0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

يصدر القاضي الجرجاني تاريخ ۳۹۲هـ في كتابه الوساطة بين المتنبي وخصومه بدءاً من قضية جديدة في النقد الأدبي وهي الاحتكام إلى النص بوصفه معياراً موضوعياً بين متلقي شعر المتنبي في سبيل إصدار الحكم الجمالي على شعره،وهذه القضية تدخل الجرجاني في عداد النقاد الذين سعوا إلى النظر إلى الأدب بوصفه نتاجاً مستقلاً عن مبدعه أي شخصية مبدعه وليس المبدع كأحد أطراف العملية الأدبية فالمبدع يتأثر بمؤثرات الشخصية والبيئة وهذا ما يدعو الناقد المنصف إلى الابتعاد عن العصبية والهوى.

ولعل أهم ما يسجل للجرجاني من حسنات وإن لم تكن دراسته عميقة لدرجة تجعل منها منهجاً متكاملاً هو أنه علل ذلك عندما أشار إلى العوامل التي تؤثر في الشعراء فيرق شعر أحدهم ويصلب شعر الآخر ويسهل لفظ أحدهم ويتوعر منطق غيره وإنما ذلك بحسب اختلاف الطبايع وتركيب الخلق فإن سلاسة اللفظ تتبع سلاسة الطبع ودمائة الكلام بقدر دمائة الخلقة،فشخصية الشاعر تؤثر تأثيراً مباشراً في شعره ولكن هذا لا يعني أن تؤثر أيضاً في نقد شعره، وكذلك فإن البيئة من أهم العوامل المؤثرة في الشاعر وثقافته ومن ثم في شعره فمن شأن البداوة أن تحدث جفوة في الطباع وفي صياغة الأدب ومعانيه، ومن شأن الحضارة أن تحدث سهولة ورقة.

فالشاعر قد يتفاوت في نظمه إذا اختلفت البيئة التي يعيش فيها ولهذا فإن المعيار الوحيد في الحكم إنما هو النص والجرجاني في هذا المنهج إنما يحاول أن يقف موقف القاضي العادل بين خصوم المتنبي وأشياعه من النقاد أخذاً على عصبية كل منهما مبيناً أثر الهوى في حكم الناقد على شعر المتنبي فيجعل السبيل الحق في الإنصاف هو اتباع الذوق السليم، بعد معرفة ما أحسن فيه الشاعر أو أخطأ والجرجاني حين يجعل الذوق الأدبي هو الحكم في مشكلات النقد والبيان يرجع إلى مذهب العرب في بيانهم وما تسير عليه من مناهج في الأداء والتعبير ليقوم بذلك ذوق الناقد ويوسع جوانب ثقافته في النقد، وعمله هنا يشبه عمل الآمدي في قياسه المسافة الجمالية بين أفق النص وأفق التوقع ولكن الجرجاني يركز على حد النص ويؤكد ضرورة الابتعاد عن الهوى وهذا ما يميز منهجه.

وهو إذ يرى تعصب النقاد للمتنبي وتعصبهم عليه يدرك أن الناقد المنصف عليه أن يبتعد عن هذا التعصب، فنقاد المتنبي فئتان من مطنب في تقريظه منقطع إليه بجملته منحط في هواه بلسانه وقلبه يتلقى مناقبه إذا ذكرت بالتعظيم ويشيع محاسنه إذا حكيت بالتفخيم ويعجب ويعيد ويكرر ويميل على من عابه بالزراية والتقصير ويتناول من ينقضه بالاستحقار والتجهيل فإن عثر على بيت مختل النظام أو نبه على لفظ ناقص عن التمام التزم من نصرة خطئه وتحسين زلله ما يزيله عن موقف المعتذر ويتجاوز به مقام المنتصر وعائب يروم إزالته عن رتبته فلم يسلم له فضل ويحاول حطه عن منزلة بوأه إياها أدبه فهو يجتهد في إخفاء فضائله وإظهار معايبه وتتبع سقطاته وإذاعة غفلاته وكلا الفريقين إما ظالم له أو للأدب فيه. 

لذلك يأخذ على نفسه أن يكون وسطاً بينهم كالقاضي الذي ينظر في قضية ما وهذا ما دعاه إلى رسم منهج في القراءة، يقوم على أساسين:

الأول : هو وجوب النظر في النص في سبيل تذوقه وفهمه

الثاني : هو رسم ملامح المتلقي الناقد المنصف الذي يستند إلى ذوقه في إصدار حكم الجودة أو الرداءة

ولكل من الأساسين ملامح يعمل الجرجاني على توضيحها وهو إذ يسعى إلى ذلك إنما يدرك مكانته الوسطى بين نقاد المتنبي، ويقول: لعلك إذا رأيت هذا الجد في السعي والعنف في القول تقول إنما وقفت موقف الحاكم المسدد وقد صرت خصماً مجادلاً وشرعت شروع القاضي المتوسط ثم أراك حرباً منازعاً فإن خطر ذلك ببالك وحدثتك به نفسك فأشعرها الثقة بصدقي وقرر عندها إنصافي وعدلي.

النص؟ 

إن النص هو الفكرة المركزية في عملية القراءة الناقدة عند الجرجاني فالقراءة الصحيحة تنبثق من النص وتعمل على تعليل أسباب الحسن أو إصدار أحكام الجودة عليه، وهذه المقولة إذ تبعد المؤلف الشاعر وحياته الشخصية عن مجال القراءة الناقدة فإنها تتصل مع أهم فكرة للتلقي عند الجرجاني وهي ضرورة ابتعاد الناقد عن العصبية وضرورة الاحتكام إلى الذوق والطبع العربي الناقد.

ويضع الجرجاني معايير توجه الناقد لمعرفة النص الجيد والنص الرديء ولعل النص المثالي هو النص الذي يتصف بصفات الجودة، وهو حالة وسطى تجري على نهج المطبوعين من الفحول لا هو سهل ضعيف ولا لطيف ولا وحشي بدوي بل هو النص البعيد عن الساقط السوقي والمتوعر الخشن فلا تظنن أني أريد بالسمح السهل الضعيف الركيك ولا باللطيف الرشيق المؤنث، بل أريد النمط الوسط ما ارتفع عن الساقط السوقي وانحط عن البدوي الوحشي، وهو ما اتفق لفظه ومعناه مع مراعاة مستويات المتلقين وإيراد اللفظ الذي يناسب أغراض الشعر ويلائم ما وضع له فلكل معنى من المعاني ألفاظ تناسبه من القوة واللطافة والجزالة والفخامة فلا يكون غزلك كافتخارك ولا مديحك كوعيدك ولا هجاؤك كاستبطائك ولا هزلك بمنزلة جدك ولا تعريضك مثل تصريحك بل ترتب كلا مرتبته وتوفيه حقه، وهكذا فإن للمديح عياراً وللهجاء عياراً وللرثاء عياراً وللغزل عياراً وكلها تقوم على مبدأ التقسيم الصحيح للألفاظ على أقدار المعاني كما هو معروف في أشعار العرب وكما تمليه عليهم طباعهم، فالشعر يجب أن يلتزم حدود أغراضه حسب الجرجاني لأنه بذلك يتقيد بمقاييس الجودة ويؤثر في المتلقي عن طريق الألفاظ المناسبة لكل معنى ويصل إلى نفسه وقلبه، أما الشعر الذي لا يلتزم بالمعايير والحدود فهو ليس شعراً عنده وإنما هو أقرب إلى النظم يوضع على موازين وتفعيلات شعرية.

أما من ناحية الشكل فيؤكد أن جماليات القصيدة تكون بتناسب أبياتها و ازدواجها واستواء أطرافها واشتباهها وملايمة بعضها لبعض مع كثرة التصرف على اختلاف المعاني والأغراض، وقد أكد الجرجاني الناحية الشكلية هذه في تعليقه على أمثلته من شعر جرير والبحتري فالنص الجميل هو الذي يقوم صاحبه بتحسينه وتقريبه من طباع الناس وعاداتهم فإنما تألف النفس ما جانسها وتقبل الأقرب فالأقرب إليها، ولذلك فإن النص الجيد يسعى إليه الشاعر الحاذق الذي يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدهما الخاتمة فإنها المواقف التي تستعطف أسماع الجمهور وتستميلهم إلى الإصغاء، ونلاحظ أن الجرجاني يلجأ على الرغم من محاولته تحييد المؤلف عن عملية النقد إلى وصف النص من خلال إبداعه ويؤكد أهمية عملية التجويد التي يقوم بها الشاعر الحاذق لأنها تؤثر في المتلقين وتستميلهم إلى الإصغاء، فعلى الشاعر إذا أن يصل إلى نص قريب من نفوس المستمعين وعاداتهم مستخدماً ألفاظاً وسطى لا هي وحشية ولا مسيئة مع التركيز على الوزن الموسيقي والاهتمام بالمطالع والخواتيم مع حسن التخلص.

وبذلك يكون النص الرديء عند الجرجاني هو النص الذي يخالف ما جاء سابقاً إنه النص الذي سخف لفظه وساء نظمه وسقط معناه، فالمتنبي جمع في سخيف شعره بين البرد والغثاثة وبين الثقل والوخامة فأبعد الاستعارة وعوص اللفظ وعقد الكلام وأساء الترتيب وبالغ في التكلف وزاد على التعمق حتى خرج إلى السخف في بعض وإلى الإحالة في بعض، فالتلقي عند الجرجاني هو قراءة منصفة للنص الأدبي تبين جيده ورديئه مع التعليل، والغاية الأساسية للتلقي هي البحث عن المعنى المنطوي خلف اللفظ فاللفظ هو البوابة التي يلج منها القارئ عالم النص وطريقته هي تفكيك اللفظ وتحليله، ويتفاوت المعنى عند الشعراء حسب الجرجاني أما الاختلاف في فهم المعنى فيعود إلى أسباب منها الاختلاف في النحو بين المدارس، والاختلاف في تأويل الألفاظ.

والنص نتيجة لذلك له وظيفة هي قبول المتلقي له، ويهدف إلى استمتاع القارئ وإيصاله إلى راحة نفسية فهو لا يهدف إلى وصف الحقائق كالفلسفة والعلم ولا يحبب إلى النفوس بالنظر والمحاجة ولا يحلى في الصدور بالجدال والمقايسة وإنما يعطفها عليه القبول والطلاوة ويقربه منها الرونق والحلاوة وقد يكون الشيء متقناً محكماً، ولا يكون حلواً مقبولاً ويكون جيداً وثيقاً وإن لم يكن لطيفاً رشيقاً.

المتلقي والحكم على النص؟ 

أما الحكم على النص من قبل المتلقي فهو عند الجرجاني كما رأينا حكم جودة يحتكم فيه القارئ الناقد إلى الذوق الصحيح والفطرة الأدبية الصافية ولعل أهم خصائص ذلك الحكم هو الإنصاف والذوق هو سجية النفس التي تألف ما يجانسها وما يوافق طباعها، ولكن ما يتميز به الجرجاني في الحكم الأدبي هو أن له رأياً جديداً فيه وهذا الرأي يتفق مع شخصيته كقاض أكثر مما يتفق مع شخصيته كناقد فسبيل القارئ في الحكم هو الذوق مع مراعاة بعض القضايا وأهمها:

١- الابتعاد عن العصبية: لأن من يتعصب للشاعر كمن يتعصب عليه يظلمه أو يظلم الأدب فيه فالعصبية ربما كدرت صفو الطبع وفلت حد الذهن، ولبست العلم بالشك وحسنت للمنصف الميل ومتى استحكمت صورت لك الشيء بغير صورته وحالت بينك وبين تأمله وتخطت بك الإحسان الظاهر إلى العيب الغامض وما ملكت العصبية قلباً فتركت فيه للتثبت موضعاً أو للإنصاف نصيباً، فالعصبية تضلل القارئ وتميل بالحكم على الأدب.

٢- النظرة الكلية إلى أعمال الشاعر: وعدم الاقتصار على قراءة قصيدة واحدة أو خطبة مفردة، فـ ليس من شرايط النصفة أن تنعي على أبي الطيب بيتاً شذ وكلمة ندرت وقصيدة لم يسعده فيها طبعه ولفظة قصرت عنها عنايته وننسى محاسنه وقد ملأت الأسماع وروايعه وقد بهرت، ولا من العدل أن تؤخره للهفوة المنفردة ولا تقدمه للفضائل المجتمعة وأن تحطه الزلة العابرة ولا تنفعه المناقب الباهرة،فالشاعر يتفاوت في أشعاره التي نجد فيها الرديء والجيد وقد تتفاوت القصيدة الواحدة في الجودة والرداءة عند الشاعر الواحد لكننا لم نجد شاعرا أشمل للإحسان والإصابة والتنقيح والإجادة شعره أجمع بل قلماً نجد في القصيدة الواحدة أو الخطبة المفردة ولا بد لكل صانع من فترة والخاطر لا تستمر به الأوقات على حال ولا يدوم في الأحوال على نهج، لذلك يجب النظر إلى الأشعار كاملة جيدها ورديتها قبل إصدار الحكم.

٣- الغموض لا يسقط الشعر: بل إنه يؤدي إلى تعدد الفهم والحكم وتنوع المعاني وتضافر القراءات المختلفة، وكما رأينا فإن الاختلاف في الحكم يعود إلى تنوع المدارس النحوية ومثال ذلك الاختلاف النحوي حول البيت التالي:

بيضاء يمنعها تكلم دلها

تيهاً ويمنعها الحياء تميسا

فنصب تميس مع حذف إن وهو عند النحويين ضعيف لا يجيزون النصب على إضمار إن إلا أن يكون منها عوض وقد أجازه الكوفيون.

ومن ذلك الاختلاف في تأويل معاني الألفاظ؛ 

عوابس حل يابس الماء حزمها

فهن على أوساطها كالمناطق

قالوا الماء لا يوصف باليبس وإنما يقال جمد الماء وجمس السمن ويبس العود والنبت ونحو ذلك، قال المحتج قد جاء عن العرب وصف الماء باليبس قال بشر؛ 

تراها من يبيس الماء شهباً

مخالط دره فيها غرار

٤- التناقض يسيء إلى الشعر والشاعر: وليس يجب أن يكون الحكم بالمناقضة مقصورا على ظاهر اللفظ وإنما المعول على المعاني والمقاصد. 

فعلى الناقد الذي يحتكم إلى الذوق في حكمه الأدبي أن يتبع طريقة الجرجاني للوصول إلى الحكم المنصف، والقارئ يبدأ حكمه على النص الجيد عند قراءته له من خلال الأثر الذي يتركه فيه، فتأمل كيف تجد نفسك عند إنشاده وتفقد ما يداخلك من الارتياح ويستخفك من الطرب إذا سمعته وتذكر صبوة إن كانت لك أن تراها ممثلة لضميرك ومصورة تلقاء ناظرك.

مما سبق نرى أن منهج القراءة عند الجرجاني في وساطته هو منهج القاضي العادل المنصف الذي يجب أن ينظر إلى النص بحياد بعيد عن العصبية ويقلبه على وجوهه كافة بنظرة شاملة مبيناً مكامن الإحسان والإساءة فيه مع الاستئناس ببعض المقاييس العامة للجودة والرداءة التي تستقي من معيار الذوق والطبع العربي ليخرج بعد ذلك بفهم جيد، وحكم منصف غير متسرع وغير متأثر بأشياء خارجة عنه، مثل البيئة وشخصية الشاعر. 

2 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

أبو هلال العسكري وثقافة المتلقي؟ 

جعل اهتمام أبي هلال العسكري تاريخ ٣٩٥هـ الكبير في التصنيف والتبويب والجمع العناصر البلاغة منه معلماً للبلاغة في نهاية القرن الرابع الهجري فكان كتاب الصناعتين الكتابة والشعر كتاباً جامعاً لتلك العناصر تأثر فيه العسكري بمن أسس وصنف هذا العلم قبله فأبو هلال يرى أن الكشف عن وجوه البديع وصور البيان وسيلة لإدراك حسن النظم والتأليف أي إنه يريد أن يتعلم الناس البلاغة ليتكون لديهم الذوق والفهم المسعفان على إدراك الإعجاز فكتاب الصناعتين كتاب يشرح وجوه البلاغة سعى فيه أبو هلال لتوضيح الأدوات التي تبنى عليها الصناعة الشعرية، وتؤدي الوظيفة المنوطة بالكتابة الأدبية شعراً ونثراً ومن ثم فهمها فهو من النقاد الذين أقروا أن صنعة الشعر اكتساب ثقافي، لذا فهو يرى في الشعر مادة ثقافية لا غنى للكاتب والخطيب وكل متأدب عن معرفتها وروايتها.

يفتتح أبو هلال كتابه بالحديث عن أهمية علم البلاغة لصناعة الأدب وقراءته أيضاً وهنا نلاحظ أسلوباً جديداً في النظر إلى العملية الأدبية الموزعة بين المبدع والنص والقارئ فإذا كان اهتمام النقاد في ذلك العصر بالمتلقي، نتيجة رغبتهم في تجويد العمل الأدبي مما جعلهم يضعونه في خانة المراقب الخارجي الحكم، فإن أبا هلال العسكري يقحم المتلقي في صميم العملية الأدبية وذلك عندما يضعه في مواجهة ندية مع المبدع والنص من خلال اشتراكه مع المبدع بالثقافة فقد أحس العسكري بحاجة المثقف في عصره إلى تعلم البلاغة سواء أكان هذا المثقف من المتطلعين إلى معرفة إعجاز القرآن أم من الخائضين في علم النقد أم ممن يرومون قرض الشعر وتأليف النثر أم من الذين يقصدون تصنيف الكتب وجمع الاختيارات للشعراء، فالبلاغة هي أهم أدوات المتلقي الثقافية التي تؤدي به إلى فهم النص واستحسانه وهي ثقافة للتلقي بالمقدار الذي تكون فيه ثقافة للإبداع وهكذا نرى أن هذه النظرة الجديدة إلى المتلقي، تجعله مشاركاً في العمل الأدبي وتجعل من أي قارئ مثقف يمتلك أدوات البلاغة قادراً على الحكم على النص من خلال استحسانه أو رفضه وتؤهله إلى فهم معناه والغوص فيه.

إن نظرة عميقة في كلام أبي هلال وتقديمه وشرحه علم البلاغة تؤكد ذلك وتجعلنا نرسم ملامح ذلك المتلقي وآلياته في القراءة من عنوان واسع وشامل هو تدعيم ثقافة المتلقي من خلال فهم ثقافة الإبداع وآلياته، ومن خلال تقليب وجوه علم البلاغة وفهم وظيفتها الأساسية عند كل من المبدع والمتلقي، يقول العسكري: اعلم علمك الله الخير وذلك عليه وقيضه لك وجعلك من أهله أن أحق العلوم بالتعلم، وأولاها بالتحفظ، بعد المعرفة بالله جل ثناؤه علم البلاغة ومعرفة الفصاحة الذي به يعرف إعجاز كتاب الله، فنراه وإن جعل علم البلاغة أهم العلوم لأنه يعرف إعجاز كتاب الله به يحيلنا إلى أن هذا العلم هو الأداة الوحيدة لتلقي النص القرآني، وتدعيم ثقافة المتلقي البلاغية هي التي تساعده على الدخول إلى عالمه الداخلي لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيد وآخر رديء ولفظ حسن وآخر قبيح وشعر نادر وآخر بارد بان جهله وظهر نقصه وهو أيضاً إذا أراد أن يصنع قصيدة أو ينشيء رسالة وقد فاته هذا العلم مزج الصفو بالكدر، وخلط الغرر بالعرر واستعمل الوحشي العكر فجعل نفسه مهزأة للجاهل وعبرة للعاقل، وكما نلاحظ إن هذه الفقرة تؤكد الوحدة التي تجمع بين المبدع والقارئ وهي علم البلاغة أي ثقافة التلقي، التي هي ثقافة الإبداع مما يؤهلها لأن تكون ثقافة العمل الأدبي ككل مبدعاً ونصاً وقارئاً مع اختلاف حركتها فهي فاعلة أي عملية فعل إبداعي عند المبدع وكامنة موجودة في طيات النص على شكل قدرة بيانية وقد قال الرماني ذلك قبله ومنفعلة تقوم بفعل التلقي والتحليل والتفسير والتذوق عند القارئ.

ومن خلال هذا الفهم نراه يفصل في وظيفة البلاغة في تعريفها فقد سميت البلاغة بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فالبلاغة تتراوح بين الإبداع والكمون والتلقي أما وظيفتها فهي أن تنهي فيها المعنى إلى القارئ.

وهو يفرق بينها وبين الفصاحة فيجعل الفصاحة للفظ واللسان والبلاغة للمعنى والقلب ويجب أن لا نتسرع هنا ونصدر حكماً على أن العسكري يخصص البلاغة لفهم المعاني ذلك أن هذا التخصيص إنما جاء لتفصيل القول في كل من البلاغة والفصاحة، لذلك نراه بعد ذلك يشرح تعريفه ليضع حدودها فنقول البلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه لتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن إنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطاً في البلاغة لأن الكلام إذا كانت عبارته رثة ومعرضه خلقاً لم يُسم بليغاً وإن كان مفهوم المعنى مكشوف المغزى.

إن أبا هلال يصالح مرة أخرى بين وظيفتي البلاغة عبر فهم المعنى واستيفائه في قلب السامع من خلال ما جاء به من فهم الألفاظ والتراكيب والخيال كما يؤكد الوجه الجمالي في هذه العملية التي تؤدي إلى تعليل حكم الاستحسان أو الرفض بل إنه يضع شرطاً مثالياً للكلام البليغ وهو تمكن السامع منه لتمكنه في نفس المبدع مع أهمية الصورة المقبولة والمعرض الحسن، ويتابع العسكري بعد ذلك شرح آراء البلاغيين والحكماء والنقاد مستعينا بها في تأكيد فكرته لينتقل بعد ذلك إلى شرح وجوه البلاغة وأدواتها بجعلها ثقافة تؤدي بالقارئ إلى التمكن من النص عبر فهم الآلية التي يقوم بها المبدع في صنعة الكلام نثره ونظمه فيقسم كتابه إلى عشرة أبواب مشتملة على ثلاثة وخمسين فصلاً.

وإذا كان النص القرآني المعجز ينفتح على قارئه بامتلاكه تلك الأداة فإن ذلك القارئ سيواجه بها كل النصوص التي هي دون القرآن بلاغة وحسناً وعمقاً ونراه يؤكد أيضاً أن علم البلاغة يمكن القارئ من مواجهة النص وتلقيه وسبر أغواره وتذوقه وقد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة وأخل بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف وبراعة التركيب وما شحنه به من الإيجاز البديع والاختصار اللطيف وضمنه من الحلاوة وجلله من رونق الطلاوة مع سهولة الكلمة وجزالتها وعذوبتها وسلاستها إلى غير ذلك، من محاسنه التي عجز الخلق عنها وتحيرت عقولهم فيها.

إن نظرة أبي هلال العسكري إلى المتلقي الذي يتمتع بثقافة على هذا القدر من الشمول والتوسع تقترب من نظرة النقد الحديث إلى المتلقي المثقف بثقافة التلقي والمتمكن من آليات القراءة فهو سيكون واسع النظرة عميق الرؤية من حيث استقصاؤه المعاني المغلقة الصعبة وتذوقه أسرار الجمال وتعليلها، لأنه سيدرك حسن التأليف وبراعة التركيب ثم سيحلل مجازاته المبدعة ومعانيه المختصرة وسيضع يده على مكامن الجمال والطرافة فيه معللا سبب استحسانه له، فالتلقي عند العسكري كما نرى ليس مقصوراً على التعليل الجمالي ولا يهتم بإصدار حكم الجودة والرداءة فقط وكذلك فهو ليس مقصوراً على فهم المعاني بل إنه قادر على امتلاك النص كاملاً تركيباً وخيالاً وجمالاً وغاية، بل إننا نراه يؤكد أن المتلقي الناقد إن أخل بهذه المعرفة واقتصر على وجه من وجوهه فهو بمنزلة القارئ الجاهل وقبيح العمري بالفقيه المؤتم به والقارئ المهتدي بهديه والمتكلم المشار إليه من حسن مناظرته وتمام آلته في مجادلته وشدة شكيمته في حجاجه وبالعربي الصليب والقرشي الصريح أن لا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلا من الجهة التي يعرفه منها الزنجي والنبطي وأن يستدل عليه بما استدل به الجاهل الغبي.

فالقارئ عند العسكري لا يجب أن يكون سطحياً في نظرته إلى القرآن، بل عليه أن يدرك كل الجوانب والجهات التي اتفق عليها في إعجاز القرآن، وهو بذلك يؤكد أن ثقافة البلاغة تهيئ القارئ لولوج أعماق النص وكل قراءة تبتعد عن هذا الغوص هي قراءة سطحية لا يمتلك صاحبها علم البلاغة أو بلاغة القراءة.

التلقي بين اللفظ والمعنى؟ 

من الواضح في كتاب الصناعتين أن أبا هلال العسكري أراد أن يدلي بدلوه في مختلف قضايا النقد المتداولة في سوق السجالات النقدية في القرن الرابع وكأنه يحاول من خلال تقليبه مختلف الآراء فيها أن يقول الكلمة الأخيرة، لذلك نراه يلج عالم النص متعمقا في مستوياته من الأعم إلى الأخص وما يهمنا في ذلك أنه يلقي الضوء في كل ذلك على فعل القراءة وأهمية المتلقي، سواء من خلال التصريح بذلك الفعل أم من خلال الأثر الناشئ عن كل مستوى من مستويات العمل الأدبي، فبعد كلامه عن البلاغة كثقافة عامة للمبدع والنص والمتلقي نراه يهبط إلى مستوى اللفظ والمعنى مناقشاً جماليات كل منهما وعلى الرغم من أنه يوحي في البداية بأن مدار الحسن والاستجادة متوقف على اللفظ، أو الكساء الخارجي إلا أنه يعود للتفصيل في جماليات المعاني وطريقة التجويد فيها وأثرها في المتلقي على الرغم من أنها كما يقول معروفة لكل الناس.

فهو يبدأ من نظرة عامة إلى النص فيقول: الكلام أيدك الله يحسن بسلاسته وسهولته ونصاعته وتخير ألفاظه وإصابة معناه وجودة مطالعه ولين مقاطعه واستواء تقاسيمه وتعادل أطرافه وتشبه أعجازه بهواديه وموافقة مآخره لمباديه، مع قلة ضروراته بل عدمها أصلاً، حتى لا يكون لها في الألفاظ أثر، فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه وجودة مقطعه وحسن رصفه وتأليفه وكمال صوغه وتركيبه، فإذا كان الكلام كذلك، كان بالقبول حقيقاً، وبالتحفظ خليقاً،هذا هو معيار الجودة عند العسكري والذي يكاد يتفق عليه النقاد مع التأكيد أن النص يؤثر بحسنه وجماله وسلاسته ونصاعته ولفظه الجميل ومعناه الصحيح وتلقيه إنما هو حالة من التقبل والانشداد الجمالي والتذوق الذي يبعث على الالتذاذ والفهم والطرب فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة والجزالة والسهولة والرصانة مع السلاسة والنصاعة واشتمل على الرونق والطلاوة وسلم من حيف التأليف، وبعد عن سماجة التركيب وورد على الفهم الثاقب قبله ولم يرده وعلى السمع المصيب استوعبه ولم يمجه.

ويذهب العسكري في ذلك إلى الأثر الذي يتركه في النفس، من خلال مقارنتها بالحواس بل إنه يشبه النفس بحاسة مسؤولة عن تلقى الشيء الجميل يضع لها معياراً ويصف الأثر الناتج عن تلقيها الجمال كالتقبل والنبو والقلق فالنفس تقبل اللطيف وتنبو عن الغليظ وتقلق من الجاسي البشع وجميع جوارح البدن وحواسه تسكن إلى ما يوافقه وتنفر عما يضاده ويخالفه والعين تألف الحسن وتقذى بالقبيح والأنف يرتاح للطيب وينفر للنتن، والفم يلتذ بالحلو ويمج المر والسمع يتشوف للصواب الرابع وينزوي عن الجهير الهايل واليد تنعم باللين وتتأذى بالخشن والفهم يأنس من الكلام بالمعروف ويسكن إلى المألوف ويصغي إلى الصواب ويهرب من المحال وينقبض عن الوخم، ويتأخر عن الجافي الغليظ ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب والروية الفاسدة، وهذا حال النفس التي تتأثر بالجمال فالقلق والاضطراب هي صفة النفس التي تقبل القبيح وهذا يدل على أولية التقبل الجمالي عند العسكري، وهذا التقبل إنما معياره اللفظ فالعسكري يحيل جمال النص على اللفظ فليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صواباً فالمعاني معروفة ومطروحة للجميع وإنما يدل على ذلك أن الخطب والأشعار لم تجعل فقط لإصابة المعنى لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيد منها في الأفهام وإنما يدل حسن الكلام وإحكام صنعته ورونق ألفاظه وجودة مطالعه وحسن مقاطعه وبديع مباديه وغريب مبانيه على فضل قائله وفهم منشيه وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعاني.

ورغم هذا التأكيد على جماليات اللفظ إلا أننا نرى العسكري يعود للمصالحة بين اللفظ والمعنى من خلال معيار التلاؤم فالجميل هو المتلائم المنسجم ولا خير في المعاني إذا استكرهت قهراً والألفاظ إذا اجترت قسراً ولا خير فيما أجيد لفظه إذا سخف معناه ولا في غرابة المعنى إلا إذا شرف لفظه مع وضوح معناه ولكن هذه العودة إلى إعطاء المعنى حقه في النص الجميل تمثل حالة من انقطاع الفكرة وربما التناقض عند العسكري وهو ما يؤكد أنه أراد أن يعطي كل قضايا النقد الأدبي آنذاك حقها من المناقشة وأن يورد في كل ذلك رأياً فأجود الكلام ما يكون جزلاً وسهلاً لا ينغلق معناه ولا يستبهم مغزاه ولا يكون مكدودا مستكرهاً ومتوعراً متقعراً، ويكون بريئاً من الغثاثة عارياً من الرثاثة، ونلاحظ أن من الجزل ما يكون رديئاً، ومن السهل ما يكون رديئاً أيضاً والحكم في ذلك على تخيّز الألفاظ أما أهم معايير المعاني وجمالياتها فهو الخطأ فيها لأن الشأن هو إصابة المعنى فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من يكمل الإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال.

فالمعيار الأساسي لجمال المعنى هو الصحة وعدم التناقض والبعد عن الخطأ والكذب والمعاني على وجوه منها ما هو مستقيم حسن نحو قولك قد رأيت زيداً، ومنها ما هو مستقيم قبيح نحو قولك قد زيدا رأيت وإنما قبح لأنك أفسدت النظام بالتقديم والتأخير، ومنها ما هو مستقيم النظم وهو كذب مثل قولك حملت الجبل وشربت ماء البحر، ومنها ما هو محال كقولك آتيك أمس وأتيتك غداً وكل محال فاسد وليس كل فاسد محالاً.

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

فمن خطأ المعاني التشبيه الفاسد أو الخطأ في الحقيقة العلمية أو التاريخية أو الدينية وكذلك الخطأ في معاني الألفاظ ومخالفة العرف وذكر ما ليس في العادة، وهو يعدد الأمثلة على كل ذلك مفصلا فيها بإسهاب يطول ذكره، ولكنه يضيف إلى ذلك فكرة التفاضل في المعاني للتأكيد على أن من شأن المبدع أن يورد أفضل المعاني ويسعى للتجويد فيها وأن من شأن المتلقي أن يفاضل بين تلك المعاني ليعطي الحكم الصائب في الحسن والرداءة، فمن المعاني ما يكون جيداً ومنها ما يكون مقصراً غير بالغ مبلغ الحسن فمن عيوب المديح عدول المادح عن الفضائل التي تختص بالنفس من العقل والعفة والعدل والشجاعة، إلى ما يليق بأوصاف الجسم من الحسن والبهاء والزينة كما قال ابن قيس الرقيات في عبد الملك بن مروان 

يأتلق التاج فوق مفرقه

على جبين كأنه الذهب

والهجاء إذا لم يكن يسلب الصفات المستحسنة التي تختصها النفس ويثبت الصفات المستهجنة التي تختصها أيضاً لم يكن مختاراً.

أما أجود الوصف فهو : ما يستوعب أكثر معاني الموصوف حتى كأنه يصور الموصوف لك فتراه نصب عينك  وينبغي أن يكون التشبيب دالاً على شدة الصبابة وإفراط الوجد والتهالك في الصبوة ويكون بريا من دلائل الخشونة والجلادة وإمارات الإباء والعزة.

إن العسكري يضع النقاط التي تدل المتلقي على جماليات النص التي أراد أن يحصرها في اللفظ أولاً وشروطه أن يكون سليماً بعيداً عن الضرورات ثم عاد وجعل من المعاني ما هو جيد وما هو أجود، وأفاض في شرح ذلك معللاً أسباب استحسان المتلقي الجميل من خلال تقبله في النفس التي جعلها كإحدى الحواس التي تأنف الجافي البشع وتلتذ وتنتشي مينة للكتاب بالسهل السلس.

التلقي ووظيفة النص؟ 

وعندما يغوص العسكري في المستويات الأعمق للنص يبدأ بشرح وجوه الاستحسان والجودة والعيوب الناتجة عن الخلل أو الخطأ في مكوناته وهنا نلاحظ أن فهم العسكري وظائف النص يدعم نظرته الجمالية في التلقي وكذلك يبين الأدوات التي تزيد من فهم المعنى فهو يبين وجوه الجودة والحسن في التشبيه الذي يزيد المعنى وضوحاً ويكسبه تأكيداً وهو لا يقصر وظيفة التشبيه على ابتكار الصور الجميلة والتشبيهات الرائعة بل إنه يدعم المعنى بحيث ينوب أحد الطرفين عن الآخر، أما الازدواج والسجع فهما يزينان الكلام و يزيدانه حسنا وجمالاً فلا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجاً ولا تكاد تجد لبليغ كلاماً يخلو من الازدواج والسجع ثم يبدأ بشرح وجوههما وعيوبهما التي تسيء للكلام فمن عيوب الازدواج التجميع، وهو أن تكون فاصلة الجزء الأول بعيدة المشاكلة الفاصلة الجزء الثاني ومن عيوبه التطويل وهو أن تجيء بأجزاء الأول طويلاً فتحتاج إلى إطالة الثاني ضرورة.

وهكذا يمضي في شرحه وجوه البديع دون أن يخرج عن حدي التلقي وهما إدراك الحسن والتمكن من المعنى فمن الوجوه التي تزيد الكلام حسنا المطابقة والتجنيس والترصيع والتوشيح والعكس والمجاورة والتعطف والمضاعفة والتطريز، ومن وجوه البديع التي تمكن المتلقي من المعنى وتزيده تأثيراً الاستعارة التي تحيل إلى دلالة هي أصل الحقيقة ولكن فضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل في نفس السامع ما لا تفعل الحقيقة، أما المقابلة وصحة التقسيم وصحة التفسير فهي تسهم في إفهام المعاني مع زيادة في حسن الكلام، ومن الوجوه ما يجعل المتلقي دائباً خلف المعنى باحثاً عنه خلفها كالإرداف والتوابع وهي أن يريد المتكلم الدلالة على معنى فيترك اللفظ الدال عليه الخاص به و يأتي بلفظ هو ردفه و تابع له فيجعله عبارة عن المعنى الذي أراده، والمماثلة وهي أن يريد المتكلم العبارة فيأتي بلفظة تكون موضوعة لمعنى آخر إلا أنه ينبئ إذا أورده عن المعنى الذي أراده كقولهم فلان نقي الثوب يريدون به أنه لا عيب فيه، والغلو وهو تجاوز حد المعنى والارتفاع فيه إلى غاية لا يكاد يبلغها أما المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته وأبعد نهاياته ولا تقتصر في العبارة عنه أدنى منازله وأقرب مراتبه، ومنه الكناية والتعريض وهو أن يكنى عن الشيء ويعرض به ولا يصرح.

ومن الوجوه ما يسهم في زيادة الشرح والتفصيل في المعنى بحيث يسهل فهمه ومنه التذييل فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه حتى يظهر لمن لم يفهمه ويتوكد عند من فهمه وهو ضد الإشارة والتعريض، والإشارة أن يكون اللفظ القليل مشاراً به إلى معان كثيرة بإيماء إليها ولمحة تدل عليه، تاركة المتلقي خلفها وهو يحاول القبض على المعنى من خلال تلك اللمحات والإيماءات أما التتميم والإكمال والالتفات والاعتراض والرجوع والاستثناء والاستطراد وجمع المؤتلف والمختلف والسلب والإيجاب فهي من الوجوه التي تعمل على زيادة تأكيد المعنى أما المذهب الكلامي فهو ينسب إلى التكلف، وهكذا فإن مستوى النص الأعمق يسهم في تدعيم عملية القراءة عند العسكري بأدوات جديدة وهي أدوات النص نفسها التي يقوم أغلبها بوظائف تؤدي إلى التجويد من جانب ومساعدة المتلقى على إدراك المعنى من جانب آخر.

الإبداع والتلقي؟ 

يسعى أبو هلال العسكري في وصفه عملية الإبداع من خلال إعطائه النصائح للكتاب من الشعراء وأصحاب الرسائل والخطب إلى تلازم عملية التلقي والإبداع ويؤكد حضور المتلقي في ذهن المنشئ ليمارس رقابته الأولية على الرسالة المتبادلة بينهما، هذا الحضور إنما يسمى في النقد الحديث القارئ الضمني وأبو هلال يرسم ملامح ذلك المتلقي في أثناء مناقشته عيوب الكتابة ومن خلال النصائح التي تجعل المبدع أكثر تجويدا للنص، مثل الابتعاد عن المعاني التي يتطير منها والبعد عن المتنافر بين الصدر والعجز والابتعاد عن الوحشي من الكلام والسوقي المبتذل وتجنب ارتكاب الضرورات وتخير الألفاظ وليس هذا سوى استمرار لمناقشته جماليات اللفظ والمعنى ونراه يضيف إليها جماليات القوافي من خلال عيوبها فالشاعر يجب أن يبتعد عن أخطاء القوافي وعيوبها كالسناد والإقواء والإيطاء، إن عملية الإبداع الأدبي تنطوي على كثير من النقد الذي تمارسه رقابة المتلقي الضمني فهي صناعة كباقي الصناعات غايتها التجويد ووسائلها الترتيب والصحة وتخير الألفاظ ومن عيوب الكتابة تكرار الكلمة في الكلام القصير.

وهكذا نراه يستدعي المتلقي في كل كلامه عن عمل المبدع إلا أننا نراه يوسع من ثقافة الشاعر لأن الكتابة الجيدة تحتاج إلى أدوات جمة وآلات كثيرة من معرفة العربية لتصحيح الألفاظ وإصابة المعاني وإلى الحساب وعلم المساحة والمعرفة بالأزمنة والشهور والأهلة وغير ذلك، أما أهم ما يجب على الكاتب توخيه هو مخاطبة الناس المتلقين على حسب أقدارهم وثقافتهم فأول ما ينبغي أن تستعمله في كتابتك مكاتبة كل فريق منهم على مقدار طبقتهم وقوتهم في المنطق ثم يعمل على بيان جماليات صناعة الأدب من حسن النظم وجودة الرصف والسبك وغير ذلك لأن سعي المبدع إلى التجويد من أهم ما يعزز التلقي القائم على القبول والاستحسان، ومن سوء النظم المعاظلة لأن التراكب مستهجن والسلاسة مقبولة، وهو في هذا السياق يجعل نفسه وسطا بين الإيجاز والإطناب فلا ينتصر لأحدهما على الآخر فعلى الكاتب أن يوجز في موقع الإيجاز لأنه محمود في مكانه فلا يطيل ويطنب لأن الإطناب محمود في مكانه فالقول القصد إن الإيجاز والإطناب يحتاج إليها في جميع الكلام وكل نوع منه ولكل واحد منها موضع فالحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه، مع مراعاة أهمية عمل الكاتب المبدع وتميزه عن سواه في استخدامه خاصتي الكلام هاتين ومعرفة مكان استعمال كل منهما، فالإطناب إذا لم يكن منه بد إيجاز وهو في المواعظ خاصة محمود، كما أن الإيجاز في الإفهام محمود ممدوح.

بقي أن نقول كلمة في الحديث عن الإيجاز والإطناب الذي يقودنا إلى النقد الحديث ونظرية التلقي مباشرة، وهي أن ذلك يدخل في بحث القارئ عما يقوله النص فالإطناب يعني الشرح والسهولة والوضوح وربما يفيض اللفظ عن المعنى، وتدخل المساواة في هذا الباب إذ يصبح اللفظ مساوياً للمعنى والمعنى مساويا للفظ لا يزيد بعضها عن بعض وهو المذهب المتوسط بين الإيجاز والإطناب، أما في الإيجاز فنرى أن القارئ يسعى إلى الكشف عن المسكوت عنه في القول ويسعى إلى التوسع فالإيجاز هو أن اللفظ يقول أقل من المعنى وهذا يلتقي مع نظرية ملء الفراغات عند إيزر، ومن أنواع الإيجاز القصر والحذف ويلتقي القصر مع رأي إيزر فيما سبق ذكره لأنه تقليل الألفاظ وتكثير المعاني وهذا يدفع المتلقي القارئ إلى إكمال المعنى والبحث عن تمامه والحذف على وجوه فمنها أن يحذف المضاف ويقيم المضاف إليه مقامه ويجعل الفعل له كقول الله تعالى : (واسأل القرية) أي أهلها، ومنها أن يوقع الفعل على شيئين وهو لأحدهما ويضمر للآخر فعله، وهو قوله تعالى:(فاجمعوا أمركم وشركاءكم)  ومعناه وادعوا شركائكم ومنها أن يأتي الكلام على أن له جواباً فيحذف الجواب اختصارا لعلم المخاطب كقوله عز وجل:( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال وقطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً) أراد لكان هذا القرآن فحذف، وربما حذف الكلمة والكلمتين، كقوله تعالى:( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم) ومن الحذف إسقاط لا من الكلام في قوله: (يبين الله لكم أن تضلوا ) ومن الحذف أن تضمر غير مذكور كقوله تعالى: (حتى توارت بالحجاب) يعني الشمس بدأت في المغيب فالحذف كالقصر يقلل اللفظ عن المعنى ويجعل القارئ في حالة من البحث عن المعنى المتبقي والمسكوت عنه، وهنا نلتقي مع نظرية التلقي في شكلها الحديث بالإضافة إلى التلقي الجمالي من خلال عملية الغوص الدائبة في البحث عن بقية المعنى مما يجعل القارئ مشاركاً في إنتاجه.

وعلى هذا نرى أن العسكري يجعل البلاغة الأداة الثقافية الأولى التي يجب على المتلقي أن يمتلكها بهدف تلقي النص لذلك فقد أفاض في شرح وجوهها وكشف الوظائف التي تقوم بها في سياق الصناعة الأدبية شعرا ونثرا والذي يتصل بقضية التلقي أنه جعلها الثقافة التي يشترك فيها المبدع والمتلقي مما يجعلها الحامل لوظيفة المنشئ والنص ومن ثم مفتاحاً يتمكن المتلقي من خلاله أن يلج عالم الأدب وهي تحقق للعالم بها فوائد عديدة أهمها إدراك إعجاز القرآن إدراكا مبنيا على النظر والفقه والتذوق لا إدراكاً مبنياً على الإيمان المجرد والتسليم من غير نظر كإيمان العوام من الزنوج والأنباط وفائدة نقدية قوامها إعانة العالم على النقد والمفاضلة والقدرة على تمييز الجيد من الرديء والغث من السمين بالإضافة إلى الفائدة الإنشائية. 

يتبين لنا مما وصفناه من مناهج القراءة عند النقاد السابقين أن قضية التلقي في نقد القرن الرابع الهجري لم تتبلور بشكل واضح يؤدي بالباحث إلى استنباط أسسها وتحليل مقوماتها وركائزها ومن ثم، تحسس مظاهر الاختلاف بين النقاد حولها بوصفها ظاهرة نقدية معروفة لهم أو تتبع تطورها التاريخي في الفترة التي ندرسها فيها إلا أننا نلاحظ أن النقاد قد تحدثوا عن ملامح تقترب من شكل النظرية الحديث ولاسيما التلقي الجمالي والتقويمي للأعمال الأدبية والتلقي من خلال قياس النصوص مع أفق ثقافي متعارف عليه أو أفق توقع، يتمثل بنهج القصيدة العربي القديم وأسلوبها وقد ابتعدوا عن الحديث عن الفراغات النصية التي يجب على القارئ أن يشارك بملئها بالمعنى المسكوت عنه وذلك يعود إلى ميلهم إلى الوضوح وبعدهم عن الغموض والاستحالة، وما يتميز به نقد القرن الرابع الهجري كما رأينا هو الاحتفاء الواضح بالنص الأدبي سواءً أكان من الناحية الجمالية الشكلية أم من الناحية البلاغية الفنية التي تعنى بوصف الحوار الذي يتم بين المتلقي ومكونات النص بهدف إحداث المتعة والوعي وهو ما سنبينه لاحقاً.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...