يصدر القاضي الجرجاني تاريخ ۳۹۲هـ في كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه بدءاً من قضية جديدة في النقد الأدبي وهي الاحتكام إلى النص بوصفه معياراً موضوعياً بين متلقي شعر المتنبي في سبيل إصدار الحكم الجمالي على شعره،وهذه القضية تدخل الجرجاني في عداد النقاد الذين سعوا إلى النظر إلى الأدب بوصفه نتاجاً مستقلاً عن مبدعه أي شخصية مبدعه وليس المبدع كأحد أطراف العملية الأدبية فالمبدع يتأثر بمؤثرات الشخصية والبيئة وهذا ما يدعو الناقد المنصف إلى الابتعاد عن العصبية والهوى.
ولعل أهم ما يسجل للجرجاني من حسنات وإن لم تكن دراسته عميقة لدرجة تجعل منها منهجاً متكاملاً هو أنه علل ذلك عندما أشار إلى العوامل التي تؤثر في الشعراء فيرق شعر أحدهم ويصلب شعر الآخر ويسهل لفظ أحدهم ويتوعر منطق غيره وإنما ذلك بحسب اختلاف الطبايع وتركيب الخلق فإن سلاسة اللفظ تتبع سلاسة الطبع ودمائة الكلام بقدر دمائة الخلقة،فشخصية الشاعر تؤثر تأثيراً مباشراً في شعره ولكن هذا لا يعني أن تؤثر أيضاً في نقد شعره، وكذلك فإن البيئة من أهم العوامل المؤثرة في الشاعر وثقافته ومن ثم في شعره فمن شأن البداوة أن تحدث جفوة في الطباع وفي صياغة الأدب ومعانيه، ومن شأن الحضارة أن تحدث سهولة ورقة.
فالشاعر قد يتفاوت في نظمه إذا اختلفت البيئة التي يعيش فيها ولهذا فإن المعيار الوحيد في الحكم إنما هو النص والجرجاني في هذا المنهج إنما يحاول أن يقف موقف القاضي العادل بين خصوم المتنبي وأشياعه من النقاد أخذاً على عصبية كل منهما مبيناً أثر الهوى في حكم الناقد على شعر المتنبي فيجعل السبيل الحق في الإنصاف هو اتباع الذوق السليم، بعد معرفة ما أحسن فيه الشاعر أو أخطأ والجرجاني حين يجعل الذوق الأدبي هو الحكم في مشكلات النقد والبيان يرجع إلى مذهب العرب في بيانهم وما تسير عليه من مناهج في الأداء والتعبير ليقوم بذلك ذوق الناقد ويوسع جوانب ثقافته في النقد، وعمله هنا يشبه عمل الآمدي في قياسه المسافة الجمالية بين أفق النص وأفق التوقع ولكن الجرجاني يركز على حد النص ويؤكد ضرورة الابتعاد عن الهوى وهذا ما يميز منهجه.
وهو إذ يرى تعصب النقاد للمتنبي وتعصبهم عليه يدرك أن الناقد المنصف عليه أن يبتعد عن هذا التعصب، فنقاد المتنبي فئتان من مطنب في تقريظه منقطع إليه بجملته منحط في هواه بلسانه وقلبه يتلقى مناقبه إذا ذكرت بالتعظيم ويشيع محاسنه إذا حكيت بالتفخيم ويعجب ويعيد ويكرر ويميل على من عابه بالزراية والتقصير ويتناول من ينقضه بالاستحقار والتجهيل فإن عثر على بيت مختل النظام أو نبه على لفظ ناقص عن التمام التزم من نصرة خطئه وتحسين زلله ما يزيله عن موقف المعتذر ويتجاوز به مقام المنتصر وعائب يروم إزالته عن رتبته فلم يسلم له فضل ويحاول حطه عن منزلة بوأه إياها أدبه فهو يجتهد في إخفاء فضائله وإظهار معايبه وتتبع سقطاته وإذاعة غفلاته وكلا الفريقين إما ظالم له أو للأدب فيه.
لذلك يأخذ على نفسه أن يكون وسطاً بينهم كالقاضي الذي ينظر في قضية ما وهذا ما دعاه إلى رسم منهج في القراءة، يقوم على أساسين:
الأول : هو وجوب النظر في النص في سبيل تذوقه وفهمه.
الثاني : هو رسم ملامح المتلقي الناقد المنصف الذي يستند إلى ذوقه في إصدار حكم الجودة أو الرداءة.
ولكل من الأساسين ملامح يعمل الجرجاني على توضيحها وهو إذ يسعى إلى ذلك إنما يدرك مكانته الوسطى بين نقاد المتنبي، ويقول: لعلك إذا رأيت هذا الجد في السعي والعنف في القول تقول إنما وقفت موقف الحاكم المسدد وقد صرت خصماً مجادلاً وشرعت شروع القاضي المتوسط ثم أراك حرباً منازعاً فإن خطر ذلك ببالك وحدثتك به نفسك فأشعرها الثقة بصدقي وقرر عندها إنصافي وعدلي.
النص؟
إن النص هو الفكرة المركزية في عملية القراءة الناقدة عند الجرجاني فالقراءة الصحيحة تنبثق من النص وتعمل على تعليل أسباب الحسن أو إصدار أحكام الجودة عليه، وهذه المقولة إذ تبعد المؤلف الشاعر وحياته الشخصية عن مجال القراءة الناقدة فإنها تتصل مع أهم فكرة للتلقي عند الجرجاني وهي ضرورة ابتعاد الناقد عن العصبية وضرورة الاحتكام إلى الذوق والطبع العربي الناقد.
ويضع الجرجاني معايير توجه الناقد لمعرفة النص الجيد والنص الرديء ولعل النص المثالي هو النص الذي يتصف بصفات الجودة، وهو حالة وسطى تجري على نهج المطبوعين من الفحول لا هو سهل ضعيف ولا لطيف ولا وحشي بدوي بل هو النص البعيد عن الساقط السوقي والمتوعر الخشن فلا تظنن أني أريد بالسمح السهل الضعيف الركيك ولا باللطيف الرشيق المؤنث، بل أريد النمط الوسط ما ارتفع عن الساقط السوقي وانحط عن البدوي الوحشي، وهو ما اتفق لفظه ومعناه مع مراعاة مستويات المتلقين وإيراد اللفظ الذي يناسب أغراض الشعر ويلائم ما وضع له فلكل معنى من المعاني ألفاظ تناسبه من القوة واللطافة والجزالة والفخامة فلا يكون غزلك كافتخارك ولا مديحك كوعيدك ولا هجاؤك كاستبطائك ولا هزلك بمنزلة جدك ولا تعريضك مثل تصريحك بل ترتب كلا مرتبته وتوفيه حقه، وهكذا فإن للمديح عياراً وللهجاء عياراً وللرثاء عياراً وللغزل عياراً وكلها تقوم على مبدأ التقسيم الصحيح للألفاظ على أقدار المعاني كما هو معروف في أشعار العرب وكما تمليه عليهم طباعهم، فالشعر يجب أن يلتزم حدود أغراضه حسب الجرجاني لأنه بذلك يتقيد بمقاييس الجودة ويؤثر في المتلقي عن طريق الألفاظ المناسبة لكل معنى ويصل إلى نفسه وقلبه، أما الشعر الذي لا يلتزم بالمعايير والحدود فهو ليس شعراً عنده وإنما هو أقرب إلى النظم يوضع على موازين وتفعيلات شعرية.
أما من ناحية الشكل فيؤكد أن جماليات القصيدة تكون بتناسب أبياتها و ازدواجها واستواء أطرافها واشتباهها وملايمة بعضها لبعض مع كثرة التصرف على اختلاف المعاني والأغراض، وقد أكد الجرجاني الناحية الشكلية هذه في تعليقه على أمثلته من شعر جرير والبحتري فالنص الجميل هو الذي يقوم صاحبه بتحسينه وتقريبه من طباع الناس وعاداتهم فإنما تألف النفس ما جانسها وتقبل الأقرب فالأقرب إليها، ولذلك فإن النص الجيد يسعى إليه الشاعر الحاذق الذي يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدهما الخاتمة فإنها المواقف التي تستعطف أسماع الجمهور وتستميلهم إلى الإصغاء، ونلاحظ أن الجرجاني يلجأ على الرغم من محاولته تحييد المؤلف عن عملية النقد إلى وصف النص من خلال إبداعه ويؤكد أهمية عملية التجويد التي يقوم بها الشاعر الحاذق لأنها تؤثر في المتلقين وتستميلهم إلى الإصغاء، فعلى الشاعر إذا أن يصل إلى نص قريب من نفوس المستمعين وعاداتهم مستخدماً ألفاظاً وسطى لا هي وحشية ولا مسيئة مع التركيز على الوزن الموسيقي والاهتمام بالمطالع والخواتيم مع حسن التخلص.
وبذلك يكون النص الرديء عند الجرجاني هو النص الذي يخالف ما جاء سابقاً إنه النص الذي سخف لفظه وساء نظمه وسقط معناه، فالمتنبي جمع في سخيف شعره بين البرد والغثاثة وبين الثقل والوخامة فأبعد الاستعارة وعوص اللفظ وعقد الكلام وأساء الترتيب وبالغ في التكلف وزاد على التعمق حتى خرج إلى السخف في بعض وإلى الإحالة في بعض، فالتلقي عند الجرجاني هو قراءة منصفة للنص الأدبي تبين جيده ورديئه مع التعليل، والغاية الأساسية للتلقي هي البحث عن المعنى المنطوي خلف اللفظ فاللفظ هو البوابة التي يلج منها القارئ عالم النص وطريقته هي تفكيك اللفظ وتحليله، ويتفاوت المعنى عند الشعراء حسب الجرجاني أما الاختلاف في فهم المعنى فيعود إلى أسباب منها الاختلاف في النحو بين المدارس، والاختلاف في تأويل الألفاظ.
والنص نتيجة لذلك له وظيفة هي قبول المتلقي له، ويهدف إلى استمتاع القارئ وإيصاله إلى راحة نفسية فهو لا يهدف إلى وصف الحقائق كالفلسفة والعلم ولا يحبب إلى النفوس بالنظر والمحاجة ولا يحلى في الصدور بالجدال والمقايسة وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة ويقربه منها الرونق والحلاوة وقد يكون الشيء متقناً محكماً، ولا يكون حلواً مقبولاً ويكون جيداً وثيقاً وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً.
المتلقي والحكم على النص؟
أما الحكم على النص من قبل المتلقي فهو عند الجرجاني كما رأينا حكم جودة يحتكم فيه القارئ الناقد إلى الذوق الصحيح والفطرة الأدبية الصافية ولعل أهم خصائص ذلك الحكم هو الإنصاف والذوق هو سجية النفس التي تألف ما يجانسها وما يوافق طباعها، ولكن ما يتميز به الجرجاني في الحكم الأدبي هو أن له رأياً جديداً فيه وهذا الرأي يتفق مع شخصيته كقاض أكثر مما يتفق مع شخصيته كناقد فسبيل القارئ في الحكم هو الذوق مع مراعاة بعض القضايا وأهمها:
١- الابتعاد عن العصبية: لأن من يتعصب للشاعر كمن يتعصب عليه يظلمه أو يظلم الأدب فيه فالعصبية ربما كدرت صفو الطبع وفلت حد الذهن، ولبست العلم بالشك وحسنت للمنصف الميل ومتى استحكمت صورت لك الشيء بغير صورته وحالت بينك وبين تأمله وتخطت بك الإحسان الظاهر إلى العيب الغامض وما ملكت العصبية قلباً فتركت فيه للتثبت موضعاً أو للإنصاف نصيباً، فالعصبية تضلل القارئ وتميل بالحكم على الأدب.
٢- النظرة الكلية إلى أعمال الشاعر: وعدم الاقتصار على قراءة قصيدة واحدة أو خطبة مفردة، فـ ليس من شرايط النصفة أن تنعي على أبي الطيب بيتاً شذ وكلمة ندرت وقصيدة لم يسعده فيها طبعه ولفظة قصرت عنها عنايته وننسى محاسنه وقد ملأت الأسماع وروايعه وقد بهرت، ولا من العدل أن تؤخره للهفوة المنفردة ولا تقدمه للفضائل المجتمعة وأن تحطه الزلة العابرة ولا تنفعه المناقب الباهرة،فالشاعر يتفاوت في أشعاره التي نجد فيها الرديء والجيد وقد تتفاوت القصيدة الواحدة في الجودة والرداءة عند الشاعر الواحد لكننا لم نجد شاعرا أشمل للإحسان والإصابة والتنقيح والإجادة شعره أجمع بل قلماً نجد في القصيدة الواحدة أو الخطبة المفردة ولا بد لكل صانع من فترة والخاطر لا تستمر به الأوقات على حال ولا يدوم في الأحوال على نهج، لذلك يجب النظر إلى الأشعار كاملة جيدها ورديتها قبل إصدار الحكم.
٣- الغموض لا يسقط الشعر: بل إنه يؤدي إلى تعدد الفهم والحكم وتنوع المعاني وتضافر القراءات المختلفة، وكما رأينا فإن الاختلاف في الحكم يعود إلى تنوع المدارس النحوية ومثال ذلك الاختلاف النحوي حول البيت التالي:
بيضاء يمنعها تكلم دلها
تيهاً ويمنعها الحياء تميسا
فنصب تميس مع حذف إن وهو عند النحويين ضعيف لا يجيزون النصب على إضمار إن إلا أن يكون منها عوض وقد أجازه الكوفيون.
ومن ذلك الاختلاف في تأويل معاني الألفاظ؛
عوابس حل يابس الماء حزمها
فهن على أوساطها كالمناطق
قالوا الماء لا يوصف باليبس وإنما يقال جمد الماء وجمس السمن ويبس العود والنبت ونحو ذلك، قال المحتج قد جاء عن العرب وصف الماء باليبس قال بشر؛
تراها من يبيس الماء شهباً
مخالط دره فيها غرار
٤- التناقض يسيء إلى الشعر والشاعر: وليس يجب أن يكون الحكم بالمناقضة مقصورا على ظاهر اللفظ وإنما المعول على المعاني والمقاصد.
فعلى الناقد الذي يحتكم إلى الذوق في حكمه الأدبي أن يتبع طريقة الجرجاني للوصول إلى الحكم المنصف، والقارئ يبدأ حكمه على النص الجيد عند قراءته له من خلال الأثر الذي يتركه فيه، فتأمل كيف تجد نفسك عند إنشاده وتفقد ما يداخلك من الارتياح ويستخفك من الطرب إذا سمعته وتذكر صبوة إن كانت لك أن تراها ممثلة لضميرك ومصورة تلقاء ناظرك.
مما سبق نرى أن منهج القراءة عند الجرجاني في وساطته هو منهج القاضي العادل المنصف الذي يجب أن ينظر إلى النص بحياد بعيد عن العصبية ويقلبه على وجوهه كافة بنظرة شاملة مبيناً مكامن الإحسان والإساءة فيه مع الاستئناس ببعض المقاييس العامة للجودة والرداءة التي تستقي من معيار الذوق والطبع العربي ليخرج بعد ذلك بفهم جيد، وحكم منصف غير متسرع وغير متأثر بأشياء خارجة عنه، مثل البيئة وشخصية الشاعر.