التراكيب في اللغة العربية تتكون من جمل اسمية وفعلية ومتمماتها وهذه الجمل تقوم على المسند والمسند إليه التي يتكون منها المثبت وتتكون منها الجمل المنفية ويكون الإثبات موجوداً بشكل عام في أغلب القصائد سواء هذه جملة فعلية أو اسمية والجمل المنفية التي تتواجد داخل القصائد وتنفي صيغتها من خلال دخول أدوات النفي على الجملة وفي هذا القسم سيكون التركيز على الجانب المثبت والمنفي في بردة تميم.
لقد بدأ المنهج البنيوي يتغلغل كثيراً في الجمل حتى أصبح ينظر بين زوايا أبيات الشعر ويدخل باعماق النص حتى أصبحت البنيوية تربط الجملة أولها بأخرها لذلك أصبح الحرف والكلمة تقاس بنفس الميزان ولكل منهما دلالة ضمن السياق أن النفي والإثبات ضربان من أضرب الأسلوب الخبر ويتنوع الكلام بينهما ولكن لكل منهما دلالته وأبعاده وآثاره في الخطاب عموماً والشعر على وجه الخصوص والتعامل الخبري في الإثبات والنفي يتصل بالشعرية اتصالاً حميماً يتيح للمحلل أن يصلهما بالشاعرية على معنى أن الكشف التحليلي لبنية الخبر الثنائية تسمح برصد جوانب اتصال الإبداع الشعرية بذات معينة ينغلق عليها دون أن يتجاوزها إلى سواها بل لأن الانغلاق هنا يصل إلى درجة المواضعة إن المواضعة ترتبط بالبنى وكيفية اختيارها من ناحية ثم كيفية توظيفها داخل السياق من ناحية أخرى وعلى هذا يكون للمعنى عموماً والشعر خصوصاً اختصاص بمبدع دون آخر.
كل أسلوب في هذا المنهج يدرس بهدف الوصول لأبعد نقطة في النص والوصول للبنية العميقة ولكل من هذه الثنائية دلالة تختلف من نص لآخر ومن جملة الجملة ثانية فالإثبات له طريقه الخاص به وكذلك النفي والفارق بينهما أن النفي يحتاج أدوات حتى يظهر في الجملة وهما قيمتان خلاقيتان تظهران المفارقة بين حالتين متقابلتين. الإثبات والنفي يسير كل منهما في طريق مستقيم استحالة أن يتقاطعان فكل منهما له طريقه الخاصة التي ينتهجها.
إن أراء النقاد في البنيويين تتساوق مع معنى الإثبات والنفي لغة واصطلاحا.
الإثبات لغة والإثبات: الثاء والباء والتاء كلمة واحدة تعني دوام الشيء.
هنا المعنى يدل على البقاء والمداومة على شيء ما مثل الثبات في العمل أي المواصلة في العمل ومنها ثبت على الصلاة أي ما زال يصلي ولا يترك الصلاة.
ثبت: ثبت الشيء ثباتاً وثبوتاً وأثبته غيره وثبته بمعنى ويقال: أثبتة السقم إذا لم يفارقه. وقوله تعالى: ليثبتوك أي يجرحوك جراحة لا تقوم معها. وتثبت الرجل في الأمر، واستثبت بمعنى، ورجل ثبت أي ثابت القلب. قال الشاعر : ثبت إذا ما صبح بالقوم وقز ويقال أيضاً: فلان ثبت الغدر إذا كان لا يزل لسانه عند الخصومات ورجل له ثبت عند الحملة بالتحريك أي ثبات وتقول أيضاً: لا أحكم بكذا إلا يثبت أي بحجة.
يدل المعنى اللغوي على سكون الشيء وأثبته السقم أي لم يذهب عنه المرض وسكن بداخله ومنها ثبت الرجل في الأمر أي لم يغير رأيه وثبت عليه ومنها رجل ثبت أي قلبه يثبت على شيء ما ومنها من لا يغير موقفه كان فيه خصلة لا تتغير ومنها ما جاء بمعنى الحجة أي الدليل.
وفي اللسان ثبت: تثبت الشيء يثبت ثباتاً وثبوتاً فهو ثابت وثبيت وثبت وأثبته هو وثبته بمعنى وشيء ثبت ثابت ويقال للجراد إذا رز أذنابه ليبيض ثبت وأثبت وثبت ويقال ثبت فلان في المكان يثبت ثبوتاً فهو ثابت إذا أقام به وأثبته السقم إذا لم يفارقة وثبته عن الأمر كتبطه وفرس ثبت تقف في عدوه ورجل ثبت الغدر إذا كان ثابتاً في قتال أو كلام.
هذا المعنى يدل على التثبيت وعدم الحركة والسكون وثبت فلان أي لا يتحرك وبقي في مكانه أيضاً ثبات السقم أي لم يشف من مرضه.
أما النفي في اللغة: نفي نفى الشيء ينفي نفياً تنحى ونفيته أنا نفيا قال الأزهري: ومن هذا يقال نفى شعر فلان ينفي إذا ثار واشعان.
يدل المعنى اللغوي على نفي صيغة ما ومنها نفي شعر فلان أي رفضه بحجة ما أو رفض نسبه إلى ذلك الشاعر.
والنقي خلاف الإيجاب والإثبات و أدوات النقي النقي في النحو، وردت كلمة النفي في مادة نفى يقال: نفاه، وينفيه، أي: نحاه.
هنا جاء بمعنى إخراج الشيء من مكان إلى آخر أو رفض الشيء.
كلمات تدل على أن الخبر غير واقع مثل: لا ما لم إن ليس غير هو عكس الإثبات وبدل أيضاً على دخول أدوات النفي على الجملة المثبتة ثم تنفيها أو كلمات تنفي الجملة وتجعل الأمر غير واقع.
والإثبات في الاصطلاح عرفه الجرجاني بأنه الحكم بثبوت شيء آخر، أي ابتعاد صيغ النفي أو حروف النفي عن الجملة حتى تكتمل شروط الثبات أو ألا يكون النفي في الجملة أو التركيب جاء بشكل ضمني أي غير ظاهر إنما يفهم من خلال السياق.
وهناك تعريف آخر للإثبات أخذه الناقد من الجرجاني يقول: ضد النفي وهو حالة تلحق الجمل والمعاني التامة وكل ما يلحقه يسمى مثبتاً أي غير منفي.
يدل المعنى الاصطلاحي على الجمل التي لا يوجد فيها صيغ النفي أي أن لا يأتي النفي على الجملة بأي صيغة من صيغ النفي أو إن كان النفي ليس لفظاً إنما بصورة مجازية وإذا وجد أحد الشروط السابقة لا يعد إثباتا وإنما نفي وأن يكون السياق التركيبي صحيحا داخل الجملة الفعلية أو الاسمية حتى بعد ذلك إثباتا.
أما النفي اصطلاحاً فهو ما لا ينجزم بلا وهو عبارة عن الإخبار عن ترك الفعل.
أي أن النفي غير النهي لأن النهي أن تطلب من شخص عدم فعل ذلك الأمر أما النفي أي تنفي عملا ما مثل لا أسرق.
وأيضاً : هو إخراج حكم المثبت إلى نقيضه أو هو إخبار بالسلب كما أنه أسلوب يستهدف نقض المقولات اللغوية والأحداث وإنكارها بصيغ وأدوات معروفة في العربية تخضع المتطلبات المقام وأغراض المتكلمين.
هو إخراج صيغة جديدة من جملة مثبتة تكون مختلفة عنها مثل أن ترفضها فإذا كانت الجملة إيجاباً تتحول الجملة بالنفي إلى السلب ويكون في العادة هناك مسوغات لهذا النفي مثل دخول بعض الحروف أو الكلمات على الجملة المثبتة فتتحول الجملة إلى النفي أو وجود شيء ضمني في الجملة يحولها من الإثبات إلى النفي.
كان للنقاد بعض الآراء التي تختص بالإثبات والجمل المثبتة فكان لهم دور في توضيح معنى الإثبات يقول الجرجاني : العلم بالإثبات والنفي وسائر معاني الكلام في غرائز النفوس ولم توضح أمثلة الأفعال التعلم هذه المعاني في أنفسها بل لتعلم واقعة من المتكلم وكائنة في نفسه فواضع اللغة لما قال: (ضرب) كأنه قال إنه موضوع للضرب حتى إذا أراد إثبات (الضرب) لشيء ضممته إلى اسم ذلك الشيء فعلم بذلك أن إثبات الضرب له واقعاً منك وكائناً نفسك محصول قولنا في ضرب إنه خبر وأنه موضوع ليعرف به.
يقول الجرجاني إن النفس هي من تتحكم فيما إذا أرادت إثبات أي كلمة أو نفيها لغاية معينة والغالب أنها تكون موجودة في نفس المتكلم والجزء الثاني أنها متعلقة بأمر إلهي فهو من يقرر إذا أراد إثبات شيء أو نفيه فأنت حين تختار الفعل يكون هدفك إثبات الفعل سواء حصل ذلك الفعل أم لم يحصل.
وجاء في المعجم المفصل أن الإثبات هو الحكم بوجود أمر وضده النفي فجملة الصدق نافع كلام مثبت وجملة لا ينفع الكتب كلام منفي.
يعرفون أن الإثبات شبيه بالأمر لأن فيه نوعاً من الحكم وإصدار قرار وفيه توكيد للكلام وضده النفي أي نفي الكلام ورفضه.
يقول ابن يعيش: الكلام هو المركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى وذلك لا يتأتى إلا في قولك زيد أخوك وبشر صاحبك أو في فعل واسم نحو قولك ضرب زيد وانطلق بكر ويسمى الجملة.
إن الإثبات والتوكيد ينشأ من الجلمة من خلال إسناد الكلام بعضه إلى بعض فإذا لم يكن هناك جملة من مسند ومسند إليه لا يوجد إثبات.
وعليه، يرتبط الإثبات بالسياق لأن الكلمات المفردة تكون غير واضحة المعالم إن لم تكن داخل التركيب فالإثبات أشبه أن يكون توثيقا للكلام وهو يحتوي توكيد المعنوي بداخله ووجود الإثبات له دلاله بلاغية يؤكدها الشاعر من خلال التراكيب المثبتة.
يقول ابن جني: اعلم أن كل فعل أو اسم مأخوذ من الفعل أو فيه معنى الفعل فإن وضع ذلك في كلامهم على إثبات معناه لا سلبهم إياه وذلك قولك قام فهذا لإثبات القيام وجلس لإثبات الجلوس وينطلق الإثبات الانطلاق والانطلاق ومنطلق جميع ذلك وما كان مثله إنما هو لإثبات هذه المعاني لا لنفيها ألا ترى أنك إذا أردت نفي شيء منها ألحقته حرف النفي فقلت ما فعل، ولم يفعل، ولن يفعل، ولا يفعل، ونحو ذلك.
يتحدث ابن جني أن الفعل جاء لقيام معنى الفعل أو لقيام المعنى المثبت بالجملة أي لا يتم فيها الرفض أو السلب ولكن إذا أردت مخافة الأمر الواقع أدخلت عليه أداة من أدوات النفي أو أدخلت جانبا معنويا وليس لفظيا ينفى الشيء ويغير معناه.
ذكر المخزومي أن النفي: أسلوب لغوي تحدده مناسبات القول وهو أسلوب نقض وإنكار يستخدم لدفع ما يتردد في ذهن المخاطب فينبغي إرسال النفي مطابقاً لما يلاحظه المتكلم من أحاسيس ساورت ذهن المخاطب خطأ مما اقتضاه أن يسعى لإزالة ذلك بأسلوب النفي وبإحدى طرائقه المتنوعة الاستعمال.
هذا يشير إلى أن السياق اللغوي هو من يحدد إذا كانت الجملة منفية أو مثبتة وهو شيء يحاول الإنسان فعله لنفي شيء غير مرغوب فيه فيستخدم بعض أساليب النفي.
يرى محمد حماسة أن النفي ليس أساسياً في بناء الجملة بل هو من العوارض المهمة التي تعرض لبناء الجملة فتقيد عدم ثبوت نسبة المسند للمسند إليه في الجملة الفعلية والاسمية على السواء فالنفي يتجه في حقيقته إلى المسند وأما المسند إليه فلا ينفى ولذلك يمكن في الجملة الاسمية أن يتصدر النفي الجملة فيدخل على المبتدأ والخبر معا.
يوضح الناقد أن النفي لم يكن موجودا في الأصل إنما يدخله الإنسان إلى الجملة المثبتة لسبب من الأسباب مثل إنكار غرض ما ويتبع النفي المسند وليس المسند إليه في الجملة الفعلية وبعض الجمل الاسمية لأنه أحيانا يتقدم الخبر على المبتدأ فيلحق النفي الخبر أو عند حذف المبتدأ فيلحق النفي الخبر.
ارتكزت بردة تميم البرغوثي على ثنائية الإثبات والنفي من خلال تركيز الإثبات بوصفه يقوم على حقائق ثابتة مستمدة من العقيدة الإسلامية فهو يقف عند تلك الحقائق ليثبتها وينفي عكسها.
استخدم الشاعر الإثبات في الفكرة السابقة مثل رب كفر دعا قوماً ورب إيمان قوم للضلال فهنا الشاعر في هذا البيت النفي الضمني حيث يظهرون الإيمان ويدعون إلى الكفر فهم ينفون الإسلام من نفوسهم حتى ينقض هذا الدين وفي البيت الثاني يستخدم أسلوب الإثبات في أمم تهوى أبا لهب أي ما زالت تثبت هذا الحب بداخلها ليس للشخص أبي لهب وإنما تعشق أفعال أهل قريش أو أهل الكفر ولم تتنازل عنها لأنها مثبتة في قلوبهم ويؤكد هذا الإثبات باستخدام جملة النفي ما خلعت من جيدها المسدا وهنا أخذ التناص من القرآن في آية وفي جيدها حبل من مسد أي يثبت من خلال النفي العكس أي أن حبل الكفر ما زال متواصلا في نفوسهم ولن يخلع إلى يوم الساعة وفي البيت الثالث يؤكد ترسيخ الكفر الذين ما زالوا يطبعون الظلم ولن يتنازلوا عن هذه الطاعة ثم يستخدم الإثبات هنا من حرف الجر والضمير هم ويتبعهما الفعل الماضي ظلموا والضمير الواو في محل رفع فاعل فالجملة هنا تثبت اتفاق الحكام وتعاونهم مع الظلم في ظلم هذه الشعوب.
يحاول الشاعر في هذا البيت إثبات دور جبريل في مساندة رسول الله في كل مكان كان يذهب إليه سيد الخلق.
استخدم الشاعر الجملة المثبتة من الفعل الماضي الناقص كان واسمها جبريل وخبرها مرأة فهنا المعنى يضع جبريل الحامي الشخصي لرسول الله في كل بقاع الأرض أي هو من فتح قلب الرسول للحق وفي جملة في الليل نوراً أي يثبت أن جبريل هو الذي يضيء النور الذي يرافق سيد الخلق فيصبح هذا الليل كأنه نهار وفي جملة: (وفي المستضعف الأيدا) (القوة) أي يؤكد أن جبريل بعد الرسول وقت الضعف اليد ويرفع قوته ويدعمه في الشدائد.
يقر الشاعر في البيت التالي أن لولا وجود رسول الله لما أصبح لهذا الكون ووجود.
اعتمد الشاعر هنا على أسلوب النفي الإثبات الفكرة السابقة الواردة في الأبيات في عدة جمل مثل: ما طلعت شمس وجملة: (ولا غربت) وجملة: (ولا قضى للأفقين وجملة: ولا رأيت ملوك الأرض خائفة ففي البيت الأول ينفي الشاعر طلوع الشمس وغروبها في هذه الدنيا لولا وجود رسول الله وظهوره على هذه الدنيا ولولا وجود رسول عليه الصلاة والسلام لم يقض الله للمشرق والمغرب أن ترى النور وتضيء الأرض ولولا رسول الله لم تر الملوك خائفة من الجمال المسرعة يثبت الشاعر في هذه الأبيات أن وجود رسول الله في الماضي على هذه الأرض وبقاءه في قلوب وسلوك المسلمين إلى يوم الحق أعطى مفاهيم جديدة على هذه الأرض من خلال النور الذي أضاء القلوب وبعث الرحمة والمودة في نفوسهم، فبنية النفي والثبات تأزرتا لأداء دلالة واضحة مرتبطة بوجود النبي صلى الله عليه وسلم وفضائله وصفاته.
برسم الشاعر لوحة يثبت فيها كيف أصبح سيف يمتلك الشهرة والفخر لأنه كان بين يدي رسول الله.
تحدث الشاعر في المقطع السابق عن الرسول في ساحة الحرب حيث أثبت الشاعر النفي في عدة جمل مثل: (ما زال متعمداً) وفي البيت التالي: (ما برحت وما وطدا) وجملة: (لم تبصر به جعدا) فالبيت الأول يتحدث فيه الشاعر أن السيف اكتسب الشهرة ليس لأنه مجرد سيف إنما صاحبه أشهره وسبب هذه الشهرة هو سيد الخلق لكن إذا نظرنا إلى صاحب السيف تشعر بالطمأنينة أن الذي يحمل السيف يشعرنا بالسلام والرحمة فهو لا يخرج سيفه إلا لمن يعاديه أي لو أمسكوا بالربح لأصابها الدهشة ولم تبرح مكانها وبقيت في حالة استغراب وهذا ثبات للدهشة وفي جملة ما وطنا يثبت الشاعر النفي ويفتخر بالشجاعة التي يمتلكها الرسول وصحابته ويقول حتى لو أرادوا أن يغيروا اتجاه التل لفعلوا ثم جملة لم تبصر به جعدا هنا ينفي الشاعر وجود أي حركة وتجعدات على الماء لخفة أقدامهم وجود السهل الممتنع أي القوة والثبات التي لا توجد عند أحد في هذا العالم في هذا المقطع يؤكد على الشجاعة والقوة التي يمتلكها سيد الخلق وأصحابه الدرجة أصبح كل من حوله من جبال ورياح والماء تتعجب منهم وأصابهم الدهشة والغرابة.