0 تصويتات
في تصنيف لعبة تراكيب بواسطة (4.2مليون نقاط)

يقوم تخصيص الفهم على عمليات تصنيف للنصوص مرة، والمتكلمين أخرى والقراء ثالثة على أساس أنواع من الحدود وهي حد بلاغة النص وحد بلاغة المتكلم وحد بلاغة المستمع، وترتيب هذا التخصيص حسب درجات البلاغة يكون قد اتضح مع بداية التحول من الثقافة الشفاهية إلى الثقافة الكتابية، ويظهر في شكل قراءة تحاول أن تستنفد وجهات نظر في وظيفة البديع داخل النص، والتأكيد على أن البعض منه ينتفي خارج الوضوح والألفة، ويظل خارج حدود القياس التشبيهي، وفي رأي ابن طباطبا وآخرين أن شواهد محدودة عائدة إلى حسن قديم ما تزال مجهولة القصد كتب فمن الحكايات الغلقة، والإشارات البعيدة قول المثقب حكاية عن ناقته. 

تقول وقد درأت لها وضيني أهذا دينه أبدا وديني أكل الدهر حل وارتحال أما يُبقي علي ولا يقيني فهذه الحكاية كلها عن ناقته من المجاز المباعد للحقيقة، تحتاج استعارة تقول وقد درأت لها إلى جهد تأويلي لا يستقيم ونظام التأويل الذي تحتاجه الاستعارة داخل القراءة العمودية للشعر، لأنها تحيل إلى سياق يفتقد إلى خاصية وضوح القصد الذي يفصح عن المعاني الكامنة فيها.

ثمة بين أفق توقع الاستعارة وشرط الخبرة الجمالية التي اكتسبها ابن طباطبا عن شبهها في التقاليد الشعرية التراثية، وضرب من التحفظ حول قدرتها التوصيلية ففي درجة من الإسقاط تحدث درجة من الشبه بين حقلين متمايزين:

أ- مجموع السمات التي تخصص الإنسان الشاعر.

ب- مجموع السمات التي تخصص الحيوان الناقة.

معناه أن بين أوب سمات مشتركة قاد سوء فهم القصد من طريقة تنقل السمات بينهما إلى السقوط في درجة من السطحية التي فرضتها خصائص قارئ يحاول أن يتوقف بدلالة الخطاب عند ما يمكن أن تسمح درجة الفجوة في نقل السمات في الشعرية التراثية فهي تغيب:

١- القيمة الإدراكية للمعاني الثواني خاصة وأن الحوار الذي يدور بين الإنسان والحيوان أمر متداول في الشعرية التراثية إن القول كسمة فارقة للإنسان وخطاب هذا القول على لسان الحيوان يحددان، داخل شاهدي المثقب، لحظة سردية تقود داخل الاقتصاد العام للاستعارة من الحقيقة إلى المجاز، وحين يتحدث ابن قتيبة عن الناقة حيوانا غير ناطق فهي في نظره لم تقل شيئا من هذا، ولكنه رآها على حال من الجهد والكلال، فقضى عليها بأنه لو كانت ممن تقول لقالت مثل الذي ذكره فهو يفهمنا أن نرى في الناقة حيوانا لا يتكلم، ويكشف لنا ضمنيا تفطنه إلى فهم قريب لهذا الذي ذهب إليه مؤلفو بلاغة عامة عن أن المعنى الحقيقي لا يختفي في الاستعارة ما دامت المعانم غير المتفقة مع المعنى المجازي، أو على أقل تقدير المعانم الغريبة عن السياق لا يتم نسيانها.

٢- طبيعة العلاقة بين الناقة والشاعر تنتمي إلى مفارقة إبداعية تحول الناقة عن طريق الاستعارة من واقع مادي في الخارج إلى عمل فني خالص داخل البيت الشعري فنحن أمام درجة من درجات تفاعل الذات الشاعرة مع موضوعها فالشاعر لا يسقط مشاعره على ناقته، ويخلع عليها حزنه العميق من قدره فحسب، بل نحن أمام ذات تحاول أن تعي نفسها من خلال تأملها لموضوعها.

وبعيدا عن هذا النهج في التعامل مع مبدأ المشابهة يرفض ابن طباطبا التعارض القائم بين الذات الشاعرة وبين أنمذجتها على مستوى الواقع المودع في قرارة أعماق الصحراء وعالم الحيوان والشعر في آن، ومن هنا يقع ما يسميه أيزر اللاتساوق بين النص والقارئ، ويضم انحرافين عن المعيار الأول أن القارئ غير قادر على تذوق إن كان فهمه للنص صحيحاً، والثاني عدم وجود سياق تنظيمي بين النص والقارئ من خلال الإشارات أو المفاتيح النصية، ويستحق هذا الوجه من اللاتساوق شيئا من الاهتمام فليس قصد الشاعر أن تتكلم الناقة وتعرب عن شكواها على الحقيقة كما أراد أن يوهمنا به ابن طباطبا بل هو نسق تصوري قائم على التقاطع بين الانتقاء المعلمي الذي يتحقق بفضل المثير الأصلي الصحبة والمعايشة، وبين الحقيقة الأولية التي تجسدها ناقة مجربة مكثرة الحل والترحال، وتحت هذا التجسيد يوجد الكثير من التشابه بينهما مما يوحي بنوع من التداعي التلقائي للعلاقة بين حكاية الناقة التي تعودت على مد الحزام وشده استعدادا للسفر، وبين اللاستقرار الذي أصبح سمة لاصقة بحياة الشاعر.

ولو عدنا إلى الفارق بين قصد الشاعر وقصد القارئ فإن كل واحد منهما يبحث عن قصد خاص به ليصل بالاستعارة إلى أهدافها فالشاعر يلجأ إلى توظيف علاقة لا ملاءمة. 

وقد علق ابن طباطبا على هذا الجمع فكتب وإنما أراد الشاعر أن الناقة لو تكلمت الأعربت عن شكواها بمثل هذا القول ويقوم هذا المستوى من الربط بين محمولات تصف أفعالا إنسانية، ومحمولات تصف أفعالا حيوانية على نوع من التحايل من سوء الفهم، لذلك يشترط في المعاني الثواني ما يلي:

1- أن يضمن الشاهد الشعري إشارة عابرة تخفف من درجة الإيماء المشكل الذي لا يفهم إلا ضمن أفق انتظار تكون فيه الاستعارة المكنية قولا داخل القرب والوضوح وليس خارجهما.

2- في حال الأشعار التي لا تفهم معانيها إلا سماعا يعطي ابن طباطبا للوظيفة السياقية للخطاب دوراً رئيسياً في تقليص درجة الغموض الذي يسببه تعدد المعاني في الكلمات، وهي وظيفة لا تفسر فقط الكيفية التي تعرض فيها أوصاف في حالات غامضة يعسر استنباط معانيها ويستبرد المسموع منها، بل تفسر أيضا الكيفية التي يتم بواسطتها تمثيل معاني الغرض الشعري وواقعه المرجعي، ومن هنا وجب التحكم في غموض الخطاب الناشئ عن عدم وجود سياق تنظيمي بين النص والقارئ من داخل العرف ذاته، ووظيفة الفهم هو أن يتشبث بهذه الوظيفة الخارجية للسياق، ومن هنا يصبح قصد الشاعر هامشا عرضيا للعرف لأنه يعيش حضوره من خلال تأمل عالم الحيوان، والشاعر إذ يمنح له ذلك فلكي يؤكد دور عملية في فهم عالم الإنسان الذي يشغله القلب كما يشغله العقل، وبذلك يقيم الشاعر تماثلا بين عالمين متعارضين كلا منهما يمثل نموذجا لبنية واقع متجانس وبنية تأمل هذا الواقع.

من البداهة أن لبساً من هذا القبيل لا يسند إلى معيار قار في التفسير والتحليل، وإنما يسند إلى طريقة في الفهم لا تفلح في التغلب على عوارض تمثل تجربة الشاعر ولا تفلح أيضاً في مجال التطبيق في رسم حد فاصل بين شكل من سوء فهم وشكل آخر، فهو يقدم مع الأعرابي ترسيمة مختزلة لما يسميه شلير ماخر بسوء الفهم، فهو يعتقد أنه كلما تقدم النص في الزمن صار غامضا أكثر بالنسبة لنا، وصرنا من ثم أقرب إلى سوء الفهم لا الفهم، وفي حال الفهم السابق، فإن بعض الشواهد سواء تقدمت أو تأخرت موضوعة على ما يسوءه فالافتنان بالوضوح، كونه هذا الحسن المنتج أولاً، أفسدته استعارة المثقب العبدي وشبهها، وتفسده شواهد شعرية كثيرة منتجة زمن الحداثة الشعرية.

تختلف ترسيمة سوء الفهم عند الأعرابي في جانب منها عن تلك التي يمكننا استخلاصها من مقولة سوء الفهم عند شلير متأخر حيث يشتغل سوء الفهم في منطق السؤال ضمن حدود نشاط إبداعي معاصر للسامع القارئ وأياً يكن أمر الاختلاف بينهما فالعلاقة بينهما رغم نمطية حكم سعيد المكفوف أو الأعرابي ومعياريته في مقابل المعايير العامة التي يراها شلير ماخر ضرورية لتجنب سوء الفهم، هي علاقة يتم في إطارها الجدل بفهمين مختلفين فهم يقلصه الأعرابي في أقل عدد من التأويلات، وفهم يوسعه أبو تمام في أكبر عدد من التأويلات.

إن معيار الفهم هو وظيفة سياق أصبح فيما بعد معاهدة بين الشاعر والمتلقي، أو هو توقع التعرف في التجربة الجمالية كما تتوقعها الجماعة ذاتها وأن استقرار الوظيفة الجمالية هي مسألة منوطة بالجماعة، وهكذا يعود الفرق بين الفهم وسوئه إلى صدام نتج عن تصادف عنصرين هما: أفق الانتظار أو الشفيرة الأولية الذي يستدعيه العمل، وأفق التجربة أو الشفيرة الثانوية التي يلح عليها المستقبل، أو الصلة القائمة بين أفق التوقع المنتظر في النص الشعري وبين أفق انتظار المتلقي.

وتخضع هذه الصلة في حال الأعرابي للتقابل الشعري بين الحقبة الجاهلية الأموية والحقبة العباسية سمع أعرابي قصيدة أبي تمام:

1- طلل الجميع لقد عفوت حميداً؟ 

فقال: إن في هذه القصيدة أشياء أفهمها، وأشياء لا أفهمها فإما أن يكون قائلها أشعر من جميع الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه. 

إن آلية عملية التصنيف هذه عملية بداهية إذ يكون للفهم بداية ويتواصل بشكل تعاقبي عبر مراحل زمنية نحو سوء الفهم، ورغم ما قد يبدو في هذا التصنيف من تناقض فإما أن يكون قائلها أشعر من جميع الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه فهو ثابتة من ثوابت ثقافة الأعرابي الشعرية وشبهه، والأمر الحاسم هنا أن شعر أبي تمام لا يكتسب خاصية الإفهام إلا حينما تكون ذائقة المتلقي متحولة ومتجددة فنحن حسب أبي هلال العسكري نفهم معاني هذه القصيدة بأسرها لعادتنا بسماع مثلها لا لأنا أعرف بالكلام من الأعراب ينقلنا هذا الفهم إلى جانب هام من جوانب التوافق الذي يحدث عقب درجة من الاندماج فالفهم ينفتح حسب درجة معايشة القارئ الذخيرة النص التي تعد المنطقة المألوفة داخل النص، وتتضمن هذه الذخيرة عناصر معرفية مشتركة يعتبرها ايسر مادة منتقاة من أنساق اجتماعية وتقاليد أدبية وهذه المجموعة المنتقاة من المعايير الاجتماعية والإيحاءات الأدبية تضع العمل في سياق مرجعي يجب من إضفاء سمات الواقع هذه لا يستنفذ هذا الجدل الذاتي الموضوعي الفرق المعايير الاجتماعية والإيحاءات الأدبية، وكيفيات توظيفهما مجتمعين في قراءة بنية بعض شعر أبي تمام ومن هنا أمكن تناول هذا الشعر بطريقتين مختلفتين فقد يمكن وصفه بأحسن الشعر كما يمكن وصفه بأقبح الشعر.

وأحسن الشعر هو ما تسمح به ذائقة شعرية حداثية، وأقبحه هو ما تسمح به ذائقة شعرية تراثية، ومن المؤكد أننا في الوصفين يمكن اللجوء إلى مفهوم العادة حتى نصف الفرق الخاص بين الذائقتين لكي نثبت نوعا من الفهم لكونه مفترضا مسبقا ويبقى الاختلاف بينهما أن فهم أشعار الحداثة يخضع في تركيبه الظاهر والخفي الذائقة شعرية ظلت في جانب منها خارج حدود القياس الشعري البدوي وداخلة حسب صاحب أبي تمام، في حدود فهم يقدر عليه العلماء والنقاد في علم الشعر.

لسوء الفهم السابق نفس النتيجة تقريباً فهو الذي يحدد في قراءة الآمدي وشبهه درجة المسافة الجمالية الفاصلة بين ذائقتين ومما يكون قد تمخض لسؤال الفهم بعد ذلك في علاقة النص بالمتلقي درجة الخلخلة التي أحدثها شعر أبي تمام في قوانين الشعر المألوفة عند الناس، وأياً ما تكون درجتها فإن نتائج الفهم المتوالدة ضمن الثالوث: الشاعر وشعره والمتلقي تكون قد تحققت عبر مساءلة معان لا يعرف القارئ العمودي ولا يعلم غرضه فيها إلا مع الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا بالظن والحدس إن التجربة المسبقة التي يتوفر عليها الأعرابي في الشعرية التراثية، وهي تجربة دالة على نوع من التضييق في نقل السمات هي بلا ريب، وقبل كل شيء مسندة إلى أحكام جمالية قبلية، وهو أمر يمكن تفسيره بابتذال ذوق، وركونه إلى أفق انتظار يعترض الفهم إزاء هذا النوع من الشعر ففي هذا الأفق مواقف بلاغة نقد كثيرة في شكل أحكام قيمة تختزل التشكيك في القصيدة كلها لأن أولها بيت نصفه مخروم، والنصف الثاني عويص. 

ربما كان الشاهد السابق مثلاً لأكثر حالات الجودة أو الرداءة ندرة وهي الحالة التي يتضمن الاتفاق فيها على جودة القصيدة أو رداءتها فرقا في الفهم ذاته فالذي حدث أنه لما نظر سعيد المكفوف أو أبو العثيمل في قصيدة أبي تمام استرذل ابتداءها وأسقط القصيدة كلها حتى صار إليه أبو تمام، ووقفه على موضع الإحسان منها فراجع عبدالله بن طاهر فأجازه، أسهم الانتقال من أفق انتظار إلى آخر في التأقلم مع قصيدة أبي تمام، والوقوف على مواضع الإحسان منها يبدأ هذا التأقلم بالتمييز بين نوعيين من الاستدعاء للشعر:

١- نوع يحقق أفق انتظاره باستدعاء بيت شعري واحد. 

٢- ونوع يحقق أفق انتظاره باستدعاء أبيات القصيدة الشعرية كاملة غير منقوصة.

ويمر تحديد الفرق بين النوعين من جهة، وتحديد العلاقة بينهما من جهة ثانية عبر الإمساك بطرائق تقدم الفهم من طريق استحضار شروطه المعرفية والذوقية.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
بحث كامل عن سوء الفهم؟

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل أكتوبر 28، 2024 في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة أثير الثقافة (4.2مليون نقاط)
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...