الشعر التأملي هو اتجاه ذاتي يتضمن آراء قائله في الحياة والوجود، وتتفرع منه الصور المختلفة لأشكال التعبير وهو الصوت الخالد لأي فن من الفنون وقد نال في الشعر المعاصر مكانة كبيرة لا تكاد تخلو دواوين شعراء العصر الحديث منه، ولعل أقرب دلالاته وضوحاً أنه انعكاس لتأمل الإنسان في الحياة والطبيعة وما بعدهما.
والشاعر الحديث في تأملاته يستلهم مجموعة من الخواطر التي تلح عليه بأبعادها النفسية مولدة لديه انفعالات حائرة هو في الأساس لا يدرك جميع خلفياتها فيبدأ بتحليلها وفق مفاهيمه الخاصة، ولذا فقد تتعدد مفاهيم شاعر عن شيء واحد عندما تختلف دواعي نظرته النفسية.
وللتأمل بواعث نفسية تدفع إلى الانطواء على النفس والتعبير عنها في تجارب مختلفة من التأمل تلفها أثواب من العاطفة كالحسرة والألم والخوف والتشاؤم.
وتبدأ رحلة التأمل عند عبدالله شرف حينما يمنح عقله الحرية ليسبح في مدارات غير محكومة بنظام فتحتدم حينئذ في داخله مشاعر ثائرة وأخرى أقل ثورة لترتسم في نهاية المطاف ملامح تأملاته.
ومن هذا المنطلق نجد أن شعر شرف التأملي تتجاذبه نظرتان الأولى مجردة تنظر إلى الطبيعة ومفرداتها وفق تصور الشاعر الخاص لها، والأخرى فلسفية عميقة تتجاوز حدود الطبيعة إلى نظرة تشكلها حالات نفسية صعبة يمر بها الشاعر.
أ. التأمل المجرد : ويدور حول مظاهر الطبيعة وما تثيره في النفس من انعكاسات وخوالج وصور خيالية يرى فيها الشاعر أحياناً رموزاً لأشياء يجدها وأخرى يفتقدها.
لقد كان الشاعر قديماً يعرض للطبيعة عرض الواصف المفتون بجمال مكوناتها وبديع حسنها، أما شعراء العصر الحديث وبخاصة الشعراء الرومانسيون فكانوا ينظرون إلى الطبيعة نظرة أعمق دلالة من تلك النظرات.
والفرق بين شعر الطبيعة لدى الرومانسيين ووصف الطبيعة لدى الآخرين هو أن الأول يقوم على تعبير الشاعر عن التجاوب الشعوري بينه وبين مظاهر الطبيعه، في حين يعتمد شعر وصف الطبيعة على دقة الشاعر في تحديد الصفات الظاهرية لهذه المظاهر.
ونظرات الرومانسيين إلى مظاهر الطبيعة تقوم على تأمل مفرداتها فكل كائن فيها له رمز يعبر الشاعر من خلاله عما في نفسه فالطائر يرمز للحرية والزهرة ترمز للبراءة والطهر أحياناً والضعف وسرعة الفناء أحياناً أخرى، والبحر يرمز للعطاء، والموج يرمز للحيروت والقوة والخوف والنهر يرمز للهدوء والقنوع، والسماء ترمز للرجاء، والليل يرمز للوحدة والانكسار والنجوم ترمز للبعد، وقد يصنع الشاعر رمزه الخاص المكونات الطبيعة الخاصة به فيجعل من البحر الذي هو مصدر للعطاء عند الكثير من الرومانسيين رمزاً للظلم والخوف ويجعل من النهر رمزاً للضعف والتقوقع وهذا يعود إلى نفسية الشاعر وحالته التي يمر بها.
وشعراء التأمل يفرون إلى الطبيعة هروباً من واقعهم بحثاً عن مظاهرها التي وجدوا فيها سحر الوجود وجمال الحياة مبتعدين قدر الإمكان عن صخب المدن وضجيجها.
وكثيراً ما تعامل أولئك الشعراء مع الطبيعة على أنها كائن حي يناجونه ويناجيهم فراحوا يجسدون في تلك الطبيعة ملامح إنسانية، ويجعلونها تضحك وتبكي وتطرب وتشقى وتناجي وتشتكي وتعاني وطأة الوجود وتغتبط به فكأنها إنسان متكامل سوي.
وأول ما يطالعنا من مظاهر الطبيعة في شعر شرف كائن حر افتقد الشاعر صفته في نفسه، إنه الطائر عصفوراً كان أو بليلاً أو نورسا، فهو يغبط الطير ويتخذ من غنائه دليلاً على سعادته بما هو فيه من حرية.
يقول في مقطوعة تأمل فيها عصفوراً طليقاً رأى فيه نفسه الأسيرة بعنوان، العصفورة والأحلام
عصفور يخرج من جلباب الكون
ويدخل في ملكوت الله
يُقلب في أوراق جرير
وأحلام المتنبي
وينوء بأوراق العشاق
عصفور تنفلت الدنيا من عينيه
فما يبغي هذا المتسربل بالأحلام
لم يكن شرف في تلك المقطوعة باحثاً عن إجابة السؤال لن يدرك مداه عصفور، ولكنه كان يبحث عن ذاته في ذلك العصفور الطليق ليجد أن تشابهاً يجمع بينهما في كل شيء إلا الحرية.
وفي مشهد آخر يتأمل الشاعر عصافير طليقة مصرحاً بالفارق الذي لم يبده في مقطوعته السابقة لتشعر معه بدرجة غبطته لها، يقول :
المدى أجنحة للعصافير تنثر أنغامها الجامحة.
والمدى للمساكين تحضن أحلامها المطفأة.
لقد حلق الشاعر مع العصافير بناظريه ولكن سرعان ما ارتد إليه طرفه وهو في مكانه، لأن ذلك المدى كما ذكر للعصافير فقط وليس في إمكانه هو وأمثاله إلا الانطلاق بالأحلام والتحليق بها في مدارات الخيال ليس غير.
وفي مقطوعة أخرى يسمو بنفسه عن غبطة الطيور في تحليقها، لأنه يرى أن الحرية وحدها غير قادرة على تحقيق أمانيه فيتخيل أنه بلا قيود ويصور نفسه طائراً طليقاً ليحط بعد ذلك على ما لم يتحقق من أمانيه وأحلامه، يقول:
لا طائر الأيك قد أنهى ترنمه
ولا أحس بشدو الطائر الكلأُ
كم طاف في الأفق والآمال تحمله
وآب والحلم في جنبيه يهترئُ
سما به الصدق واسترقى بدوحته
لا الزيف مال به أو غاله الحمأُ
وكم تحامى بدفء الحرف في زمن
عاث الغباء به واستفحل الصدأُ
لا الحرف أجدى ولا الإخلاص أنقذه
من مهمه التيه أو آسى له الملأُ
يا رحلة العمر كم من شمعة ذبلت
وما يزال الفتى في الوهم يختبئ
لقد صور ذاته طائراً محلقاً في الفضاءات التي طالما حلم بالتحليق في أجوائها وغبط عليها الطيور ولكن ما الذي أفاده بعد ذلك وهو ما يزال محللاً بأوهام ظنها أمالا؟ ولا تفارق مظاهر الطبيعة الأخرى الشاعر في غالب أحواله فهو يجد فيها المتنفس والراحة ويستشعر معانيها في وجدانه فيستعرضها في أوان وغير أوان، وهذا الشعور يدفعه إلى استحضارها في مناجاته ليضمنها تباريحه عندما تستقر نفسه وتخيم عليها العوطف الهادئة.
فها هو يدعو حبيبته إلى تأمل مظاهر يجد فيها الهدوء والاطمئنان، لعلها تستحضر معه المشاعر نفسها
إذا ما سرت عند النيل في إشراقة الفجر
وأسمعك النسيم العذب أنغاماً من الطهر
وغنّى الطير ألحان الهوى العذري
فبوحي ليس غير الحب والأشواق في صدري
إذا ما أورق الغصن
وضوّع بالشذى الزهر
وعادك ذكر أيامي
فعودي لا أزال هنا
أقص على الرّبى أمري.
ورموز تلك المظاهر التي يعنيها الشاعر لا تكاد تخفى فالسياق يدل عليها والقرائن غير خفية، وهذا ما نلمسه جلياً في تعامل الشاعر مع كثير من مظاهر الطبيعة في باقي شعره.
وفي قصائد أخرى يكثر الشاعر من تناول مظاهر الطبيعة والتعامل معها قاصداً في الغالب رموزها المتعارف عليها عند الرومانسيين وقد يذكرها عرضاً في إشارات دون أن يرمي إلى رمز ما ولكنه يدور معها في أُطر الفقد والحرمان، والطموح المقيد.
وشعره الحر مليء بهذا النوع من التأملات، وربما عاد ذلك الحرية القافية فيه وسهولة التعامل مع عدد التفعيلات في كل شطر.
وهناك جانب آخر يمكن أن نستدل به على كثرة شعره الحر في شعر الطبيعة وهو مبدأ التعويض فالحرية الموجودة في الشعر الحر يحس الشاعر معها بالانطلاق الذي حرم منه بسبب عاهته.
ومن ذلك الشعر الذي استعرض فيه بعض مظاهر الطبيعة ذات الإيحاءات الخاصة قوله
حينما ينساب ضوء الفجر مختالاً نديّا
وشعاع الشمس ينسل فتيّا
والعصافير تغني هزّها الصبح الجديد
فأفيقي يا فتاتي ذاكَ قلبي
وإذا ما طلِّ نُورُ الصبح
من بين شبابيك الأميرة
وعبير الزهر يجتاح السكون
ويميل الغصن في دَلَّ
على الغصن المجاور
فأفيقي يا فتاتي ذاك قلبي
وإذا شاهدت في الأفق غمامة
... لا تخافي يا فتاتي
أو تقولي يومنا يوم مطير
إنما الصبح وليد
لسويعاتِ الجهامة
فتعالي لا تبالي
وانشري الشعر الجموح للرياحْ
فكل مظهر من تلك المظاهر التي تأملها الشاعر يكاد يستقل بذاته وبعضها يتحد مع مثيله لتستقل معاً بمعنى خاص يرمز إليه وجدان الشاعر فضوء الفجر وشعاع الشمس والصبح الجديد ونور الصبح كلها ترمز إلى الأمل الذي يتوق الشاعر إليه، والعصافير ترمز للانطلاق والحرية وعبير الزهر يرمز للصفاء والنقاء، والغصن يرمز إلى الراحة والاستقرار، والسكون يرمز للخوف والأفق يرمز للضياع، والغمامة في ذاك الموضع ترمز إلى الدمار، والرياح ترمز للقوة.
ويمكننا أن نربط بسهولة بين الحالة النفسية والمظاهر الطبيعية الموظفة معها من خلال معرفة ما وراءها، فالشاعر في المقطوعة السابقة تعامل مع مظاهر ترمز إلى الأمل والانطلاق والصفاء أثناء حديثه عن أجوائه الحالمة، ثم يلجأ إلى مظاهر ترمز إلى التحدي والصمود والخوف عندما فهى محبوبته وأظنها نفسه عن الاستسلام لها.
دليل ذلك أنه في المقطوعة الآتية تجاوز مظاهر طبيعته الحالمة إلى مظاهر طبيعة أبيه الصلبة، في وقفة له مع آمال أبيه التي لم تتحقق على ما بذل من صمود ونضال، يقول:
كانت آمالك، حقاً
لا تعترف بأية حدّْ
تتماوج في ذرات الريح
وتشرب من نبع الأفراح الممتدّ
كان الإعصارُ يُدَوِّي يَقتِلِعُ الجَذر
وكان الصبر يصبُّ عليك الأمن
فيبسم وجهكَ
كانَ الْجَزْرُ يُضَاعِفُ مِنْ أَمواج المدّ
تلك المفردات قل أن يوظفها في معرض تجاربه الخاصة، لأنه في حديثه عن تجاربه يتناول من مظاهر الطبيعة ما يفتقده ويرنو إليه كالطيور والزهور والصباح والأنهار.
أما تجربة أبيه الذي كان مثالاً للصمود والتحدي فذكر لها مفردات ناسبت معاناته التي حملت رموزها الخاصة بتلك التجربة المريرة.
وتوظيفه لتلك المفردات توظيف عفوي ينم عما في داخله من طموح أو ألم دون أن يتكلف في تأويل مظهر وتحميله ما لا يحتمل.
ب. التأمل الفلسفي : يختلف التأمل الفلسفي عن المجرد في عمق النظرة وبعد التحليل حيث إن التأمل الفلسفي يتناول المجردات فيدقق النظر فيها إدراكاً لكنهها معتمداً في ذلك على التحليل العقلي ولا يتقن هذا اللون إلا شاعر فيلسوف متعمق، وصاحب أفكار خاصة.
وتتحكم حالة الشاعر النفسية في التحليل العقلي قرباً وبعدا ومتى زاد جنوح الشاعر عن الواقع وابتعد بنظراته عن حقيقة ما يُدرك من الأشياء كان تأمله فلسفيا.
ولهذا النوع من التأمل محال خصب في شعر شرف فهو يتخذ من عزلته صومعة مغلقة يطلق منها نظراته الخاصة، سواء أكانت ذات صلة بمفردات الطبيعة أم بعيدة عنها.
ويعود سر تلك التأملات الفلسفية إلى نوع الحصار الذي يعانيه الشاعر مما يضطره إلى البحث عن منفذ بين تأملاته في الكون والحياة والإنسان، وربما طال تأمله ذاته.
وتلك التأملات إن بدا عليها نوع من التمرد عند شعراء آخرين فإننا لا نكاد تجد في شعر شرف شيئاً من ذلك، إلا ما كان يدور حول ذاته اليائسة عبر تساؤلات مباشرة وغير مباشرة.
ويمكن الوصول إلى خلفيات تأمله ذاته من خلال مقطوعة صور فيها عزلته وعجزه وصبره في قصيدته وداعاً رفاقي، فها هو يقول وقد ملأ الظلام جوانحه
لك الليل يا نفس طال الطريق
وضلّت خطاك إلى المنحدر
تنادين من؟ ليس غير السكون
وغير العثار وغير الضجر
أفيقي تحطم كأس الخيال
وصوّح غصن الهوى واندثر
على الرغم مني ومنك الشقاء
فثوري كما شئتِ أين المفر؟
إنها زفرة ثارت بها تداعيات يأسه فانطلقت صرخة مدوية من أعماقه، ما لبثت أن ارتدت إليه ليعلن بعدها استسلامه فلم يملك إلا أن يبحث عن حل آخر، يقول
تعالي نضمد جرح الهوان
وجرْحَ المُداوي الذي قَدْ غَدَرُ
أفيقي وهيا لركن قصيّ
تنادي به الموكب المنتظر
إن هذا الحل نوع من الهروب الذي تعود الشاعر عليه في صراعه مع ذاته حينما يكون أعزل.
وفي موقف آخر يتأمل مقاومته لعوادي الحياة التي آلت في النهاية إلى خضوع، يقول عن ذلك متمثلاً جبروت المد وأمواجه
هو المد يعلو
وها أنت تسمع زقو العصافير
تطلب دفئا
ورأسك بين الذراعين
ها أنت تحفر فوق المياه
وها أنت ترقد تخفي الدموع
وموجك يا مدّ يعلو
فكيف يغني كسير الجناح
يتأمل الشاعر المد وأمواجه مستدعياً مواقف من مقاومته لتلك التحديات، ولكن أمواج المد تطبق شفتيه وتقهر مقاومته التي أسلمته من قبل إلى الوجوم.
وقد يزداد به الجموح حينما يجهد في البحث عن الخلاص فلا يجد غير ما قدر له فيلزم الصمت ويكبح جماح تأملاته، يقول
انتظر، لا أنتظر
انتظر، أين المفر
فالمساحات انتظار ليس يحصيها النظر
فاهدأ الآن استقر
كم أضعنا في المتاهات العمر
طائري فامرح وغرد
وارتفع واهبط على صدري مقر
إنما الدنيا قدر
کشفت مقطوعته تلك عن صراع مر به فنفسه تأمره بالانتظار وجموحه يأبي ذلك ولكن سرعان ما يهدأ مسلماً بالقدر.
وفي مواقف أخرى يتجلى البعد النفسي للشاعر في تشكيل فلسفة ذات إيحاءات معاكسة وذلك حينما تتنامى في عقل الشاعر معاناة الصمود والتحدي، فيبلغ التأمل ذروته تاركا بصمة غير معتادة فعندما كان شرف يسمع في الشدو نشيجا ويرى في النور عتمة نجده الآن يجعل للريح يداً عليه، بعد أن عصفت به مرات كثيرة، فها هو يقول
هي الريح تلك التي شكلتك
وأعطتك ثوب الشموخ
فكيف غزلت من الشدو
للريح سوط العذاب
ودراعة التهلكة
فهو لا يريد أن يجحد فضل الريح عليه ولا يريد أن يصورها رمز دمار، لأنه تعلم منها معنى الشموخ والكبرياء ولأنها وهبته ما شحت به النسائم اللطيفة ثم يندم على ما فعله بها في الماضي عندما استعان عليها بالشدو محارباً أعاصيرها، وناسحاً لها من ترنيماته سياط عذاب وثياب هلاك.