0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

مقالنا اليوم سوف يكون عن النص الأدبي في دراسات الإعجاز قبل عبد القاهر الجرجاني؟ 

  • تلخيص كتاب دلائل الإعجاز عبد القاهر الجرجاني
  • النقد عند عبد القاهر الجرجاني
  • بحث كامل عن عبد القاهر الجرجاني
  • النقد البلاغي عند عبد القاهر الجرجاني
  • منهج عبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز؟ 

تراوح فهم المتكلمين للنص بين ثنائية اللفظ والمعنى والنظم، ولم يكد الحسم يكون بينا في إسناد هذه الفعالية إلى النظم إلا مع عبدالقاهر في حين ظل سابقوه يقرون مزايا للفظ والمعنى مع تبني فهم للنظم بدلالات مختلفة ومتفاوتة اقتربت عند القاضي عبد الجبار من مستوى النضج حيث بدأ الأساس اللغوي والنحوي للنظم في التشكيل.

ومن هنا استقام في أذهان هؤلاء رؤية النص الأدبي من منظور ثنائية اللفظ والمعنى دون أن يتخلوا عن الضابط لهذين الشقين واللاحم لهما بطريقة الإضافة الخارجية عموماً مصطلحين على تسمية هذه العلاقة الضامة لعناصر النص باصطلاحات تبدو مترادفة كالسبك والانتظام والرصف.

فقد بدأ النظم فضفاضاً قابلاً لاستيعاب دلالات مختلفة ذلك أنه على مستوى أولي تحدد مرادفاً للطريقة، أو النوع الأدبي في نصوص كل المتكلمين السابقين لعبد القاهر فالعادة كما يرى الرماني كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة منها الشعر ومنها السجع ومنها الخطب ومنها الرسائل ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث، فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة، وهذا الفهم للنظم المرادف الطريقة وارد عند الخطابي في مثل قوله متحدثا عن فصاحة العرب حيث إنهم مقتدرون على التصرف في أودية الكلام عارفون بنظومه قصيده ورجزه وسجعه وسائر فنونه، ولقد تواتر ذكر النظم في أعمال الباقلاني وجهاً من وجوه إعجاز القرآن، حيث إنه بديع النظم، عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه غير أن دلالته الأولى تمر عبر الفهم السالف الذكر ذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه وتباين مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم.

ومع أن القاضي عبدالجبار يورد نصاً لشيخه أبي هاشم يحدد فيه فهمه للفصاحة والنظم، وهو قوله: إنما يكون الكلام فصيحا لجزالة لفظه، وحسن معناه، ولابد من اعتبار الأمرين لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحاً فإذن يجب أن يكون جامعا لهذين الأمرين، وليس فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص، لأن الخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر والنظم مختلف إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة، إلا أنه لا يتخلى عن هذا المستوى من فهم النظم في مناظراته وحجاجه الخصوم فهو يجمل رأيه إثر بسطه هذه الفكرة في قوله إنا جعلنا الطريقة الخارجة عن العادة في النظم مؤكدة لكونه معجزاً إذا كان له رتبة عظيمة في الفصاحة.

والحق أن هذا الفهم للنظم لا يعدو أن يكون شرحاً أولياً لمدلوله، يتحدد للقرآن فيه الإقرار بتميز نوعي ضمن فنون القول المختلفة، هذا التحديد الخارجي الأول الهادف إلى إخراج القرآن من كل التباسات القول الشائعة يمثل أساساً مبدئيا تقوم عليه الآراء المفرعة للقول في القرآن مضمونا وشكلاً، ومن هذا المستوى يندرج البحث في عناصر النص المشكلة لبنيته وذلك في مستوى أول لا يعدو تصوره أن يكون إحساسا بصلة بين عنصري المعنى واللفظ، أو بنوع من اللحمة السابكة للعناصر.

فإذا كان التلاؤم عند الرماني تعديل الحروف في التأليف هذا التأليف المتفرع إلى متنافر، ومتلائم في الطبقة الوسطى، ومتلائم في الطبقة العليا، فإن فائدة هذا التلاؤم في الكلام تتبدى في حسن الكلام في السمع، وسهولته في اللفظ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليه من حسن الصورة وطريق الدلالة. 

وعلى الرغم من أن مبحث التلاؤم من مباحث الفصاحة يعرض للحروف وانسجامها في الكلمات، وأسباب ذلك العائدة إلى قوانين وشروط تراعي كيفية تأليف الوحدات الدالة، وإلى صور مخصوصة توفر لها حسن السمع، فإن الامتداد به إلى مستوى شامل يغطى نصاً قرآنياً أو شعرياً كشف لتصور أولى بضرورة مراعاة قدر من انسجام النص وإن بدا في شكل لفظي لا يتجاوز المستوى الصوتي، إلا أن إحساساً أوليا بخيط جامع العناصر النص ينضاف إلى جمال الصورة أو عذوبة اللفظ يبدأ في الظهور عند الرماني فإذ يعلل جمال بعض التشبيهات القرآنية المقر بحسنها يتساءل عن الكيفية التي يكون عليها هذا التشبيه، إذا تضمن مع ذلك حسن النظم وعذوبة اللفظ وكثرة الفائدة وصحة الدلالة، والإقرار بعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة معناه إسناد الحسن إلى اللفظ والمعنى غير أن إضافة حسن النظم كشف عن وعي بفعالية ثالثة تنضاف إلى عنصري الجمال السابقين، ومع ذلك لا يمكن ضبط مدلول النظم في النص السابق بدقة غير أن ذكره مع اللفظ والمعنى يكاد يقرب معناه من مفهوم التأليف الذي يبدو واضحا في قول الرماني والكلام لا يخلو من أن يكون باسم أو صفة أو تأليف من غير اسم للمعنى أو صفة، كقولك غلام زيد، فهذا التأليف يدل على الملك من غير ذكر له باسم أو صفة ودلالة الاشتقاق كدلالة التأليف في أنه من غير ذكر اسم أو صفة كقولك، قاتل تدل على مقتول وقتل من غير ذكر اسم أو صفة لواحد منهما ولكن المعنى مضمن بالصفة المشتقة وإن لم تكن له، ودلالة الأسماء والصفات متناهية فأما دلالة التأليف فليس لها نهاية ولهذا صح التحدي فيها بالمعارضة لتظهر المعجزة، ولو قال قائل: قد انتهى تأليف الشعر حتى لا يمكن لأحد أن يأتي بقصيدة إلا وقد قيلت فيما قيل لكان ذلك باطلاً، لأن دلالة التأليف ليس لها نهاية كما أن الممكن من العدد ليس له نهاية يوقف عندها لا يمكن أن يزاد عليها، والقرآن كله في نهاية حسن البيان، فالتأليف حسب هذا الفهم مؤد إلى حصول دلالة لا توجد في ظاهر الألفاظ المشكلة للعبارة ظهور معنى الملك من غير ذكر له باسم أو صفة فالإضافة هنا مزج لدوال في وحدة تؤول إلى معنى واحد من هنا ينفسح المجال لبروز نصوص أدبية كثيرة، ذلك أنها محصلة فعالية في مستوى الكلام وتركيب تأليفي لمعطيات جزئية تتجسد في العناصر المشكلة لهذه البنية أفراداً فمحدودية الألفاظ أفراداً تستحيل لا نهائية تركيباً نظراً لفعالية التأليف.

ويأخذ هذا الإحساس الأول بمفهوم التأليف مدى أشمل لدى الخطابي إذ يمثل أساسا في نظرته لبنية النص إلا أنه يتعادل بداية مع فكرة التأليف الجامعة لعنصري اللفظ والمعنى، فبلاغة القرآن في نظره لا تقتصر على مفرد الألفاظ التي منها يتركب الكلام دون ما يتضمنه من ودائعه التي هي معانيه وملابسه التي هي نظوم تأليفية، ذلك أن الكلام يقوم بهذه الأشياء الثلاثة:

لفظ حامل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم، هذا الفهم المراكم لعناصر النص لا يعطي النظم فعالية أولى في التركيب دون أن ننفي أن يكون له دور في ضم أجزاء الكلام غير أنه لا تتحدد في هذا المستوى الكيفية التي بها يتم هذا الانتظام، ومع ذلك يظل لرسوم النظم الأهمية البالغة فالحاجة إلى الثقافة والحذق فيها أكثر لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني و به تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضه بعضا كذا فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان ولو قصدنا الاقتراب من الكيفية التي يتحقق بها الانسجام بين وحدات النص لرأيناه يلح على ضرورة التدقيق في توظيف الألفاظ المتقاربة في المعنى خصوصاً وتنزيلها في مواقعها التي يقتضيها فصل الكلام، ذلك أن عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منها إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام وإما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة ذلك أن في الكلام ألفاظا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب : كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر، والأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك، لأن لكل لفظة خاصة تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها وإن كانا قد يشتركان في بعضها.

ومع كل ذلك يكشف الخطابي عن نوع من الإحساس بانتظام عناصر النص في وحدة خفية تستند إلى أساس معنوي مما يعطي مفهوم النظم فسحة ممتدة تتعادل تقريبا مع مفهوم للوحدة الجامعة لفصول النص، يظهر ذلك في رده على المعترض القائل، أو ليس وإن توجه الكلام وصح على الوجه الذي ذكرتموه في معنى قوله سبحانه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق فقد دخله من الانتشار بتفرق أجزائه وتباعد مابين فصوله ما أخرجه من حسن النظم الذي وصفتموه به؟ قيل : لا، وذلك لأنه لم يدخل بينه وبين أول ما يتصل به إنما قال: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، ثم وصف هذا الإيمان وحقيقته إذ كان هذا القسم يقع على أمر ذي شعب وأجزاء، يلزم أدناه من ذلك ما يلزم أقصاه، فلو لم يستوفه بالصفة الجامعة له لم يبن معه المراد، ثم عطف بالكلام على أول الفصل فقال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون، فشبه كراهتهم ماجرى في أمر الأنفال وقسمها بالكراهة في مخرجه من بيته، وكل ما لا يتم الكلام إلا به من صفة وصلة فهو كنفس الكلام، وحجة الخطابي في ذلك أن صلة معنوية خفية تلحم الآيات وتسقط حجة المعترض الواصف لها بالتفرق والانتشار، وبالتالي سقوط النظم ذلك أن كراهة المؤمنين للخروج إلى القتال المعبر عنها في قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون)، ينتظمها ومطلع سورة الأنفال في قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله وَرَسُولَهُ إِن كنتم مؤمنين)، وحدة تكمن في الدلالة على الكراهية الواردة في الآيات، فكان الحسم في أمر الأنفال الذي لم يتوافق مع الرغبة في اقتسامها، متطابقا مع مخالفة رغبة المؤمنين في الميل إلى غير ذات الشوكة التي هي غنائم بدر فكرهوا لذلك الخروج إلى القتال، وما بينهما حديث عن الإيمان الذي يجب أن يكون انصياعا لأمر الله فلا انتشار في النص إنما تكامل وانتظام وتلاؤم، فامتداد نفس النظم في لحمة جامعة لآيات كثيرة إحساس بوجود رابط يلحم عناصر قد تبدو متباعدة، غير أن هذا الفهم وإن كان يعطي لبنية النص وحدة، فإن الأساس الذي يقوم عليه متروك للاجتهاد.

ولم يشذ الباقلاني عن إعطاء النظم هذا المدلول المرادف للتأليف غير المستند إلى أساس لغوي أو نحوي، يقول معدداً أوجه النظم، ذاكراً هذا الوجه الثالث وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها، ثم يفسر هذا المعنى في مترادفات كالرصف في مثل قوله : وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا.

وسواء حملنا النظم على دلالة الطريقة أم التأليف فإنه لم يستطع أن يزيح تصور النص في ثنائية المعنى واللفظ من الحضور، ويستحوذ بالتالي على المفاتيح الشارحة لتلاؤم عناصره، بل يتجسد دور النظم في هذا المستوى في ما يشبه الخيط يأتي جامعاً لعناصر لغوية تشكلت علائقها بموجب معنى ولفظ متضامين متفاوتي الحسن أحيانا، ومن هنا ظل الحديث عن اللفظ والمعنى حاضرا رغم اللهج بالنظم ومترادفاته، وهذا الفهم سيتوافق مع تصور العناصر الفاعلة في النص، والمحدثة لمزاياه، كالصورة والموسيقى مثلاً، فالرماني إذ يستدرك على حد البلاغة بالإفهام ذلك أنه ليست البلاغة إفهام المعنى لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عي، ولا البلاغة أيضا بتحقيق اللفظ على المعنى، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف.

وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في حسن الصورة من اللفظ فإنما يحصر فعالية البلاغة في ثنائية المعنى والصورة اللفظية المحسنة للمعنى، ويكاد يختزل تصور فعالية الخطاب في هذه الثنائية المحددة معياريا مزايا الطرفين، وهذا يتوافق تماما مع فهمه للاستعارة التي هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة فيكون التحسين الصوري تكريسا لبلاغة اللفظ المتجسدة في كون الاستعارة نائبة عن الحقيقة التي هي أصل الدلالة على المعنى في اللغة كقول امرئ القيس في صفة الفرس: قيد الأوابد، والحقيقة فيه مانع الأوابد، وقيد الأوابد أبلغ وأحسن.

وتتسع عملية التحسين نفسها حتى تطول موسيقى النص في مستوى الفواصل والأسجاع أو الوزن الشعري والقافية ذلك أن المنظور الثنائي يرى في خصائص الصورة الشعرية والموسيقية تراكما يثقل الدلالة بالتحسين قد يتوافق أو يتضاد مع المعنى، فالفواصل حروف متشاكلة في المقاطع توجب حسن إفهام المعاني، والفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، وذلك أن الفواصل تابعة للمعاني، وأما الأسجاع فالمعاني تابعة لها، وأما القوافي فليست في الطبقة العليا من البلاغة، وإنما حسن الكلام فيها إقامة الوزن ومجانسة القوافي.

2 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
ومثل هذا الفهم لعناصر النص يسعف في الاقتراب من فكرة النظم أو التأليف التي تكاد تحدد بكونها جمعا لعناصر مكتملة الحسن أو متفاوتة الدرجة بين القبح والحسن، ومع ذلك قد يدق هذا التصور الثنائي ويتلاحم ليتجاوز رصد بلاغة النص في معنى مسبق يلبس محسنات صورية بغية إحداث تأثير في المتلقى يتجاوز ذلك إلى كشف ثراء الدلالة المتأتية من طاقة اللغة وقدرتها على الإيحاء الذي يتحقق في انفساح المعنى وامتداده خارج حدود اللفظ الصائغ له، فتتجاوز اللغة عندها قدرتها على الإيصال والتبليغ إلى تحقيق إمكانية الامتداد في الدلالة إلى أبعاد تستخلص من الصورة اللفظية المركزة فيما عرف بالإيجاز، وهذا الفهم يتوافق مع مبادئ الدرس الدلالي المعاصر، فالإيجاز تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى، وإذا كان المعنى يمكن أن يُعبر عنه بألفاظ كثيرة ، ويمكن أن يُعبّر عنه بألفاظ قليلة، فالألفاظ القليلة إيجاز، وهذا إقرار بتعدد إمكانية التعبير عن المعنى بأكثر من طريق خصوصاً أن الإيجاز متحقق في تشذيب كل فائض عن المقصود، سواء في مستوى العبارة أم الغرض، وهذا إحساس بشكل من أشكال وحدة النص، ذلك أن الإيجاز على ثلاثة أوجه الإيجاز بسلوك الطريق الأقرب دون الأبعد، وإيجاز باعتماد الغرض دون ما تشعب، وإيجاز بإظهار الفائدة بما يستحسن دون ما يستقبح، لأن المستقبح ثقيل على النفس فقد يكون للمعنى طريقان أحدهما أقرب من الآخر كقولك: تحرك حركة سريعة في موضع أسرع، وقد يكتنف الغرض شعب كثيرة كالتشبيب قبل المدح، وكالصفات لما يعترض الكلام مما ليس عليه اعتماد، وإذا ظهرت الفائدة بما يستحسن فهو إيجاز لخفته على النفس.

والخطابي رغم كثرة لهجه بفكرة النظم فإن تفكيك النص إلى معنى ولفظ ونظم متواتر عنده بل إن هذه الفضائل الثلاث العائدة إلى العناصر الثلاثة السابقة قد توجد على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن توجد مجموعة في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، ذلك أن اللفظ عند الخطابي حامل للمعنى وظرف له، ويستتبع بالتالي أن تكون معاني الأشياء محمولة على تلك الأغراض.

ويتفرع من مفهوم اللفظ الحامل للمعنى في دلالة احتوائية ضبط خصائص كل طرف، علماً بأن معاناة المعاني التي تحملها الألفاظ أشد لأنها نتائج العقول وولائد الأفهام وبنات الأفكار، وهذه المعاناة إذ تؤكد ضرورة التدبر وإعمال الفكر أثناء مباشرة عملية التعبير فإنها تهب العقل دوراً أولياً في توليد الأفكار، ذلك أن فعل التعبير الواعي يتولد منه الاختيار في المعنى، وهذا يتماشى مع ضوابط الاختيار في اللفظ لذلك ينفي أن تكون الغرابة من شروط بلاغة اللفظ وإذا كانت أجناس الكلام مختلفة ومتفاوتة منها البليغ الرصين الجزل ومنها الفصيح القريب السهل ومنها الجائز الطلق الرسل فكان أن انتظم البلاغات القرآن بامتزاج هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة.

والحق أن التطبيق العملي يساعد على تحديد خصائص كل من المعنى واللفظ ذلك أنه كما نرى ستكون ممارسة عملية الشرح للنص الشعري مثلا تراوحاً بين خصائص الشكل أو الصورة وطبيعة المعنى، يقول الخطابي محللاً أبيات امرئ القيس في وصف الليل إثر مقارنتها بأبيات للنابغة في المعنى نفسه، إلا أن في أبيات امرئ القيس من ثقافة الصنعة وحسن التشبيه وإبداع المعاني ماليس في أبيات النابغة، إذ جعل لليل صلباً وأعجازاً وكلكلاً، وشبه تراكم ظلمة الليل بموج البحر في تلاطمه عند ركوب بعضه بعضا حالا على حال، وجعل النجوم كأنها مشدودة بحبال وثيقة فهي راكدة لا تزول ولا تبرح، ثم لم يقتصر على ما وصف من هذه الأمور حتى عللها بالبلوى ونبه فيها على المعنى، وكأنه يمكن أن يستغني في وصف هذه الأمور عن تعليلها بالمعنى من هنا فك عناصر الصورة التي هي موطن الحسن ليردفها بالمدلول، على أن اعتباره المعنى علة قد ينم عن نوع من الإدراك لوحدة الصورة والمعنى ذلك أن الصورة الدالة معلول للمعنى، على الرغم من أن هذا الفهم لا يتنافى مع فكرة الانفصال نفسها التي تخضع تتابع الطرفين لتصور منطقي، ورأيه في الاستعارة تصديق لهذا الموقف إذ يراها صياغة بليغة مقابلة للحقيقة.

وعلى الرغم من أن الباقلاني يصوغ للنظم مفهوماً يكاد يترادف مع مفهوم العلاقات كما سنرى، فإنه يظل مشدوداً في تحليل بلاغة النص إلى ثنائية اللفظ والمعنى، سواء تعلق الأمر بالقرآن أم بالشعر ويطغى على النظم إذ ذاك معنى الرباط الخارجي، ومع ذلك يشترط التلاؤم بين المعنى واللفظ المعبر عنه وكلما اقترب الطرفان من إحداث التوافق بينهما كان التعبير ناجحاً، ذلك أن محصول البلاغة الإبانة في الإبلاغ عن ذات النفس على أحسن معنى وأجزل لفظ.

وستمثل فكرة الكلام النفسي مستند الباقلاني في بحث الإعجاز ومنطلق كل تعبير كأس نفسي يتحقق شرط ظهوره بإيفائه حقه في اللفظ الملائم، من هنا تكاد تحصر جهوده الشارحة للإعجاز ، والبلاغة النص الشعري في الانطلاق من بحث علاقة عنصري اللفظ والمعنى وطرائق توافقهما وانسجامهما في تأدية المراد، فإذا كان الكلام إنما يفيد الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس التي لا يمكن التوصل إليها بأنفسها وهي محتاجة إلى ما يعبر عنها، فما كان أقرب إلى تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد، وأشد تحقيقاً في الإيضاح عن المطلب وأعجب في وضعه وأرشق في تصرفه، وأبرع في نظمه كان أولى وأحق بأن يكون شريفاً، ذلك أن تحقق البراعة إنما يكون في انسجام الطرفين فإذا وجدت الألفاظ وفق المعنى والمعاني وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر، فالبراعة أظهر والفصاحة أتم، فإذا كان تفاوت الطرفين في الفصل يعكر فكرة التلاؤم نفسها، فإن الإلحاح على تأكيدها يقوم على مراعاة التوافق بين الطرفين بحسب درجة الابتذال والابتكار فيهما ذلك أنه قد علم أن تخير الألفاظ للمعاني المتداولة المألوفة، والأسباب الدائرة بين الناس أسهل وأقرب من تخير الألفاظ لمعان مبتكرة، وأسباب مؤسسة مستحدثة، فإذا برع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر، والأمر المتقرر المتصور.

ويضبط الباقلاني حقل كل طرف بالمقابلة مع الآخر من منظور كمي يبدو فيه التقسيم امتدادا للمألوف، ذلك أنه في جملة الكلام ما تقصر عبارته وتفضل معانيه، وفيه ما تقصر معانيه وتفضل العبارات، وفيه ما يقع كل واحد منهما وفقا للآخر، وفي هذا النوع الأخير الذي يتوافق فيه الطرفان تفريع يبسط إمكانية الاختلاف في البراعة وإسنادها إلى الطرفين معا أو إلى أحدهما، لأن ما يقع وفقا ينقسم إلى أنه قد يفيدها على جملة وقد يفيدها على تفصيل، وكل واحد منهما قد ينقسم إلى ما يفيدها على أن يكون كل واحد منهما بديعا شريفا، وغريبا لطيفاً، وقد يكون كل واحد منهما مستجلبا متكلفا، ومصنوعاً متعسفا، وقد يكون كل واحد منهما حسنا رشيقا، وبهيجا نضيراً، وقد يتفق أحد الأمرين من دون الآخر.

وفي هذا المقام يستفيد من حديث الرماني عن الإعجاز، مشيراً إلى إمكانات اللغة في إثراء الدلالة وتفجير طاقاتها في الامتداد بالمعنى طبقات في ما سمي بالإشارة التي هي اشتمال اللفظ القليل على المعاني الكثيرة، وإذ يضيف راوياً عن بعضهم وصفه للبلاغة بأنها لمحة دالة، يكتمل الإحساس بقدرة اللغة على تجاوز دلالتها المباشرة والصريحة لتستحيل تلميحاً بالمعنى يتطلب إدراكه تدقيق النظر مع الإقرار بالإمكانات المتعددة في فهم النص.

وظل القاضي عبد الجبار نفسه مشدوداً إلى فهم للفصاحة يتوزع بين جزالة اللفظ وحسن المعنى رغم أن فهمه للنظم أنضج من تصور سابقيه بل سيبدو توزيعه غير عادل بين العنصرين مما يشي باضطراب الموقف إزاءهما، ومستند في ذلك رأي شيخه أبي هاشم في قوله: إنما يكون الكلام فصيحاً لجزالة لفظه، وحسن معناه، ولابد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحاً، فإذن يجب أن يكون جامعاً لهذين الأمرين.

وقد تمكن الباقلاني، وتمكن القاضي عبد الجبار على وجه أخص من الاقتراب من فهم أكثر تحديدا للنظم فقد انضبطت دلالته لدى الباقلاني في ما يمكن أن يوصف بالعلاقات وطرائق ضم الكلمات بعضها إلى بعض دون أن يتسنى له تحديد أساس عميق للضم. ومن هنا، ومع إقراره بضرورة إحداث اللحمة بين الكلمات في السياق الواحد رافضا اعتبار الإعجاز في وجوه البيان مستقلة عن مواقعها في النظم، إلا أن الأساس اللغوي أو النحوي الغائب الذي كان من الممكن أن يسعفه في ضبط محصل العلاقة بين الكلمات الموجدة للدلالة أو هي من فكرته في النظم حتى في هذا الطور المتقدم، ولم يتمكن عندما واجه بالتحليل النصوص الطويلة من الكشف إلا عن فهم انطباعي لنظام شامل لأجزائها.

فليست الوجوه البلاغية بموجدة للإعجاز وحدها، إنما تتنزل ضمن كل أشمل، لأن الآية التي فيها ذكر التشبيه إن ادعي إعجازها لألفاظها ونظمها وتأليفها فإني لا أدفع ذلك وأصححه، ولكن لا أدعي إعجازها لموضع التشبيه، فهو يقر لهذه الوجوه البلاغية بميزة في الكلام إلا أنه لا يجعل الإعجاز متعلقا بها ووقفا عليها ومضافاً إليها، فهي عناصر أسلوبية في كل أشمل يحوي سر الإعجاز ويمكن تلمس تحديد أدق للإعجاز وبالتالي للنظم في مثل قوله: ليس الإعجاز في نفس الحروف، حروف المعجز، وإنما هو في نظمها وإحكام رصفها وكونها على وزن ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وليس نظمها أكثر من وجودها متقدمة ومتأخرة ومترتبة في الوجود، وليس لها نظم سواها وهو كتتابع الحركات إلى السماء ووجود بعضها قبل بعض ووجود بعضها بعد بعض.

ولو قصدنا توثيق ما يقول بالتماس نماذج تطبيقية في تفسير القرآن وشرح الشعر، لتبين لنا أن مفهومه للنظم، وإن حده بلفظ العلاقات وإحداث التقديم والتأخير وغيرها من لوازم انبناء الكلام على الموقع، واسع يتضمن معنى الوصل بين أجزاء الكلام مما ينم عن إحساس بوحدة معنوية، وينبني التحليل في أغلب فصوله على منظور نقدي ثنائي يفكك عناصر النص إلى المعنى واللفظ.

فهو يبدأ تحليله بالدعوة إلى تأمل السورة التي يذكر فيها النمل، والنظر في كل كلمة، وفصل فصل، يقول: بدأ بذكر السورة، إلى أن بين القرآن من عنده، فقال: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم)، ثم وصل بذلك قصة موسى عليه السلام وأنه رأى ناراً وذكر تواتر رؤيته النار في سور شتي ليخلص إلى القول: وكل كلمة من هذه الكلمات وإن أنبأت عن قصة فهي بليغة بنفسها، تامة في معناها، وهكذا يتحدد لبلاغة الكلمة في ذاتها مستقلة عن موقعها أساس في تحليله سيزاحم حديثه عن النظم المتحدد في وصلة بين أقسام السورة، كقوله مواصلا التحليل، ثم قال: (فلما جاءها نودي أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين )، ثم يعلق بقوله: فانظر إلى ما أجرى له الكلام من علو أمر هذا النداء، وعظيم شأن هذا الثناء، وكيف انتظم مع الكلام الأول، وكيف اتصل بتلك المقدمة، وكيف وصل بها ما بعدها من الأخبار عن الربوبية، وما دل به عليها من قلب العصا حية، ولكننا لا ندري كيف تم لهذا الكلام الانتظام مع الكلام الأول، وعلى أي أساس تقوم الوصلة الجامعة بين أطرافه. لكن منطلقه في اللفظ والمعنى يشكل أساساً قاراً في الحديث عن بلاغة الآيات، إذ يقول مباشرة بعد ما سلف وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن، وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة، ثم يواصل تحليله مارا ببعض الآيات اللاحقة فيقف مدللا على إعجازها جامعا في هذا الموقف مستنديه في التحليل ثنائية اللفظ والمعنى، وفكرته عن النظم، يقول: ثم انظر في آية آية، وكلمة كلمة، هل تجد كما وصفنا من عجيب النظم، وبديع الرصف ؟ فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية، وفي الدلالة آية، فكيف إذا قارنتها أخواتها، وضامتها ذواتها مما تجري في الحسن مجراها، وتأخذ في معناها ؟ ثم من قصة إلى قصة، ومن باب إلى باب من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل، وحتى يصور لك الفصل وصلا، ببديع التأليف، وبليغ التنزيل، فاكتمال الحسن لديه يتم بتضام كلمات بديعة في ذاتها ليتم لها الحسن بمضامة أخواتها ثانيا، غير أنه لا يتضح أساس لهذا التضام عدا الحديث المسرف عن قواعد النظام، والتركيب في ما يسمى بالفصل والوصل والتقديم والتأخير دون أن ينضبط لديه في التحليل تفاعل الوحدات اللغوية بالاستناد إلى سياقاتها الموحدة لها، ويواصل حديثه خلال عرض آيات السور بنفس الوتيرة مع ثبات منطلقه في الاعتماد على اللفظ والمعنى، مقراً أن آيات ثكيرة إن لم تراع البديع البليغ في الكلمات الأفراد والألفاظ الأحاد، فقد تجد ذلك مع تركب الكلمتين والثلاث، ويطرد ذلك في الابتداء، والخروج والفواصل، وما يقع بين الفاتحة والخاتمة من الواسطة، أو باجتماع ذلك أو في بعض ذلك ما يخلف الإبداع في أفراد الكلمات، وإن كانت الجملة والمعظم على ما سبق الوصف فيه.
0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
وإذا كان هذا هو أساس النظم عنده ومن ثمة قاعدة التدليل على حقائق الإعجاز، فإن هناك آيات مثل قوله تعالى: (حُرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم)، لا تنفك من الحكم التي تخلف حكمة الإعجاز في النظم والتأليف، والفائدة التي تنوب مناب العدول عن البراعة في وجه الترصيف، وتتجسد هذه الفائدة النائبة عن الرصف والتأليف في رأي الباقلاني في اعتبار تنزيل الخطاب، وظهور الحكمة في الترتيب والمعنى.

ولعل في هذا الموقف القائم على تبني فهم للحمة معنوية تنتظم أجزاء الآيات أو القول، الذي يتكرر عنده وإن اختلف الأنموذج المقدم ما يكشف عن توزع الباقلاني بين درجتين في تفسير الوحدة الناتجة عن تأليف عناصر النص، تتمثل الأولى في الإقرار بنوع من الصياغة المؤلفة بين عناصر بديعة، فيحوي النص إذ ذاك البلاغة والإعجاز من كل الأطراف، بحيث تتشكل وحدته في تكامل عناصره وفق إحساس أولي بتصور للعلاقات دون أن يخرج عن إسار الانطباع عموماً، في حين ينتفي بحسب الدرجة الثانية تحقيق الحسن في الكلمات المفردة في ذاتها ولذلك التمس الباقلاني المخرج في تأكيد وحدة معنوية يتفرع من بؤرتها إشعاع دلالي واحد شامل لعناصر الآيات، ولو تيسر له مزج المستوى الدلالي المنبث في تتالي الآيات مع مستوى الصياغة البليغة في تصور عميق لمفهوم العلاقة لوصل إلى تحديد شكل من أشكال الوحدة الجامعة المستويات النص دلالياً وتركيبياً.

على أن الباقلاني يؤكد في تصديه للشعر بالتحليل انجذابه الكامل لتجزئة النص، إذ لم يتمكن من الانفلات من إسار ثنائية اللفظ والمعنى كما يبدو ذلك في تحليله معلقة امرئ القيس حيث يتواتر مثل قوله: وفي لفظه ومعناه خلل، معنى بديع، ولفظ حسن ولو اجتزأنا رأيه في أبيات الحج المشهورة لأسعفنا في تأكيد ما قلناه يقول بعد أن يورد الأبيات مستدلاً بها على رأي له في أبيات للبحتري أثناء تحليله قصيدته هذه ألفاظ بديعة المطالع والمقاطع، حلوة المجاني والمواقع قليلة المعاني والفوائد، والواقع أن مثل هذا الموقف تكرر في نقده قصيدة البحتري مما جعله يدعمه بنموذج شعري ليعمم رأيه في بلاغة ألفاظ مثل هذا الشعر ووهن معانيه وقلة فوائده.

ومع كل ذلك يمكن تلمس إحساس لدى الباقلاني بنوع من الوحدة الخفية التي تلحم أبيات القصيدة معنوياً فنقده قصيدة امرئ القيس يتأسس في مواضع شتى على كشف التناقض الحاصل بين بعض أبيات القصيدة، والإلحاح على ربط البيت المشروح بالسابق مع الإشارة إلى توافقهما أو اختلافهما، ولعل هذا الذي دعا بعض الباحثين إلى اعتبار ذلك دلالة على تصور واضح لما نسميه اليوم الوحدة الفنية، إلا أنها وحدة مصدرها الشعور أو الكلام النفسي.

أما القاضي عبد الجبار، فإن للنظم عنده أساساً أكثر وضوحاً وتدقيقاً حيث كرسه للدلالة على طرائق التركيب اللغوي وكيفية ضم أفراد الكلمات وقد اعتبره من أهم مقومات الفصاحة، والأساس اللغوي بين لدى صاحب المغني في تحديد فاعلية الكلمات ضمن سياق محدد فما دام الكلام من الأفعال المحكمة، كالبناء، والنساجة، والصياغة، فإن موقع الفصاحة يتحدد في الكلام، ذلك أن طرائق الضم والتأليف مختلفة، ويتسع مجالها للإمكانات التي يوفرها السياق مقابل جملة الكلام المحدودة ذلك أن جملة الكلام وإن كانت محصورة، فتأليفها يقع على طرائق مختلفة من الوجوه التي بيناها، فتختلف لذلك مراتبه في الفصاحة.

هذا المدخل حدد للقاضي عبد الجبار حقل الفصاحة واستتبع بالتالي الإقرار بالتفاوت بين العبارات في حدود التأليف، ومن هنا التفاضل بين صياغة وأخرى ما دام الأمر لا يتعلق بالمواضعة بل ينبني على التركيب ذلك أن الفصاحة لا تظهر في أفراد الكلام، وإنما تظهر في الكلام بالضم على طريقة مخصوصة ولابد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز في هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التي تتناول بالضم، وقد تكون بالإعراب الذي له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع، وليس لهذه الأقسام رابع، لأنه إما أن تعتبر فيه الكلمة، أو حركاتها، أو موقعها، ولابد من هذا الاعتبار في كل كلمة ثم لابد من اعتبار مثله في الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعضن لأنه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها، وحركاتها، وموقعها، فعلى هذا الوجه الذي ذكرناه إنما تظهر مزية الفصاحة بهذه الوجوه دون ما عداها.

وهذا التطور في فهم النظم وتأكيد أساسه الملتمس في طرائق الضم والتركيب اللغوي مع ما يتضمنه من نفي للفصاحة من اللفظة المفردة، وجعلها عالقة بالسياق لا يشوش مجراه سوى معضلة المعنى، مما قد يوحي بأن طرائق التركيب هذه تنحصر فعاليتها في الألفاظ المتضامة وفق الموقع والإعراب دون اعتبار للمعنى إذ يورد صاحب المغني رأي متسائل وهو قوله: فإن قال: فقد قلتم في أن جملة ما يدخل في الفصاحة حسن المعنى، فهلا اعتبرتموه؟ قيل له: إن المعاني، وإن كان لابد منها فلا تظهر فيها المزية وإن كانت تظهر في الكلام لأجلها، إذ تبدو المعاني منحسرة عن معاضدة اللفظ في الفصاحة، بل لا تبدو لها الفعالية قط في العبارة ولذلك نجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر، والمعنى متفق، فتفاوت العبارة في الفصاحة واتفاق المعنى كشف لفهم غير عميق لطبيعة التعاضد بين اللفظ والمعنى في السياق غير أن المقابل وارد ذلك أن أحد المعنيين قد يكون أحسن وأرفع، والمعبر عنه في الفصاحة أدون، فهو مما لابد من اعتباره، وإن كانت المزية تظهر بغيره، فشرط الحسن في المعنى ليس أكيداً في تحقيق الفصاحة، ذلك أن المعاني لا يقع فيها تزايد، فإذن يجب أن يكون الذي يعتبر التزايد عند الألفاظ التي يعبر بها عنها.

ومقابلة هذه الآراء في المعنى باشتراطه الفصاحة في المعنى واللفظ يسم آراء صاحب المغني بالاضطراب، أو على الأقل بعدم وضوح الرأي في النظم الذي ينبني على أساس الصياغة في حين يظل المعنى كالمفارق لا يتغير بتغير هذه الصياغة ذلك أن تماديه في شرح أسس رأيه في طرائق التركيب حيث يؤكد أنها المبدأ الأوحد في الفصاحة مثير للحيرة فهو يؤكد أن الذي تظهر به المزية ليس إلا الإبدال الذي به تختص الكلمات، أو التقدم والتأخر الذي يختص الموقع، أو الحركات التي تختص الإعراب حتى يرى أنه لا يمتنع في اللفظة الواحدة أن تكون إذا استعملت في معنى تكون أفصح منها إذا استعملت في غيره، وكذلك فيها إذا تغيرت حركاتها، وكذلك القول في جملة من الكلام فتبعية فصاحة اللفظة للمعنى المستعملة فيه كعنصر مؤثر في فصاحتها إقرار بفعاليتها في الفصاحة، وهذا قد لا ينسجم مع رأيه السابق في تفاوت العبارتين في الفصاحة وتوافق المعنى فيهما بل إن قوله إن حسن المعنى يؤكد كون الكلام الفصيح معجزا، وإن كان لو انفرد لم يختص لهذه الصفة إقراراً بنسبية المعنى في تحقيق الفصاحة، وهذا يغاير قوله في أن المنازعة والمباراة في سائر الكلام لا معتبر فيه بالمعاني، وإنما يعتبر قدره في الفصاحة، فإذا قابلنا ما سلف برأيه حيث يقول:  وبين شيوخنا: أنه لو لم يكن له معنى كان لا يكون معجزا، لأن إعجازه هو بما يحصل له من المزية والرتبة في قدرة الفصاحة، ولا يكون الكلام فصيحا إلا بحسن معناه وموقعه، واستقامته كما لا يكون فصيحاً إلا بجزالة لفظه، ولو أن أحداً من المتكلمين ألف من الكلام المهمل جملة، وتكلم بها من غير مواضعة لم يعد من الكلام الفصيح كما لو كان في معناه ركاكة لم يعد منه، وكما لو رك لفظة لم يعد في ذلك فكيف يصح لمن أقر بأنه معجز أن يزعم أنه لا معنى له؟ وأنه لا فائدة فيه أقول: إذا ما قابلنا آراءه تلك برأيه هذا بدا الاضطراب واضحاً والتردد بيناً.

وهذا التردد في إعطاء المعنى مزية في الفصاحة وسحبها منه يبين مقدار تصور صاحب المغني لفاعلية الكلمات المتضامة في السياق في إيجاد معناها، وكأن خصائص التركيب الحاق بمعنى سالف مرة، وإقرار بتعاضده مع مزايا أخرى، والحق أن رأي صاحب المغني في المجاز يدعم شكلاً نيته  إن صح الوصف فالتناول المجازي للمعنى الحقيقي لا ينبني عليه تغيير في جوهره  حسب رأيه يقول: على أنا قد بينا في أصول الفقه أن وجه المجاز مع القرينة بمنزلة نفس الحقيقة، فإذا كان بالحقيقة يعلم المراد ويتساوى حال الجميع فيه فبأن يعلم ذلك بالمجاز مع القرينة أولى، وبينا أن ذلك يحل محل قول القائل عشرة إلا واحدا في أنه يعرف ما به يعرف بقوله: تسعة ولا معتبر باختلاف اللفظ في هذا الباب، فإذا نزلنا هذا الفهم ضمن تصوره الكلي للفصاحة وللنظم أمكن القول بأن المزية شكلية أساساً، وإن بدت في طابع مركب، ذلك أن المعنى الذي كان ينبغي أن يكون إفرازا للسياق المتضام يظل كالمنفصل تعلق به المزية طوراً وتسحب منه طورا.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...