0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة (4.2مليون نقاط)
يشبه موقف حازم القرطاجني موقف عبد القاهر الجرجاني في ما ينبغي أن يتخذه ذو الذهن الكبير من ثقافات عصره من مواقف، وفي حسم ما يكون قد وصله من قناعات وآراء تأخذ صبغة المبادئ في الحقول المعرفية التي يتعاطاها، غير أن الشبه بينهما لا يعدو هذا المنطلق بل يمكن الإقرار بأن حصيلة موقفيهما أقرب ما تكون إلى التباين علماً بأن هذا التباين لم يمنع حازماً من الإفادة من عبد القاهر.

وأصول هذا التباين أو الاختلاف تمتد إلى خصام النحو والمنطق باعتبارهما علامتين مميزتين لمنحيين في التفكير يرفد كلا منهما مصدر مغاير للآخر، فالأول يتمثل في الثقافة العربية الإسلامية في حدود أصالتها من منظور علماء الإسلام وعلماء اللغة خصوصاً، وما يتفرع من ذلك من شعب تتأسس على مسلمات قائمة على أساس من الشرع أو الفكر اللغوي العربي الأصيل الذي لم يكن إلا حاشية على علوم القرآن، أما الثاني فيتجسد في الفكر الفلسفي ذي الأصول اليونانية خاصة هذا التفكير الذي اعتبر عند أقطابه أس الأسس في كل معرفة تبتغي بلوغ اليقين.

من هنا اعتمدوه منطلقاً فيصلا في ضبط مناهج البحث في المعارف وتأسيس دروب التفكير العقلي الصحيح، وتم له أن يطول خصوصيات في الثقافة العربية الإسلامية كالشعر والخطابة خاصة في أعمال شراح أرسطو من الفلاسفة الإسلاميين، فكان له أن ينظر لهذه الحقول التي تمثل في ذهن العربي أصلاً من أصول ثقافته، باحثاً في حقيقتها مؤسساً على هذا التصور غاية لها تندرج ضمن حدود التفكير الفلسفي عامة مفرعاً القول في تحديد خصائص الأداة الفنية، ومن هنا تحدد للفلاسفة تصور للخطابة والشعر ضمن جملة المنطق.

وقد بدا لنا ضمن هذا الجدال في مستوى التصور النقدي والبلاغي تشكل منظورين في سياق الثقافة الواحدة، يهتمان ببلاغة النص الأدبي ضمن إطار من التصور الشامل لماهية الأدب عموما وغايته هما مفهوم التخييل ومفهوم النظم وقد بدا لنا أن اعتماد عبد القاهر النحو لوضع ضوابط رأيه في بنية النص مؤسس على موقف عقائدي يبتغي بالإضافة إلى التدليل على الإعجاز، إيجاد البديل لنظرية التخييل القائمة على أسس من المنطق والواقع أن هذا الاختلاف يمتد إلى المناحي المعرفية المختلفة التي شهدتها الحضارة العربية الإسلامية عموما وإن تشكل بطابع العلم المدروس، وتواصل هذا الصدام منوعا مرافعاته إلى آخر عقول هذه الحضارة الكبيرة من مثل ابن رشد والقرطاجني وابن خلدون.

وليس مصادفة أن يتحاور العقل و النقل في فلسفة ابن رشد لينتهي إلى ضبط حدود فعالية كل طرف، ثم إحداث التصالح بحسب المنظور الرشدي وليس التخاصم بين الشريعة والفلسفة لتنتهي المسألة بابن خلدون الذي شكلت مناحي المعرفة السابقة بكل تفرعاتها اللغوية والدينية والكلامية والفلسفية ضمن إطار من التاريخ الشامل منطلقاته في استنباط النواميس الضابطة لسير الحضارة عموماً، بحسب تصوره، والإسلامية خصوصاً، وقد تم ذلك أيضا من خلال تفاعل ذهن كبير مع إشكال الفلسفة والنحو أو ثقافة الأسلاف الأصيلة وثقافة الأسلاف الطارئة ليؤسس هو نفسه تأليفا يلحم هذه الفعاليات ضمن تكامل دقيق يتأسس من وجهة نظرنا على التخييل ويستفيد من النظم أيضاً في إطار من تخصصه في النقد والبلاغة.

كان بين يدي حازم القرطاجني تراث في البلاغة والنقد يستقطبه منظوران يتمثلان في فكرة التخييل ومفهوم النظم، ولاشك أن عوامل شتى جعلت حازما أميل إلى رأي الفلاسفة باعتداده حفيدا مخلصا في حقل النقد والتنظير لنظرية التخييل، وقد يعود ذلك إلى ثقافته الفلسفية ذلك أنه تلميذ لتلميذ ابن رشد أبي علي الشلوبين، وقد يكون وراء امتهان التفلسف دوافع أملتها وقائع حضارة توشك أن تأفل فكان من مستلزمات تعليل قوانين هذا الأفول في المسرح الحضاري العام أو في أي حقل من حقول المعرفة الاستعانة بالفلسفة إذ بوساطتها يمكن تأسيس القول على منطلقات عقلية أو مسلمات منهجية، ومن هنا يبدو التكامل بين روافد الثقافة العربية الإسلامية عموما في نتاج ابن رشد وحازم القرطاجني، وابن خلدون.

ومن هنا نعتقد أن موقف القرطاجني في تبني نظرية التخييل لتأسيس تصور للشعر لم يكن ليمنعه من استغلال نظرية النظم إذ نجد حضورا فاعلا لبعض عناصر هذه النظرية في مفاصل دقيقة من نظرية حازم، كما نجد أيضاً تأويلاً لكثير من مسلمات هذه النظرية وتفسيراً جديداً لمعطيات مختلفة من نتاجها.

طعن عبد القاهر في الأساس العقلي للتخييل، وهو يؤسس مفهومه للنظم لاعتبارات مختلفة عرضنا لها في الفصل السابق وافتعل القرطاجني موقفا غير طيب من المتكلمين لينصر نظرية التخييل، ولم يكن مصادفة أن عرض حازم إلى المتكلمين وهو يضبط ماهية الشعر في حدود مفهوم التخييل في المنهج الثالث من القسم الثاني من الكتاب، هذا المنهج المخصص لبحث هذا الموضوع خاصة أن البحث في المسألة قام على الدفاع عن الصدق في الشعر، وإزاحة ما علق به من تصورات توهن من قدره وتعتبره كذباً ولم يكن رأي عبد القاهر في التخييل إلا كونه قياسا خادعاً.

وأسس حازم دفاعه عن الشعر معتمداً على استشهادات من الفارابي وابن سينا خصوصا منطلقاً أساسا من أن الخاصية المميزة للشعر هي كونه تخييلا، وأن لا معتبر إذ ذاك بالمعنى في ذاته إذ العبرة بالبنية والخواص الشكلية التي يتلبس بها المعنى من هنا ندرك مقدار قسوته على المتكلمين، إذ يقول: وإنما غلط في هذا  فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة قوم من المتكلمين لم يكن لهم علم بالشعر  لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطرائق الموصلة إلى معرفته، ولا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه، ولا التفات إلى رأيه فيه، فإنما يطلب الشيء من أهله، وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه.

وقد يكون وراء هذا الموقف وقائع شهدها حازم من معاصريه ولم يكن موقف كثير من علماء الأندلس ومفكريها من الشعر في صالحه، وقد يكون من ملابسات هذا الرأي المستوى المتدني الذي بلغه الشعر في نظر الجمهور عموما وعند كثير من متعاطي الشعر عن غير دراية بموالجه خصوصاً، يظهر ذلك في شكوى حازم المتكررة من معاصريه، ونعيه هوان الشعر على أيديهم إذ يرى أن التفاعل مع الخطاب الشعري إنما يقوم على استعداد مزدوج يظهر نوعه الأول في أن تكون للنفس حال وهوى قد تهيأت بهما لأن يحركها قول ما بحسب شدة موافقته لتلك الحال والهوى، والاستعداد الثاني هو أن تكون النفوس معتقدة في الشعر أنه حكم وأنه غريم يتقاضى النفوس الكريمة الإجابة إلى مقتضاه بما أسلبها من هزة الارتياح لحسن المحاكاة فإذا كان الاستعداد الأول موجوداً عند كثير من الناس في كثير من الأحوال فإن الاستعداد الثاني الذي يكون بأن يعتقد فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقوله فإنه معدوم بالجملة في هذا الزمان بل كثير من أنذال العالم، وما أكثرهم يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة.

غير أننا نعتقد أن خلف هذا الموقف أيضاً رأياً حاسماً من المتكلمين عموماً، ومن عبد القاهر الجرجاني خصوصاً ، وبالتحديد ما خص به عبد القاهر بحث التخييل في أسرار البلاغة من صحائف طوال تقوم على مسلمة خلاصتها أن التخييل قياس خادع، وإن اعترف له بالخلابة والرونق فإذا كان يبدو أن حازما عرف الجرجاني فإن هذه المعرفة تولد منها تدعيم نظرية التخييل واعتمادها في ضبط تصور للشعر يظهر ذلك في أمور ومواقف عديدة أولها أنه عرض للمتكلمين وهو يبحث في القسم المخصص للتخييل ونحن نعلم أنه في هذا القسم أيضاً من أسرار البلاغة، درس عبد القاهر التخييل وبين رأيه فيه.

ويظهر ثانيها في مواصلة حازم تعليل جهل المتكلمين بالشعر من حيث أن بحثهم فيه خارج عن اختصاصهم ذلك أن الذي يورطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن، فيحتاجون إلى معرفة ماهية الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدم لهم علم بذلك فيفزعون إلى مطالعة ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعة فإذا فرق أحدهم بين التجنيس والترديد، وميز الاستعارة من الإرداف ظن أنه قد حصل على شيء من هذا العلم فأخذ يتكلم في الفصاحة بما هو محض الجهل بها.

وتجريد حازم المتكلمين من كل جهود في البحث البلاغي مدعاة إلى وصف موقفه بالعاطفي المتحيز ذلك أن المتكلمين، عموماً، من مؤسسي البحث البلاغي عند العرب، ويكفي أن ندرك ما لمجهودات المعتزلة في حقل المجاز من تأصيل، وما للأشاعرة من الإنجازات في تأسيس بلاغة القول على مسلمة الكلام النفسي مما يستدعي تنزيل جهودهم البلاغية في تيار مستقل خاص لنتأكد من باعهم في هذا الحقل المعرفي.

فإذا كان في مثل هذا الموقف من حازم ما يدعو إلى وسمه بالتحيز فإن في تعداده ساخراً تفريق أحدهم بين التجنيس والترديد، وتمييزه الاستعارة من الإرداف ما قد يدل على اعتماد أسرار البلاغة في تحديد هذه المباحث التي ذكرها حسب الترتيب السابق ذلك أن عبد القاهر بدأ البحث في أسرار البلاغة بالتجنيس والسجع ليخلص إلى الاستعارة ومنها إلى التشبيه بفروعه فالتخييل، ولا نظن أن الترتيب الذي اعتمده حازم، وهو ينطبق على فهرست عبد القاهر كان مصادفة بالإضافة إلى ما سبق تتردد اصطلاحات مصدرها أعمال عبد القاهر لدى حازم من مثل : النظم، وصور المعاني وهيئتها، والمعاني الأوائل والمعاني الثواني بل سيعتمد حازم في آخر المطاف على النحو في ضبط بنية العبارة علماً بأن توظيفه هذه المصطلحات لم يكن لمجرد الترديد أو النسخ بل فرع منها الجديد، وضخم بعضها لتمتد إلى أفق أشمل مما كانت لدى عبد القاهر، من هنا يمكننا الإقرار بأن إفادة حازم من عبد القاهر أكيدة كما نقدمها فرضية في مدخل هذا الفصل غير أنه أخفى مصدره في اعتماد بعض أصول نظرية النظم، وأبدى موقفا ناقدا للمتكلمين ليعيد إلى التخييل اعتباره، وليخفي كما يبدو لنا اعتماده على مبادئ مستقاة من إنجاز عبد القاهر، وإخفاء حازم مصادره ليس جديداً فقد استفاد من ابن رشد في مواضع كثيرة من نظريته بل وصل به الأمر أحيانا إلى حد نسخ بعض آرائه، وهو أستاذ أستاذه ولم يشر إليه ولو مرة واحدة في المنهاج، علماً بأنه ردد ذكر الفارابي وابن سينا واقتطع نصوصا من شروحهما فن الشعر الأرسطي في أكثر من موضع من الكتاب.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
حازم القرطاجني وانصهار النظم والتخييل؟

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...