بعد العصر العباسي من أكثر وأهم العصور التي اشتد فيها الصراع وتوسعت فيه بؤرة الخلاف بين أنصار القديم المحافظين على الطريقة الأولى والسائرين على نهج القدامى في قول الشعر، وبين المحدثين الذين رأوا في تطور الحياة وتغيرها ضرورات توجب عليهم تخطي المبادئ الأصولية الأولى وفي خضم هذا التطور لم يجد أصحاب الذوق القديم إلا التصدي لهذه الموجة التحديدية من خلال حرصهم على الالتزام بعمود الشعر والإتيان بأركانه وسننه كاملة لكن هذا لا ينفي وجود خروقات تعرض لها الشعر بداية من القرن الثاني ومع نهاية الدولة الأموية.
ولقد كانت هذه الفترة بمثابة محاولات جديدة مست اللغة الشعرية وأباحث شيئا من المحرمات وقد تأزمت أكثر مع الشعراء المحدثين الذين ذاع صيتهم في العصر العباسي والذين واصلو توسيع تلك الهوة متجاوزين الممنوعات والمحدودات والأصول الشعرية الموضوعة إلى فضاءات أكثر اتساع وأكثر تناسباً مع ما تقتضيه قصائدهم وموضوعاتهم إلا أن الإلمام بهذه المرحلة ودراسة اتجاه الشعرية فيها من الأهمية بمكان الأسباب عدة لعل أهمها سببان أساسيان:
السبب الأول: أن الشعر لا يتغير بين عشية وضحاها بتغير العهد أو الدولة التي عاش فيها فليس من المعقول أو المقبول أن ينفي شاعر ما في النصف الأول من عام مائة وثلاثين هجرية بأنه شاعر أموي ويصنف في النصف الثاني منها حين سقطت دولة بني أمية وقامت دولة بني العباس بأنه شاعر عباسي حتى ولو مدح الشعراء هؤلاء وأولئك فالعبرة بطبيعة الشعر وسماته ومعطياته وتأثراته وليس بالعهد الذي قيل فيه.
السبب الثاني: فإن كثيراً من الشعراء الذين صنفهم بعض الدارسين القدامى والمحدثين على أنهم شعراء عباسيون ليس لهم في الواقع من الشعرية العباسية إلا الاسم والصفة وهم في واقع أمرهم أمويون من حيث أسلوب الشعر ومنهجه وموضوعاته.
ويعد الشاعر بشار بن برد من بين هؤلاء الشعراء المخضرمين الذين عاصروا نهاية الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية في بدايتها غير أنه نعت بإمام الشعراء المولدين الغزارة شعره واستعماله البديع فيه حتى قالوا : أول من فتق البديع من المحدثين بشار بن برد، وابن هرمة، وهو ساقة العرب وآخر من يستشهد بشعره، ثم أتبعهما مقتدياً بهما كلثوم بن عمرو العتابي، ومنصور النمري، ومسلم بن الوليد، وأبو نواس واتبع هؤلاء حبيب الطائي، والوليد البحتري، وعبد الله بن المعتز.
فانتهى علم البديع والصنعة إليه وختم به، وقد ذهب بعضهم أبا نواس بالنابغة لما اجتمع له من الجزالة مع الرشاقة وحسن الديباجة والمعرفة بمدح الملوك وأما بشار فقد شبهوه بامرئ القيس لتقدمه على المولدين وأخذهم عنه ومن كلامهم بشار أبو المحدثين، وقال عنه الجاحظ : إنه ليس في الأرض مولد قروي بعد شعره في المحدث إلا وبشار أشعر منه وهذا كافي لجعله في مقدمة دراستنا للشعر العباسي المحدث.
أ. بشار بن برد: ولعل بشار بن برد من الشعراء البارزين الذين جاءت أشعارهم متجاوزة لأساليب القدامي بطريقة مميزة شملت جوانب الصنعة الشعرية اللفظية والمعنوية والواضح أن هذا وراء جعله على ناصية المحدثين يقول الجاحظ في هذا : وكان بشار أرق المحدثين ديباجة كلام، وسمي أبا المحدثين لأنه فتق لهم أكمام المعاني وتحج لهم سبيل البديع فاتبعوه وكان ابن الرومي يقدمه ويزعم أنه أشعر من تقدم وتأخر ولأنه شاعر مخضرم عاصر الدولتين الأموية والعباسية فقد كان له من القدرة والنباهة الشعرية ما يكفي لخلق علاقات بين المتناقضات فجمع بين البداوة والحضارة والطبع والصنعة وبين الحداثة والأصالة ما جعله يتفوق على معاصريه.
ويتميز بشعره عنهم يقول ابن رشيق في كتابه العمدة حين قيل له : بم فقت أهل عمرك وسبقت أبناء عصرك في حسن معاني الشعر وتهذيب ألفاظه؟ قال: لأني لم أقبل كل ما تورده علي قريحتي ويناجيني به طبعي ويبعثه فكري ونظرت إلى مغارس الفطن ومعادن الحقائق، ولطائف التشبيهات فسرت إليها بفكر جيد وغريزة قوية فأحكمت سبرها وانتقيت حرها وكشفت عن حقائقها واحترزت عن متكلفها، ولا والله ما ملك قيادي الإعجاب بشيء مما آتي به.
ولقد كان في شعر بشار بن برد أثر للشعرية الجاهلية فلم يكن خروجه انسلاحا كليا عن تقاليد العرب الأولى وانغماس وغلو في الحداثة الجديدة بل كان يحمل في شعره الكثير من نهج القدامي ويستجيب للحداثة التي تناسب الحال في الوقت ذاته؛ فهو يحمل في شعره الكثير من رنين الأقدمين وصوتهم وطرائق صياغتهم كما وعته أذن بشار على تطويع هذا الرنين لتجربته الجديدة والخروج بإيقاع شعري، وصياغة شعرية تختلف اختلافا واضحا عن التجارب السابقة وتتبطن لغة قادرة على التفاعل مع حركة التطور الحضارية ومع تجربة الشاعر ومواقفه الجديدة مع الحياة.
وقد تزامن المحاولات التحديثية مع محاولات أخرى عملت على تأصيل الأصول ووضع النقاط الفنية والجمالية التي بها يعرف الشعر الرصين بعد أن يخضع لتلك المقاييس ولعل تلك السمات قد استقت من الموروث الشعري الجاهلي وبه سنت القوانين الإبداعية التي تضافرت على وضعها جهود النقاد وتواطأ على صياغتها فيما سمي بعمود الشعر العربي.
وقد كان بشار بن برد أول من تجرأ على الخروج عن عمود الشعر من خلال شكل شعره عندما رفض بعض القيود الاجتماعية والدينية وتطرق لكثير من المحرمات التي رفضت التقاليد والأعراف الخوض فيها، ومن خلال غريب تصويره عندما منح اللغة من المجاز والتصوير ما هو متنافر وغير مألوف، وقد احتكم إلى الأصمعي عن أي الشاعرين أشعر و أفحل بشار بن برد أو مروان بن أبي حفصة؟ فأجاب الأصمعي: بشار أشعرهما قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن مروان سلك طريقاً كثر سلاكه فلم يلحق بمن تقدمه أما بشار، فقد سلك طريقاً لم يسلكه أحد فانفرد به، وأحسن فيه وهو أكثر فنون شعر وأقوى على التصرف وأغزر وأكثر بديعاً، ومروان أخذ بمسالك الأوائل.
يشير الأصمعي في معرض موازنته إلى أن العلة في تقديم بشار على مروان بن أبي حفصة تكمن في أن بشار شق لنفسه طريقاً آخر يميزه فكان مبدعا لا متبعا أما مروان فقد كان تابعاً مقلداً ذلك أن الثبات على رسم واحد أو قاعدة واحد ينجو بالعملية الشعرية منحا الركود والجمود ويعيق في جعلها تؤدي معنى جمالياً فنياً متجدداً غير مكرر وقد زكى هذا الدرس الأسلوبي الحديث عندما أكد على أن التزام نسق لغوي واحد في القصيدة أو القطعة الأدبية كلها، يحدث للقارئ أو السامع مللا، ويوحي إليهما أن القائل لا يصدر عن تجربة أو رؤية خاصة ولكنه يقول كما يقول الناس ومن ثم كان الخروج عن النسق بشرط أن يكون وراءه دافع يسوغه أدل على أصالة الفنان وقدرته.
ولعل وضع بشار على رأس المحدثين ووصفه بأنه قائدهم كان نتيجة إدراك مسبق للنقاد وتقطنهم الأهمية شكل شعره من حيث إنه غير مألوف، وأنه خارج عن المتداول والمتوارث ولم يقتصر في ذلكبشار على البعد الشكلي بل تعداه إلى رفض كل ما يمت إلى التقاليد والأعراف سواء الاجتماعية أو الدينية فتهكم من المقدسات وطعن فيها وشكك فيها أيضاً ودعا إلى تقديس لذة الجسد وعدها هي الحضارة كلها، وقد ظهر ذلك في شعره فكان مدعاة للتحرر الجنسي وللفسق والمجون، الأمر الذي أثار حفيظة رجال الدين ودفعهم إلى محاربته والتخلص منه بقتله.
ومنه يلخص لنا أدونيس الدور الذي لعبه بشار من جانب الشعر في ناحيتين:
الأولى: هي أن الشعر ليس فريحة وحسب، وإنما هو فن فلا يكفي أن يعبر الشاعر عما يجيش في نفسه وإنما المهم هو كيف يعبر وفي هذا أول رد على نظرية الطبع فالطبع بذاته غير كاف، ولابد من أن تردفه الثقافة أي لابد من تنقيع الطبع وتهذيبه.
الثانية: هي أن الشعر بحث مستمر لذلك على الشاعر أن لا يعجب بما أنجزه، وإنما يجب أن يظل مشدودا إلى ما لم ينجزه بعد.
ومما لاشك فيه أن للمولدين فضل في تجديد المعاني والأفكار نتيجة انفتاح عقولهم على الثقافات الأجنبية المزدهرة آنذاك لاسيما المجال الفلسفي، ولعل بشار قد فاق شعراء زمانه بميزة يعتبرها الكثيرون عيباً وعجزاً وقصورا وهي أنه مصاب بالعمى، غير أنه تمكن بحذقه وبراعته وحسه المرهف أن يحول تلك العاهة إلى قوة إبداعية تتخطى المحسوسات المادية إلى عوالم تتجاوز المبصرات إلى مالا تدركه العين البشرية المجردة، فجاءت معانيه فلسفية إبداعية جديدة خاصة فيما تعلق بالغزل وله في ذلك تحفة من الأبيات الشعرية الغزلية في محبوبته عبدة والتي سهرت عيونه وجفا الكرى جفونه لأجلها فالعيون لا تؤدي فعل النظر فقط بل تعيران أيضا عن الألم ومكابدة الشوق بسهرهما مفتوحتين حتى وان كانتا لا تبصران، يقول بشار
لم يطل ليلي ولكن لم أنم
ونفى عني الكرى طيف ألم
نفسي يا عبد عني واعلمي
أنني يا عبد من لحم ودم
إن في بردي جسما ناحلا
لو توكأت عليه لا نهدم
ختم الحب لها في عنقي
موضع الخاتم من أهل الذمم
فالحب عند بشار ما وقر في القلب وإن لم تدركه العين، فإن عدمت العين استبدلت بغيرها من الحواس فنابت مكانها وانتشت لذتها كالأذن التي أشار إليها في شعره فقال
يا قوم أذني ببعض الحي عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بما لا ترى تهذي فقلت لهم
الأذن كالعين توفي القلب ما كان
وفي هذا البيت إشارة منه على أن سمعه قد وسع جميع المرئيات وأجملها فأدرك به المحسوسات وخصائص الأشياء بإضافة إلى حاسة الشم والتذوق وله في كل حاسة منهما حديث فعن الشم نورد بيته التالي في غزله بعطر عبدة يقول فيه
هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت
وأهوى لقلبي أن تهب جنوب
وما ذاك إلا أنها حين تنتهي
تناهي وفيها من عبيدة طيب
ويقول أيضاً
غدا مالك بملاماته
علي وما بات من باليه
تناول خودا هضيم الحشا
من الحور محظوظة عاليه
فقلت دع اللوم في حبها
فقبلك أعييت عذاليه
وإني لأكتمهم سرها
غداة تقول لها الخاليه
عبيدة مالك مسلوبة
وكنت مقرطقة حاليه
فقالت على رقبة إنني
رهنت المرعث خلخاليه
بمجلس يوم سأوفي به
ولو أجلب الناس أحواليه
وكذلك الأمر بالنسبة لحاسة الذوق فوصف في شعره محبوبته من خلال ريقها يقول
كأن بريقها عسلا جنبا
وطعم الزنجبيل وريح وراح
وبهذا يمكننا القول إن بشار بن برد وبرغم من أنه من الشعراء المكفوفين الذين لم تسعفهم حواسهم الخمس كاملة في تحقيق اللذة الشعرية إلا أنه يملك من الحواس الباقية ما هو أشد تركيزاً وأقوى تأثيراً ذلك أنها تعمل على تعويض نقص البصر ما يعني براعته وكفاءته في تحقيق ذلك برغم أن الحاتمي في نظره لأبيات أبي نواس وإعجابه بما يرى أن تحقيق الاستمتاع لا يتحقق إلا بإمتاع الحواس الخمس كاملة، كما عبر على ذلك أبو نواس في قوله
ألا فاسقني مسكية العرف مزة
على نرجس تعطيك أنفاسه الخمر
عيون إذا عاينتها فكأنما
دموع الندى من فوق أجفانها در
مناصبها بيض وأجفائها خضر
وأحداقها صفر وأنفاسها عطر
بروضة بستان كأن نباتها
تقنع وشيا حين باكرها القطر
يدير علينا الشمس والبدر حولها
فيا من رأى شمسا يدور بها بدر
ويقول أيضاً
ألا فاسقني حمرا وقل لي هي الخمر
ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر
فما العيش إلا سكرة بعد سكرة
فإن طال هذا عنده قصر الدهر
وما الغبن إلا أن تراني صاحيا
وما الغنم إلا أن يتعتعني السكر
ويعلق الحاتمي على هذين البيتين قائلا: إن الملاذ بالحواس الخمس وهي: النظر والسماع والشم والذوق واللمس فقد استمتعت حاسة البصر بالنظر إليها وحاسة الشم بتذوقها وطيب نكهتها، وحاسة الذوق بطعمها وحاسة اللمس بلين ملمسها وبقيت حاسة السمع معطلة فقال: وقل لي هي الخمر لتلتذ حاسة السماع فيكتمل الاستمتاع.
ولعل انعدام حاسة البصر لدى بشار بن برد جعلته يغوص في متاهات الغموض وعدم اتضاح صوره الشعرية ذلك أن إشراك الحواس كاملة في عملية التصوير الشعري يعطيها بعداً حقيقياً واضحاً وهو الأمر الذي ذهب إليه محمد مندور أيضاً في موازنته بين تشبيه المرئ القيس وتشبيه لبشار بن برد.
يقول امرؤ القيس
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا
لدى وكرها العناب و الحشف البالي
يقول بشار بن برد
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
امرئ القيس اعتمد على حواسه ومعطيات واقعه المعاش فأتى بهذا التشبيه الصادق، أما بشار فاعتمد على خياله وكون لنا صورة لا يمكن إدراكها دون إعمال الذهن هذا ما جعلنا نجزم بأن بشار كان له من المقدرة ما يكفي ليتفنن في تخريج تصوير شعري منقطع النظير لدرجة أنه كان يعمد إلى تجسيد الصورة وتجسيمها وإدخالها في هيئة بشرية وبيث الروح الآدمية فيها حتى يخيل أنها تتحرك وتحاور القارئ وتكلمه، فظلام عيني بشار وعدم إدراكه للمحسوسات كاد ينطقها ويجعل من خيالها حقيقة يلمسها الإنسان بيديه ويراها بناظريه فهو إن كان مظلم العينين إلا أنه كما يقول مضيء القلب كناية عن رقة شعوره وإحساسه معاً.
قد أذعر الجن في مسارحها
قلبي مضيء ومقولي ذرب
وعلى هذا المنحى يمكن القول إن عمى بشار كان له الدور الفعال في قلب موازين التشبيه وطبيعته التي تقتضي الوضوح والمقاربة إلى نقيض ذلك من الغموض والتباعد ومهما تعددت أسباب هذا التغير والغموض اللامألوف فإن هذا لا ينفي أن ما حققه بشار من تجديد على مستوى الصورة في منحها أبعادا غير الأبعاد المنظورة والمرئية مبتعدا بها عما هو موجود في الحقيقة إلى عالم من الخيال الخصب، لا هو من الأهمية بمكان بحيث إنه يشكل نقطة ضوء ساطعة في تاريخ انتقالنا من الإتباع إلى الإبداع في شعرنا العربي.
بالإضافة إلى أن صوره كانت تنم عن قريحة قوية وذهن صاف عميق في تخيلاته وقد تميز بشار في صنعته بهذه الناحية التجسيمية بالإضافة إلى استقصائه لعناصر الصورة واستيفائه الأصغر جزيئاتها وأهونها لتتضح وتتحلى جوانبها المختلفة ويتميز بشار في صنعته أيضا بحسه الدقيق في إدراك العلاقات بين الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة وإلحاجه على إظهارها تعويضا فيما يبدو عن حرمانه من رؤيتها فأراد أن يبلغ بفنه الشعري ما لم يبلغه بناظريه.