التعريف بالشاعر؟
هو أبو القاسم بن محمد بن بلقاسم الشابي سليل أسرة الشابية ولد بـ توزر عام ۱۹۰۹ م إحدى مناطق القطر التونسي كان أبوه قاضياً تخرج في الأزهر ثم أخذ شهادة التطويع من كلية الزيتونة بتونس فنشأ أبو القاسم في رعاية أبيه القاضي المثقف فتعلم منه معاني الرحمة والحنان وغرس في نفسه حب الحق والخير كانت الأسرة التي يعد شاعرنا أحد أفرادها تنتقل في البلاد التونسية حسبما يقتضيه عمل كبير الأسرة في القضاء من منطقة إلى أخرى ومن مدينة إلى مدينة إذ كان لذلك دور في معايشة الشاعر الناشئ لكثير من مظاهر الحياة بمختلف المناطق التي كان يتنقل بها مع والده بما فيها من اختلاف الأجواء والمظاهر الطبيعية واللهجات المتعددة فتشكلت تجربته وتدفقت شاعريته مما جعله لا ينطلق في شعره من نظرة بيئية ضيقة وإنما كان شعره تونسي البيئة عربي الانتماء عالمي التحليق والمشاعر قدم أبو القاسم إلى العاصمة تونس عام ۱۹۲۰م للدراسة بجامع الزيتونة في الثانية عشرة من عمره وقال الشعر مبكراً وكوّن لنفسه ثقافة واسعة عربية بحتة جمعت بين التراث العربي في أزهى عصوره وبين روائع الأدب الحديث بمصر والعراق وسورية والمهاجر ولم يكن يعرف لغة أجنبية إلا أنه استطاع بفضل مطالعاته الواسعة أن يستوعب ما تنشره المطابع العربية عن آداب الغرب وحضارته ظهرت أول مجموعة شعرية له ضمن كتاب الأدب التونسي في القرن الرابع عشر عام ۱۹۲۷م وبعد ذلك بعام صدر له كتاب بعنوان الخيال الشعري تضمن أفكاره الجريئة في التجديد الثقافي والأدبي فأحدث ردود فعل كبيرة في الأوساط الصحفية والفكرية والأدبية في القطر التونسي وقد نشرت هذه الآثار في حياة والده فكان له خير مشجع ومساند توفي عنه أبوه وهو في العشرين من عمره فتحمل أعباء الأسرة الكبيرة راضياً بشظف العيش معها ولم يتسلم أي مناصب في الدولة أصيب بمرض تضخم القلب وهو في الثانية والعشرين من عمره فلم يمنعه من مواصلة إنتاجه شعراً ونثراً وقد نشرت له مجلة أبولو المصرية سنة ۱۹۳۳م قصائد عملت على التعريف به في الأوساط الأدبية بالشرق العربي وفي صيف ١٩٣٤م شرع في جمع ديوانه أغاني الحياة بنية طبعه فانتسخه بخطه إلا أن المنية حالت دون إكماله حيث اشتدّ عليه المرض فنقل إلى تونس العاصمة للعلاج لكنه توفي فيها يوم ٩ / ١٠ / ١٩٣٤م ثم نقل جثمانه إلى بلدة توزر فدفن بها رحمه الله وهناك أربعة مؤثرات بارزة يمكن أن يكون لها أثر في توجهات الشاعر واصطباغ شعره بلون عاطفة الحزن في معظم قصائده
١- الاحتلال الأجنبي للبلاد العربية وما خلّفه من مآس مع عجز الأمة عن مقاومته ودحره.
٢- الحرب العالمية الأولى وما خلفته من مآس وقتل وتدمير للحياة البشرية.
٣- وفاة والده الذي كان يعده كل شيء في حياته فصدم صدمة عنيفة بفقده ومن ثم تحمل أعباء العائلة.
٤ - المرض الخطير الذي تعرض له بعيد وفاة أبيه واستمر معه عدة سنوات وهذا النص أخذ من إحدى قصائده الحزينة وهي من بحر الخفيف.
معاني المفردات والتراكيب اللغوية؟
لحظا : نظرة تأمل ، بعيد : الرسوب ، عميق : البعد والمرمى ، شغاف : أصله غلاف القلب والمراد هنا ، العمق : مهجة فى الأصل دم القلب ، والمراد : هنا حقيقة الظلام ، الهيوب : المخيف ، صميمها : عمقها ، الشجو : الهم والحزن ، وجمة : من الوجوم وهو شدة الحزن ، القطوب : العابس ، هيكل : معبد ، نحيب : بكاء ، ضفاف : جمع ضفة جانب النهر والمقصود جوانب الحياة وأطرافها ، خضب : لوّن ، الأسكوب : وهي المسكوب ، المشبوب : المشتعل.
إضائة؟
تتمحور أبيات النص حول فكرة عامة هي أن هذا الكون وما فيه ماهو إلا ماتم كبير وقد حاول الشاعر فيه أن يدلل على صدق نظرته الحزينة من جانبين من جانب خبرته هو بها ومن جانب إفادة الحياة ذاتها بذلك المعنى يقول الشابي لقد تأملت هذا الكون بعمق وأطلقت نظراتي إلى أبعد أعماقه فوقفت على أسراره من خلال نظرة ثاقبة مزقت أستار الليالي المظلمة حتى وصلت إلى أعماقها وكشفت عن ضمير الظلام وأصل مادة تكوينه فرأيت في جوهره المخزون فيه ألم الحزن وأنين البؤس والحرمان وسمعت صرخات القلوب الألـيـمـة المنبعثة من أعماق مهجة الظلام فلا تحاول أيها السامع إنكار الحزن من هذه الحياة لأنني خبير بها خبرة مجرب متفحص عاقل لقد جرى بيني وبين الحياة تعايش وتواصل فسألتها عن ألحان الفجر الطروب وعن كآبة المساء العابس فسمعتها تنشد الحانا عذبة في محراب الأحزان وكأنها تجيب عن سؤالي قائلة لا تغرنّك المظاهر إن الحزن يصبغ كل شيء في الحياة ويظلله فليست هدأة السماء مساء إلا صورة من صور الاكتئاب والحزن والألم وليس الغناء الذي تسمعه في الصباح إلا بكاء وتأوها إذ لا يوجد في الزمن معن يطلق أنغامه على جوانب الحياة ومسامعها إلا وقلبه يفيض حزنا وألما وكآبة لقد لون الحزن هذه الأيام والطيالي بلونيه المفضلين الدموع والدماء حتى أصبحت الحياة كلها تسبح في مأتم كبير ومأساة واسعة لا تستطيع أن تنفك عنها والذي يستغربه الإنسان هو أن الناس يعيشون في كهف الليالي المظلم المخيف فرحين بحزن الحياة ومكابدتها الملتهبة وكأنهم لا مشاعر لهم أو أن مشاعرهم قد تبلّدت.
تحليل وتذوق؟
هذا النص ينتمي إلى المدرسة الرومانسية التي تأثر أتباعها ومنهم شاعرنا الشابي بظروف إنسانية وأحداث كونية أليمة مثل الحرب العالمية الأولى فتلونت مشاعرهم بالحزن والأسى وتأثرت أعمالهم الأدبية بتلك الألوان القاتمة والنظرات الدامعة حتى أصبح الحزن والألم لأحدهم كالنظارة لا ينظر إلى الأشياء أو يحس بها إلا من خلالها والشاعر في هذا النص يريد أن ينقل إلينا إحساسه الحزين ومعاناته الكئيبة من خلال الكون والحياة والأحياء أدلة ناطقة ومشاهد شاهدة على صدق ما يراه ففي الفكرة الأولى ينقل إلينا تجربته العميقة مع الحياة بأسلوب خبري سردي دون مؤكدات كما في الأبيات الثلاثة الأولى ليوحي بأن وجود الحزن والألم في كل شيء ظاهر لكل من له تفكر أو نظر كأنه أمر مسلّم به لا يحتاج إلى تأكيد وقد استخدم ألفاظاً معينة قادرة على تصوير المسافات البعيدة التي قطعها والمناطق العميقة التي وصل إليها في خبرته بالحياة مثل سدَّدَتْ التي تدل على التكثير و في سكينة الدالة على العمق و للأعماق الدالة على الغوص في العمق أكثر و بعيد الرسوب صورت الأبعاد الكبيرة لذلك العمق الذي وصل إليه الشاعر وكذلك قوله مزقت شغاف مهجة صميمها التي تدلّ على دقة المناطق التي وصل إليها وكأنها مناطق متتالية من وصل إلى أبعدها اكتشف الحقيقة وأخباره يجب أن تصدق فقد كانت مراحل سفره التفكري منطلقة تنازلياً من سكون الكون الكبير ثم الدخول في عمق الليالي ثم تمزيق شغافها ثم الوصول إلى مهجة الظلام ثم الغوص إلى صميمها ومن صميم مهجة الظلام شاهد لوعة الحزن وسمع صراخ القلوب المكلومة في البيت الرابع استخدم الأسلوب الإنشائي النهي لا تحاول أن تنكر الشجو النصح لمن يشك فيما سبق ليوفر على نفسه الجهد في المحاولة ثم يؤكد له بعد ذلك بمؤكدين إن قد لإزالة الشك في خبرة الشاعر إني قد خبرت ومنع أي اعتراض متوقع وفي عادة من الفكرة الثانية يبدأ بإخبارنا أنه سأل الحياة سؤال طالب علم يريد كشف له عن صفحتي الفرح والحزن في الحياة في البيت الخامس ليتوصل إلى الإجابة الحياة ذاتها فيكون في ذلك إقناع بصدق الخبر من مصدره وفي البيت السادس قوله فسمعت الحياة في هيكل الأحزان تشدو وهي الشاعر بحاسة السمع أن الحياة كلها مقيمة في معبد الأحزان ثم يأتي واب الحياة المقنع في الأبيات الثلاثة ۷ ۹ بأسلوب القصر بواسطة النفي استثناء ما سكوت السماء إلا وجوم ما نشيد الصباح غير نحيب الذي يفيد ختصاص والتأكيد بهدف الإقناع وكذلك ليس في الدهر طائر يتغنى غير شيب وهو أكثر تعميماً من سابقه وفي قوله خضب الاكتئاب أجنحة الأيام تميم للحزن في كل شيء إذ أصبح ظرفاً يمد رواقه على الحياة والأحياء أجمعين بل الفهم ويحيط بهم من كل اتجاه وفيه صورتان بلاغيتان خضب الاكتئاب و أجنحة الأيام إذ شبه الاكتئاب لإنسان يعقل ليجسد المعنى ويبرزه وشبه الأيام بالطيور وهي من أجمل الصور التي بعثت الحياة والحركة في المعنى على سبيل الاستعارة المكنية وهناك صور بيانية كثيرة من هذا النوع مثل مزقت شغاف الليالي مهجة الظلام صراخ القلوب سكوت السماء نشيد الصباح نغمة الفجر وجمة المساء بعثت في النص الحيوية والحياة مجسدة المعاني بشكل يساعد على إيصال أحاسيس الشاعر إلى الآخرين ومن المحسنات البديعية قوله نغمة الفجر وجمة المساء و سكوت نشيد و يفرح بحزنها وهي مقابلات غير متكلفة أضفت على النص لفظياً ومعنوياً ومن المحسنات اللفظية الدمع الدم جناس ناقص حسن الجرس جمالاً الصوتي بوصفه مثيراً للانتباه.