تفيدنا هذه الوقفة مع اصطلاح صورة المعنى في تأكيد أن إسقاط هذا الوصف على الكلام لا ينبني عليه الإقرار ببلاغة أو فصاحة بل يتسع الوصف باصطلاح الصورة لمراتب الكلام المختلفة، وسيفيدنا ثانياًإذ يلتبس بمصطلح النظم في تحديد مقاصد عبد القاهر منه، ويكشف اعتماد هذا الاصطلاح عن تطور في بحث إشكال اللفظ والمعنى ذلك أنه يعني الإقرار بتكامل عناصر البنية دوالا ومدلولات بحيث يتعلق الحال ببنية النص في ذاته المتولدة من تفاعل اللفظ والمعنى مما ينم عن فهم شكلي للعبارة ذلك أن التعامل هنا خارج الأغراض كأصول للمعاني وخارج المستوى الصوتي للألفاظ بل يندرج في سياق دلالة تفرزها خصوصية الصياغة، ويتأسس الفعل النقدي بالاستناد إلى معاينة بنية تتعاضد فيها وحداتها، لا يعكرها إلا غياب العناية بالمستوى الصوتي للألفاظ، وانحسارها في حدود الجملة.
غير أن بالإضافة إلى ما سبق نؤسس على فكرة عبد القاهر في صورة المعنى رأيه فيما يتعلق بثنائية اللغة والكلام ذلك أن اصطلاح الصورة لا يعتمد إلا في وصف الكلام المنجز فإذا كان تفرع الكلام إلى معنى ولفظ ملحمين في صورة يقتضي الإقرار على مستوى المعنى بأصل الغرض فإنه يستوجب على مستوى الألفاظ الإقرار بأصلها الخام المتمثل في الكلم المفردة من هنا يمكننا التسليم بداهة بأن النظم لا يكون إلا في مستوى الكلام وأن معانيه الملتبسة بمفهوم العلاقات والترتيب أو معاني النحو لن تكون إلا في الكلام فكما لا تكون الفضة خاتما أو الذهب سوارا أو غيرهما من أصناف الحلي بأنفسها ولكن بما يحدث فيها من الصورة كذلك لا تكون الكلم المفردة التي هي أسماء وأفعال وحروف كلاما وشعرا من غير أن يحدث فيها النظم الذي حقيقته توخي معاني النحو وأحكامه.
ويمكن استخلاص المقابلات التالية من النص السابق وهي: أن الفضة أو الذهب تؤولان إلى خاتم أو سوار بعد انطباع الصورة عليهما، وأن الكلم المفردة أسماء، وأفعالا، وحروفا ، تستحيل كلاما وشعرا بتشكلها بالنظم الذي هو توخي معاني النحو وأحكامه.
فتكون الصورة في الطرف الأول معادلة للنظم في الطرف الثاني، وتتيح لنا هذه النتيجة مبدئيا إسقاط دلالات مصطلح صورة حسب ما حدده استخدام عبد القاهر لها في ما سلف من نصوص على مصطلح نظم مما يمكننا من تقديم هذه الفرضية المبدئية وهي أن اصطلاح النظم لن يختص بالكلام الفني فقط بل يعم إطلاقه كل كلام مفيد فنيا وغير فني.
وتمثل اللغة حسب هذا التحديد المادة الخام التي تستغل في كل تركيب دال ذلك أن الفضة في وضعها الخام ليست إلا مادة محايدة قد تتشكل في صور شتي تبعاً لقصد الصائغ تماماً كحال الكلم المفردة بالنسبة إلى الكلام المنجز الدال.
ويؤسس هذا التقابل الأصل اللغوي لنظرية عبد القاهر في النظم، من هنا يتميز إنجازه في إعطاء المصطلحات العامة دلالات محددة تفي بأغراض المقصد البلاغي، وتكشف عن تفرد صاحبها في الفهم، فليس اصطلاح الصورة المقابلة للمادة إلا مفهوما فلسفيا أصوله ضاربة في الإلهيات استغله الفلاسفة والنقاد لتشخيص علاقة اللفظ بالمعنى في النص ولن يشذ عبد القاهر عن القاعدة إلا أنه يأبى إلا أن يخصص هذا الاصطلاح أو يعتمد مرادفاً له أدق يكون راسخ الامتداد في منطلقاته الثقافية، فكان أن اعتمد الوصف بالحسن العائد إلى اللفظ تارة، والحسن العائد إلى النظم أو كليهما معا تارة أخرى بدائل المفهوم الصورة ثم يسود مفهوم النظم منظورا لمحاصرة كل كلام مفيد بليغ وغير بليغ، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأساس النحوي للمفهوم يجرد المصطلح من أبعاده الفلسفية أو يقلل على الأقل من أثر هذه المعرفة الدخيلة في فكر عبد القاهر النقدي اكتمل لعبد القاهر موقف أصيل متميز عن منحى الفلاسفة في تحليل الخطاب منطلقات وإجراء.
فانطلاقاً مما سلف يمكن لعبد القاهر أن يدلل على الأصل اللغوي لنظريته في النظم ذلك أن الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد فلا يترتب على الألفاظ إفادة حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف، ويعمد بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب.
وإذا كان هذا عاما في كل استعمال للغة لمجرد تحقيق الاتصال بين المتخاطبين فإن الأمر في الكلام الفني أخص، من هنا لا يكون لمعاني الألفاظ المفردة أي حظ من الوصف بالبلاغة ذلك أن ليس لنا إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة مع معاني الكلم المفردة شغل ولا هي منا بسبيل، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب.
هذه الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب ليست إلا معاني النحو وهذا لا ينفي إمكانية التفكير في معاني الألفاظ المفردة أصلاً، ولكنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو ومنطوقا بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها، ذلك أن كل قصد للكلام إنما هو قصد لتحقيق مفهوم واحد يكون محصلة ترتيب في معاني ألفاظ مؤسس على معاني النحو ذلك أن مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذهب أو الفضة فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة، وذلك أنك إذا قلت: ضرب زيد عمراً يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً له فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم كلها على مفهوم هو معنى واحد لا عدة معان كما يتوهمه الناس، وذلك لأنك لم تأت بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلق التي بين الفعل الذي هو ضرب وبين ما عمل فيه والأحكام التي هي محصول التعلق.
فالغاية من النظم إحداث تأليف بين الكلم بحيث يترتب على هذا التأليف المتوافق مع العقل بناء الدلالة ومن ثمة المفهوم الواحد ومادام كل فعل تأليف إنما يحدث بين معاني الكلم فإن المواد اللغوية في مستواها الخام تشكل الدلالة الموجودة بالقوة التي يخرجها النظم إلى الفعل، وتتأكد شرعية هذا التصور في بعده الأصولي المنسجم مع ثنائية اللغة والكلام وأصول الغرض وصورة المعنى، فإذا كان توخي التأليف في معاني الكلم إحداثا للدلالة وبالتالي للصورة المعنوية وإذا كانت تلك فعالية حادثة في الكلام مبدئياً فإن هذا التأليف إذ يترادف مع مفهوم العلاقة والانتظام الحادثين بين الكلم في طور أول يعود فيتخصص بمعاني النحو في طور أدق فماذا يقصد بمعاني النحو وأين يمكن أن تتنزل ضمن نظريته في النص عامة؟
ينفي عبد القاهر مبدئياً أن يكون القصد من معاني النحو الإعراب ذلك أنه لم يجز إذا عد الوجوه التي تظهر بها المزية أن يعد فيها الإعراب وذلك أن العلم بالإعراب مشترك بين العرب كلهم وليس هو مما يستنبط بالفكر ويستعان عليه بالرؤية كذا فليس أحدهم بأن إعراب الفاعل الرفع والمفعول النصب والمضاف إليه الجر بأعلم من غيره ولا ذاك المفعول به مما يحتاجون فيه إلى حدة ذهن وقوة خاطر، إنما الذي تقع الحاجة فيه إلى ذلك العلم بما يوجب الفاعلية للشيء إذا كان إيجابها من طريق المجاز كقوله تعالى فما ربحت تجارتهم ، وكقول الفرزدق سقتها خروق في المسامع، وأشباه ذلك مما يجعل الشيء فيه فاعلا على تأويل يدق، ومن طريق تلطف وليس يكون هذا علما بالإعراب ولكن بالوصف الموجب للإعراب فإذا كانت المزية منتفاة من الأشكال الظاهرية للإعراب وأن معاني النحو ليست هي هذه الأشكال، فإن العلم بالوصف الموجب للإعراب كالفاعلية مثلا من صميم معاني النحو، وهي من حقول فعل العقل حيث بواسطتها يتم إلحام معاني الكلم بمزجها في مفهوم واحد وفق التلاحم الذي تحدثه معاني النحو، باعتباره المفتاح الذي يتم به بناء علم الدلالة المحدثة بينها ذلك أنه قد علم أن الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها وأنه المعيار الذي لا يتبين نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه.
فلیست دلالة الإعراب في النص السابق دلالة شكلية ذلك أنه يتعلق بها تفتيق المعاني والأغراض من الألفاظ، وليست المعاني والأغراض نتاج الألفاظ المفردة وإنما هي خلاصة التفاعل الحادث بين كلمتين فأكثر بحسب ما تبيحه معاني النحو، وهي أخيرا المعيار المحدد للخطأ والصواب في القول وبما أن كل نضد للدلالة ضمن سياق معنوي تنتجه كلمات لا يتحقق إلا بتوخي معاني النحو في معاني الكلم إذ تبلغ بها وحدة المفهوم ومجانبة الخطأ وتحقيق الصواب رهن التزامها أيضاً أمكن تحديد معاني النحو وفق هذا التصور بما يعرف حديثا بالوظائف النحوية.
إلا أن ذلك لا يعني حصرها في الأبنية القاعدية للتركيب، فمما قد يشفع لهذا الفهم تحديد عبد القاهر معاني النحو في نص نادر لم يقصد فيه غير ذكر نماذج للنظم البليغ الذي يتحقق به لصاحبه السبق إذ لو لم يكن كذلك لما كان إذ سبق الخليل وسيبويه في معاني النحو إلى ما سبقا إليه من اللفظ والنظم لم يسبق الجاحظ في معانيه التي وضع كتبه لها إلى ما يوازي ذلك ويضاهيه.
ونستضيئ بتمثيله لندرك قصده من معاني النحو التي سبق إليها الخليل وسيبويه، ذلك أنه إذ يذكر سبق الشاعر والناثر إلى النظم الذي يعلم أن من يعقبه لا يدانيه فيه يخلص إلى القول ومن أخص شيء بأن يطلب ذلك فيه الكتب المبتدأة الموضوعة في العلوم المستخرجة فإنا نجد أربابها قد سبقوا في فصول منها إلى ضرب من اللفظ والنظم أعيا من بعدهم أن يطلبوا مثله، أو يجيئوا بشبيه له فجعلوا لا يزيدون على أن يحفظوا تلك الفصول على وجوهها، ويرددوا ألفاظهم فيها على نظامها، وكما هى وذلك ما كان مثل قول سيبويه في أول الكتاب : وأما الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء وبنيت لما مضى وما يكون ولم يقع وما هو كائن لم ينقطع لا نعلم أحداً أتى في معنى هذا الكلام بما يوازيه أو يدانيه، أو يقع قريبا منه فإذا كان السبق يجلوه الاستخدام المتميز لمعاني النحو لتحقيق المقاصد والأغراض، فإن المقصد هنا هو التعبير عن المعاني النحوية نفسها والتقنين لها وهذا لا يؤدي إلى حصرها في مستوى الأبنية القاعدية للتركيب إذ لو كان كذلك لما كان استخدامها في ضبط بعض فصولها دليل سبق سيبويه وليس هذا السبق سوى التوظيف الذكي لما يتلاءم مع المقصد من هذه المعاني، ويؤدي ذلك إلى الإقرار بأن تجريد أصولها في كتاب لا ينبني عليه حصر دلالتها في هذا المستوى التقعيدي فهي تتعلق بالاستعمال مادام حمل النظم على معاني النحو يقتضي ربطها بحقل الكلام بداهة ومن هنا توفر هذه الأبنية القاعدية إمكانات الصوغ غير المحدودة للمقاصد وفق نوايا المتكلمين بحسب الوجوه والفروق التي توفرها، ذلك أن كل نظم إنما هو تفاعل معان نحوية مع معاني كلم مفردة، وإذا كانت معاني الكلم المفردة لا تعني الناظم في شيء، إلا أن تنتظم كلاما دالاً كذلك يخرج من حقل اهتمامه الحصر النظري للقواعد النظرية للتركيب، إنما الغاية في استغلالها في كل سلوك قولي ذلك أن لا نظم في الكلم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض وتجعل هذه بسبب من تلك هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس، وإذا كان كذلك فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله، وإذا نظرنا في ذلك علمنا أن لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلاً لفعل أو مفعولاً أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبراً عن الآخر.
وما دام كل تعليق للكلام بعضه ببعض لا يتم إلا بتوخي معاني النحو انعدم إيجاد رباط للكلمات خارج هذه المعاني وانضبط بموجب ذلك الأساس المعياري المؤسس لصحة القول ذلك أنا إن بتنا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها وجامعا يجمع شملها ويؤلفها ويجعل بعضها بسبب من بعض غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كل محال دونه ذلك أن كل استعمال للكلام عموما لغاية تحقيق الإفادة لابد له من أن يتأسس على السبك النحوي لمعاني كلماته المفردة وإلا انتفت عن المتكلم صفة المؤلف، وذلك إن عمدت إلى ألفاظ فجعلت تتبع بعضها بعضا من غير أن تتوخى فيها معاني النحو لم تكن صنعت شيئا تدعى به مؤلفا، وإذا كان عدم توخي معاني النحو في معاني الكلم انعداما للدلالة كما يتأكد ذلك في قول عبد القاهر : ومن أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء مظهر أو مقدر مضمر، وكان لفظك به إذا أنت لم ترد ذلك وصوت تصوته سواء، أمكن الاستنتاج بأن معاني النحو وإن ارتبطت بالكلام فإن ما سلف من النصوص يقر بعموميتها وأنها قاعدة كل قول وأساس كل كلام، ولكن عبد القاهر يؤسس على نظريته في النظم قانونا لضبط خصائص الكلام البليغ والتدليل على الإعجاز، فالمعاني النحوية التي ينبني على مراعاتها تحقيق وحدة المفهوم الجامع لشتات معاني الكلمات المفردة في السياق الواحد بقدر ما يتفرع منها المنظور المعياري الضابط الفساد القول وصحته ومن ثمة المنطلق في تأسيس كل قول مفيد بقدر ما يشكل التصرف فيما توفره من علاقات منتظمة لصلات الكلم مستوى ثانيا يختص بالقول البليغ ذلك أن الوجوه والفروق التي توفرها معاني النحو متعددة، وأن المقاصد والأغراض مختلفة فضلا عن أن العلائق الدلالية الملحمة للكلم تفسح المجال لتفجير طاقات اللغة الكامنة يضاف إلى ذلك أن القول البليغ كثيرا ما يتحقق بتجاوز المستوى القاعدي لمعاني النحو.
وإذ يحصر عبد القاهر في نصه الآتي الإمكانات غير المحدودة التي توفرها وجوه كل باب من أبواب النحو وفروعه يتأكد تركيزه أيضا على الأساس المعياري يقول: واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مفاهيمه التي نهجت فلا تزيغ عنها وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها، وذلك أنا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق وزيد ينطلق وينطلق زيد ومنطلق زيد وزيد المنطلق والمنطلق زيد وزيد هو المنطلق وزيد هو منطلق يذكر أمثلة في الشرط والجزاء، والحال، وبعض الحروف، ثم يقول: وينظر في الجمل التي تسرد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء وموضع الفاء من موضع ثم وموضع أو من موضع أم وموضع لكن من موضع بل ويتصرف في التعريف والتنكير والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار أو الإضمار والإظهار فيضع كلا من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغي له.