0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة (4.2مليون نقاط)

إذا عدنا إلى الفلاسفة الإسلاميين لنؤكد المنظور الثنائي الذي يتضمن ما يتصورونه بنية للنص الأدبي ومعاني وألفاظ فلن نجد أفضل من وقفة مكثفة أخيرة نتابع فيها تحديدهم نوعاً شعريا متميزاً هو الطراغوذيا أو المديح الشعري الذي يشكل منطلق ما يعتمدونه من تحليل لفعالية الشعر عموما ولبنية النص خصوصاً حيث ستتجمع العناصر أو الأقسام المشكلة للمديح الشعري منتظمة في ثنائية ما به يحاكي، ومحتوى المحاكاة، ونحن إذ نتوقف عند هذا النوع الشعري مدللين به على المسار النظري الضابط الرأي الفلاسفة في المحتوى والشكل لا نغفل الإشارة إلى أن الفلاسفة الإسلاميين ذكروا أنواعاً شعرية عديدة مستعينين بأرسطو أو بشراحه معرفين كل نوع على حدة، ذاكرين وظيفته، وإن لم ينبن على ذلك تفريع لخواص هذه الأنواع جملة، وهي لا تعدو في الغالب أن تكون تفريعات من نوعي الشعر البارزين اللذين هما الطراغوذيا والقوموذيا لدى ابن سينا أو المديح والهجاء عند غيره.

تتحدد الطراغوذيا لدى ابن سينا بكونها محاكاة فعل كامل الفضيلة عالي المرتبة بقول ملائم جداً لا يختص بفضيلة جزئية تؤثر في الجزئيات لا من جهة الملكة بل من جهة الفعل محاكاة تتفاعل معها الأنفس برحمة وتقوى، وهذا الحد قد بين فيه أمر الطراغوذيا بيانا على أنه يذكر فيه الفضائل الرفيعة كلها بكلام موزون لذيذ على جهة تميل الأنفس إلى الرقة والتقية، وتكون محاكاتها للأفعال، لأن الفضائل والملكات بعيدة عن التخيل وإنما المشهور من أمرها أفعالها، فيكون الطراغوذيا يقصد فيه لأجل هذه الأفعال أن يكمل أيضا بإيقاع آخر واتفاق نغم يتم به اللحن، ويجعل له من هذه الجهة إيقاع زائد على أنواع أوزانه في نفسه، وقد يعملون عند إنشاء طراغوذيا باللحن أموراً أخرى من الإشارات والأخذ بالوجه تتم بها المحاكاة، فالطراغوذيا تقوم على محاكاة فعل بقول ملائم يدعمه وزن لذيذ، وقد تكمل بنغم ولحن، وفي أحيان أخرى بأشكال وهيئات المنشدين والقصد منها التمثيل حسب فهم الفلاسفة له، ذلك أن الطراغوذيا يجب أن تكون كاملة فيما تعمل من المحاكاة وأن تعظم الأمر الذي تقصده، فإن تلك المعاني قد تقال قولا مرسلا من غير الرونق والفخامة والحشمة، والذي يكفل للمعاني الرونق والفخامة هو إعطاء عناصرها وخصائصها حقها، إذ إن المحاكاة باعتبارها الجوهر المحقق لشعرية القول يكون كمالها في الصياغة الصورية للمعنى الذي يتمثل في الطراغوذيا في أفعال جانبها الأخلاقي المشكل لجوهر القيمة لا يهمنا بل إن المهم في مقامنا هو أن هذا الفعل يشكل في نظر ابن سينا قاعدة المعنى الذي إن أتيح له الإخراج الجميل بالقول المدعوم بعناصر الإيقاع والنغم كملت للطراغوذيا خصائصها ذلك أن الشعر عموماً يحاكي بثلاثة أشياء باللحن الذي يتنغم به، وبالكلام نفسه إذا كان مخيلا محاكياً بالوزن.

وانطلاقاً مما سلف يمكن أن نفصل العناصر المحدثة للطراغوذيا ضمن هذه القناعة القائمة على مقابلة المعنى باللفظ الممتدة في كون القصيدة عامة ذلك أن أجزاء الطراغوذيا التامة عندهم ستة: الأقوال الشعرية والخرافية والمعاني التي جرت العادة بالحث عليها، والوزن، والحكم، والرأي بالدعاء إليه، والبحث والنظر، ثم اللحن. فأما الوزن، والخرافة، واللحن، فهي ثلاثة تقع بها المحاكاة، وأما العبارة والاعتقاد، والنظر فهو الذي يقصد محاكاته، فيكون الجزان الأولان له: أحدهما ما يحاكي، والثاني ما يحاكي، ثم كل واحد منهما ثلاثة أقسام.

تتمحور العناصر المحققة للطراغوذيا في المحاكاة الوزن واللحن، وهذه تشكل الصورة المقابلة للهيولى المتمثلة هنا في المعاني التي تتفرع إلى عادات و اعتقادات، ونظر ويراد به الحجج التي تدعم القيم والعادات الأخلاقية التي ينبغي ترسيخها في الجمهور، وكل ذلك ينبغي أن يتشخص في فعل، ويتسم هنا بطابع السلوك الخير المتمثل في مناقب الممدوح أو الموصوف عامة، ولا ينبني في حدث إذ لو تشكل وفق هذا الفهم لكان الأمر أقرب إلى الوعي ببناء التراجيديا هذا البناء الذي تتحدد كينونته في الفعل، أو الحدث المحاكي بما يفترضه من إدراك للشخصيات الفاعلة للأحداث وعناصر البناء المشكلة للتراجيديا عموماً لكن فهم ابن سينا يتحرك ضمن ثنائية الصورة والهيولى إذ سيتحدد للطراغوذيا كيانها بالانطباع الشعري للعناصر الشكلية على المعاني الممثلة للمستوى الهيولاني فيتكامل بهذا الانطباع الكيان الوجودي للطراغوذيا.

يتأسس فهم ابن رشد لبناء المديح الشعري المقابل عنده للطراغوذيا على المنطلقات نفسها، ففضلا عن الحد الذي يذكره له الذي لا يكاد يختلف عن حد ابن سينا، نرى في أقسام المديح الستة وتفصيلها لديه ترسيخا لهذا المنحى إذ كما يرى يجب أن تكون أجزاء صناعة المديح ستة: الأقاويل الخرافية، والعادات، والوزن والاعتقادات والنظر، واللحن والدليل على ذلك أن كل قول شعري قد ينقسم إلى مشبه ومشبه به، والذي به يشبه ثلاثة: المحاكاة والوزن، واللحن والذي يشبه في المدح ثلاثة أيضاً: العادات والاعتقادات والنظر، أعني الاستدلال لصواب الاعتقاد، فتكون أجزاء صناعة المديح ضرورة ستة، فكل قول شعري عند ابن رشد ينقسم إلى مشبه ومشبه به، وتتحقق خصوصية هذا النوع أو ذاك بحسب محتوى المحاكاة علما بأن ميزة الشعر تكمن في طريقة تقديمه المعنى، إلا أن عملية الفصل لدى ابن رشد بين ما يحاكي ويحاكي تبدو كالآلية إذ كما يرى أن أول أجزاء صناعة المديح الشعري في العمل وهو أن تحصى المعاني الشريفة التي بها يكون التخييل ثم تكسى تلك المعاني اللحن والوزن الملائمين للشيء المقول فيه، والتعبير بالكسوة كاف في التدليل على فهم ابن رشد للعلاقات الشاملة لعناصر القول، ولابن سينا رأي قريب من رأي ابن رشد في كيفية صناعة الطراغوذيا، إذ يرى أن أول أجزاء الطراغوذيا هو المقصود من المعاني المتخيلة والوجيهة ذات الرونق، ثم يبنى عليها اللحن والقول، فإنهم يحاكون باجتماع هذه، ومعنى القول اللفظ الموزون.

وهذا الموقف المميز بين محتوى العمل الشعري وشكله حيث تتحقق خصائص الشعر في المحاكاة والوزن، واللحن أحياناً، هو الذي يمكن الفلاسفة من ضبط حد النوع الشعري الذي يبتغون ذلك أن الاحتفاظ بخصائص الشكل أو ما به يحاكى يكون مطلقا، ويحتاج الحد في كل صياغة إلى حصر محتوى النوع الجديد نلتمس ذلك في تعريف الأشعار القصصية المقابلة للملحمة التي يبدو سبيلها في الأجزاء التي هي المبدأ والوسط والنهاية سبيل أجزاء صناعة المديح، وكذلك المحاكاة إلا أن المحاكاة ليس تكون للأفعال فيها، وإنما تكون للأزمنة الواقعة فيها تلك الأفعال، وذلك أنه إنما يحاكي في هذه كيف كانت أحوال المتقدم مع أحوال المتأخر، وكيف تنقل الدول والممالك والأيام.

والخلاصة أن وعي الفلاسفة بتميز الخطاب الأدبي عموما والشعري خصوصاً بصياغة لغوية مخصوصة لم تترجمه المعاينة المحللة للنص إلى إدراك عميق لتفاعل مستوياته بقدر ما ظل تأكيد خاصية التوازي بين العناصر وتوافقها هي السمات الغالبة على فهم علائقها المشكلة للنص.

عبد القاهر الجرجاني وجدل النظم والتخييل؟ 

لم يكن بد لعبد القاهر الجرجاني، وبين يديه مقاييس في تعليل بنية النص الأدبي، وفصاحته من أن يعيد التأسيس شأن كل ذهن عبقري يجد نفسه في ملتقى طرائق التعليل المتنوعة للظاهرة الواحدة، وأبرز رؤيتين يكون قد ورثهما تؤسسان رأياً في جمال النص الأدبي، أو تعللان ظاهرة الإعجاز القرآني بيانيا، هما نظرية التخييل الفلسفية، ومفهوم النظم الكلامي، وهما رافدان أثريا المفهوم الواحد في حضارة واحدة، وإن كانت أصولهما في خلاف ذلك أن الأصل المنطقي لمصطلح التخييل راسخ وشهير، في حين تبدو فكرة الكلام النفسي المستند المفهومي والعقائدي لنظرية النظم.

والموقف العقائدي لعبد القاهر الشافعي الأشعري يهيئ السبل للاقتناع بتبني التفسير الكلامي في شقه الأشعري لظاهرة الإعجاز، من هنا يكون النظم بديلاً على المستوى المبدئي لفكرة التخييل التي هي اصطلاح اعتمده الفلاسفة الإسلاميون في تحديد تصورهم للشعر، ومستندات الفلاسفة في تحديد المصطلح الذي يضبط رأيهم في الشعر مفهوما ووظيفة وأداة مؤسس على آرائهم في الفلسفة عموماً، فإذ تشكل فكرة الصورة والمادة أسه الميتافيزيقي يتجذر أصله النفسي في تصور الفلاسفة لملكات النفس وقدراتها ضمن ترتيب القدرات في العقل والتخيير والحس، ويستقيم لهويته الكمال في البعد المنطقي إذ ليس التخييل سوى قناة من قنوات النفس في صياغة المعرفة المترتبة في سلم تنازلي يحتل فيه البرهان قمة الهرم فالجدل ثم السفسطة، فالخطابة، والشعر دون أن ننسى روافد الفلسفة المختلفة وأثرها في تشكيل المفهوم كالأخلاق والسياسة وغيرها.

فبداية لا يمكن لعبد القاهر أن يتبني هذا الفهم للشعر فضلا عن أن يعتمده في مقاربة القرآن، والملابسات التي حفت بمصطلح التخييل عموما في الثقافة العربية الإسلامية تمنع من تبنيه في درس القرآن، وموقف ابن المنير من الزمخشري ونقده له لاعتماده استعمال اصطلاح التخييل في تعليل التشبيه في بعض الآيات القرآنية معروف.

فإذا أضفنا إلى ذلك أن المصطلح نفسه المؤسس على المنطق والفلاسفة لم يبحثوا في الشعر إلا ضمن جملة المنطق من مؤلفاتهم يلتبس بالموقف العام من المنطق في بيئات الفقهاء، والأصوليين واللغويين والنحاة، واستحضار صور من صراع المنطق والنحو قبل عبد القاهر وبعده يكشف حدة هذا الخصام، ويكفي العودة إلى مناظرة السيرافي وأبي بشر متى ابن يونس القنائي التي رواها أبو حيان التوحيدي للتأكد من عمق الشرخ بين فئتي النحاة والمنطقيين.

وخلفيات الصراع الحضارية التي تكشف صدام الثقافة العربية الإسلامية ومعارفها الأصلية والتقليدية بالطارئ من ثقافات الآخرين وخاصة اليونانية لاتهمنا في هذا المقام بقدر ما يهمنا أن الصراع ولد منظورين في مقاربة النص، وذلك في السياق الثقافي الواحد يتأسس أحدهما على المنطق، ويقوم الآخر على النحو، فإذا أضفنا إلى ذلك فيما يتعلق بعبد القاهر آراءه العقائدية، وكونه من علماء النحو أمكن الإقرار بأن تبنيه النحو أساساً مبدئياً في تعليل بلاغة الكلام أمر بديهي، ومسلمة يقتضيها الحال والظرف فإذا أدركنا أن النحو قبل عبد القاهر كان بسبيل العناية بنظام الكلمات إلى جانب أواخر الكلمات أو الإعراب، وأن مسائل تنظيم الكلمات تشكل مجالاً واسعا للذود عن مكانة الدراسات اللغوية والنحوية حتى يستقيم لها صفة المناظر القوي للمباحث الفلسفية و المنطقية المعنية بالدلالات، والأصول الكلية للتفكير والوجود أصبح من مسلمات البحث لدى عبد القاهر إبداء الرأي في التخييل ومحاصرته ضمن ضوابطه العقائدية ومنطلقاته البلاغية المؤسسة على معاني النحو، ومن هنا يتبدى رأيه الصريح في التخييل الذي يجمله في قوله هو : ما يثبت فيه الشاعر أمرا هو غير ثابت أصلا ويدعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها ويقول قولا يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى ويبدو مرتكزه المنطقي والعقلي واضحين في موقفه من التخييل كما بينه الرأي السابق خاصة عند مقابلة التخييل بالقسم العقلي من المعاني، إذ تنقسم أولاً قسمين: عقلي وتخييلي، وكل واحد منهما يتنوع، فالعقلي على أنواع، أولهما عقلي صحيح مجراه في الشعر والكتابة، والبيان والخطابة، مجرى الأدلة التي تستنبطها العقلاء، والفوائد التي تثيرها الحكماء.

ولكن إذا كانت الملابسات الثقافية الحافة تحدد موقفه المبدئي الرافض للنهج الفلسفي في تشخيص بلاغة النص، فما الأسس الفنية التي أملت هذه القسمة للمعاني إلى عقلية وتخييلية؟ وهل كان عبد القاهر في موازنته بين التخييل والحقيقة أبعد ما يكون عن صفة البليغ وأقرب ما يكون إلى صفة المتكلم؟ فهو مع النظرة المنطقية إلى العمل الشعري حريص كل الحرص على أن ينظر إلى المعاني من جهة الصدق والكذب، لا من جهة حسن الصورة، وهل كان مفهومه للتخييل رغم المقارنة بالرسم يدل على أنه لم يفهم منه سوى درجة من الحيل العقلية في التمويه.

صحيح أن رأي عبد القاهر في التخييل ينبني على منظور منطقي أو كلامي في مستوى أول، وصحيح أيضا أن التخييل عنده قياس خادع، غير أن لهذا الرأي نفسه أصلاً لدى الفلاسفة ذلك أن التخييل لديهم منزل في أدنى مرتبة في نسقهم المنطقي، ومع إقرارهم بأن جوهر التخييل أو المحاكاة هو الصياغة المتجددة والمتميزة للمعنى أو الحقيقة التي يؤسسها البرهان فإن هذه الصياغة لا تملك إلا أن تعتمد التمويه في إيصال هذا الخطاب التخييلي إلى الجمهور الذي لا يملك القدرة على استيعاب الخطاب البرهاني الفلسفي فضلاً عن أن المخيلة لم توضع إلا تحت وصاية العقل، ومع ذلك يكشف عبد القاهر عن موقف أعمق من هذا المستوى ذلك أنه يدرك أن نظرية التخييل الفلسفية رغم ما لابسها من منطق استطاعت أن تؤسس فهما متميزا للشعر مستندا إلى خواصه التصويرية، وقد وصلته في طورها الناضج لدى ابن سينا، وأن الإقرار بالنوعية المتميزة للشعر المؤسسة على فكرة التخييل خاصة في إحدى دلالاتها المرادفة للصورة المجازية بأنواعها انحسار الفعالية الكشف عن سر مزايا الكلام في مستوى الصورة الذي تعضده الموسيقى أساساً فيكون البديل لهذه النظرية اعتماد المنطق النحوي الذي ينبني منظوره بالاعتماد على المستوى التركيبي المتفاعل مع مستوى الدلالة بحسب فهم أعمق للصورة الشعرية التي تتحدد في الإثبات وليس في المثبت أي ستتنزل ضمن علاقات السياق بين معاني الكلم، ومن هنا ركز على فكرة القياس الخادع وقد قدمها مدخلا لرأيه في التخييل، وهذا الموقف يؤول إلى الإقرار بانقباض المجال أمام نظرية التخييل في مواجهة النصوص، ذلك أن مجمل الخطابات لا تقوم على القياس الخادع فهي لا تستطيع أن تفي إلا بشطر من القول فضلا عن أنها لن تنفع في بحث الإعجاز ، ولا يمكن أن يُدعى بحسب فهم عبد القاهر للتخييل أن في القرآن تخييلا بل لن تجدي في فهم الشعر الذي يتنزل في القسم العقلي، ومن هنا فتبنيها ضرب من المجازفة التي قد لا تسعف في مواجهة كل النصوص.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
ومصداق ذلك أن موقفه العقلي من التخييل لم يمنعه من الإقرار بجانبه الفني الرائع الذي يراه مفتن المذاهب كثير المسالك لا يكاد يحصر إلا تقريبا، ولا يحاط به تقسيما وتبويبا، وأن المقدمات التخييلية المؤسسة لكثير من الشعر تسلم كما وردت فلا يؤخذ الشاعر بأن يصحح كون ما جعله أصلا وعلة كما ادعاه فيما يبرم أو ينقض من قضية، وأن يأتي على ما صيره قاعدة وأساسا ببينة عقلية بل تمادى في تفريع أنواع التخييل باسطا هذه الأنواع المختلفة حتى التبس الأمر بالصورة البلاغية صراحة، إذ يقول: إن باب التشبيهات قد حظي من هذه الطريقة بضرب من السحر لا تأتي الصفة على غرابته، خاتماً أنواعه المعللة صراحة أو خفية بقوله: "إن الاسم المستعار كلما كان قدمه أثبت في مكانه كان موضعه من الكلام أضن به وأشد محاماة عليه وأمنع لك من أن تتركه وترجع إلى الظاهر وتصرح بالتشبيه فأمر التخييل فيه أقوى، ودعوى المتكلم له أظهر وأتم، ومن هنا إذ ينبني رأيه في التخييل على اعتباره قياسا خادعا لا يمنعه ذلك من الإقرار بفنيته وخلابته، ذلك لأن هناك ثنائية في موقف عبد القاهر تحتكم إليها كل آرائه في بلاغة القول ترتد إلى الكلام النفسي المتلائم مع العقل الذي باكتماله في النفس يكتمل اللفظ المعبر عنه في المنطق، فالصورة الراسمة للمعنى التخييلي قد تحوز الحسن لكن مع الإقرار بقيامها على معنى خادع ذلك أن جمالية هذا القول لا تزيل أساسه الواهي عقلياً يتأكد ذلك في موقفه من القبيل الأول أي العقلي، إذ يرى أن العقل بعد على تفضيله وتقديمه وتفخيم قدره وتعظيمه، وما كان العقل ناصره، والتحقيق شاهده، فهو العزيز جانبه، هذا ومن سلم أن المعاني المعرقة في الصدق المستخرجة من معدن الحق في حكم الجامد الذي لا ينمو، والمحصور الذي لا يزيد.

فالمعاني العقلية يمكن أن تضاهي التخييلات بل تفوقها في تشكيلاتها الفنية وفي تفريعاتها البلاغية القائمة على موافقة العقل يظهر ذلك في رأيه وفي الاستعارة التي يرى أن سبيلها سبيل الكلام المحذوف في أنك إذا رجعت إلى أصله وجدت قائله وهو يثبت أمرا عقليا صحيحاً ويدعي دعوى لها سنخ من العقل، ذلك أنه يقع التوافق في الاستعارة بين السند العقلي، والصورة الاستعارية التي يتقمصها المعنى القائم على العقل، فلا تكون المسألة كالتخييل الذي هو  أظهر أمرا في البعد عن الحقيقة وأكشف وجهاً في أنه خداع للعقل وضرب من التزويق هنا يجتمع الأساسان: خداع العقل، والتزويق ذلك أن خلابة الصورة لا تنسي الأساس الخادع.

وهذا الموقف يمكن العقل من مواجهة النص ويقر بجدارة العقل النقدي وفائدة الكلام المنقود خاصة إذا كانت المسألة مسألة كشف للإعجاز القرآني فالمسلم به أن إعجاز القرآن البياني يقوم على الحقيقة المتطابقة مع العقل، وأن فك رموزه يقتضي تقديم الفرضيتين بداهة، وأن البديل للمنطق المؤسس للتخييل إنما هو النحو الذي يتحكم في المعاني التي تعكس الفكر في نشاطه، إذ ليس النحو إلا منطقاً مسلوخاً من العربية على حد عبارة التوحيدي.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل سبتمبر 24، 2024 في تصنيف لعبة تراكيب بواسطة أثير الثقافة (4.2مليون نقاط)
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...