مقالنا اليوم سوف يكون عن النص الأدبي في دراسات الإعجاز قبل عبد القاهر الجرجاني؟
- تلخيص كتاب دلائل الإعجاز عبد القاهر الجرجاني
- النقد عند عبد القاهر الجرجاني
- بحث كامل عن عبد القاهر الجرجاني
- النقد البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني
- منهج عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز؟
تراوح فهم المتكلمين للنص بين ثنائية اللفظ والمعنى والنظم، ولم يكد الحسم يكون بينا في إسناد هذه الفعالية إلى النظم إلا مع عبدالقاهر في حين ظل سابقوه يقرون مزايا للفظ والمعنى مع تبني فهم للنظم بدلالات مختلفة ومتفاوتة اقتربت عند القاضي عبد الجبار من مستوى النضج حيث بدأ الأساس اللغوي والنحوي للنظم في التشكيل.
ومن هنا استقام في أذهان هؤلاء رؤية النص الأدبي من منظور ثنائية اللفظ والمعنى دون أن يتخلوا عن الضابط لهذين الشقين واللاحم لهما بطريقة الإضافة الخارجية عموماً مصطلحين على تسمية هذه العلاقة الضامة لعناصر النص باصطلاحات تبدو مترادفة كالسبك والانتظام والرصف.
فقد بدأ النظم فضفاضاً قابلاً لاستيعاب دلالات مختلفة ذلك أنه على مستوى أولي تحدد مرادفاً للطريقة، أو النوع الأدبي في نصوص كل المتكلمين السابقين لعبد القاهر فالعادة كما يرى الرماني كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة منها الشعر ومنها السجع ومنها الخطب ومنها الرسائل ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة، وهذا الفهم للنظم المرادف الطريقة وارد عند الخطابي في مثل قوله متحدثا عن فصاحة العرب حيث إنهم مقتدرون على التصرف في أودية الكلام عارفون بنظومه قصيده ورجزه وسجعه وسائر فنونه، ولقد تواتر ذكر النظم في أعمال الباقلاني وجهاً من وجوه إعجاز القرآن، حيث إنه بديع النظم، عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه غير أن دلالته الأولى تمر عبر الفهم السالف الذكر ذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه وتباين مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم.
ومع أن القاضي عبدالجبار يورد نصاً لشيخه أبي هاشم يحدد فيه فهمه للفصاحة والنظم، وهو قوله: إنما يكون الكلام فصيحا لجزالة لفظه، وحسن معناه، ولابد من اعتبار الأمرين لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحاً فإذن يجب أن يكون جامعا لهذين الأمرين، وليس فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص، لأن الخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر والنظم مختلف إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة، إلا أنه لا يتخلى عن هذا المستوى من فهم النظم في مناظراته وحجاجه الخصوم فهو يجمل رأيه إثر بسطه هذه الفكرة في قوله إنا جعلنا الطريقة الخارجة عن العادة في النظم مؤكدة لكونه معجزاً إذا كان له رتبة عظيمة في الفصاحة.
والحق أن هذا الفهم للنظم لا يعدو أن يكون شرحاً أولياً لمدلوله، يتحدد للقرآن فيه الإقرار بتميز نوعي ضمن فنون القول المختلفة، هذا التحديد الخارجي الأول الهادف إلى إخراج القرآن من كل التباسات القول الشائعة يمثل أساساً مبدئيا تقوم عليه الآراء المفرعة للقول في القرآن مضمونا وشكلاً، ومن هذا المستوى يندرج البحث في عناصر النص المشكلة لبنيته وذلك في مستوى أول لا يعدو تصوره أن يكون إحساسا بصلة بين عنصري المعنى واللفظ، أو بنوع من اللحمة السابكة للعناصر.
فإذا كان التلاؤم عند الرماني تعديل الحروف في التأليف هذا التأليف المتفرع إلى متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا، فإن فائدة هذا التلاؤم في الكلام تتبدى في حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليه من حسن الصورة وطريق الدلالة.
وعلى الرغم من أن مبحث التلاؤم من مباحث الفصاحة يعرض للحروف وانسجامها في الكلمات، وأسباب ذلك العائدة إلى قوانين وشروط تراعي كيفية تأليف الوحدات الدالة، وإلى صور مخصوصة توفر لها حسن السمع، فإن الامتداد به إلى مستوى شامل يغطى نصاً قرآنياً أو شعرياً كشف لتصور أولى بضرورة مراعاة قدر من انسجام النص وإن بدا في شكل لفظي لا يتجاوز المستوى الصوتي، إلا أن إحساساً أوليا بخيط جامع العناصر النص ينضاف إلى جمال الصورة أو عذوبة اللفظ يبدأ في الظهور عند الرماني فإذ يعلل جمال بعض التشبيهات القرآنية المقر بحسنها يتساءل عن الكيفية التي يكون عليها هذا التشبيه، إذا تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة اللفظ وكثرة الفائدة وصحة الدلالة، والإقرار بعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة معناه إسناد الحسن إلى اللفظ والمعنى غير أن إضافة حسن النظم كشف عن وعي بفعالية ثالثة تنضاف إلى عنصري الجمال السابقين، ومع ذلك لا يمكن ضبط مدلول النظم في النص السابق بدقة غير أن ذكره مع اللفظ والمعنى يكاد يقرب معناه من مفهوم التأليف الذي يبدو واضحا في قول الرماني والكلام لا يخلو من أن يكون باسم أو صفة أو تأليف من غير اسم للمعنى أو صفة، كقولك غلام زيد، فهذا التأليف يدل على الملك من غير ذكر له باسم أو صفة ودلالة الاشتقاق كدلالة التأليف في أنه من غير ذكر اسم أو صفة كقولك، قاتل تدل على مقتول وقتل من غير ذكر اسم أو صفة لواحد منهما ولكن المعنى مضمن بالصفة المشتقة وإن لم تكن له، ودلالة الأسماء والصفات متناهية فأما دلالة التأليف فليس لها نهاية ولهذا صح التحدي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة، ولو قال قائل: قد انتهى تأليف الشعر حتى لا يمكن لأحد أن يأتي بقصيدة إلا وقد قيلت فيما قيل لكان ذلك باطلاً، لأن دلالة التأليف ليس لها نهاية كما أن الممكن من العدد ليس له نهاية يوقف عندها لا يمكن أن يزاد عليها، والقرآن كله في نهاية حسن البيان، فالتأليف حسب هذا الفهم مؤد إلى حصول دلالة لا توجد في ظاهر الألفاظ المشكلة للعبارة ظهور معنى الملك من غير ذكر له باسم أو صفة فالإضافة هنا مزج لدوال في وحدة تؤول إلى معنى واحد من هنا ينفسح المجال لبروز نصوص أدبية كثيرة، ذلك أنها محصلة فعالية في مستوى الكلام وتركيب تأليفي لمعطيات جزئية تتجسد في العناصر المشكلة لهذه البنية أفراداً فمحدودية الألفاظ أفراداً تستحيل لا نهائية تركيباً نظراً لفعالية التأليف.
ويأخذ هذا الإحساس الأول بمفهوم التأليف مدى أشمل لدى الخطابي إذ يمثل أساسا في نظرته لبنية النص إلا أنه يتعادل بداية مع فكرة التأليف الجامعة لعنصري اللفظ والمعنى، فبلاغة القرآن في نظره لا تقتصر على مفرد الألفاظ التي منها يتركب الكلام دون ما يتضمنه من ودائعه التي هي معانيه وملابسه التي هي نظوم تأليفية، ذلك أن الكلام يقوم بهذه الأشياء الثلاثة:
لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم، هذا الفهم المراكم لعناصر النص لا يعطي النظم فعالية أولى في التركيب دون أن ننفي أن يكون له دور في ضم أجزاء الكلام غير أنه لا تتحدد في هذا المستوى الكيفية التي بها يتم هذا الانتظام، ومع ذلك يظل لرسوم النظم الأهمية البالغة فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني و به تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضه بعضا كذا فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان ولو قصدنا الاقتراب من الكيفية التي يتحقق بها الانسجام بين وحدات النص لرأيناه يلح على ضرورة التدقيق في توظيف الألفاظ المتقاربة في المعنى خصوصاً وتنزيلها في مواقعها التي يقتضيها فصل الكلام، ذلك أن عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منها إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام وإما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة ذلك أن في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب : كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر، والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك، لأن لكل لفظة خاصة تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها وإن كانا قد يشتركان في بعضها.
ومع كل ذلك يكشف الخطابي عن نوع من الإحساس بانتظام عناصر النص في وحدة خفية تستند إلى أساس معنوي مما يعطي مفهوم النظم فسحة ممتدة تتعادل تقريبا مع مفهوم للوحدة الجامعة لفصول النص، يظهر ذلك في رده على المعترض القائل، أو ليس وإن توجه الكلام وصح على الوجه الذي ذكرتموه في معنى قوله سبحانه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق فقد دخله من الانتشار بتفرق أجزائه وتباعد مابين فصوله ما أخرجه من حسن النظم الذي وصفتموه به؟ قيل : لا، وذلك لأنه لم يدخل بينه وبين أول ما يتصل به إنما قال: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، ثم وصف هذا الإيمان وحقيقته إذ كان هذا القسم يقع على أمر ذي شعب وأجزاء، يلزم أدناه من ذلك ما يلزم أقصاه، فلو لم يستوفه بالصفة الجامعة له لم يبن معه المراد، ثم عطف بالكلام على أول الفصل فقال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، فشبه كراهتهم ماجرى في أمر الأنفال وقسمها بالكراهة في مخرجه من بيته، وكل ما لا يتم الكلام إلا به من صفة وصلة فهو كنفس الكلام، وحجة الخطابي في ذلك أن صلة معنوية خفية تلحم الآيات وتسقط حجة المعترض الواصف لها بالتفرق والانتشار، وبالتالي سقوط النظم ذلك أن كراهة المؤمنين للخروج إلى القتال المعبر عنها في قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون)، ينتظمها ومطلع سورة الأنفال في قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله وَرَسُولَهُ إِن كنتم مؤمنين)، وحدة تكمن في الدلالة على الكراهية الواردة في الآيات، فكان الحسم في أمر الأنفال الذي لم يتوافق مع الرغبة في اقتسامها، متطابقا مع مخالفة رغبة المؤمنين في الميل إلى غير ذات الشوكة التي هي غنائم بدر فكرهوا لذلك الخروج إلى القتال، وما بينهما حديث عن الإيمان الذي يجب أن يكون انصياعا لأمر الله فلا انتشار في النص إنما تكامل وانتظام وتلاؤم، فامتداد نفس النظم في لحمة جامعة لآيات كثيرة إحساس بوجود رابط يلحم عناصر قد تبدو متباعدة، غير أن هذا الفهم وإن كان يعطي لبنية النص وحدة، فإن الأساس الذي يقوم عليه متروك للاجتهاد.
ولم يشذ الباقلاني عن إعطاء النظم هذا المدلول المرادف للتأليف غير المستند إلى أساس لغوي أو نحوي، يقول معدداً أوجه النظم، ذاكراً هذا الوجه الثالث وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها، ثم يفسر هذا المعنى في مترادفات كالرصف في مثل قوله : وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا.
وسواء حملنا النظم على دلالة الطريقة أم التأليف فإنه لم يستطع أن يزيح تصور النص في ثنائية المعنى واللفظ من الحضور، ويستحوذ بالتالي على المفاتيح الشارحة لتلاؤم عناصره، بل يتجسد دور النظم في هذا المستوى في ما يشبه الخيط يأتي جامعاً لعناصر لغوية تشكلت علائقها بموجب معنى ولفظ متضامين متفاوتي الحسن أحيانا، ومن هنا ظل الحديث عن اللفظ والمعنى حاضرا رغم اللهج بالنظم ومترادفاته، وهذا الفهم سيتوافق مع تصور العناصر الفاعلة في النص، والمحدثة لمزاياه، كالصورة والموسيقى مثلاً، فالرماني إذ يستدرك على حد البلاغة بالإفهام ذلك أنه ليست البلاغة إفهام المعنى لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عي، ولا البلاغة أيضا بتحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف.
وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في حسن الصورة من اللفظ فإنما يحصر فعالية البلاغة في ثنائية المعنى والصورة اللفظية المحسنة للمعنى، ويكاد يختزل تصور فعالية الخطاب في هذه الثنائية المحددة معياريا مزايا الطرفين، وهذا يتوافق تماما مع فهمه للاستعارة التي هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة فيكون التحسين الصوري تكريسا لبلاغة اللفظ المتجسدة في كون الاستعارة نائبة عن الحقيقة التي هي أصل الدلالة على المعنى في اللغة كقول امرئ القيس في صفة الفرس: قيد الأوابد، والحقيقة فيه مانع الأوابد، وقيد الأوابد أبلغ وأحسن.
وتتسع عملية التحسين نفسها حتى تطول موسيقى النص في مستوى الفواصل والأسجاع أو الوزن الشعري والقافية ذلك أن المنظور الثنائي يرى في خصائص الصورة الشعرية والموسيقية تراكما يثقل الدلالة بالتحسين قد يتوافق أو يتضاد مع المعنى، فالفواصل حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني، والفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها، وأما القوافي فليست في الطبقة العليا من البلاغة، وإنما حسن الكلام فيها إقامة الوزن ومجانسة القوافي.