التعريف بالكاتب؟
ولد نجيب الكيلاني في عام ۱۹۳۱م في قرية شرشابة محافظة الغربية مصر بدأ بحفظ القرآن وهو في الرابعة من عمره درس الابتدائية بقرية سنباط والثانوية بمدينة طنطا ثم التحق بكلية الطب بالقاهرة بدأت موهبة الكيلاني الأدبية صغيراً ففي نهاية المرحلة الابتدائية وعندما شاهد أفواجاً من المتطوعين للجهاد في فلسطين عام ١٩٤٨م يجوبون شوارع طنطا مرددين هتافات جهادية تفاعل مع هذه المشاهد فكتب أولى قصائده عن فلسطين كان قارئاً نهماً لكتب المفكرين ودواوين الشعراء وبدأ بحضور مناقشات الأدباء والمفكرين مثل طه حسين والعقاد وعبد الرحمن الشرقاوي كتب ما يزيد على أربعين رواية بخلاف سيرته الذاتية والمكونة من خمسة أجزاء رعد ترجمت العديد من رواياته إلى لغات مختلفة لجودتها الفنية وتعلق معظمها بالصراع بين المسلمين وخصومهم في تركستان الشرقية وأندونيسيا وفلسطين والحبشة ونيجيريا ومصر في قصصه ليالي تركستان وعذراء جاكرتا وعمر يظهر في القدس وعمالقة الشمال والظل الأسود وفي مواكب الأحرار وغيرها يُعد الكيلاني أول من دعا إلى قيام أدب إسلامي بتحديد ملامحه وتقعيد أصوله وأول من دعا إلى قيام رابطة الأدب الإسلامي وقد شهد له الأديب الكبير نجيب محفوظ بأنه منظر الأدب الإسلامي في العصر الحديث حصل على الكثير من الجوائز الأدبية تقديراً له على أعماله الروائية الفنية المتميزة مثل الطريق الطويل وإقبال الشاعر الثائر والمجتمع المريض وشوقي في ركاب الخالدين واليوم الموعود وغيرها توفي رحمه الله عام ۱۹٩٥م بعد مرض عضال صاحبه فترة طويلة والنص الاتي جزء من رواية مواكب الأحرار التي كتبها الكيلاني ليكشف من خلالها جوانب تاريخية مهمة من صراع الشعب المصري ضد الاحتلال الفرنسي أواخر القرن الثامن عشر الميلادي.
معاني المفردات اللغوية؟
وقر : تأكد ، يختلج : يتحرك ، شأنه : مكانته ، حدة : نبرة قوية ، يمرق : سیر بخفة وسط الزحام ، يتمتم : يحدث نفسه بصوت خفيف.
اضاءة؟
يصور الكاتب نجيب الكيلاني بطريقة السرد القصصي صفحة من الصراع ضد المستعمر الفرنسي الذي خاضه الشعب المصري الأبي في هذا الجزء من روايته مواكب الأحرار بواسطة أحمد التجار وهو الحاج مصطفى البشتيلي وحواراته ومشاهداته ليوضح مكانة المسجد في قلوب المسلمين وما قام به الأزهر الشريف تجاه الغزاة الفرنسيين من توجيه وتنظيم للثوار والمجاهدين فيقول إن زوجة الحاج مصطفى قد وصلت إلى يأس من جدوى المقاومة لا سيما أن المحاولة الأولى للثورة ضد الفرنسيين لم تنجح ففتحت حواراً مع زوجها عندما رأته منهمكا في الإعداد للثورة من جديد لتقنعه بالعدول عن ذلك بأسلوب عقلاني لكنه استطاع محاورتها وإقناعها بأن المقاومة الجهادية تفرضها الكرامة وأن ليس هناك خسارة أكثر مما حدث وأن أكبر مصيبة على الإنسان هو أن يرضى بالهوان ثم يترك البشتيلي زوجته متجهاً إلى الجامع الأزهر الذي كان يمثل قلب الأمة النابض وقاعدة الانطلاق إلى شتى مجالات الحياة وهناك يشعر بالاطمئنان النفسي والسكينه الإيمانية وهو يرى الجموع المؤمنة تتدفق إلى المسجد متحفّزة إلى القيام الكلمات بواجب الجهاد والتضحية معتصمة بإيمانها بالله واثقة بنصره وهناك شاهد جنسيات مختلفة من العرب وشاهد أبناء مصر بمختلف فئاتهم ومناطقهم كلهم مستعدون للقيام بهذا الواجب المقدس فيطلق بعض المتفائلة بالنصر المتوعدة للأعداء المحتلين متذكرًا ما يحدث منهم من ظلم وطغيان على أبناء مصر من قتل ومداهمات تفتيش وقسوة في المعاملة وسجون مملوءة وضرائب باهضة ثم ينظر إلى هذه الجموع ويسمع ما تبديه من مناش واستعدادات فيقول في نفسه إن هذا الشعب لن يموت ويلتقي مصطفى البشتيلي بإخوانه الثوار ويناقشون الأمور مع شيخ من مشائخ اسمه السادات ويخاطب الشيخ الجماهير قائلا لهم سيروا على بركة الله العلم ولينصرن الله من ينصره ويشاهد البشتيلي الجموع الزاحفة الهادرة بالتكبير والهتافات لا يقف أمامها أحد إنها الطوفان بعينه ويسمع صارخاً من غمرة الحشود يحذر أعضاء الديوان الذين نصبهم المستعمر بأنه لا مكان لهم اليوم فيجيبه أحدهم بأن قلوبهم ومشاعرهم مع الشعب الثائر ليوصل وتمر الحشود أمام بيت القاضي التركي فيطلبون منه أن يتقدم المسيرة احتجاجهم على هذا الظلم والتعسف الذي يعاني منه كل أبناء مصر لكن القاضي فهم أن المقصود إجباره على الثورة معهم فحاول الفرار لكنهم انهالوا عليه بالألسنة والأيدي ولم يسلم منهم جسمه ولا ماله ولا داره وعدها البشتيلي محاكمة لذلك القاضي من الشعب مع التنفيذ السريع لما يستحقه وبعد أن اشتدت المواجهة بين الثوار والمحتلين في شوارع القاهرة وتأكد لهم أن ليس هناك أمل في المقاومة السلمية اتجهت الجماهير إلى المقاومة المسلحة إذ لا يمكن أن تذعن قوة غاشمة لحق أعزل فظهرت السيوف والبنادق وأخذ الرجال يسارعون بإتمام المتاريس وخوض المعركة.
تحليل وتذوق؟
في هذا المقطع أو الفصل من هذه الرواية مواكب الأحرار يريد الكاتب أن ينقل حلقة من أحداثها مضمونها انطلاق الثورة ضد المحتل الفرنسي من الأزهر الشريف فكيف وصف لنا تلك الأحداث ليوصل إلينا هذا المضمون لقد اعتمد على جانبين مهمين الجانب الفني والجانب اللغوي الأسلوبي أما الجانب الفني القصصي فقد أبدع فيه الكاتب فيما يأتي.
١- تحديد الراوي أو البطل الذي يمكن أن نسميه شاهد عيان وهو الحاج واقعي بأسلوب السرد القصصي لأنه بدون تحديد البطل إما أن تسمى لكل حدث جزئي شخصية أو أشخاص وفيه تتويه للقارئ بين زحمة الأسماء وإما أن تأتي القصة سردية وصـفـيـة دون ذكر أسماء وهذا قد يوهم أن الكاتب عـايـش الحـدث وشـاهـد مصطفى البشتيلي ليتمكن بواسطته أن ينقل أدق التفاصيل ويصوّر الأحداث بشكل تفاصيله بنفسه والواقع غير ذلك فلابد من تحديد شخصية أو أشخاص للقصة إما حقيقة أو تخيلاً لتكون أكثر قابلية ومصداقية في هذا النوع من القصص التاريخي.
٢- تحديد المكان الذي وقع فيه الحدث وهو هنا ينتقل ما بين بيت البشتيلي والجامع الأزهر وشوارع القاهرة والكل معروف أو موصف في الحلقات السابقة وفي هذا الجزء من الرواية.
٣- تحديد الزمان الذي حدث فيه الحدث وهو هنا نهاية القرن الثامن عشر وجود صراع بين قوى ومصالح متعارضة وهو هنا بين الحاج مصطفى وزوجته وبين الثوار والمحتلين وبين الجماهير المتدفقة والقاضي التركي فإذا لم يوجد صراع في الميلادي بعيده الحملة الفرنسية لاحتلال مصر بقيادة نابليون القائد الفرنسي وبدون تحديد الزمان والمكان يصبح السرد القصصي خارج الخيال القصة فإنها تستحيل إلى تعبير ذاتي غير واقعي الحبكة ويقصد بها تدرج الأحداث وتسلسلها وترابطها موجهة إلى هدفها الخاص والعام وفي هذا النص بدأت بإظهار مشاعر زوجة البشتيلي المتخوفة من فشل المقاومة مرة أخرى ثم تطورت الحبكة بالحوار بينها وبين زوجها ثم توسعت بانتقاله إلى الأزهر ثم ازدادت برسم مشاهد بین الجماهير المحتشدة بمختلف مستوياتهم وجنسياتهم وما تخلل هذا الحشد من هتافات وتعليقات وتوجيهات من شيخ العلم ثم الانطلاق الهادر في شوارع القاهرة مع ما صاحبه من تحذير الثوار لأولئك المعينين من المحتل مروراً بما أصاب القاضي الشرعي وصولاً إلى المواجهة المسلحة فالحبكة واضحة والأحداث الجزئية مترابطة ومتسلسلة وكلها تؤدي إلى تحقيق هدف المواجهة ضد المحتل في نطاق الصراع العام الذي تحكيه الرواية العقدة وهي المنطقة التي تتأزم فيها الأمور وقد تكون للقصة بكاملها عقدة واحدة إلا أن روعة الإبداع تكمن في أن يكون لكل حدث أو فصل عقدة خاصة به في نطاق توجه الأحداث نحو العقدة العامة للقصة والعقدة الخاصة في هذا الفصل هي وصول الجماهير إلى طريق مسدود للمناشدات والمسيرات السلمية الحل وهو الذي ينتظره القارئ أو السامع بفارغ الصبر وقد يكون الحل مفرحا وقد يكون مأساوياً إذ تشتد الأمور وتتأزم حتى تبلغ ذروتها في العقدة فيأتي الحل لينهي هذا التأزم وذلك ما يجعل المتابع مشدوداً حتى يصل إلى الحل والحل في هذا الفصل هو اللجوء إلى العمل المسلح في وجه المحتل كحل خاص في نطاق صراع القصة بشكل عام فضلا عن براعة الكاتب في القواعد الفنية لهذا النص فقد استطاع أن يكشف لنا أدق التفاصيل المرئية أو القلبية من خلال السرد أو الحوار بأسلوب رشيق جذاب بقي أن نعرف أن هذا النص القصصي ينتمي إلى المدرسة الواقعية لأنه يتحدث ويصف أحداثاً وصراعاً تاريخياً واقعياً وفق الطبيعة الإنسانية وما فيها من نوازع الخير يتميز بالسهولة والوضوح مثالية أو مغالاة من وجهة نظر إسلامية.