0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة (4.2مليون نقاط)

بعد العصر العباسي من أكثر وأهم العصور التي اشتد فيها الصراع وتوسعت فيه بؤرة الخلاف بين أنصار القديم المحافظين على الطريقة الأولى والسائرين على نهج القدامى في قول الشعر، وبين المحدثين الذين رأوا في تطور الحياة وتغيرها ضرورات توجب عليهم تخطي المبادئ الأصولية الأولى وفي خضم هذا التطور لم يجد أصحاب الذوق القديم إلا التصدي لهذه الموجة التحديدية من خلال حرصهم على الالتزام بعمود الشعر والإتيان بأركانه وسننه كاملة لكن هذا لا ينفي وجود خروقات تعرض لها الشعر بداية من القرن الثاني ومع نهاية الدولة الأموية.

ولقد كانت هذه الفترة بمثابة محاولات جديدة مست اللغة الشعرية وأباحث شيئا من المحرمات وقد تأزمت أكثر مع الشعراء المحدثين الذين ذاع صيتهم في العصر العباسي والذين واصلو توسيع تلك الهوة متجاوزين الممنوعات والمحدودات والأصول الشعرية الموضوعة إلى فضاءات أكثر اتساع وأكثر تناسباً مع ما تقتضيه قصائدهم وموضوعاتهم إلا أن الإلمام بهذه المرحلة ودراسة اتجاه الشعرية فيها من الأهمية بمكان الأسباب عدة لعل أهمها سببان أساسيان:

السبب الأول: أن الشعر لا يتغير بين عشية وضحاها بتغير العهد أو الدولة التي عاش فيها فليس من المعقول أو المقبول أن ينفي شاعر ما في النصف الأول من عام مائة وثلاثين هجرية بأنه شاعر أموي ويصنف في النصف الثاني منها حين سقطت دولة بني أمية وقامت دولة بني العباس بأنه شاعر عباسي حتى ولو مدح الشعراء هؤلاء وأولئك فالعبرة بطبيعة الشعر وسماته ومعطياته وتأثراته وليس بالعهد الذي قيل فيه. 

السبب الثاني: فإن كثيراً من الشعراء الذين صنفهم بعض الدارسين القدامى والمحدثين على أنهم شعراء عباسيون ليس لهم في الواقع من الشعرية العباسية إلا الاسم والصفة وهم في واقع أمرهم أمويون من حيث أسلوب الشعر ومنهجه وموضوعاته.

ويعد الشاعر بشار بن برد من بين هؤلاء الشعراء المخضرمين الذين عاصروا نهاية الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية في بدايتها غير أنه نعت بإمام الشعراء المولدين الغزارة شعره واستعماله البديع فيه حتى قالوا : أول من فتق البديع من المحدثين بشار بن برد، وابن هرمة، وهو ساقة العرب وآخر من يستشهد بشعره، ثم أتبعهما مقتدياً بهما كلثوم بن عمرو العتابي، ومنصور النمري، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس واتبع هؤلاء حبيب الطائي، والوليد البحتري، وعبد الله بن المعتز. 

فانتهى علم البديع والصنعة إليه وختم به، وقد ذهب بعضهم أبا نواس بالنابغة لما اجتمع له من الجزالة مع الرشاقة وحسن الديباجة والمعرفة بمدح الملوك وأما بشار فقد شبهوه بامرئ القيس لتقدمه على المولدين وأخذهم عنه ومن كلامهم بشار أبو المحدثين، وقال عنه الجاحظ : إنه ليس في الأرض مولد قروي بعد شعره في المحدث إلا وبشار أشعر منه وهذا كافي لجعله في مقدمة دراستنا للشعر العباسي المحدث.

أ. بشار بن برد: ولعل بشار بن برد من الشعراء البارزين الذين جاءت أشعارهم متجاوزة لأساليب القدامي بطريقة مميزة شملت جوانب الصنعة الشعرية اللفظية والمعنوية والواضح أن هذا وراء جعله على ناصية المحدثين يقول الجاحظ في هذا : وكان بشار أرق المحدثين ديباجة كلام، وسمي أبا المحدثين لأنه فتق لهم أكمام المعاني وتحج لهم سبيل البديع فاتبعوه وكان ابن الرومي يقدمه ويزعم أنه أشعر من تقدم وتأخر ولأنه شاعر مخضرم عاصر الدولتين الأموية والعباسية فقد كان له من القدرة والنباهة الشعرية ما يكفي لخلق علاقات بين المتناقضات فجمع بين البداوة والحضارة والطبع والصنعة وبين الحداثة والأصالة ما جعله يتفوق على معاصريه.

ويتميز بشعره عنهم يقول ابن رشيق في كتابه العمدة حين قيل له : بم فقت أهل عمرك وسبقت أبناء عصرك في حسن معاني الشعر وتهذيب ألفاظه؟ قال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي ويناجيني به طبعي ويبعثه فكري ونظرت إلى مغارس الفطن ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات فسرت إليها بفكر جيد وغريزة قوية فأحكمت سبرها وانتقيت حرها وكشفت عن حقائقها واحترزت عن متكلفها، ولا والله ما ملك قيادي الإعجاب بشيء مما آتي به.

ولقد كان في شعر بشار بن برد أثر للشعرية الجاهلية فلم يكن خروجه انسلاحا كليا عن تقاليد العرب الأولى وانغماس وغلو في الحداثة الجديدة بل كان يحمل في شعره الكثير من نهج القدامي ويستجيب للحداثة التي تناسب الحال في الوقت ذاته؛ فهو يحمل في شعره الكثير من رنين الأقدمين وصوتهم وطرائق صياغتهم كما وعته أذن بشار على تطويع هذا الرنين لتجربته الجديدة والخروج بإيقاع شعري، وصياغة شعرية تختلف اختلافا واضحا عن التجارب السابقة وتتبطن لغة قادرة على التفاعل مع حركة التطور الحضارية ومع تجربة الشاعر ومواقفه الجديدة مع الحياة.

وقد تزامن المحاولات التحديثية مع محاولات أخرى عملت على تأصيل الأصول ووضع النقاط الفنية والجمالية التي بها يعرف الشعر الرصين بعد أن يخضع لتلك المقاييس ولعل تلك السمات قد استقت من الموروث الشعري الجاهلي وبه سنت القوانين الإبداعية التي تضافرت على وضعها جهود النقاد وتواطأ على صياغتها فيما سمي بعمود الشعر العربي.

وقد كان بشار بن برد أول من تجرأ على الخروج عن عمود الشعر من خلال شكل شعره عندما رفض بعض القيود الاجتماعية والدينية وتطرق لكثير من المحرمات التي رفضت التقاليد والأعراف الخوض فيها، ومن خلال غريب تصويره عندما منح اللغة من المجاز والتصوير ما هو متنافر وغير مألوف، وقد احتكم إلى الأصمعي عن أي الشاعرين أشعر و أفحل بشار بن برد أو مروان بن أبي حفصة؟ فأجاب الأصمعي: بشار أشعرهما قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن مروان سلك طريقاً كثر سلاكه فلم يلحق بمن تقدمه أما بشار، فقد سلك طريقاً لم يسلكه أحد فانفرد به، وأحسن فيه وهو أكثر فنون شعر وأقوى على التصرف وأغزر وأكثر بديعاً، ومروان أخذ بمسالك الأوائل.

يشير الأصمعي في معرض موازنته إلى أن العلة في تقديم بشار على مروان بن أبي حفصة تكمن في أن بشار شق لنفسه طريقاً آخر يميزه فكان مبدعا لا متبعا أما مروان فقد كان تابعاً مقلداً ذلك أن الثبات على رسم واحد أو قاعدة واحد ينجو بالعملية الشعرية منحا الركود والجمود ويعيق في جعلها تؤدي معنى جمالياً فنياً متجدداً غير مكرر وقد زكى هذا الدرس الأسلوبي الحديث عندما أكد على أن التزام نسق لغوي واحد في القصيدة أو القطعة الأدبية كلها، يحدث للقارئ أو السامع مللا، ويوحي إليهما أن القائل لا يصدر عن تجربة أو رؤية خاصة ولكنه يقول كما يقول الناس ومن ثم كان الخروج عن النسق بشرط أن يكون وراءه دافع يسوغه أدل على أصالة الفنان وقدرته. 

ولعل وضع بشار على رأس المحدثين ووصفه بأنه قائدهم كان نتيجة إدراك مسبق للنقاد وتقطنهم الأهمية شكل شعره من حيث إنه غير مألوف، وأنه خارج عن المتداول والمتوارث ولم يقتصر في ذلكبشار على البعد الشكلي بل تعداه إلى رفض كل ما يمت إلى التقاليد والأعراف سواء الاجتماعية أو الدينية فتهكم من المقدسات وطعن فيها وشكك فيها أيضاً ودعا إلى تقديس لذة الجسد وعدها هي الحضارة كلها، وقد ظهر ذلك في شعره فكان مدعاة للتحرر الجنسي وللفسق والمجون، الأمر الذي أثار حفيظة رجال الدين ودفعهم إلى محاربته والتخلص منه بقتله.

ومنه يلخص لنا أدونيس الدور الذي لعبه بشار من جانب الشعر في ناحيتين:

الأولى: هي أن الشعر ليس فريحة وحسب، وإنما هو فن فلا يكفي أن يعبر الشاعر عما يجيش في نفسه وإنما المهم هو كيف يعبر وفي هذا أول رد على نظرية الطبع فالطبع بذاته غير كاف، ولابد من أن تردفه الثقافة أي لابد من تنقيع الطبع وتهذيبه.

الثانية: هي أن الشعر بحث مستمر لذلك على الشاعر أن لا يعجب بما أنجزه، وإنما يجب أن يظل مشدودا إلى ما لم ينجزه بعد.

ومما لاشك فيه أن للمولدين فضل في تجديد المعاني والأفكار نتيجة انفتاح عقولهم على الثقافات الأجنبية المزدهرة آنذاك لاسيما المجال الفلسفي، ولعل بشار قد فاق شعراء زمانه بميزة يعتبرها الكثيرون عيباً وعجزاً وقصورا وهي أنه مصاب بالعمى، غير أنه تمكن بحذقه وبراعته وحسه المرهف أن يحول تلك العاهة إلى قوة إبداعية تتخطى المحسوسات المادية إلى عوالم تتجاوز المبصرات إلى مالا تدركه العين البشرية المجردة، فجاءت معانيه فلسفية إبداعية جديدة خاصة فيما تعلق بالغزل وله في ذلك تحفة من الأبيات الشعرية الغزلية في محبوبته عبدة والتي سهرت عيونه وجفا الكرى جفونه لأجلها فالعيون لا تؤدي فعل النظر فقط بل تعيران أيضا عن الألم ومكابدة الشوق بسهرهما مفتوحتين حتى وان كانتا لا تبصران، يقول بشار

لم يطل ليلي ولكن لم أنم

ونفى عني الكرى طيف ألم

نفسي يا عبد عني واعلمي

أنني يا عبد من لحم ودم

إن في بردي جسما ناحلا

لو توكأت عليه لا نهدم

ختم الحب لها في عنقي

موضع الخاتم من أهل الذمم

فالحب عند بشار ما وقر في القلب وإن لم تدركه العين، فإن عدمت العين استبدلت بغيرها من الحواس فنابت مكانها وانتشت لذتها كالأذن التي أشار إليها في شعره فقال

يا قوم أذني ببعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانا

قالوا بما لا ترى تهذي فقلت لهم

الأذن كالعين توفي القلب ما كان

وفي هذا البيت إشارة منه على أن سمعه قد وسع جميع المرئيات وأجملها فأدرك به المحسوسات وخصائص الأشياء بإضافة إلى حاسة الشم والتذوق وله في كل حاسة منهما حديث فعن الشم نورد بيته التالي في غزله بعطر عبدة يقول فيه

هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت

وأهوى لقلبي أن تهب جنوب

وما ذاك إلا أنها حين تنتهي

تناهي وفيها من عبيدة طيب

ويقول أيضاً

غدا مالك بملاماته

علي وما بات من باليه

تناول خودا هضيم الحشا

من الحور محظوظة عاليه

فقلت دع اللوم في حبها

فقبلك أعييت عذاليه

وإني لأكتمهم سرها

غداة تقول لها الخاليه

عبيدة مالك مسلوبة

وكنت مقرطقة حاليه

فقالت على رقبة إنني

رهنت المرعث خلخاليه

بمجلس يوم سأوفي به

ولو أجلب الناس أحواليه

وكذلك الأمر بالنسبة لحاسة الذوق فوصف في شعره محبوبته من خلال ريقها يقول

كأن بريقها عسلا جنبا

وطعم الزنجبيل وريح وراح

وبهذا يمكننا القول إن بشار بن برد وبرغم من أنه من الشعراء المكفوفين الذين لم تسعفهم حواسهم الخمس كاملة في تحقيق اللذة الشعرية إلا أنه يملك من الحواس الباقية ما هو أشد تركيزاً وأقوى تأثيراً ذلك أنها تعمل على تعويض نقص البصر ما يعني براعته وكفاءته في تحقيق ذلك برغم أن الحاتمي في نظره لأبيات أبي نواس وإعجابه بما يرى أن تحقيق الاستمتاع لا يتحقق إلا بإمتاع الحواس الخمس كاملة، كما عبر على ذلك أبو نواس في قوله

ألا فاسقني مسكية العرف مزة

على نرجس تعطيك أنفاسه الخمر

عيون إذا عاينتها فكأنما

دموع الندى من فوق أجفانها در

مناصبها بيض وأجفائها خضر

وأحداقها صفر وأنفاسها عطر

بروضة بستان كأن نباتها

تقنع وشيا حين باكرها القطر

يدير علينا الشمس والبدر حولها

فيا من رأى شمسا يدور بها بدر

ويقول أيضاً

ألا فاسقني حمرا وقل لي هي الخمر

ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر

فما العيش إلا سكرة بعد سكرة

فإن طال هذا عنده قصر الدهر

وما الغبن إلا أن تراني صاحيا

وما الغنم إلا أن يتعتعني السكر

ويعلق الحاتمي على هذين البيتين قائلا: إن الملاذ بالحواس الخمس وهي: النظر والسماع والشم والذوق واللمس فقد استمتعت حاسة البصر بالنظر إليها وحاسة الشم بتذوقها وطيب نكهتها، وحاسة الذوق بطعمها وحاسة اللمس بلين ملمسها وبقيت حاسة السمع معطلة فقال: وقل لي هي الخمر لتلتذ حاسة السماع فيكتمل الاستمتاع. 

ولعل انعدام حاسة البصر لدى بشار بن برد جعلته يغوص في متاهات الغموض وعدم اتضاح صوره الشعرية ذلك أن إشراك الحواس كاملة في عملية التصوير الشعري يعطيها بعداً حقيقياً واضحاً وهو الأمر الذي ذهب إليه محمد مندور أيضاً في موازنته بين تشبيه المرئ القيس وتشبيه لبشار بن برد.

يقول امرؤ القيس

كأن قلوب الطير رطبا ويابسا

لدى وكرها العناب و الحشف البالي

يقول بشار بن برد

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا

وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

امرئ القيس اعتمد على حواسه ومعطيات واقعه المعاش فأتى بهذا التشبيه الصادق، أما بشار فاعتمد على خياله وكون لنا صورة لا يمكن إدراكها دون إعمال الذهن هذا ما جعلنا نجزم بأن بشار كان له من المقدرة ما يكفي ليتفنن في تخريج تصوير شعري منقطع النظير لدرجة أنه كان يعمد إلى تجسيد الصورة وتجسيمها وإدخالها في هيئة بشرية وبيث الروح الآدمية فيها حتى يخيل أنها تتحرك وتحاور القارئ وتكلمه، فظلام عيني بشار وعدم إدراكه للمحسوسات كاد ينطقها ويجعل من خيالها حقيقة يلمسها الإنسان بيديه ويراها بناظريه فهو إن كان مظلم العينين إلا أنه كما يقول مضيء القلب كناية عن رقة شعوره وإحساسه معاً.

قد أذعر الجن في مسارحها

قلبي مضيء ومقولي ذرب

وعلى هذا المنحى يمكن القول إن عمى بشار كان له الدور الفعال في قلب موازين التشبيه وطبيعته التي تقتضي الوضوح والمقاربة إلى نقيض ذلك من الغموض والتباعد ومهما تعددت أسباب هذا التغير والغموض اللامألوف فإن هذا لا ينفي أن ما حققه بشار من تجديد على مستوى الصورة في منحها أبعادا غير الأبعاد المنظورة والمرئية مبتعدا بها عما هو موجود في الحقيقة إلى عالم من الخيال الخصب، لا هو من الأهمية بمكان بحيث إنه يشكل نقطة ضوء ساطعة في تاريخ انتقالنا من الإتباع إلى الإبداع في شعرنا العربي.

بالإضافة إلى أن صوره كانت تنم عن قريحة قوية وذهن صاف عميق في تخيلاته وقد تميز بشار في صنعته بهذه الناحية التجسيمية بالإضافة إلى استقصائه لعناصر الصورة واستيفائه الأصغر جزيئاتها وأهونها لتتضح وتتحلى جوانبها المختلفة ويتميز بشار في صنعته أيضا بحسه الدقيق في إدراك العلاقات بين الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة وإلحاجه على إظهارها تعويضا فيما يبدو عن حرمانه من رؤيتها فأراد أن يبلغ بفنه الشعري ما لم يبلغه بناظريه.

2 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

ولم يقتصر الأمر على هذا فقط بل كان له فضل أيضا إلى جانب الشعراء المحدثين في توليد وابتكار معان جديدة مخالفة للمعايير والأنماط المتوارثة يقول ابن رشيق : وإذا تأملت هذا تبين لك ما في أشعار الصدر الأول من الزيادات على معاني القدماء والمخضرمين ثم ما في أشعار طبقة جرير والفرزدق وأصحابها من التوليدات والإبداعات العجيبة التي لا يقع مثلها للقدماء إلا في الندرة القليلة والفلتة المفرطة ثم أتى بشار بن برد وأصحابه فزادوا معاني ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي فالمعاني تتردد وتتولد، والكلام يفتح بعضه بعضا.

ولعل مرد كل هذا راجع إلى بيئتهم التي عاشوا فيه، فبشار من عرب البادية وأدرك ما تبقى منهم من بني عامر بن صعصعة وتلقى منهم اللغة بسمعه، فكانت مزيته على غيره من الشعراء أنه شهد العصرين معاً ذلك أن القرن الأول من عهد الإسلام أفضل العصور في ذلك، فقد نفى على الكلام الألفاظ الغليظة وحملهم على تتبع المستعمل الفصيح فهو يفضل عصر العرب بأنه مقتد بأسلوب القرآن وله ذوق السهولة في أداء المعاني باختيار الألفاظ الصريحة للدلالة الفصيحة النطق وشعراء هذا العصر صنفان أحدهما من أهل البادية والآخر من أهل الحضر زجت سعة علمهم في العربية بجودة ذوقهم في الاختيار والاستعمال وقد عد بشار أفضل هذه الطبقة فهو آخر المتقدمين وأول المحدثين فكانت لغته سليمة وألفاظه سلسة جزلة ولكونه شاعراً مخضرماً جمع بين البادية والحضارة وهذا ما نفى عنه تهمة محاولته ابتكار لغة جديدة لا أصل لها.

ب. أبو نواس: لم يجد أبو نواس هو الآخر عن نهج بشار بن برد في حملته على طريقة القدماء وخروجه عن نظامهم وتجاوز رموزهم وتقاليدهم الشعرية في دعوة منه الهجر المقدمة الطللية التي تعد بمثابة قاعدة وعتبة لابد أن يمر بها الشاعر بل ملزم عليه البدء بها والبكاء عندها قبل ولوجه إلى موضوع قصيدته وإلا كانت قصيدته ناقصة مختلة البناء، وإن كان قد سبقه في دعوته شعراء آخرون كالكميت في العصر الأموي إلا أنه لم يوفق في ذلك غير أن أبا نواس قد دعا بقوة إلى إهمالها وقد كان جريئا في ذلك أكثر من معاصريه من الشعراء والذين دعوا إلى ذلك أيضاً يقول أبو نواس في زعزعته لهذه القاعدة

لقد جن من يبكي على رسم منزل

ويندب أطلالا عفون بجرول

فإن قيل ما يبكيك قال حمامة

تنوح على فرخ بأصوات معول

تذكرني حيا جلالا بقفرة

وأخية شدت بفهر وجندل

ولكنني أبكي على الراح إنها

حرام علينا في الكتاب المنزل

سأشربها صرفا وإن هي حرمت

فقد طالما واقعت غير محلل

ويقول في بيت آخر له على نفس الشاكلة

أترك الأطلال لا تعبأ بها

إنها من كل بؤس دانيه

واشرب الخمر على تحريمها

إنما دنياك دار فانيه

من عقار من رأها قال لي 

صيدت الشمس لنا باطيه

وفي موضع آخر يقول

قل لمن يبكي على رسم درس

واقفا ما ضر لو كان جلس

اتركا لربع وسلمى جانبا

واصطبح كرخية مثل القبس

بنت دهر هجرت في دنها

ورمت كل قذاة ودنس

كدم الجوف إذا ما ذاقها

شارب قطب منها وعبس

ولعل هذا رد مناقض لقول امرؤ القيس

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل

بسقط اللوى بين الدخول فحومل

هذا الرد من أبو نواس ينبأ عن خروج ورفض واستهزاء بل وسخرية من المسلمات البدوية القديمة التي رفضها وامتنع عن تجسيدها في شعره، ودعوة منه إلى انتهاج نمط آخر مواكب للحياة ومساير لها ذلك أن الحياة البدوية عاجزة عن التعبير عن متطلبات الحياة الجديدة فمن الإجحاف التعبير عن اللاحق بتعابير السابق هذا ما دفع أبا نواس وغيره إلى ترك تلك القيم والتقاليد المتوارثة والتمرد على القوالب النمطية التي اختص بها الشعر العربي القديم إلى البحث عن أساليب جديدة وتأسيس أنماط مغايرة جديدة.

ومن ضمن محاولاته التحديدية في الأوزان مقطوعته التالية والتي استخدم فيها المخمس وهو نوع من الأوزان التي ظهرت في العصر العباسي إلى جانب المزدوج والمصمد أما بالنسبة للمخمسات فتتكون من أدوار عدة يتألف الواحد منها من خمسة أشطر تكون الأربعة الأولى موحدة القافية والتي تختلف من دور الآخر، أما الشطر الخامس فيبقى على قافية موحدة في جميع تلك الأدوار ونورد في هذا مثال من مقطوعة أبي نواس يقول فيها

ما روض ريحانكم الزاهر

وما شذا نشركم العاطي

حق وجدي والهوى قاهر

مذ غبتمو لم يبق لي ناظر

والقلب لا سال ولا صابر

أيضاً يستخدم أبو نواس ما يسمى بالموسيقى الداخلية في النص الشعري وقد وظف هذا في

أكثر من نص له مثال على ذلك

سلاف دن کشمس دجن

کدمع جفن، كخمر عدن

طبيخ شمس كلون ورس

ربيب فرس حليف سجن

يا من لحاني على زماني

اللهو شاني فلا تلمني

كذلك التحلل من القافية في إحدى محاولاته التجديدية والمعروف حاليا بالشعر المرسل يا من والنص الذي بين أيدينا فيه وجهات نظر مختلفة عما إذا كان من لغة أبي نواس أم لغيره، ولكن المتفق والواضح أنه يندرج ضمن أشعار العصر العباسي وهو تماما من الشعر المرسل وقد رواه ابن رشيق في كتابه.

يقول أبو نواس

وقد قلت للمديحة قولي

من بعيد لمن يحبك (صوت قبلة)

فأشارت بمعصمها ثم قالت

من بعيد خلاف قولي ( لالا أي صوت امتناع ورفض)

فتأملت ساعة ثم إني قلت للبغل عند ذلك (امش بمعنى صوت زجر ليتحرك)

والواضح أن لتطور الحياة واختلافها وورود ثقافات أجنبية تأثير كبير على أبي نواس الجنوحه إلى الخروج عن الطابع القديم ورفضه السير على خطى الشعراء الأوائل تكريرها خاصة وأنه عاش في ظل الحضارة الفارسية التي زاد تأثيرها في ذلك الوقت وتأثر بها العرب تأثرا كبيرا ما دفعه وغيره إلى التمرد على التقاليد العربية فخرجوا على عادات العرب الاجتماعية، فثورته كانت ثورة الحضارة الفارسية وكل ما اتصل بها من حمر ومجون على العرب وحياتهم.

وقد كان للخمرة التأثير الكبير والحظ الوافر والتقديس الذي لا مثيل له عند أبي نواس، فقد جعلها بمنزلة مساوية الله فهي قديمة قدمه ولا ينسب شيء لها ولا تنسب لشيء فالخمرة بالنسبة له بحسب وصف أدونيس حلم ولها فعل الحلم تكشف المجهول سواء في الذات أو في الطبيعة وتقتلعنا من وحل الأشياء العادية وتقذف بنا فيما وراءها، وتعلمنا أن المرئي وجه اللامرئي وأن الملموس تفتح لغير الملموس، فما نراه ونحسه ليس إلا عتبة لما لا نراه ولا نحسه وتجتاز بنا هذه العتبة حيث نزول الفواصل ويصبح الباطن والظاهر واحدا وكما أنها تنقلنا ضمن المكان إلى المكان الخفي الآخر، فإنها كذلك تنقلنا ضمن الزمن، إلى ما يتجاوز الزمن حيث يمحى زمن الاصطلاح زمن الدقائق والساعات الليل والنهار وحيث تتحول الحياة إلى ما يشبه النشوة الدائمة. 

يرى أبو نواس أن الحلم جزء من جزيئات الخمرة فعندما يحصل شربها واحتساءها حتى بلوغ الثمالة وحدوث السكر يحدث الحلم وهو حالة جديدة أخرى من اليقظة تتقارب فيها المتباعدات وتتصالح حينها المتنافرات وتتوحد المتناقضات فتحل جميع العقد التي بداخله عندما تتحلى عنده صورة جديدة واضحة بأبعادها المكتملة فتزيل الشوائب التي كانت تعيق بصره وتغشاه وتكسر كل المسلمات والقواعد المتخشبة والمبادئ الأخلاقية المتحجرة التي كانت تعيق انسياب حركته وجريانها إلى شكل آخر أكثر انفتاحا وتحررا ومجونا والذي هو عند أبي نواس خروج على نظام الأخلاق السائد وكما أن الحلم دخول فيما يحجبه الواقع فإن المجون دخول فيما يمنعه نظام الأخلاق وكما أن الحلم يتضمن جدلية النفي والإثبات الهدم والبناء كذلك يتضمن المجون جدلية الرفض والقبول رفض ما هو راهن وقبول ما يتجاوزه، المحون في الواقع كالحلم فيما وراء الواقع نفي لكل ما ينفي حرية الإنسان، كلاهما يمثل النشوة الكاملة.

إذن فالمجون عند أبي نواس هو التحرر من كل قيود وهو الحرية التي ينشدها الجميع ويبتغون الوصول إليها سواء كانوا أغنياء أو فقراء أسيادا أو عبيدا فالمحون هو سبيلهم للخروج من حالات الكبت والقيد وهو الشيء الوحيد الذي يتساوى فيه الجميع فالكل لهم الحق في ممارسته ودخول عوالمه الواسعة من غير الصدام بقواعد أو قوانين تردعهم أو تمنعهم أو تعيقهم من بلوغ النشوة واكتمالها، فهم يتجاوزون فيه الممنوع إلى المباح والمحرم إلى الجائز والأمر والنهي والزجر والإلزام والإجبار إلى ما هو عكس ذلك كله.

والمتفق عليه أن المجون يتناقض ونظام القيم والمبادئ الأخلاقية التي لا طالما دعت إليها العرب وحرصت على التغني بها في أشعارها غير أن أبا نواس يتجاوز كل هذا فهو يرى أن الأخلاق بمثابة قواعد إلزامية لا تعطي الحرية للذات وبخاصة المبدعة منها فإن امتثلت الجانب الأخلاق لم يسعفها ذلك النظام في ممارسة طقوس الشعر الحقيقية ولا حتى الدين الذي يشكل مجموعة تلك القواعد الأخلاقية ذلك أن الدين عنده يقف حاجزا في طريق الشعر وفي تحقيق الغاية منه تلك الغاية التي لا حدود فيها ولا صدود إنما هي تمازج وانصهار للذات الإنسانية والحياة معاً.

ولعل هذا هو مكمن الفروقات التي كانت بين أبي نواس وبين الشعراء التقليدين الذين بقوا يقدمون ولاءهم وطاعتهم للنهج القديم ذلك أن هذا الأخير يصدر عن التأمل الذهني، فيلاحظ ويصف بينما يرفض أبو نواس كل معرفة لا تكون معاناة ذاتية وغبطة وشعورا بالتألف مع الكون وفي هذا ما يفسر محاولة أبي نواس أن يخلق باللغة السعادة الضائعة، فالصور التي يخلقها بداء من الأشياء المحسوسة الفانية لا تهدف إلى وصف هذه الأشياء الخارجية بذاتها، وإنما تهدف إلى أن تطيل حركتها الداخلية كأن الأشياء هي التي تكشف عن نفسها في ذات الشاعر فكل صورة رمز والكلمات جزء من حركة النفس ومن حركة الشيء وهكذا يخلق الشاعر عالما سحريا يسيطر فيه على الأشياء والأخلاق والعادات خارج كل قمع أو كبت، سواء كان اجتماعياً أو دينيا.

ولعل هذا ما جعله يشتهر بلقب شاعر الخمرة الأول فهو الذي أعطاها ذلك المعنى الروحي ورفعها إلى مرتبة أن تصبح هي بداية كل شيء بل تسبق البشر والأشياء والله بحد ذاته لأن احتساءها كفيل بإخراج شاربها من حالة الوعي إلى اللاوعي وإدخاله إلى عالم أكثر تألفا مع الكون وأكثر غبطة وهذا هو مكمن الفرق الذي بين أبي نواس والشاعر القديم الذي يركز في صوره على إجهاد عقلي وتأمل ذهني فلا يصف الشيء إلا إذا لاحظه جيدا وتمكن من جميع خباياه ودقق وركز فيه؛ بينما أبو نواس يرى أن المعرفة تكون في إطار مكابدة ذاتية ومعاناة داخلية وغبطة تتبعها نشوة لا متناهية فالصور التي يخلقها بدءا من الأشياء المحسوسة الفانية لا تهدف إلى وصف هذه الأشياء الخارجية بذاتها وإنما تهدف إلى أن تطيل حركتها الداخلية كأن الأشياء هي التي تكشف عن نفسها في ذات الشاعر، فكل صورة رمز والكلمات جزء من حركة النفس ومن حركة الشيء وهكذا يخلق الشاعر عالما سحريا يسيطر فيه على الأشياء والأخلاق والعادات خارج كل قمع أو كبت، سواء كان اجتماعياً أو دينياً.

ج. مسلم بن الوليد: يعد من أبرز شعراء العصر العباسي وقد لقب بالشاعر المقلق لأنه يستعمل في شعره الغريب من الألفاظ والتراكيب اللغوية والمحسنات البديعية حتى قيل أن: أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد جاء بهذا الفن الذي سماه الناس بالبديع وقيل أيضا إنه: أول من تكلف البديع من المولدين وأخذ نفسه بالصنعة وأكثر منها ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم إلا النبذ اليسيرة ولعل السبب في جعله من المفسدين للشعر لجوءه إلى الصنعة البديعية كثيرا في أشعاره ما جعل أنصار القديم يتهمونه بذلك.

ولقد كان مسلم على معرفة جيدة بنماذج الشعر العربي القديمة والحديثة إذ سجلت له مقدمات القصائد له لاسيما التي كان موضوعها المدح بداياتها ذات طابع تقليدي موروث، وقد ظهر تمسكه فيها بتفاصيلها وعناصرها وأشكالها بشكل بائن خصوصا ما هو شائع بالمقدمة الطللية غير أن المتتبع لقصائده بعد هذا يجد قد أسقط الكثير من أصولها وبدأ يخفف وصف الصحراء والرحلة والناقة وهي كلها عناصر كان الشعراء يعمدون إلى وصفها واستبدلها بالخمرة ووصف مجالسها ولعل السبب الدافع لذلك بحسب الدارسين أنه كان قد تأثر بأبي نواس وغيره من شعراء المجحون الذين أيقنوا أن مشاعر الصحراء والبكاء على الأطلال ومظاهر البادية لم يعد لها حضور في هذا العصر، وأنه لم يعد يجدي نفعا ذكرها في خضم ظروف الحضارة الجديدة فكان هذا سبباً رئيساً للتحول عنها وذلك بالتخفيف منها والانسلاخ عنها شيئا فشيئا مما جعل مظاهر المقدمة الطللية تتراجع كي لا نقول أنها أقصيت تماما.

فقد كان مسلم يوظف بعض جزئيات المقدمة الطللية في قصائده ومن أمثلة ذلك فاتحة قصيدته في مدحه للمنصور بن يزيد يقول فيها

هاجت وساوسه برومة دور

دثر عفون كأنهن سطور

أهدى لها الإقفار حتى أوحشت

من بعد أنس زائر وغيور

جرت الرياح بها وغير رسمها

هزم الكلا داني الرباب مطير

أبكي نعم أبكاه ربع باللوى

تسفى عليه مع العجاج المور

خلت الديار وكان يعهد أهلها

وأجد بالأحباب عنها مسير

تالله ما إن كاد يقتلني الهوى

لولا رسوم بالعقيق ودور

نلاحظ من الأبيات هذه أن مسلم يصف الأطلال الباقية من منزل حبيبته ويرسم موضعها ويذكر كيف أنها اندثرت وتلاشت يفعل قوى الطبيعة كالأمطار والرياح والعواصف، ويذكر أيضا مشاعره التي اختلاجته عندما رأى ذلك وكيف أنه حزن حد الهلاك غير أنه لم يذكر تلك المعالم الباقية بل اكتفى بالإشارة فقط لموضعها بعكس ما كان واردا عن الشعراء الجاهليون من إسهابهم في الحديث عنها وعن بقايا المنازل وعن الحيوانات التي خلفت مكانها واستتب لها العيش فيها وهو ما فعله أغلب الشعراء العباسيين فأخذوا يحذفون كل مرة عنصر منها إلى أن أسقطوها.

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
وهو في وصفه هذا للأطلال وابتداءه بها وإن كان لم يأت بها كاملة كما جاءت عن القدامي لا يعني أنه ابن البادية وأنه عايش جميع ظروفها وحياتها وأنه وصفها بعين من رأها وجمعته علاقة بمن كان يسكنها ثم رحل عنها فشعر بالوحشة والحسرة والحزن عندما رأى بقايا ذلك المنزل الذي جمع ذكريات خليلته إنما فقط استشعر ذلك في مخيلته وعبر عنه، وهو في هذا يسير على نهج القدامي ويتبع طريقتهم فهو لا يعدو أنه مجرد تقليد ويؤكد لنا هذا حسين عطوان ذلك في قوله إن وصف الأطلال ليس أكثر من قالب فني تقليدي استغله مسلم وأمثاله من الشعراء العباسيين استغلالا جيدا فقد طرحوا منه مظاهر البداوة التي مثلتها في مقدمات الجاهليين آثار الديار وأضفوا عليها من رقتهم ورهافة حسهم ما جعله ملائما لعصرهم وأذواقهم، فإذا هو يتسع عواطفهم وتجاربهم وإذا هم لا يخرجون عن التقاليد الفنية التي ارتضاها جمهور الممدوحين ومن كان يحيط بهم من العلماء الذين كانوا يدعون إلى التمسك بتلك التقاليد.

وقد شمل هذا التقليد الألفاظ والمعاني أيضاً فأحسنوا في ذلك وأحادوا، لأن المتأخرين حاولوا أن يكتبوا بطريقة المتقدمين وأن يثبتوا ذواتهم أيضا يقول الصولي مدافعا عنهم: إن ألفاظ المحدثين منذ عهد بشار إلى وقتنا هذا، كالمتنقلة في معان أبدع وألفاظ أقرب وكلام أرق، وإن كان السبق للأوائل بحق الاختراع والابتداع والطبع والاكتفاء وأنه لم تر أعينهم ما رأه المحدثون فشبهوه عيانا كما لم ير المحدثون ما وصفوه هم مشاهدة وعانوه مدة دهرهم من ذكر الصحاري والوحش والإبل والأخبية فهم في هذا أبدا دون القدماء كما أن القدماء فيما لم يروه أبدا دونهم. وقد بين هذا ابو نواس بقوله

صفة الطلول بلاغة القدم

فاجعل صفاتك لابنة الكرم

ثم يقول فيها

تصف الطلول على السماع بها

أفذو العيان كأنت في الفهم

وإذا وصفت الشيء متبعا

لم تخل من زلل ومن وهم

ولأن المتأخرين يجرون بريح المتقدمين ويصبون على قوالبهم ويستمدون بلعابهم وينتجعون كلامهم وقلما أخذ أحد منهم من متقدم إلا أجاده وقد وجدنا في أشعار هؤلاء، معاني لم يتكلم القدماء بها ومعان أومأوا إليها، فأتى بها هؤلاء وأحسنوا فيها وشعرهم مع ذلك أشبه بالزمان والناس له أكثر استعمالا ًفي مجالسهم وكتبهم وتمثلهم ومطالبهم.

والمتأمل في أشعار مسلم يجد أنه لم يخرج عن سنن الأولين جملة في صنعة الشعر إلا أنه أراد أن يشق طريقا مختلفا يميزه ولعل هذا أمر طبيعي مقارنة بتغير العصر والزمان وقد كان اعتماده في شعره على مقاييس العرب مقتصرا على طريقة الوصف والإصابة فيه، وصحة معانيه كذلك المقاربة في التشبيه والتحام أجزاء النظم والتحامه مع تركيب القصيدة وهذا بتحليل من النقاد الذين أثنوا على أسلوبه ومما لا شك فيه أن إعجابهم بطريقة تعبيره لا لشيء إلا لأنها شائعة عند العرب وتشبه طريقتهم.

وقد تمكن مسلم بذوقه وحذاقته ومهارته الشعرية أن يبدع في قول الشعر ويتفنن في صنعته، فكان شعره  لا يكاد يخلو من صورة بيانية بديعة، وجمع في شعره بين مواتاة الطبع وإحكام الصنعة حتى ليلتبس الأمر على قارئ لشعره فلا يعرف فيه موطن الصنعة، فقد بلغ بالبديع قريبا من الكمال ولم يصل به إلى درجة التكلف.

وبرغم من أنه قد كان من المقلدين في الكثير من طرائق تعبيره وأساليبه الشعرية إلا أنه كان مجددا أيضاً فقد ظهرت ملامح الحداثة في شعره، ولعل هذا سبب اعتباره من المفسدين للشعر وإن كان أغلب النقاد يقرون أن في ذلك الإفساد حداثة فنية تحمل الكثير من الجمالية والشعرية، لا سيما ما تعلق باتجاه الإيقاع ومنحى الاستعارة، ومما أخذ عليه من النقاد في منحى الاستعارة قوله

رمت السلو وناجاني الضمير به

فاستعطفتني على بيضاتها الحجل

فما الذي أعجبه من هذه الاستعارات قبحها الله؟ لو قال الكلل لتخلص، وأبدع فكان تبعا لامرئ القيس في جودة الاستعارة.

الملاحظ هنا أن استعارة امرئ القيس من الاستعارات الجيدة التي يجب الأخذ بها برأي النقاد فبيضة الحجل للمرأة عند مسلم غير مقبولة لأنه لم يكن مقلدا بدقة لامرئ القيس ثم إنه قصد بـ الحجل الكلل، وهي إحالة ثانية بالكلام تبعده عن الأصل كما جاء عند امرئ القيس وهذا نظر يقع خارج حقل الشعر الذي ينبغي أن ننظر إليه على أنه حقل تخييل لا حقل تعقيل وبالتالي فقد عد النقاد هذا الخروج عن القديم الشائع عيبا في الأسلوب إلا أن مسلم في هذا التجاوز يتخطى التقليد المتوارث ويرتفع إلى مستوى إنتاج خطاب فني حداثي.

هذا بالنسبة للاستعارة أما فيما يخص الإيقاع فقد كان المسلم أسلوب أكثر إبداعا وجاذبية كان الأساس فيه توليد عناصر ومكونات البنية الإيقاعية في شعره ونحن في هذا لا نقصد ما كان شائعا في عصره من اعتماد الأوزان الطويلة والقصيرة الخفيفة المصحوبة بإيقاع غنائي مطرب وإنما نقصد المحسنات البديعية التي تحوي في طبيعتها إيقاعا داخليا يعطي اللمسة المميزة لأسلوب لغته كالترصيع مثلا والذي جنح إليه في أكثر من موضع مثال على ذلك قوله

كأنه قمر أو ضيغم هصر

أو حية ذكر أو عارض هطل

أيضاً اعتماده على بديع كقوله

يا صاح إن أخاك الصب مهموم

فأرفق به إن لوم العاشق اللوم

ويعد النقاد بيته التالي في الخمر من التجنيس القبيح يقول فيه

سلت فسلت ثم سل سليلها

فأتى سليل سليلها مسلولا

لطف المزاج لها فزين كأسها

بقلادة جعلت لها إكليلا

قتلت وعاجلها المدير فلم تفظ

فإذا به قد صيرته قتيلا

ويعتبر البيت الأول من قبيح التجنيس الذي استنكره النقاد وقد أرسلت سلت من المعصرة، ثم سلت من الدن وسل سليلها البول هذا قول الباهلي وقال أبو علي والذي أراه أنها سلت من المعصر ثم سلت من الدن ثم سلت من الكأس عند شربها، وقوله: جعلت لها إكليلا أي رفعها المزاج فكان الحباب لها كالقلادة فجعلها إكليلا لأنها في الرأس.

لكن بالمقابل لا يمكن أن نغض الطرف عن المتغير الأسلوبي الغير مألوف الذي استطاع يولده مسلم بن الوليد إذ إن تكراره المتتابع للفعل سل، سليلا، مسلولا يتناسب والتنظيم المتناسق في زمن الأصوات مع ما ترمز إليه في الواقع إذ إن نظم الجملة الشعرية في البيت، على الصعيد الصوتي يجري على وتيرة ثلاثية الأصوات س، لام، م، يكاد اللسان يتعثر بنطق هذا الأسلوب النظمي لقيامه على تكرار متشابه يربك اللسان نطقا ويشكل في الإفهام وعيا ولما كان سياق الحال للواقع الموصوف هو السكر أي إرباك السلوك تصرفا وإشكال العقل عن الإدراك فكرا وهذا نمط أسلوبي يوحي بتناسب أداء الأصوات عند النطق مع دلالتها العبيرية أي تناسب السياقين الحالي الواقع والنصي، فكان هذا منبها أسلوبيا باعثا على شد انتباه القارئ أو المتلقي وإثارة خياله وفي هذا الكلام يعبر عن المعنى والأسلوب في سياق النص الشعري يبرز فرادة التعبير الشعري.

ويعمد في بيت آخر له إلى توظيف منحى أسلوبي آخر يندرج ضمن باب البديع الإيقاعي فيقسمه إلى أربع جمل متناسبة ومتساوية، وقد أعجب ابن المعتز ببيته الشعري الذي قال فيه

موف على مهج في يوم ذي رهج

كأنه أجل يسعى إلى أمل

كذلك قوله

والدهر آخذ ما أعطى مكدر ما

أصفى ومفسد ما أهوى له بيد

من هذا الأسلوب نلاحظ أن مسلم كان يحرص على أن يبرز المكونات الصوتية الإيقاعية للغة الشعر في منحى مميز وذلك من خلال ترتيب عناصره في سلسلة الكلام الشعري ترغم القارئ على التركيز والانتباه لها فإذا هو غفل عنها أو حاول النظر إلى النص الشعري بمنظار يخرج به عن السياق الذي وضع له النص فإن ذلك سيشوه النص ويفسده فإذا حلل تلك العناصر التي تحتويها سلسلة الكلام الشعري اكتشف دلالات خاصة مميزة، ما يجعل الطريقة التي يكون فيها الكلام معبراً والأسلوب يمنح التعبير سمة و فرادة يختص بها دون غيره.

والظاهر من كل هذا أن مسلم كان أشد عناية بشعره وصنعته مع حرصه على أن يكون ذا طبع تختفي الصنعة بين طياته دون أن تظهر للقارئ، وبهذا يمكننا القول إنه كان يقلد الشعراء القدامي في نظم الشعر ويعنى بالألفاظ وأساليب الصياغة كما ورد عن معاصريه أمثال بشار وأبي نواس غير أن سير أسلوبه الشعري ضمن حركة ووتيرة واحدة جعل اهتمامه الأكبر على مقومات أسلوبه الشعري في الظاهر ما جعل النقاد التقليديون يرون الحداثة في أسلوبه إفسادا وخروجا عن طريقة الأوائل.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
2 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...