تشمل الخصوصية البلاغية وحكم القيمة عدة مواضيع وسوف نشرحها لكم كتالي؛
يمكننا أن توسع من دائرة الفرق بين الشعر والنثر بالعودة إلى طريقة اشتغال المعاني التخييلية الشعرية والمعاني العقلية غير الشعرية، وموضوع هذا الفرق كان قد قد عولج معالجة بلاغية صرف عند عبد القاهر في الأسرار، عالجه من زاوية التمييز بين المعاني التخييلية الشعرية والمعاني العقلية غير الشعرية والأخذ والسرقة، وإنما يقع فيما هو تخييلي، وقد عولجت قضية السرقة في العصر الحاضر معالجة بلاغية ضمن مبحث التناص، وأن الشيء الغالب في البلاغة النقدية، هو أن الفرق يمكن أن يسند إلى خصائص نصية أخرى غير الوزن والقافية، وتتمتع هذه المسألة بفهم أفضل عندما نتناولها في ضوء التقابل الذي صاغه العمري بين البلاغة والنقد فالوعي بالخصوصية هو البلاغة، وتمييز الجيد من الرديء عن طريق ذلك الوعي هو النقد.
وحين يستعرض المرء كيفيات تداخلها في البلاغة النقدية يقتنع بأن مسألة الخصوصية البلاغية هي مسألة متفرعة عن وظيفتها، وهي تقوم أساساً على مناسبة ثنائية الجودة والرداءة التي تمت مناقشتها في علاقتها بالشعر حصراً لبلاغة نقد بقيت دوما تفتش عن خصوصيات مميزة للشعر في إطار البلاغة الكلية للنص.
وقد حاولت البلاغة النقدية التغلب على التداخل بلاغة نقد الضالعة في القسمة الشكلية إزاء شعر نثر من جهة نظم أحدهما ونثر الآخر، وإن فرقاً من هذا القبيل قد ولد شاعراً مخصوصاً بملكة شعرية تتميز من ملكة النثر، وهي التي ستسمح بتناول بنى تركيبية ودلالية توسم من خلالها لغة الشعر بأنها لغة تخييلية لأنها لغة اضطرار وحيلة فالوزن يحمل على الضرورة، والقافية تضطر إلى الحيلة.
وأوضح من ذلك يؤدي نجاح حرية التصرف في البنيات التركيبية والدلالية إلى مركزية البرهنة بواسطة تحليل ملموس عند مناقشة مقولة أنه يجوز في الشعر مالا يجوز في النثر، على أن صرف مالا ينصرف، وحذف مالا يحذف، وقصر الممدود، وتصريف غير المصروف، وترك الهمز من المهموز، وأخرى تمثل صورة أخرى لمفهوم التوسع في اللغة، ويصيغه الحمل والإلحاق عن طريق التشبيه والوهم وغير ذلك من الآليات التي تشغلها الذات والأعراف الفنية للشعر.
وأن لها وظيفة مستقلة يستدل بها على ثنائية الضيق الاتساع مرة وثنائية الضيق والعذر أخرى، وأنها أخيراً تصلح كقاعدة نظمية للتأكيد على القيمة المستقلة للبناء والعروض والقوافي في الشعر.
وتشير مجموع هذه العمليات إلى وجود نسق من الاختلاف كامن في المعايير التي تحكم على وظيفة البلاغة في الشعر، وهي معايير تكشف عن زاوية نظر في تواصل يجب أن يتساوى مع النص الشعري ذاته، ويتجاوز النص النثري بل يجب معاملة الشعر كإجراءات جدلية لحالة من لسعة يأنس المتلقي بها، ويعتاد عليها، ويستعد لها عند وقت الحاجة إليها.
وتؤسس الحاجة إلى العروض والقوافي على طرائق الاستخدام المفعل للإجازة في التوسع حيث لا يوجد التفاوت إلا من خلال استصغاء للخصائص التمييزية ومقارنتهم في باب الجوازات بين الشاعر والمتكلم، فإذا تساويا في الفلج كانت مزية الشاعر أكبر، ومما لا شك فيه أن إسناد المزية إلى الشعر ينسجم مع إمكانية دراسة البنيات التركيبية والدلالية في إطار الأمثلة التي يقدمها، فهي تحقق للقصيدة أولاً بحسب قدرة الشاعر على التحرك مقيداً على نحو منتظم صوتياً ومعنوياً، إذ هي المرأة العاكسة لكل البيت، ونهاية مطاف المعنى الذي يجري وراءه الشاعر، وإنها كذلك المحرق الذي يرتكز فيه تراكب النظامين الصوتي واللغوي على نحو يؤكد صلتها بنظام المعنى في العمل الشعري، وهو ما أدركه منذ وقت مبكر جل النقاد العرب.
والشعر في رؤية هذه البلاغة النقدية المقيد صوتياً ودلالياً، هو قوة إيحائية ذات دينامية متحولة لا تعرف الانغلاق، وهو محطات لدرجات متفاوتة إن نحو الجودة أو نحو الرداءة، ومن هنا لم يكن من قبيل المصادفة أن يستخدم ابن طباطبا أمثلة من الشواهد المستعملة في مخاطبات الناس كل ما أراد أن يخص المنظوم درجة من التوسع الذي إن عدل عن جهته مجته الأسماع، وفسد على الذوق، يحصر حمادي صمود مركز هذا الإسناد على التماس الحاصل بين منظوري الحد وصفة الشعر، فمن جهة عد الانتظام أو النظم خاصية ميزة للشعر بل المميز الوحيد بين النمطين، ومعنى هذا أنه مؤشر النمط وراسمه الأساسي والدال عليه.
ويتأكد هذا المعنى بعدم وقوف الحد على نوع النثر ونصوص التراث في حد الشعر تؤكد كلها أن الانتظام وزن قافية من خصائص الشعر ومميزاته حتى إن بعضهم عدها من جوهره تكمن له بقدر اشتماله عليها، ومن جهة ثانية عدت صورة الإيقاع الخارجي عارية لا تحقق هذه الوظيفة يدل على ذلك إجراؤهم لفظ النظم في باب العيب والتقصير، ورفضهم إطلاق صفة الشعر على كل كلام ليس لصاحبه إلا فضل الوزن والقافية.
يسهم التثبت من صفة الشعر في تطوير طرق التعامل مع المألوف ومخالفة المتوقع، وتبعاً للعمري تتقوم هذه عند الشعراء من ثلاث فرضيات أصلية هي:
١- كل ما يتحقق شعرياً من الخصائص المنتمية إلى مقولة الشعر تلزمه حالة من المفارقة، وقد انتبه الشعراء قبل غيرهم إلى طبيعة الشعر القائمة على المفارقة فهو من جهة جهد لغوي فردي ملموس، وهو من جهة أخرى عمل خارق في بنيته وأثره.
٢- حالة الإلهام الشيطاني وهي حالة تسند إلى قوة غريبة تتغذى من وجه الغرابة الشعرية.
٣- يترتب عن الفريضتين السابقتين تصور يجمع بين نقيضين نسيج هما زاوية الغرابة التي تلحقه بالأعمال الخارقة للقوة الخارقة، وزاوية الصناعة التي تجعله نتاج كفاءة وجهد ومعاناه، وعلى الرغم ما يلاحظ من مفارقة بين القول بالإلهام والقول بالصناعة في بادئ الأمر فإن تقصي جوانب الموضوع يكشف عن ارتباط المفهومين.
إن ثقافة البصيرة حين تلقت الأثر الشفاهي لثنائية الضيق والاتساع وخضعت السلطان تفاعلها افترضت أنها صالحة بالضرورة لتعيين أسباب تداولها وتردادها، ويجري تقويمها على أنها نشاط إبداعي له مساس مباشر بوظيفة البلاغة، والإشباعات الخاصة باللغة الشعرية.