءات الخاصة قوله

حينما ينساب ضوء الفجر مختالاً نديّا

وشعاع الشمس ينسل فتيّا

والعصافير تغني هزّها الصبح الجديد

فأفيقي يا فتاتي ذاكَ قلبي

وإذا ما طلِّ نُورُ الصبح

من بين شبابيك الأميرة

وعبير الزهر يجتاح السكون

ويميل الغصن في دَلَّ

على الغصن المجاور

فأفيقي يا فتاتي ذاك قلبي

وإذا شاهدت في الأفق غمامة

... لا تخافي يا فتاتي

أو تقولي يومنا يوم مطير

إنما الصبح وليد

لسويعاتِ الجهامة

فتعالي لا تبالي

وانشري الشعر الجموح للرياحْ

فكل مظهر من تلك المظاهر التي تأملها الشاعر يكاد يستقل بذاته وبعضها يتحد مع مثيله لتستقل معاً بمعنى خاص يرمز إليه وجدان الشاعر فضوء الفجر وشعاع الشمس والصبح الجديد ونور الصبح كلها ترمز إلى الأمل الذي يتوق الشاعر إليه، والعصافير ترمز للانطلاق والحرية وعبير الزهر يرمز للصفاء والنقاء، والغصن يرمز إلى الراحة والاستقرار، والسكون يرمز للخوف والأفق يرمز للضياع، والغمامة في ذاك الموضع ترمز إلى الدمار، والرياح ترمز للقوة. 

ويمكننا أن نربط بسهولة بين الحالة النفسية والمظاهر الطبيعية الموظفة معها من خلال معرفة ما وراءها، فالشاعر في المقطوعة السابقة تعامل مع مظاهر ترمز إلى الأمل والانطلاق والصفاء أثناء حديثه عن أجوائه الحالمة، ثم يلجأ إلى مظاهر ترمز إلى التحدي والصمود والخوف عندما فهى محبوبته وأظنها نفسه عن الاستسلام لها.

دليل ذلك أنه في المقطوعة الآتية تجاوز مظاهر طبيعته الحالمة إلى مظاهر طبيعة أبيه الصلبة، في وقفة له مع آمال أبيه التي لم تتحقق على ما بذل من صمود ونضال، يقول:

كانت آمالك، حقاً 

لا تعترف بأية حدّْ

تتماوج في ذرات الريح

وتشرب من نبع الأفراح الممتدّ

كان الإعصارُ يُدَوِّي يَقتِلِعُ الجَذر

وكان الصبر يصبُّ عليك الأمن

فيبسم وجهكَ

كانَ الْجَزْرُ يُضَاعِفُ مِنْ أَمواج المدّ

تلك المفردات قل أن يوظفها في معرض تجاربه الخاصة، لأنه في حديثه عن تجاربه يتناول من مظاهر الطبيعة ما يفتقده ويرنو إليه كالطيور والزهور والصباح والأنهار.

أما تجربة أبيه الذي كان مثالاً للصمود والتحدي فذكر لها مفردات ناسبت معاناته التي حملت رموزها الخاصة بتلك التجربة المريرة.

وتوظيفه لتلك المفردات توظيف عفوي ينم عما في داخله من طموح أو ألم دون أن يتكلف في تأويل مظهر وتحميله ما لا يحتمل.

ب. التأمل الفلسفي : يختلف التأمل الفلسفي عن المجرد في عمق النظرة وبعد التحليل حيث إن التأمل الفلسفي يتناول المجردات فيدقق النظر فيها إدراكاً لكنهها معتمداً في ذلك على التحليل العقلي ولا يتقن هذا اللون إلا شاعر فيلسوف متعمق، وصاحب أفكار خاصة. 

وتتحكم حالة الشاعر النفسية في التحليل العقلي قرباً وبعدا ومتى زاد جنوح الشاعر عن الواقع وابتعد بنظراته عن حقيقة ما يُدرك من الأشياء كان تأمله فلسفيا.

ولهذا النوع من التأمل محال خصب في شعر شرف فهو يتخذ من عزلته صومعة مغلقة يطلق منها نظراته الخاصة، سواء أكانت ذات صلة بمفردات الطبيعة أم بعيدة عنها.

ويعود سر تلك التأملات الفلسفية إلى نوع الحصار الذي يعانيه الشاعر مما يضطره إلى البحث عن منفذ بين تأملاته في الكون والحياة والإنسان، وربما طال تأمله ذاته.

وتلك التأملات إن بدا عليها نوع من التمرد عند شعراء آخرين فإننا لا نكاد تجد في شعر شرف شيئاً من ذلك، إلا ما كان يدور حول ذاته اليائسة عبر تساؤلات مباشرة وغير مباشرة.

ويمكن الوصول إلى خلفيات تأمله ذاته من خلال مقطوعة صور فيها عزلته وعجزه وصبره في قصيدته وداعاً رفاقي، فها هو يقول وقد ملأ الظلام جوانحه

لك الليل يا نفس طال الطريق

وضلّت خطاك إلى المنحدر

تنادين من؟ ليس غير السكون

وغير العثار وغير الضجر

أفيقي تحطم كأس الخيال

وصوّح غصن الهوى واندثر

على الرغم مني ومنك الشقاء

فثوري كما شئتِ أين المفر؟

إنها زفرة ثارت بها تداعيات يأسه فانطلقت صرخة مدوية من أعماقه، ما لبثت أن ارتدت إليه ليعلن بعدها استسلامه فلم يملك إلا أن يبحث عن حل آخر، يقول

تعالي نضمد جرح الهوان

وجرْحَ المُداوي الذي قَدْ غَدَرُ

أفيقي وهيا لركن قصيّ

تنادي به الموكب المنتظر

إن هذا الحل نوع من الهروب الذي تعود الشاعر عليه في صراعه مع ذاته حينما يكون أعزل.

وفي موقف آخر يتأمل مقاومته لعوادي الحياة التي آلت في النهاية إلى خضوع، يقول عن ذلك متمثلاً جبروت المد وأمواجه

هو المد يعلو

وها أنت تسمع زقو العصافير 

تطلب دفئا

ورأسك بين الذراعين

ها أنت تحفر فوق المياه

وها أنت ترقد تخفي الدموع

وموجك يا مدّ يعلو

فكيف يغني كسير الجناح

يتأمل الشاعر المد وأمواجه مستدعياً مواقف من مقاومته لتلك التحديات، ولكن أمواج المد تطبق شفتيه وتقهر مقاومته التي أسلمته من قبل إلى الوجوم.

وقد يزداد به الجموح حينما يجهد في البحث عن الخلاص فلا يجد غير ما قدر له فيلزم الصمت ويكبح جماح تأملاته، يقول

انتظر، لا أنتظر

انتظر، أين المفر

فالمساحات انتظار ليس يحصيها النظر

فاهدأ الآن استقر

كم أضعنا في المتاهات العمر

طائري فامرح وغرد

وارتفع واهبط على صدري مقر 

إنما الدنيا قدر

کشفت مقطوعته تلك عن صراع مر به فنفسه تأمره بالانتظار وجموحه يأبي ذلك ولكن سرعان ما يهدأ مسلماً بالقدر.

وفي مواقف أخرى يتجلى البعد النفسي للشاعر في تشكيل فلسفة ذات إيحاءات معاكسة وذلك حينما تتنامى في عقل الشاعر معاناة الصمود والتحدي، فيبلغ التأمل ذروته تاركا بصمة غير معتادة فعندما كان شرف يسمع في الشدو نشيجا ويرى في النور عتمة نجده الآن يجعل للريح يداً عليه، بعد أن عصفت به مرات كثيرة، فها هو يقول

هي الريح تلك التي شكلتك

وأعطتك ثوب الشموخ 

فكيف غزلت من الشدو

للريح سوط العذاب 

ودراعة التهلكة

فهو لا يريد أن يجحد فضل الريح عليه ولا يريد أن يصورها رمز دمار، لأنه تعلم منها معنى الشموخ والكبرياء ولأنها وهبته ما شحت به النسائم اللطيفة ثم يندم على ما فعله بها في الماضي عندما استعان عليها بالشدو محارباً أعاصيرها، وناسحاً لها من ترنيماته سياط عذاب وثياب هلاك.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
ومن إيحاءات تلك الفلسفة تأمل الشاعر للحياة، وشؤونها معه وهو في غمرة أحزانه فتنطلق رؤاه مصورة خبايا نفس حزينة يغلب عليها التشاؤم والقلق، يقول مخاطباً نديمه

يا نديمي عمرنا وهم ودنيانا سراب

لم نجد إلا شجوناً في شجون في مصاب

فاطرد الآلام قد أنهيت أيام العذاب

واحبس الدمع فإن الموت للمحروم أكرم

يا نديمي ليس في عمري هناء أو حنان

حطمتني حيرتي الحمقاء وازداد الهوان

عشت في الشك ولم أدرك على رغمي أمان

فلتعش بعدي على الذكرى فكم في الذكر مغنم

نظراته تلك تكشف أبعاداً نفسية شكلت في ذهن الشاعر خيالات وأوهاماً فاضت بها قريحة لم تستطع المقاومة.

ومما يستوقفنا من تأملاته تساؤلات حيرته، وأسرار لم تتكشف له عن الكون والحياة وبعض مظاهر الطبيعة وذلك عندما يطلق لعقله العنان محاولاً اكتشاف رؤى أخرى عن أشياء نراها في مفهومنا واضحة.

من ذلك ترجمته لرؤاه الخاصة على لسان عصفور غرير يحاور غصناً في أمور ضاق بها صدره الصغير، يقول

همس العصفور يوماً يسأل الغصن النضير

أي سر قد طوته الأرض من ماضي الدهور

أي معنى لليالي في أساها والسرور

تساؤلات عامة لا تمثل أية أهمية العصفور همه التحليق والشدو ولكن الشاعر يجسد تساؤلاته في فلسفات بعيدة لا يحيط بها إلا عقل كعقله.

ثم ينتقل الشاعر من حيرته العامة إلى تفصيل بعض دواعيها على لسان عصفوره حول بعض مظاهر الطبيعة

حيرتني همسة الأمواج للشط الصبور

وشوشات الريح للأغصان للزهر النضير

كلما قلبت عيني ضقت بالسر الخطير

ضاع في التفكير عمري واشتكى عقلي الفتور

تشغل الحيرة بال الشاعر في أمر المظاهر فهدير الأمواج في تأملاته همس وأعاصير الريح وشوشة وهو بين هذا وذاك يريد أن يكشف أسرار همسات الموج للشطآن ويحرص على فهم وشوشات الريح للأغصان والزهور، وبعد أن تفشل محاولاته يقر بالعجز.

ويسترسل الشاعر مع عصفوره في تأمل صراع الإنسان مع دنياه مفلسفاً تأملاته إلى أسرار تبحث عن إيضاح، ولكنه يرجع دون إجابة شافية.

ومن الجوانب الإيحائية في مقطوعتيه تستطيع أن تلمس مدلولاً احتراسياً من خلال إلقاء الشاعر على العصفور تبعات تساؤلاته الغامضة، في حين أنه يعنى بالعصفور نفسه.

وأيضاً يظهر جانب إيحائي آخر يتمثل في اختياره للعصفور دون غيره ذلك الجانب يحمل في خباياه البراءة والوضوح والحرية، وهي ما يبحث عنها لذاته وهذا الجانب ظهر كثيراً في تأملاته المجردة.

وإذا كان الطائر الطليق رمز حرية ونقاء في مفهوم الشاعر فهو في أحيان أخرى يصمه بالسذاجة، لأنه لا يستطيع إدراك حقائق مختلفة يزعم الشاعر أنه يدركها ولذا لا يلومه في مراحه وغنائه وخلوه من فلسفات لا تزال تثقل صدره

أيها الطائر يا ضوء السماء

تملأ الجو مراحا

وتداني قبة الكون

وتشتاق بريقه

أترى كنت تغني

لو تكشفت الحقيقة

أي حقيقة تلك التي تكشفت للشاعر ولم يخبر بها طائره لئلا يمنعه من مرحه وشدوه كما منعته هو ربما كانت ضمن حقائق مختلفة أخضعها الشاعر لتأملاته الفلسفية العميقة في الكون والحياة.

وللصدى الذي يخلفه البعد النفسي على وجدان الشاعر تأثير قوي في تغير نظراته وكثيرة تلك المواقف التي تبرز هذه التحولات من ذلك فلسفته الحياة أخيه الإنسان حينما تأمل راعياً ألقى بالدنيا وراءه، وأقام مملكة من الأحلام لا يحكمها سواه يقول شرف وقد استشعر معنى الحياة الحقيقي

النجوم التي بعثرتها يداك

تسائل عنك

مساراتك المتعبات

وتلك الغنيمات ينقرن وجه الأديم

وتجري السنابل

تجلس في ظل نايك ترفو المنى

ثم للحلم تمضي

فهل كنت تدري بأن العصافير

تقرأ من راحتيك النشيد

لقد سيطرت نظرة الشاعر الرحبة في تأملاته الراعي وعالمه فقد أخضع للراعي النجوم، كما ضم السنابل والعصافير إلى رعاياه ليجعل منها كلها مملكة خاصة به، في حين أن الراعي نفسه لم يدرك تلك الأبعاد التي عناها الشاعر بدليل السؤال الأخير الذي كشف عن عفوية الراعي في تعامله مع عناصر مملكته.

ومن نظرة الإنسانية الحالمة إلى نظرة مغايرة تأمل من خلالها الإنسانية المتهتكة في ذات الإنسان المعاصر الذي لم يستطع الشاعر تحديد موقفه مع إنسانيته الجوفاء، يقول

أهذا قدري

الصمت أم الغوغاء

فأنظر للجيب المثقوب

وأجساد الباعة

ولصوص القوت

فأنظر حولي

تسقط من يدي الأوراق

والوقت ضنين

لا يسمح بالدمع

ولا يجديه الآن

عزاء لا يدري هل يلزم الصمت أو الثرثرة؟ وفي أيهما الجدوى؟ كل هذا والوقت يمر عليه سريعا، وأوراقه تتساقط دون أن يجد جواباً ليحدد موقفه، ولكنه يائس من جدوى الحالتين كيأسه من صلاح إنسان المطامع والشهوات فيهداً بعد فوات زمان البكاء، وضياع جدوى العزاء.

وبعد هذا العرض لبعض مسارات تأملاته الفلسفية تخلص إلى أن عبدالله شرف يخضع في تأملاته تلك للحالة النفسية التي يمر بها، فقد يرى الأشياء على حقيقتها وقد يراها على غير ذلك، وهذا يعود للمفهوم الذي يدركه عقله لماهيات الأشياء.

والشعراء عموماً يغلب عليهم تصور عام المجالات تأملهم، وهذا التصور لدى شرف يميل إلى الاعتدال فلا يجنح بتأملاته إلى مسار بين الشبهة ولا يقف بها عند حدود المتعارف عليه دون أن يمررها في قنوات خياله لتخرجها انطباعاته النفسية الخاصة على شكل فلسفة خاصة به.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل سبتمبر 24، 2024 في تصنيف لعبة تراكيب بواسطة أثير الثقافة (4.2مليون نقاط)
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...