فن الترسل : مما لا شك فيه أن أدب الترسل قديم عند العرب وله وقفات في تاريخها الأدبي فقد ألفت فيه كتب كثيرة وظهرت أسماء لامعة أصبحت علما عليه وقد ازدهر هذا الفن النثري الكتابي في القرنين الثالث والرابع الهجريين وقبل أن نسترسل فيما يخص هذا الفن يجدر بنا أن نطرح أسئلة من هذ القبيل ما معنى هذا الفن النثري وما هي أنواعه ومن هم أشهر كتابه وما خصائصه.
مفهومه اللغوي والاصطلاحي؟
إذا أردنا إعطاء تعريف لغوي للرسالة فإننا نقول رَاسَلَهُ مُرَاسَلَةً فهو مُرَاسِل وَرسِيْلٌ والتَرَسُّلُ كالرَّسْلِ في القراءة والتَّرْسِيْلُ واحد قال وهو التحقيق بلا عجلة وفي موضع ثان قال الترسل من الرسل في الأمور والمنطق كالتمهل والتوقر والتثبت وجمع الرسالة الرسائل قال ابن جني التَرَسُّلَ في الكلام التوقر والتفهم والترفق من غير أن يرفع صوته شديدا والإرسال التوجيه وقد أرسل إليه والاسم الرسالة والرسالة الرسول والرسيل الأخيرة عن ثعلب وأنشد لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بليلي ولا أرسلتهم برسيل والرسول بمعنى الرسالة يؤنث ويذكر فمن أنث جمعه أرسلا قال الشاعر قد أتتها أَرْسُلِيْ ويقال هي رسولك وتراسل القوم أَرْسَلَ بعضهم إلى بعض والرسول الرسالة والمرسل وأنشد الجوهري في الرسول.
الرسالة للأسعر الجعفي؟
ألا أبلغ أبا عمرو رسول بأني عن فتاحكم غني وفي التنزيل العزيز إِنَّا رَسُوْلُ رَبِّ العَالَمِيْنَ ولم يقل رسل لأن فعولا وفعيلا يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع مثل عدو وصديق والرسول اسم من أرسلت وكذلك الرسالة.
كما جاء في مختار الصحاح رَاسَلَهُ مُرَاسَلَةً فهو مُرَاسِلٌ ورَسِيْل وأرسله في رسالة فهو مرسل بفتح.
السين ورسول والجمع رسل بتسكين السين وضمها والرسول أيضا الرسالة.
أما الزمخشري فيكتب رَاسَلَة ُفي كذا وبينهما مكاتبات ومراسلات وتراسلوا وأرسلته برسالة وبرسول وأرسلت إليه أن افعل كذا وأرسل الله في الأمم رسولا.
ويعرف قدامة بن جعفر الترسل كما يلي الترسل من تراسلت أترسل ترسلا وأنا مترسل ولا يقال ذلك إلا لمن يكون فعله في الرسائل قد تكرر وراسل يراسل مراسلة فهو مراسل وذلك إذا كان هو ومن يراسله قد اشتركا في المراسلة وأصل الاشتقاق في ذلك أنه كلام يراسل به من بعد أو غاب فاشتق له اسم الترسل والرسالة من ذلك.
وهو أيضا عند عمر عروة من تَرَسَّلَ تَرَسُّلاً وهو كلام يراسل به من بعد أو غاب فاشتق له اسم.
الترسل والرسالة من ذلك والترسل مبني على مصالح الأمة وقوام الرعية لما يشتمل عليه من مكاتبات الملوك وسراة الناس في مهمات الدين وصلاح الحال وبيعات الخلفاء وعهودهم.
أما الرسالة فتعرّف على أنها كل ما يرسل أو هي الكلمة شفوية أو مكتوبة يبلغها الرسول أو يحملها.
إلى من ترسل إليه وهذه الكلمة تختلف طولا وقصرا على حسب موضوعها ويعرفها حسين علي محمد بقوله هي فن من فنون النثر القولية عرفها العرب منذ القدم وهي مثل فنون النثر الأخرى القصة المسرحية السيرة الذاتية لها خصائصها المميزة التي تجعلها فنا قائما بذاته ويرى آخر أن الرسالة هي ما يكتبه امرؤ إلى آخر معبرا فيه عن شؤون خاصة أو عامة وينطلق فيها الكاتب عادة على سجيته بلا تتصنع أو تأنق وقد يتوخى حينا البلاغة والغوص على المعاني الدقيقة فيرتفع بها إلى مستوى أدبي رفيع.
تطور فن الرسالة عبر العصور؟
حقيقة إن الرسائل فن أدبي قديم ازدهر وانتشر في القرنين الثالث والرابع الهجريين كما يمكننا القول إنه فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه البيانية المنمقة القوية فالكتابة لم تكن شائعة بين العرب في الجاهلية ولهذا السبب لم يكن للرسائل دور في حياتهم الأدبية في ذلك العصر وإنما ازدهر عندهم الشعر والخطابة والأمثال ولما جاء الإسلام تغير الحال فالرسول وهو الأمي الذي لا يكتب كان يشجع المسلمين على تعلم القراءة والكتابة وقد اتخذ كتابا يكتبون له القرآن الكريم ويكتبون له رسائله التي كان يبعث بها إلى رؤساء القبائل وزعماء المناطق وملوك الدول فلم يكن الشعر والخطابة قادرين على آداء الدور العملي الذي تؤديه الرسالة حين تنقل ما تصل بسياسة الدولة من مراسيم سياسية وتوجيهات أو تعليمات إدارية ومن هذا التاريخ نافس الكاتب الشاعر والخطيب وكانت رسائل صدر الإسلام في معظمها غالبا ما تبدأ بالبسملة ثم يأتي بعدها تعابير من قبيل من محمد رسول الله أو من خليفة رسول الله أو من أمير المؤمنين وقد تبدأ الرسالة باسم الرسول مباشرة مثل هذا كتاب من محمد رسول الله وإذا كانت الرسالة موجهة إلى.
مسلم فإن خير ما تستهل به سلام الله عليك أما إذا كانت موجهة لغير المسلم فإن ما تستهل به هو السلام على من اتبع الهدى وتأتي بعد السلام مباشرة التحميدات مثل فإني أحمد الله أو أحمد إليك الله الذي لا إله ألا هو وقد يرد فيها ذكر التشهد أيضا أو يكتفي بعبارة أما بعد.
وعندما آل الحكم إلى بني أمية أراد معاوية بن أبي سفيان تطوير شؤون الدولة فأنشأ ديوان الرسائل.
للعناية بمكاتباته ولم يكن البريد آنذاك مثل ما نعرفه الآن في نقل الرسائل وإنما كان مقصورا على نقل ما يهم الدولة ورجالها كما كان صاحب البريد بمثابة عين للخليفة يكتب إليه بكل ما يقع عليه بصره أو يصل إلى أذنه من أخبار وكانت الرسائل التي تصدر عن الخلفاء والأمراء في أول أمرها يسيرة سهلة لا تكلف فيها إنما كانت ممثلة للطبيعة البدوية العربية ولم تظهر الرسائل الفنية التي تأنق أهلها فيها واتخذوها موضوعا للعناية الفنية في هذا العصر إلا في آخر القرن الأول وآوائل القرن الثاني وربما كان عصر هشام بن عبد الملك هو العصر الذي عني فيه بهذه الرسائل العناية الفنية، وعندما قامت الدولة العباسية أخذ خلفاؤها هم الآخرون يولون كتابة الرسائل عناية فائقة ولعل من أبرز ما ميز هذا العصر هو كثرة الدواوين وتنوعها فدواوين للخراج ودواوين للنفقات ودواوين للجيش ودواوين للحرب ودواوين للرسائل ودواوين للخاتم ودواوين لشرقي الدولة ودواوين لغربيها ولكل ولاية ديوان وفوق هذه الدواوين ما يسمى بديوان الزمام الذي ينظر في ضبط كل ديوان على حدة وبجانب هذه الدواوين العامة في بغداد دواوين في الولايات للخراج والرسائل ودواوين أخرى لأولياء العهد وللأمراء والوزراء وكبار القواد ومن لو يتخذ من هؤلاء ديوانا كبيرا كان له كاتب يكتب عنه وينظر في تدبير أمواله ونفقاته وضياعه وحتى نساء الخلفاء كن يتخذن الكتاب وكذلك كان يتخذهم بعض القضاة والعلماء للكتابة عندهم.
ونظرا لأن وظيفة الكتابة في الدواوين كانت من الوظائف المهمة في الدولة فقد تطلع كثير من الكتاب إلى العمل فيها وكان الديوان مدرسة يتلقى الكتاب فيها عندما ينظمون إليها تدريبات كثيرة لكي يتقنوا الكتابة الديوانية إتقانا وكان كتاب الرسائل للخلفاء وعمالهم إما عربا أو موالي يجيدون العربية أما كتاب الخراج ونحوه فكانوا في كل إقليم من أهله يكتبون بلغتهم واما نبغ من العرب من يحسن عملهم حولت هذه الدواوين إلى العربية زمن عبد الملك بن مروان و الوليد وابنه وجرى خلفاء بني أمية في كتابة الرسائل على ما كان عليه الأمر زمن الخلفاء الراشدين ثم لما اتسعت رقعة المملكة واستقرت أمور الدولة وازدادت الأعمال وشغل الخلفاء عن أن يلوا الكتابة بأنفسهم أو بخاصة عشيرتهم عهدوا بها إلى كبار كتابهم وكان كثير منهم يعرف اللغة الرومية أو الفارسية أو اليونانية أو السريانية وهي أمم ذات حضارة وعلوم ونظام ورسوم ومن بين هؤلاء سالم مولى هشام بن عبد الملك أحد الواضعين لنظام الرسائل وأستاذ عبد الحميد الكاتب الذي آلت إليه الكتابة آخر الدولة الأموية.
أنواعه؟
أ- الترسل الديواني؟
تسمى الرسائل التي تصدر عن ديوان الرسائل بـ الرسائل الديوانية وهي الصادرة عن ديوان الخليفة والأمير يوجهها إلى ولاته وعماله وقادة جيوشه بل إلى أعدائه أحيانا منذرا متوعدا كما ينبئنا الشريف الرضي في وصف رسائل أبي إسحاق الصابي.
وصحائف فيها الأراقم كمن مرهوبة الإصدار والإيراد حمر على نظر العدو كأنم بدم يخط بهن لا بمدد وتتنوع هذه الرسائل فهي تشمل الرسائل التي تصدر مشتملة على تولية العهد وتولية القضاة والولاة وما يتصل بأمور الرعية كما أنها تشمل أيضا الرسائل التي تكتب عن الخليفة أو الملك أو الوزير إلى من هو مثله من أجل التهنئة أو البشارة أو المعاتبة أو التعزية وما أشبه ذلك.
ومن أنواع الرسائل الديوانية أيضا رسائل الجهاد التي يوجهها الخلفاء إلى قوادهم يكلفونهم فيها بالغزو ويزينون إليهم الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته واعتمدت هذه الرسائل على المعاني الدينية فكان الكاتب يضمنها الآيات التي تتحدث عن تكاليف الجهاد باعتباره فريضة شرعها الله لحماية دينه وإعلاء شأنه كما كانت تتحدث عما ينتظر المجاهدين من ثواب ونعيم في الدارين.
موضوعاته وخصائصه؟
تطرقت الرسائل الديوانية إلى موضوعات كثيرة ومتنوعة فقد كانت تتناول تصريف أعمال الدولة وما يتصل بها من تولية الولاة وأخذ البيعة للخلفاء وولاة العهود وأخبار الولايات وأحوالها في المطر والخصب والجدب وعهود الخلفاء لأبنائهم ووصاياهم ووصايا الوزراء والحكام في تدبير السياسة الحكم وأيضا أخذت تتناول بعض الأغراض التي كان يتناولها الشعر من تهنئات وتعزيات وشكر.
كما تضمنت أيضا ما يكتبه كتاب الدواوين في التهاني بما تحقق من فتوحات وظفر على أعداء المسلمين وكان استهلال رسائل التهنئة بالفتوحات سنة متبعة بين الكتاب حتى لتكاد تقترب في هذه السمة من الخطابة الدينية التي تجري على هذه الطريقة من استخدام التحميدات والإكثار منها وتضمنت الرسائل الديوانية أوامر الخليفة بتولية من يختارونهم من الولاة أو عزلهم وكانت هذه الرسائل أشبه بمنشورات يوجهها الكاتب باسم الخليفة إلى عماله في الأصقاع المختلفة ويتصل بالرسائل الديوانية ما كان يكتبه إلى الولاة بتوجيهات من خلفائهم يذكرونهم فيه بمسؤوليتهم في المحافظة على الأمن ومتابعة شؤون وأحوال الرعية والعمل على استقرار الأمور وقد عمل النقاد والأدباء على ضبط القواعد التي ينبغي للكتاب أن يسيروا عليها في كتابة رسائلهم تفننوا حينئذ طويلا في التحميدات التي تصدر بها الرسائل وتنسب للرشيد أنه أول من أمر أن تبتديء.
مكاتباته بعد البسملة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية ثانية أن يحي البرمكي وزيره أول من زاد في الرسائل واسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله وأنه أنشأ في ذلك كتابا ذكر فيه فضل الأنبياء عليهم السلام وقد بالغ بعض الكتاب في إطالة التحميد حتى بلغ به صفحة كاملة أو عدة صفحات مثال ذلك ما جاء في مستهل رسالة كتبها أحمد بن يوسف المتوفي سنة 613ھ بناء على طلب الخليفة المأمون بمناسبة توليه الخلافة وهذه الرسالة تسمى رسالة الخميس وكانت تقرأ في خراسان على شيعة بني العباس.
أشهر كتاب رسائل الدواوين؟
كان كتاب الرسائل كثيرون فقد صارت الكتابة صناعة يمارسها الكثيرون ومن أشهرهم نذكر.
عمارة بن حمزة كاتب السفاح و المنصور وقد ولاه سنة 156 للهجرة على كور دجلة والأهواز وفارس ثم ولاه المهدي خراج البصرة وكان المهدي يجله وكان جوادا غير أن فيه تيها شديدا حتى ضرب المثل بتيهه وهو أحد الكتاب البلغاء واشتهر بتدبيجه لأول رسالة من رسائل الخميس وهي رسالة كانت تكتب في عهد كل خليفة عباسي وكان موضوعها تأييد الخلافة العباسي.
يوسف بن صبيح وكان كاتب المنصور وكان يكتب في ديوان الكوفة لبني أمية ثم كتب لـ عبدالله ابن علي عم المنصور في مطلع الدولة العباسية وكان من الكتاب الذين اشتهروا بالبلاغة.
يحيى البرمكي الذي برز في عصر الرشيد وقد جمع جمعا رائعا بين بين ثقافة العرب والفرس وكان آية في البلاغة والإيجاز.
ومن الكتاب المفوهين محمد بن الليث وقيل عنه أنه كان بليغا مترسلا كاتبا فقيها متكلما بارعا وأروع ما أثر عنه رسالته التي كتبها للرشيد إلى قسطنطين السادس إمبراطور بيزنطة.
وأيضا عمر بن مسعدة وقد حضيت رسالته التي كتبها للمأمون بتقدير المأمون والأدباء والنقاد كما أثنوا على بلاغتها وسرعان ما يخلف المأمون الأمين وفي عصره تبلغ الكتابة الديوانية الذروة المنشودة فقد تكاثر الكتاب البارعون وتكاثرت آثارهم واتضحت فيها نزعة قوية إلى العناية بالجمال الفني والتدقيق في المعاني أشد التدقيق وأول ما نلقاه من هؤلاء الكتاب الفضل بن سهيل وأخوه الحسن وزير المأمون و عبد الحميد بن يحي الكاتب الذي يعد شيخ الكتاب الآوائل وهو الأستاذ الأول لأهل صناعة كتابة الرسائل ذلك أنه أول من مهد سبيلها وميز فصولها وأطال في بعض الشؤون وقصرها في بعضها الآخر وأطال التحميدات في صدرها وجعل لها صورا خاصة ببدئها وختمها على حسب الأغراض التي تكتب فيها وسنختار هذه الرسالة لـ عبد الحميد الكاتب التي يتحدث فيها إلى الكتاب والتي عدت من بعض النواحي كدستور لهم أو كمنشور وفيها يقول أما بعد حفظكم الله يا أهل هذه الصنعة ووفقكم وأرشدكم فإن الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين سوقازوصرفهم في صنوف الصناعات التي سبب منها معاشهم فجعلكم معشر الكتاب في أشرفها صناعة أهل الأدب والمروءة والروية وذوي الأخطار والهمم وسعة الذوق في الأفضال والصلة بكم ينتظم الملك ويستقيم للملوك أمورهم وبتدبيركم وسياستكم يصلح الله سلطانهم ويجمع فيهم وتعمر بلادهم يحتاج إليكم الملك في عظيم ملكه والوالي في القدر السني من ولايته ولا يستغني عنكم منهم أحد ولا يوجد كاف إلا منكم فتنافسوا معشر الكتاب في صنوف العلم والأدب وتفقهوا في الدين وابدءوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم وأجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها فإن ذلك معين لكم على ما تسمون إليه بهممكم والكاتب بفضل رأيه وشرف صناعته ولطيف حيلته ومعاملته لمن يحاوره ويناظره ويفهم عنه ويخاف سطوته.