بناء الفهم ومستوياته يشمل ما يلي؛
1- مسلمات مضمرة: عندما ناقشنا الثنائية المتدابرة التي تنطوي عليها علاقة التضاد بين قديم وحديث افترضنا وجود تمييز واضح جدا بين شعر البداوة وشعر الحاضرة، وهذا الضرب من التمييز يبعث على نشاط أكبر يخص موضوع الوضوح والغموض في الشعر في علاقته بالفهم، وتتكشف أبعاده عندما تقرن صفتا الوضوح والغموض بالأوصاف المصاحبة لهما، وهي أوصاف تتجاور في مجموعات دلالية تقترن بالزمنيين والمكانين من جهة، وتحتفظ من جهة ثانية بمجال قياس درجة الكفاءة القدرة اللغوية والبلاغية للمنشئ المتلقي سواء تعلق الأمر بالمعايير الشفاهية التي وجهت حديث العرب عن الأشعر والأجود والأفضل، أو تعلق بسبل ترتيب أسس التمايز بين هذه المعايير ومعايير شعرية الحاضرة، ثم إنه من جهة ثالثة أبان أن سؤال الفهم كان يهدف إلى توضيح الوظيفة الجمالية للشعر أثناء ارتباط الأثر الشعري الموروث والمتلقي والأثر الشعري الجديد، الذي جاهد أبو تمام لترويضه.
سأل أبو تمام خشافا عن الكميت بن زيد ت 156 هجريةوعن شعره وعن رأيه فيه، فقال لقد قال كلاما خبط فيه خبطا من ذالك، ولا يجوز عندنا ولا نستحسنه وهو جائز عندكم، وهو على ذاك أشبه بكلام الحاضرة بكلامنا، وأعربه وأجوده تكلم في بعض أشعاره بلغة غير قومه أتخذ سؤال أبي تمام زاوية مغايرة عندما.
بتعلق الأمر بطريقة بدوية في استيعاب النص الشعري وفهمه، في مقابل طريقة شعرية حاولت أن تزاوج بين شعر البدواة وشعر الحاضرة، وقد أمكن للخشاف تسييجها بوساطة.
1- حد الإجازة و الاستحسان المعطى بطريقة بدوية لها زمانها التاريخي واقتدارها النموذجي.
2- التفطن إلى طريقة إبداعية جديدة تختلف عن الطريقة المعيار، والمفرغة من أي تعيين للحد، لأن الكميت كان من أهل الكوفة فتعلم الغريب وروى الشعر وكان معلما فلا يكون مثل أهل البدو، ومن لم يكن من أهل الحضر.
3- ويمتلك هذا التفطن دلالته النهائية والمطلقة انطلاقا من ممارسة شعرية ظلت مغلقة ضمن مسار التلقي الذي يواجه به الخشاف هذا الشعر، وقد سيج الخشاف ضمنيا هذا المسار ببراهين تفيد عند تعيين الحد، وهذه البراهين على أربعة أنواع :
١- أنه يقول ما سمعه ولا يفهمه.
٢- وهو على حد وصف بشار لم يكن شاعرا.
٣- وهو شاعر، إنما شعره خطب.
٤- وأن شعره لا يعتد به، ولا يحتج به.
تنحدر هذه البراهين من حسن أنتج في زمن متقدم س1، حيث تخصص لها وظيفة تحديد السؤال الذي يمكن أن يجلو خاصية أسلوب يشتغل بين درجة الشبه كلام الحاضرة، وكلام البداوة وبين درجة الاختلاف بينهما، ومن هنا حاول الخشاف أن يضمن الحجة نطاق التغيرات الأسلوبية التي يمكن ربطها بذوق يفيد في ترتيب حدود الثنائية المتعارضة لا يجوز عندنا ولا نستحسنه، وهو جائز عندكم.
يورد ابن منظور لكلمة خبط ومشتقاتها معاني منها خبط يخبط خبطا: ضربه ضربا شديدا، وخبط البعير بيده، يخبط خبطا، ضرب الأرض بها، ومنها قيل خبط عشواء، وهي الناقة التي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوخى شيئا، وفلان يخبط في عمياء إذا ركب بجهالة، وخبط الليل يخبطه خبطا سار فيه على غير هدى، وفي حديث علي كرم الله وجهه خبط عشواء، أي يخبط في الظلام وهو الذي يمشي في الظلام، فيتحير ويضل فهو قولهم يخبط في عمياء إذا ركب أمرا بجهالة.
نلاحظ من المعاني المعجمية لمادة خبط ومشتقاتها أنها تجري على مدلول عام هو الجهل والحيرة، متجهة أربعة اتجاهات:
أولها: السير على غير هدى.
وثانيها: الابتعاد عن جادة الطريق.
وثالثها: الحيرة بعد الطمأنينة.
ورابعها: الضلالة والضياع.
من البداهة التي لا نزاع فيها أن ثمة خلط في شعر الكميت بين أساليب شعرية مختلفة، وإشكال مذهب طريقة في الشعر يتلبس ذهن السائل والمجيب عند مباشرتهما له، ويستتبع التلقي بالإسناد إلى حسن أنتج في زمن متقدم تلقيا يتولد عنه وقع فني وجمالي تختلف درجته من أسلوب في الشعر إلى أسلوب شعري آخر بحسب تمثل هذا الشعر الخصائص الشعرية التي يتميز بها شعر البداوة عن شعر الحاضرة والدليل على ذلك أنه أدار هذه الكلمة دون سواها للاستدلال:
1- على درجة من الذوق يستفيض في تأمل فكرة المخالفة الأسلوبية من خلال المعرفة الكاملة بأسلوب الشاعر أي بوصفه أسلوبا لم يجر في بعض شواهده على نظم، ولا وقع إلى جانب الكلمة ما يشاكلها، وأول ما يحتاج إليه القول أن ينظم على نسق، وأن يوضع على رسم المشاكلة.
2- على درجة من المعرفة تهتم بجماليات شعرية مضادة يسببها التحول من ثقافة البداوة إلى ثقافة الحاضرة، إن منطق العلاقات التي توجد بين درجة من الخبط في الكلام في شعر الكميت لا يقوم على أساس فحص اعتباطي عائد إلى فصاحة البداوة عددا من أخطاء الكميت في اللغة، بل على منطق شعري خالص يقض بوساطته القارئ بجمالية الصورة الشعرية في الشعرية التراثية، وأنها أصبحت في شعر الكميت ذات مظهر علائقي لا يجيء بشبه الشيء جيدا كما ينبغي، ولكنه يقع قريبا، فلا قدر للناقد أن يقول له لا أخطأت ولا أصبت، وإنما يقع بين ذلك، فهو لم يصف كما وصف ذو الرمة، ولا شبه كما شبه.
تمد طريقة الاستدلال هذه جذورها عميقا في تاريخ الشعرية العربية، وتمثل تاريخيا جدلية البداوة الحاضرة التي قصدها أبو تمام رغبة ضمنية في مجاوزة مقصودة لطريقة في المفاضلات الشعرية من طريق التحول من منغلقة في شعر البداوة إلى علاقات تعيش زمن البداوة الحاضرة، وتطرح هذه الرغبة مشكلات معرفية وذوقية، ما دامت صياغة أسس هذا الجدل قد تولى علماء اللغة في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث للهجرة الفصل فيه لمصلحة الشعرية التراثية الشاهد الحجة ومن هنا أمكن التعبير عن هذا الجدل بوصفه جدل تقاليد شعرية مفهومة على أنها حجج لغوية تقعيدية أكثر منها قضية استحسان أو إجازة، وحين يكون فهم ما مبنيا بوساطة قبول أو رفض قبليين فإن التمييز وترتيب العلاقة بين أسلوبين في الشعر بأدوات معطاة بدهيا بحكم العلاقة الحضورية التي تميز منطق السؤال والجواب، يجب أن تتوافق، في الغالب، بشكل منسجم مع ذوق جماعي خاضع كليا لثقافة شعرية أحادية الأصل والامتداد.
2- الحكم والاختلاف في الفهم: يتراشح سؤال أبي تمام الخشاف عن شعر الكميت مع سؤال سعيد المكفوف أو أبي العثيمل الأعرابي أبي تمام عن دوران العلاقة بين شعره وبين فهمه، يروى أنهما قالا له بصدد قصيدته في صاحبيهما عبد الله بن طاهر، وأولها : هن عوادي يوسف وصواحبه فعزما فقدما أدرك النجاح طالبه لم تقول ما لا يفهم، فقال لهما لما لا تفهمان ما يقال، لا سبيل إلى القطع بمقصد السائل من عدم فهمه بعض أشعار أبي تمام فلسنا نريد أن نحمله تأويلا دون استحضار جميع عناصر نسق المعرفة التي يصدر عنه سعيد المكفوف، فهو كما تنقل الروايات مؤدب ولد أبي العباس عبد الله بن طاهر، وأنه كانت تعرض عليه الأشعار في مدح أبي العباس فما كان منه يليق بمثله أن يسمعه من قائله في مجلسه أنفذه أبو سعيد إليه والقائل معه، فأنشده إياه في مجلسه، وما لم يكن بالجيد أو كان مهجنا لم يعرضه ولم ينفذه أو تقدم بين القاصد به، وقد كان من أعلم الناس بالشعر وبكلام العرب.
ومع ذلك نستطيع أن نقول: جسد منطق السؤال والجواب السابق موضوعات لها علاقة ببلاغة الشعر وخصائص فهم واللبس والحكم والاختلاف في الفهم، وفي مثل هذه العلاقة دائما، يعتمد الفهم على افتراض أن المعرفة والذوق الشعريين الحداثيين معرفة وذوقا في ذات الوقت بفرادة التجربة الجمالية التي أرست دعائمها المفاضلات الشعرية، وأنهما قد تنوعا في مصادرهما بين الأعمال الشعرية النموذجية التي فرضت شواهدها على ذائقة المتلقي داخل الثقافة الشفاهية وخارجها، فامتدا سبيلا عند التأمل في شعر أبي تمام.
وما يعنينا في منطق السؤال والجواب أن مصطلح الفهم يمكن أن تكون له أبعاد متعددة، وفي داخل منظومة ثقافية من الخلفيات المعرفية المتعددة، يمكن أن نتوقع اشتغاله بطرق مختلفة، وإذا فهم هذا التعدد على أنه نعت يضاف إلى خانة خاصة بالتلقي والعمل الشعري، فمن المؤكد أنه سيصبح أرضية صالحة لطرح افتراضات تدمج عادة في مثل هذه الحوارات بعضا من المسائل التي خلقت صعوبات في طريق بلاغة نقد، ومن المفيد، ابتداء، أن نحلل بشيء من التفصيل طرائق اشتغال هذا الدمج الذي تشترك في تفعيله بنية حوار تربط بين أكثر من شخص، وأكثر من ثقافة شعرية وهي بنية متعلقة بمسار السؤال والجواب من جهة، وبإقناع السائل بالحجج المساندة من جهة أخرى، وإذا رجعنا إلى كتب: الموازنة والموشح يمكن أن نلاحظ على الحجاجي:
أولا: أن كل الحجج بمعيناتها المتمظهرة الضمائر ، الإشارات إلى حسن قديم قبيح قديم وحسن حديث قبيح حديث، البداوة والحاضرة التي تستعمل مختلف أنواع البراهين في إنجاز الأقوال إنما تمثل على مستوى الخطاب نظيرا، ويعني ذلك تمثيلا مصطنعا للفعل الأساسي الذي هو فعل القول إن التحليل القائم على السيميوطيقيا المقالية ملزم بتحليل الإحالات الدلائلية والثقافية لاستعمال هذه المؤشرات على مستوى فعل القول وسيرورة القول، وتحليل مقومات هذا الاحتجاج يمكن الوقوف عليه من معرفة عامل الحجاج الأول، الذي هو العامل الجماعي الفرقة، يقول الآمدي وأنا أبتدئ بما سمعته من احتجاج كل فرقة من أصحاب هذين الشاعرين على الفرقة الأخرى، عند تخاصمهم في تفضيل أحدهما على الآخر، وما ينعاه بعض على بعض، وكما جرت العادة في منطق السؤال والجواب، فإن مسلمات الفهم المخصوصة، وترتيب الأوصاف ينبغي أن تصاغ من أجل تبرير تمييز تستنبط دلالته انطلاقا من الوحدات المعجمية المتحولة إلى بقايا معنى يمكنها أن تفيد مجموعة من القضايا مستوفاة على تمام التشاكل والتجانس من عدمهما:
1- أخبرني عبيد الله بن أحمد، قال أخبرنا أحمد بن محمد، عن مهدي الكسروي، قال: حدثني البحتري الوليد بن عبيد، أخبرني الصولي، قال: قال محمد بن داود حدثني البحتري، قال: سمعت ابن الأعرابي يقول وقد أنشد شعرا لأبي تمام: إن كان هذا شعراً فما قالته العرب باطل.
2- أخبرني عبيد الله بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن محمد، عن أحمد الحارث الحزاز، عن العباس بن خالد البرمكي، قال: أول ما نبغ أبو تمام الطائي أتاني بدمشق يمدح محمد بن الجهم، فكلمته فيه فأذن له، فدخل عليه، وأنشده، ثم خرج، فأمر له بدراهم يسيرة، ثم قال: إن عاش هذا ليخرجن شاعرا، فقلت: وما ذاك، قال: يغوص على المعاني الدقاق، فربما وقع من شدة غوصه على المحال.
3- أخبرني محمد بن يحيى، قال: كنا يوما عند أبي علي الحسين بن فهم، فجرى ذكر أبي تمام، فسأله رجل: أيهما أشعر أبو تمام أو البحتري، فقال: سمعت بعض العلماء بالشعر ولم يسمه وسئل عن هذا فقال: كيف يقاس البحتري بأبي تمام هو به وكلامه منه، وليس أبو تمام بالبحتري، ولا يلتفت إليه.
من جملة ما يترجم عنه مسار منطق المواقف الاختزالية المسندة إلى متحدث ومتحدث إليه في النصوص السابقة أنه يُنسب فعل التفضيل من عدمه إلى عامل المحادثة الأول: الفرقة صاحب أبي تمام أو صاحب البحتري، وللوصول بهذا المسار إلى الغاية المحددة له، أي جعله شرطا أساسيا من شروط إقامة الحوار، يعمد المساهمون فيه إلى ترتيب العلاقة بين السائل والمجيب بخطوات مدروسة يمكن إجمالها كالتالي
١- حصر اهتمام المشاركين في منطق السؤال والجواب في ثقة السائل في قدرات المجيب وفي تقييمه تقديره لدرجات التفاوت الخالصة من أي تعصب مذهبي خارجي عن تلك القدرة.
٢- التماس القدرة الشعرية من فقه درجة من التفاوت لا باعتبارها قدرة سابقة عن الفهم، لكن بوصفها طريقا سالكا إلى الفهم، وبذلك يتأتى لعامل المحادثة الهيمنة باعتباره مرجع المعرفة الشعرية المستهدفة في مجال المقارنة.
٣- من الردود المختزلة المسندة إلى المجيب يمكن التماس درجة من الفهم يمكن إدراك درجة تمكنه من شعر أبي تمام إذا تم التمييز داخل القدرة الشعرية بين خصائص السائل وخصائص المجيب.
يتضح مما سبق أن السائل يسعى بسؤاله إلى تحديد خصائص فهم يتضمن مكونات وصفات ومؤشرات معرفية وذوقية تفعلها خواص تمتلكها خصائص سامع مثالي يمكن تحديده والاستعانة به، ويمكن أن نعبر عن مثل هذه الخصائص ابتداء في درجة من المسلمات المعجمية على صورة ما ذكره ابن منظور لمادة فهم، قال: الفهم معرفتك الشيء بالقلب، فهمه فهما وفهما وفهامة علمه، وفهمت الشيء: عقلته وعرفته، وفهمت فلانا، وأفهمته، وتفهم الكلام: فهمه شيئا بعد شيء، وذكر الجرجاني أن الفهم: تصور المعنى في لفظ المخاطب.