التعريف والتنكير هما أدق المصطلحات التي ترتبط في الأجناس الأدبية سواءاً كان نثراً أو شعراً، لذلك تجد النقاد منذ القدم إلى وقتنا الحالي تهتم بهما، وتحاول أن توضح دلالة كل منهما ولكن هذه الدلالة لا يمكن حصرها؛ لأن النصوص تختلف من وقت لآخر، حتى أنهم جعلوا لكل مصطلح منهما عدة أبواب وعدة فروع، ولكن إذا نظرنا إلى مصطلح التعريف وجدناه أكثر شمولاً وأكثر دقة، فالعلماء حاولوا حصر التعريف بالمعرف بال والمضاف والضمائر والأعلام، أما النكرة هي إذا استثنينا المعرفات من السياق فالجزء الباقي من الجملة هو نكرة، ووضع النقاد لكل منهما ضوابط يتميز فيها كل منهما عن الآخر حتى لا يتم الخلط بينهما إلا أن المبدعين يقومون بالمزج بينهما حتى إنهم يجمعون أن المعرفة والنكرة في كلمة واحدة، إن التعريف والتنكير مرتبط بشكل أساسي بالسياق أو بنية التركيب التي تتكون منها الجملة، فالمعرف والمنكر خارج السياق تختلف دلالته في حال كان داخل السياق فالكلمة المفردة لا تعطي الدلالة الواضحة لذلك ربطت البنيوية التعريف والتنكير ضمن السياق لأن مدلولهما ضمن السياق أكثر أهمية من خارج السياق.
التعريف والتنكير هما؟
التعريف هو القدرة في معرفة الشيء، والوصول إلى المعلومة بحنكة وذكاء؛ لأن المبدع أعطى إشارة للمتلقي حتى يعود إلى هذا المعرف، فالمعرفة تصل بالإنسان إلى القدرة على التمييز، والقدرة في الوصول إلى الحقائق فإذا ميزت من القاتل فأنت امتلكت المعرفة إذا لا أصبحت تملك صفة الإنكار والجهل، فالمعرفة تحمل من معناها التحديد والإنكار يحمل عدم القدرة على التحديد وعدم القدرة على التمييز، فالمعرفة تعطي الدلائل كي تصل للمدلول. كما يقول الناقد: ما وضع ليدل على شيء بعينه، وهي المضمرات، والأعلام والمبهمات، وما عرف باللام والمضاف إلى أحدهما.
أما النكرة هو عدم وجود القرينة التي ترشد المتلقي إلى فهم المقصود أو المحتوى، بالتالي يتعدد المدلول وعلى المتلقي اختيار المدلول الأصوب بناء على معطيات الموضوع أو النص الفني التي يضعها المبدع في نصه. أما الألف واللام فنحو: الرجل والفرس والبعير وما أشبه ذلك وإنما صار معرفة؛ لأنك أردت بالألف واللام الشيء بعينه دون سائر أمته، لأنك إذا قلت: مررت برجل، فإنك إنما زعمت أنك مررت بواحد ممن يقع عليه هذا الاسم، لا تريد رجلاً بعينه يعرفه المخاطب.
أما الجانب الدلالي لكل منهما يقوم التعريف كغيره من أعضاء الجملة وترتبط الدلالة في تحديد معالم التجربة الفنية والأدبية، وله دور عظيم في القدرة على تحريك المتلقي ونقله إلى المكان الذي يريده المبدع بالإضافة إلى التحديد الذي يشتهر به التعريف فله قدرة على تحديد شيء معين دون غيره بالإضافة للتعريف قدرة على تغيير الإيقاع الشعري أي في ارتفاع وانخفاض بين درجاته الموسيقية، وجعل النص فيه مرونة وحيوية خصوصاً إذا تنوع النص بين التعريف والتنكير.
كما يقول الناقد عواد الحياوي: للتعريف جانب صوتي مادي، حيث لا تنون الكلمة، وهذا يؤثر في الإيقاع تأثيراً معاكساً لتأثير التنكير، وتناوب التعريف والتنكير في النص يولدا الإيقاع المتسم بالحيوية والتجديد.
أما الجانب الدلالي للنكرة هو أن للذكرة خواص لا يمكن أن يقوم بها المعرف فالنكرة دائماً تتصل بالنص ولهذا النص يزاد إثارة ويزداد فيه الدلائل والمدلول، بالإضافة له كما قلت سابقاً فيه إيقاع صوتي يتناغم مع الكلمات الأخرى ويثير الدهشة من تجليات هذا الإيقاع.
بنية التعريف والتنكير في بردة تميم؟
ركز الشاعر على بناء التعريف في القصيدة أكثر من بناء التنكير، لأن التعريف مرتبط بموضوع القصيدة (المعرف)، فلو افترضنا أن الشاعر بنى القصيدة على ثنائية التعريف والتنكير وهذا صحيح إلا أن الثنائية في هذا البناء تقود إلى إثبات المعرف وإن كان بصيغة التنكير، ويتضح هذا الأمر من خلال الأمثلة الواردة في القصيدة.
ينطلق هنا بين ثنائية التعريف والتنكير فبدأ بالمعرف المرء والأمال أي الإنسان سواء كان الشاعر أو غيره يعيش في حالة من الأمل على أن ينتصر على يأسه ثم في البيت التالي يرتفع الإيقاع في بنية التنكير في كلمة (يأس وأمل) حيث كل منهما في موضعه يريد الانقضاض على الآخر، ولكن هذا الشاعر خلف بينهما وجعلهما في حالة تقارب واعتناق على الرغم من أنهما متناقضان وهما في الأصل لا يجتمعان إن الشاعر جعل كلا من الفعلين المنكرين في حالة حب (اعتنقا) وحالة خصام (يجتلدا)، إلا أن هذا التقارب يحير العقل فيخلق ثنائية غريبة ويتنقل الشاعر المشهد واقعي وهو اعتناق بين أثنين ينتمي كل منهما لرأي معين ولكن الواقع يجبرهما الاعتناق أمام أنظار المجتمع لذلك جاءت الالفاظ الذكرة في البيت السابق أكثر توترا وأكثر انفعالاً، فمنذ أن بنى تعلق المرء بالأمال تكذبه معرفا إلى أن وصل إلى بناء ما اعتنقا إلا ليجتلدا) تشكلت الثنائية على أكتاف (باس، أمل خصمان) المنكرة فاتضحت معالم ثنائية التعريف والتنكير.
ويقول في موضع آخر من القصيدة؟
تتجلى ثنائية التعريف والتنكير في البيتين فبدأ بالإيقاع السريع في المعرف أي في قلبه حيث الضمير عزف الاسم حيث الضمير الغائب يخص رسول الله عليه الصلاة والسلام ثم تزداد الحركة أكثر سرعة وإيقاعا في كلمة صبراً وجلداً أي إن الرسول مدرسة في تعليم الصبر والتغلب على الخوف والقلق لأصحابه كأنه يشعر أنه سيأتي زمن لا يطيق أصحابه الصبر والتحمل لذلك كان يحاول سيد الخلق تعليم أنواع الصبر، لأنه يعلم أنه لن يدوم بجسده في هذه الدنيا لهم إن تلك الصفات استمدها سيد الخلق من رب العزة ثم يبدأ الإيقاع بالانخفاض بعد التعريف في العجز بجميع كلماته (تَلْقِينُهُ المُؤْمِنِينَ الصَّبْرَ والجلدا) حيث كانت الكلمات أقل توترا بعد إيصال كل أنواع الصبر والجلدا للصحابة ولمن يأتي بعدهم ثم يزداد التوتر في البيت التالي في الاسم المنكر قلق حيث كان يحمل بقلبه أو ضلعية كل أنواع القلق والهموم والفلق هنا على أمة كاملة ويبدأ القلق يقل بعد استخدام المعرف على الصبي فهو يثق بالله أي يثق بأن الله سينجي الصبي من أيدي الكافرين.
يبدأ الانفعال في الاسم الذكرة فتى وهنا صورة فيها تناص مع قول الشاعر عبد الرحيم محمود في قصيدة الشهيد التي مطلعها: سأحمل روحي على راحتي، وألقي بها في مهاوي الردى حيث الاسم الذكرة يعود إلى صحابة رسول الله الذين يستعدون لتذوق طعم الهلاك دفاعا عنه لذا تزداد دفقات القلب والخوف عند رسول الله على الفتى الذي يرقد في مكانه لذلك كانت هناك حركات سريعة في الرؤية والإبصار لأن رسول الله يتابع بنظره الفتى الذي يرقد مكانه من بعيد حتى بدأت تختفى معالم بيته وكذلك اختفاء سيوف المشركين أمام عينيه.
بدأ الشاعر بالحركة البطيئة التي يتملكها الرجف والخوف أثناء الدخول إلى مكة ثم اتبع الصدر بالاسم الفكرة الذي اكتسب تعريفه بالتنوين (أحد)، أي لا لم يشعر بها سوى الله دون أحد من المسلمين إلى أن انتهت هذه الحركة بالسجود لرب الكون وشكره على هذا النصر.
تتقلب الأبيات التالية بين التعريف والتنكير فبدأ البيت بالمعرف النبي وهو الغني عن التعريف الذي ورد مع الأبيات ثم ذكر بعد التعريف التنكير في عدة كلمات منها بيتاً وفتى ورضيع وعرس وحرب، كل هذه الأمور جاءت نكرة، لأن الشاعر لم يقصد التحديد إنما التعظيم والمعجزة الربانية فالبيت هو المسجد والمسجد يضم كل فتى فهذه هي الأمور التي شدد عليها في بناء الإسلام فهو لم يهتم فقط بالفتى وإنما أيضا الرضيع كان له عناية خاصة فوضع على الرضيع بردا ولفه بها حتى يحميه من البرد ثم كل عرس كان شاهداً عليه فنحن نتزوج على سنة الله ورسوله فيعد هو بمقام الأب للمعرف أي العروس حتى الحرب علم الرسول الصحابة بعض الأمور فكان يستأنس بالجند ويعرف من الروح المعنوية قبل أن ينظر إلى عددهم كل تلك الأمور هي هداية ربانية لرسوله، تم بناؤها على ثنائية التوأمة بين المعرفة والنكرة وهكذا.
استخدم الشاعر الاسم المنكر وهي كلمة حرب وكان الحديث عن الحرب التي كان يخوضها الفتى في زمن رسول الله وعند الحديث عن الحرب يزداد التوتر والإيقاع الحربي فالحرب لا يوجد فيها الهدوء وإنما يوجد فيها تقلبات كثيرة حتى تشعر أن الفتى الصغير كأنه قائد كبير في ساحة المعركة وهنا الشيب ليس حقيقة إنما الشاعر استعاره للفتى وكل تلك الظروف والأحوال زرعها سيد الخلق بكل فتي لم ينبت شعر لحيته حتى يتعلم الصمود والجهاد في سبيل الله فالتنكير مازال كلما ذكر في القصيدة ازداد معه التوتر وازداد الإيقاع الموسيقي للقصيدة، أما تنكيره للحرب على تقدير هي حرب أو هذه حرب فجاه متوازن مع تعريفه (الفتى) وكأن الأدوار انقلبت فكان يمكن أن يعرف الحرب ويذكر الفتى ولكن البناء على هذه الصيغة جاء أقوى وأبلغ.
ربط الشاعر في هذا البيت النكرة بالمعرف والإضافة في كلمة تقلي وهنا الشاعر يصل بالتعريف إلى حاله أو حال الأمة المنهكة حيث يقول لو له كاهل في أعلى كتفه لحمل تعب هذه الأمة لكن هيهات ويشير إلى المعرف الظهر أن لم يعد يستطيع تحمل تلك الهموم من فقدان للبلاد ومن فقدان للأرواح وهو يعرف لو أن رسول الله موجود لحمل هذا التعب عن هذه الأمة ففي قوله (لو كان يتطلب التنكير (كند)؛ لأنه حرف امتناع ولكن الفقد بالضرورة يتطلب التعريف (الكند)؛ لأن الإنسان يعرف ما يفقد.
النكرة تقارب المعرفة بالنداء والتنوين في كلمة ويا يداً حيث يصل بالخطاب المنكر لكل الأيدي التي تلتف حول المعرف وهو المسلمين منذ الماضي حتى الحاضر ويتعوذ بالله من هذه الأمم التي تتابع على هذه الأمة الإسلامية.
استخدم الشاعر هنا التنكير والتعريف والتكرار فبدأ بالإيقاع الذي يدخله الحنين الشديد فبدأ بالنكرة في كلمة معذرة أنه لم يجد عذراً في اتباع المعرف أي من سبقه من الشعراء الذين مدحوا سيد الخلق سوى المعرف التحنان أي الحنين الشديد ثم يكرر التنكير في تقديم وهو المعرف الاختلاف أي أنه أراد أن يثبت هذا الحنين من جديد، وعند العودة إلى البداية نجد أن الشاعر أقام بناء القصيدة في جملتها على ثنائيات التعريف والتنكير.
استخدم الشاعر في الأبيات السابقة بعض الضمائر والأسماء المعرفة فاستخدم التعريف من خلال الضمير هم والضمير يعبر عن الجماعة ويعبر عن الغائب فقد استخدم ضمير الجماعة والمقصود المفرد وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام الأنه يعبر عن الجماعة أما الأسماء المعرفة الروح والجسد فتدل على حب الرسول فقد قدم للرسول جسده وروحه كذلك الضمير المعرف في إني حيث الضمير يعبر عن ذات الشاعر وبدأ الخطاب في الحديث عن رسول الله ثم تكرر المعرف الضمير هم في البيت نفسه في كلمة أعرفهم وكلمة رؤيتهم فقد قدم المعرفة والضمير على الرؤية وكان المعرفة دلت على رسول الله دون الحاجة لرؤيته والضمير الجماعة يدل على المفرد كما جاء في البيت السابق والمقصود رسول الله ثم استخدم الاسم المعرف الماء الذي يدل على حب الناس له على الرغم من أن العطشان يتمنى أن يشرب الماء دون الحاجة لرؤية الماء ثم استخدم المعرف الضمير الهاء الذي يدل على الماء ومعرفة الظامي له من دون رؤيته استخدم الاسم المعرف الله وهو غني عن التعريف وهو إله الكون الذي زرع محبة الناس الرسول الله ثم الاسم المعرف الأحباب وهم من الرسول وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ثم الضمير المعرف هم الذي تكرر في الأبيات ويدل على شخص واحد وهو رسول الله ويدل على اشتياق الرسول الأحبابه وهم من جاء بعده وفاته.
استخدم الشاعر الاسم المعرف وهو المؤمنين والضمير الهاء في به العائدة على رسول الله حيث جاء الضمير الغائب الهاء في الكلمات السابقة يختص برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كلها صفات تعلمها الصحابة رضوان الله عليهم من رسول الله وهي قدرات التحمل والصبر وأيضاً تحمل العذاب فدا الرسول الله ولهذا الدين وفي كلمة سبوه أي أن يسب الصحابة رسول الله إلا أنهم أثبتوا أنهم في أعلى درجة من الإيمان بالله سبحانه وتعالى وكذلك واحد أحد.
بدأ الشاعر بكلمة كل وكلمة حرب المذكرتين اللتين اكتسبنا تعريفا بالإضافة حيث أراد الشاعر عدم تحديد أي حرب خاضها رسول الله فالرسول بكل حرب يجهز الجند والعتاد ثم الضمير المعرف الهاء الذي يلحق كلمة أتاها يعود إلى رسول الله حيث تأتي الحرب مقدماً مستأنساً بها لا يخاف منها بل الحرب تخاف منه ثم كلمة الجند المعرفة وكلمة الصف والعدد المعرفتان وهنا يدل التعريف على أن رسول الله كان يستعرض الجنود بأسمائهم دون أن يقدم على الحرب إلا إذا تأكد من حضور الجنود جميعا ثم يرتب الصف وينظر إلى العدد.
استخدم الشاعر الفعل الماضي رعت من الفعل رعى المتصل بتاء التأنيث المعرفة الذي يعود على رسول الله وفعل والضمير هنا يدل على أنه قائد لكل مخلوق في الأرض والفعل رعت يحمل دلالة الماضي والحاضر والمستقبل حيث إنه سيبقى قائد لهذه الأمة سواء في الوقت الحالي أو في المستقبل ثم كلمة جن وأنس المنكرتين وهنا تدل النكرة على عدم التحديد لهوية الجن والإنس، لأنه يريد كل مخلوق على وجه الأرض ثم استخدم الكلمة المعرفة الدم والكلمة المعرفة العقدا فجاء التعريف هنا لفئة محددة.
استخدم الشاعر الفعل الماضي قسمونا والضمير نا المعرف وهنا يعود على جماعة المتكلم والفعل، يحمل بدلالته الانقسام والتفكك فالفعل الماضي يحمل دلالة الانتهاء من التقسيم ثم الكلمة المذكرة شقي والكلمة المعرفة التمر يدل كلاهما على قدرة هؤلاء على الدخول بأي شيء مهما كان صغيراً وفصله لجزئين.
استخدم الشاعر الفعل الماضي مال أي أنكأ النخيل المعرف على الزيتون المعرف وكأن النخيل سند ظهره على الزيتون ثم استخدم الكلمة المعرفة السرد وهي تعود على الحكاية التي يحفظها الزيتون منذ سنين ثم الكلمة المذكرة سردا أي إذا لم يتذكر جزء من الحكاية يكملها عنه.
استخدم الشاعر النداء المعرف الذي يحمل الاستفسار ويطلب إجابة فورية هل أطاع الصبي المعرف عاشقه وهنا تعبير عن الحال أي كان هذه الفئة المطيعة محدودة ثم استخدم كلمة اللوم المعرفة وكلمة اللددا وهنا يدل التعريف على كثرة الخصومة والإلحاح بالعداوة ثم استخدم القدامى المعرفة التي تدل على الشعراء الذين تغزلوا بالظبي ثم الكلمة المذكرة عيون وتتبعها كلمة الظبي وهو نوع من الحيوانات يشتهر بجمال العين ويدل التعريف على أن الظبي ما زال يفعل بهم ما تعودتم عليه وهو أخذ عقول البشر من جمالها.