0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

البنية الدلالية للثنائيات في بردة تميم البرغوثي تشمل ما يلي؛ 

  1. المبحث الأول: ثنائية الذات والموضوع؟ 
  2. المبحث الثاني: ثنائية الساكن والمتحرك؟ 
  3. المبحث الثالث: ثنائية الحياة والموت؟  

المبحث الأول ثنائية الذات والموضوع؟ 

كل شيء في الكون يقوم على ثنائيات، ومنها الثنائيات الضدية كالموت والحياة الجنة والنار والليل والنهار، والشرق والغرب، والسماء والأرض، والخير والشر، والإيجاب والسلب، والحق والباطل وغيرها، وكل طرف في الثنائية منها في صراع مع الآخر في سبيل البقاء على قيد الحياة إن الأضداد موجودة في الأمور المادية والمعنوية، وفي كل الحالات لها دلالة في الوجود وتعني أمورا متعددة، وإن ثنائية الذات والموضوع جزء لا يتجزأ من الثنائيات التي ترتبط بالنص وتنطلق من داخله، وقد قامت البنيوية والمدارس الحديثة بتوظيف ثنائية التضاد في الأعمال الأدبية.

اهتم النقد بالثنائيات قديماً وحديثاً لما لها من أبعاد فنية مؤثرة في النص الأدبي، فقد وردت دلالة الثنائيات عند النقاد العرب القدامي إذ ذكر ابن المعتز (909) ما يعادل الثنائيات وهو مصطلح الطباق المطابقة فذكر أنه يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حذو واحد، وجاء في كتابه البديع باب للطباق حيث كان له باب خاص في الأضداد، فابن المعتز بعد كل شيئين يتم المقابلة بينهما طباقاً، فعد الكلام أجزاء ولكل جزء ضده أو عكسه، أما قدامة بن جعفر فيذهب إلى أبعاد الثنائيات بقوله أن يضع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها البعض والمخالفة، فيأتي بالموافق بما يوافق وفي المخالف بما يخالف على الصحة، أو يشترط شروطاً ويعدد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما يخالفه بضد ذلك. 

أما ابن قدامة (1223م) فيشترط في الطباق أن يكون الكلام مستوفيا لشروط، منها أن يكون مخالفا للكلمة الأخرى، وإذا كان عكس ذلك لا يعد طباقا أو تضادا، وأن تكون الكلمتان متساويتين في الإفراد والعدد، وإذا خالف ذلك لا يعد طباقا. 

أما أبو هلال العسكري فيقول عنه إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ على جهة الموافقة أو المخالفة. 

بعد الجرجاني أن الطباق أو المقابلة يجب أن يستوفيا شروط الاختلاف بالمعنى أي كل كلمة، تحتوي على معنى مغاير، وألا يجتمعا في اللفظ نفسه أي تكون كل كلمة في لفظة واحدة لأن هناك كلمات تحمل أكثر من معنى باللفظ نفسه، وأنه هناك كلمات تحمل بلفظة واحدة معنيين متضادين.

نستنتج أنه لم يرد مصطلح الثنائيات الضدية عند النقاد العرب القدامى بالمعنى المتعارف عليه في النقد الحديث، وإنما فقط بعض المصطلحات الشبيهة بالثنائيات مثل التضاد أو الطباق أو المقابلة وتلتقي هذه المصطلحات في كثير من الجوانب مع الثنائيات.

أما المحدثون من النقاد العرب فأخذوا معنى التضاد من القدامى، ومنهم من وافق المعنى أي أخذه بنصه، ومنهم من زاد عليه يقول محمد عبد المطلب هذه البنية من أكثر البنى انتشاراً في الخطاب اللغوي عموما والأدبي خصوصاً، وبرغم اعتمادها على التخالف إلا أن البلاغيين قد درسوها داخل منطقة التناسب، وإن حاول التنوخي إخراجها من هذه المنطقة، يعد عبد المطلب التضاد موجوداً في كل خطاب وفي سائر الأجناس الأدبية، وهذا يبين أن البلاغيين رأوا أن التضاد يجب أن يكون في حدود الاعتدال وأن ينسجم مع الوقع.

أما صلاح فضل فيقول قيمة التضاد الأسلوبية تكمن في نظم العلاقات القائمة بين العنصرين المتقابلين، فلن يكون له أي تأثير ما لم يتداع في توال لغوي، وبعبارة أخرى فإن عملية التضاد الأسلوبية تخلق بنية مثلها في ذلك مثل التقابلات المستمرة في اللغة، أي أن صلاح فضل يرى أن هذه الثنائية يجب أن تعطي أكثر من دلالة لغوية، وأكثر من دلالة فنية، ويجب أن تستمر هذه البنية في خلق معان جديدة ومتجددة وفق السياق الأدبي.

يعرف المعجم الفلسفي الثنائيات الثنائي من الأشياء ما كان ذا شقين، والثنائية هي القول بزوجية المبادئ المفسرة للكون، كثنائية الأضداد وتعاقبها، أو ثنائية الواحدة والمادة من جهة ما هي مبدأ عدم التعيين أو ثنائية الواحد وغير المتناهي عند الفيثاغوريين، أو ثنائية عالم المثل وعالم المحسوسات عند افلاطون... إلخ، والثنائية مرادفة للأثينية، وهي كون الطبيعة ذات مبدأين، ويقابلها الطبيعة ذات مبدأ واحد أو عدة مبادئ الثنوية والأثينية. 

إن كل ثنائية في الكون تكون بين شيء معنوي وشيء يمكن أن يتحول إلى محسوس، فالكون يتكون من شقين، كل شيء محسوس أو غير محسوس يكون له مرادف يحمل بعض الصفات، أو يكون عكسه أو ضد تلك الصفة، الأمر الذي يمكن أن تصدق معه مقولة أن الثنائية وسيلة تصنيفية تجعل الفهم ممكنا. 

إن ثنائية الذات والموضوع ثنائية ضدية، فالأولى تتحدث عن نفس الشاعر، أو الصراع الداخلي الذي في نفسه، والثانية الموضوع الذي يتحدث فيه الشاعر عن الآخر، أو المجتمع، أو الصراع الخارجي إن هذه الثنائية كل طرف فيها في صراع مع الأخردائماً وكل منهما يحاول الانتصار على الآخر. يؤشر شعر تميم على أنه كان يراوح بين البقاء في الذات والخروج إلى الواقع، وأحياناً كانت تلصق ذات الشاعر مع ذات الرسول حتى تشعر أنها أصبحت جسداً واحداً.

ورد معنى (ذات) في المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة ذات الشيء نفسه وعينه، والذات أعم من الشخص لأن الذات تطلق على الجسم وغيره، والشخص لا تطلق إلا على الجسم، والذات ما يقوم به بنفسه وتطلق الذات في المطلق على ما يحدد مفهوم الشيء وبالنسبة إليها ذاتي. 

إن فلسفة الذات هي ما تعبر عما يدور في أعماق الإنسان، وفي شعوره الذاتي، إن ذات الإنسان هي ما تتحكم في عواطف الإنسان ومشاعره، وهي التي تؤثر في انفعاله وتسهم في اتخاذ قراراته، فالشعراء يقولون الشعر وفق ما تخبرهم ذاتهم، فذات الشاعر إذا كانت في هناء فهي تعبر عن ذلك بألفاظ السعادة والعكس صحيح إذا كان في شقاء وتعب فالشاعر يظهر الغضب الذي ينبع مما في داخله، أما الموضوع فهو ما يعبر عن الشريحة الأخرى في المجتمع، فإذا كانت الذات هي نفس الشاعر، فإن الموضوع هو كل شيء غير الشاعر سواء أكان ماديا كالبشر أم غير مادي كالصفات المعنوية.

تمثل مقدمة القصيدة (مطلعها) مؤثراً فنياً متقدماً من حيث بنائها القائم بشكل مباشر على الثنائيات التي تعكس جواً نفسياً قد يكون المرض الذي ألم به سببا في ذلك، وقد يكون المرض حالة شعورية وليست حقيقة واقعة فمنذ البداية يقول الشاعر ليجعل مقدمته المؤثرة بما ورد فيها من ثنائية قائمة على قوله: (وضوحا .. ابتعدا) وهي ثنائية تجسد حالة نفسية فيها الذات الوضوح والموضوع الابتعاد، وهي في دلالتها منسجمة انسجاما فنيا مع قوله في البداية: (أحن... لم ألق) (الذات.. الموضوع) إذ يذهب فكر المتلقي إلى أبعد من ظاهر القول، وبذلك فقد ربط هذا الجزء وهو البيت الثالث في القصيدة مع المطلع ليواصل تأثيره الفني النفسي، ويربط بين ما يحياه في ذاته وما هو خارج عنها، حيث الوضوح صورة لما في نفس الشاعر، والابتعاد صورة لما هو خارجها، ثم يواصل الشاعر الاتكاء على الثنائيات في رسم صوره حين يقول:

فهل البعد والقرب وغاب، شهدا ثنائيات عبثية في هذا الجزء من القصيدة بالطبع لاء لأن الشاعر أراد أن يأخذ المتلقي إلى ساحته ويجعله يعيش أجواء دينية منسجمة مع موضوع القصيدة، فالرسول صلى الله عليه وسلم في ذات الشاعر يعادل حضوره غيابه لأن الشاعر يتمثل سنته وما جاء به من إيمان في الرسالة السماوية التي بات الشاعر يعتقد بها اعتقادا يقينيا إيمانيا، وهو في الحالين القرب والبعد غاب أو شهد يؤمن به إيمان الشاهد الحي على حضوره المادي والمعنوي، وفي البيت الذي يليه يؤكد فكرة تعادل الحياة والموت في لعبة الحضور والغياب، ويتماهى ما في ذات الشاعر مع استعداده للموت من أجل لقاء الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم. 

وفي مقطع آخر ينطلق الشاعر إلى حدود أخرى منسجمة مع تطلعات أرحب مصوراً اليأس والأمل مع أنهما متناقضان على أنهما في صف واحد في مقابل خصمان ما اعتنقا فشكلا جديلة في صورة فنية محكمة وهما في الأصل لا يجتمعان، فكيف جعلهما يجتمعان في جديلة واحدة ولماذا لأن الشاعر أراد أن يستكمل بناء الثنائية التي بانت ملامحها من خلال اعتنقا ليجتلدا، يقول: تتجلى نفسية الشاعر المنهكة بالمرض، ولكن أي مرض هو الذي أصاب الشاعر أهو مرضه الحقيقي الذي عانى منه قبيل كتابة القصيدة، أم أنه مرض تعاني منه الأمة كلها؟ ولعل أبرز ما يساورنا في هذا المقام هو الوقوف عند قوله في البيت السابق: بهذه اليَوْمَ أَرْجُو لَيْل تلك غذا إذ حشد الشاعر ثنائيات في ظاهرها تجعل القراءة السطحية تائهة، ولكن لدى تأملها بعناية نعرف أنه أرادها على هذا النحو (بهذه - تلك - اليوم - غدا)، ولعل الموضوع المركزي وهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم - والتوسل به لنجاة الأمة من مصائبها التي تعيشها، تختلط فيه مشاعره الذاتية في وصف صفات رسول الله، لعل ذاته تقترب أكثر منه، فالصفات الضدية مثل: الروح والجسد، بعده وقربه غاب وشهد أمات نفسي وأحياها، أنفد وجدد اليأس والأمل الشجاعة والخوف واليوم وغدا تتوارد الصفات هنا بين طاقتين الأولى قاربت على النفاد والثانية تنتظر من شفيع الأمة أن يجددها له لأن الشاعر هنا يحاول أن يقف ويتصدى لمرضه ومرض الأمة، وينتظر شيئاً من موضوعه وهو المدح لعل هذا المدح بنسبه الألم، والشاعر يتوسل رسول الله كي يورثه الشجاعة والأمل ليحيا من جديد.

تتواصل الثنائيات في هذا المقطع وهنا الثنائيات تحتوي الجدال والخصام بشكل أكثر كثافة، وأكثر حدة فالأبيات التالية تشهد طائفتين إحداهما تعبر عن ذات وما يشعر به من إعجاب وتعظيم السيد الخلق، والأخرى تعبر عن طائفة طاغية تعادل الموضوع الذي يقف فيه سيد الخلق بقدرته وحنكته ضد أعداء الإسلام فيقول: ويبدأ الشاعر بثنائية تكفر هدى وكل من الكلمتين ضد للأخرى، وهنا يتكلم الشاعر عن الرسول الذي رفض الأصنام وكفر بها على الرغم من عدم نزول الإسلام أو نزول الهدى عليه، فذات الشاعر متوافقة مع رفض الموضوع وهو التعبد للأصنام، والتوافق مع موضوعه وهو الرسول وأخذ الهداية من الرسول وكتاب الله تبدأ ذات الشاعر بالدوران حول الموضوع وهو رسول الله، وبيان صفاته في إظهار الحق والوقوف ضد كل من يحاول تشويه هذا الدين، فيقول: إن ذات الشاعر تحاول أن تكتسب الهداية من رسول الله والسير بما سار عليه سيد الخلق ومحاولة الاندماج مع هذه الصفات، إن هذه الثنائيات التي امتلكها رسول الله التي أودعها رب العزة فيه كي يقف ضد الكفر، حيث واجه الكفر بإيمانه، والسخرية من الكفار أي الطائفة الأخرى الذين يعدون الضلالة رشداً، ثم احتدام الموضوع وهو الكفر والإيمان، وكل ثنائية توازي موضوعا، ولكن حاول أن يظهر طائفة الحق التي جاء بها سيد الخلق، لذلك بدأت ذاتية الشاعر تلتصق مع الموضوع، وبدأت تختفي تدريجياً بعد تحول الثنائية من القلق والخوف إلى الثقة والطمأنينة النفسية، من خلال التركيز على جوانب الموضوع، وهو مدح صفات سيد الخلق التي انتشرت في القصيدة مما أدى إلى اختلاط الذات بالموضوع لأن الموضوع جزء لا يتجزأ من حياة الشاعر.

بني الشاعر القصيدة على ثنائيات الذات والموضوع فتارة ترى ثنائية الذات أكثر انتشارا، وتارة ترى الموضوع أكثر انتشاراً، إن الشاعر من خلال ذاته صرح بحبه الرسول الله وباشتياقه له، وأصبحت ألفاظ الذات التي استخدمها تدل على أكثر من ذات لأن هذه الذات منتشرة في الأمة فأصبحت لا تعني جسداً واحداً أي جسد الشاعر، إنما كل إنسان مؤمن يحب سيد الخلق، والألفاظ الذاتية المندمجة بالموضوع تدل على مواطن الاشتياق والحنين، وهناك جزء من الذات يحمل فيه الغضب تجاه حكام هذه الأمة، وتفريطهم بدين محمد عليه الصلاة والسلام، أما الموضوع فهو المدح والفخر بسيد الخلق، فنحن نمدح رسول الله كأننا نمدح أنفسنا، وعندما نفخر برسول الله كأننا نفخر بأنفسنا حتى نرى أن الفخر والمدح لا يكفيان بحق سيد المرسلين، إن الموضوع الذي اختاره الشاعر يعبر عما يشعر به مجتمع كامل، فالحب الرسول الله لا يشمل فقط ذات الشاعر وإنما يشمل أمة كاملة، إن ثنائية الموضوع شملت جوانب القصيدة وليس جزئية معينة، فكان تارة يمدح رسول الله وما قدمه لهذه الأمة ليوم الدين، ومدح صفاته التي تجاوزت الحدود، ثم ابتعد قليلاً عن الموضوع خصوصاً في الأبيات التي تصف حكام المسلمين بعد وفاة رسول الله، فكانت الألفاظ أكثر سخرية وأكثر غضبا وأكثر عنفا تجاه من فرط بدين محمد عليه الصلاة والسلام.

المبحث الثاني ثنائية الساكن والمتحرك؟ 

من سمات الأشياء في الكون الحركة والثبات، ولكن هناك بعض الأمور لا تحتمل الوجهين معاه أي يكون فيها فقط حركة، أو يكون فها سكون فقط، إلا إذا تدخلت الطبيعة بقدرة الله سبحانه وتعالى فيتحول الثابت إلى متحرك أو العكس، إن هذه الثنائية جزء ملاصق للواقع، وما يكون في الواقع يمكن أن يكون في الشعر لأن الشعر بوجه عام ينطلق من الواقع ويرافقه، فالشاعر يعبر عن الواقع من خلال شعره وفته والحركة تعبر عن حالة شعورية متجددة ومستمرة، والساكن قد يعبر عن البقاء أو الركود أو التوقف وثنائية الساكن والمتحرك تحمل دلالة فنية في الشعر أكثر من غيرها؛ لأنها من خلق الشاعر وإبداعه.

وعلى الرغم من أن المعاني المعجمية لكليهما قد تكون مقيدة الخيال الشاعر، إلا أن الشاعر يحاول التخلص من القيود التي تفرضها أعراف كثيرة حتى لو كانت أصولا معجمية الحركة من الحاء والزاء والكاف: أصل واحد، فالحركة ضد السكون، حرك: حرك حركاً وحركة ضد سكن. وحَرَّكْتُهُ فَتَحَرَّكَ ما به حراك حركة، تدل معنى كلمة الحركة على الاضطراب والانتشار، فالذهاب ولو بخطوة بعد حركة وهو يحمل من معناه عدم التوقف. 

أما السكون: فهو من الشين والكاف والنون أصل واحد مطرد، بدل على خلاف الاضطراب والحركة. 

سكن: السكون ضد الحركة، سكن الشيء يشكل سكونا إذا ذهبت حركته، وأشكته هو وسكنه غيره تسكيناً، وكل ما هذا فقد سكن كالريح والحر والبرد ونحو ذلك، وسكن الرجل سكت، وقيل: سكن في معنى سكت، وسكنت الربح وسكن المطر وسكن الغضب، إن كل حركة تنطلق ثم تتوقف وتسكن، والكون مهما تحرك سيأتي يوم ويقف، وعندها سيكون التوقف دلالة على الانتهاء، وأيضاً يأتي من معنى سكن البيت أي ذهب إلى البيت وسكن به ويقال للبيت مكان السكن والهدوء لأنه مكان انتهاء العمل.

2 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
ولا يبتعد المعنى الاصطلاحي كثيراً عن المعنى المعجمي، إلا بمقدار ما يخلقه خيال الشاعر أو المبدع، فالحركة اصطلاحاً تعني الخروج من القوة إلى الفعل تدريجياً، وقبل هي شغل حيز بعد أن كان في حيز آخر، ونشير في الموضع نفسه إلى ما أورده صاحب المعجم الفلسفي بقوله إن حركة الجسم من مكان إلى آخر تسمى نقلة الحركة تتبعها حركة أخرى تنطلق من مكان لآخر، فكل عمل يقوم به الجسم بعد حركة، وتشير أيضا إلى أن السكون في الاصطلاح ثبوت الشيء بعد تحركه.

أما في المعجم الفلسفي فهي زوال الحركة عما من شأنه أن يتحرك، فإذا فر الشيء في المكان وانقطع عن الحركة، وصفته بالسكون، تتوضح معالم السكون بعد الحركة، فالإنسان إذا سافر تحرك وإذا تحرك يصل إلى المكان الذي يريده وعندما يصل تكون حركة الوصول إلى نقطة معينة تعد سكونا وثباتا فقد وصل إلى غايته ومبتغاه إن السكون والحركة صفتان متلازمتان ومتواجدتان في المكان نفسه على الرغم من أن كل كلمة منهما ضد الأخرى وهما تكملان بعضهما بعضاً.

تتقلب ثنائية الساكن والمتحرك في قصيدة البردة؛ إذ إن الشاعر يميل أحياناً للحركة والاستمرارية وأحياناً يميل للسكون والثبات، وهذا له دلالة تتوضح من خلال وقوفنا عند مطلع القصيدة:

إن الشاعر في هذا المطلع ارتكز على ثنائية الحركة والثبات؛ لأن قلب الشاعر وروحه الساكنة أخذ الشوق يحركهما للماضي، حيث الحنين يحمل في داخله الحركة والاستمرارية وعدم التوقف، فالحنين متدفق باستمرار، إن الحنين على الرغم من أنه يأخذ دلالة الفعل إلا أنه يحمل السكينة والطمأنينة، لأن النفس لا ترتاح إلا لمن تحن له وتشتاق، إن الروح والجسد يمثلان حالة السكون والثبات معا؛ إذ إن هذا الثبات مترابط مع استمرارية الحنين والشوق لرسول الله.

عمد الشاعر إلى توظيف دوال الحركة في هذا المطلع وحملها دلالات الحركة والسكون معا، مثل: الماء الظامي، الزيادة، ابتعدا، وعد يسفكون، يفنی، بعده قریه غاب شهد، أمات، أحياها، أنفد، جدد.

إن هذه الدوال كلها تحمل الديمومة والاستمرارية أي مهما كانت الظروف فإن هذا الحب لا يفني وهو دائم متجدد، وإنه كلما تجدد ازداد شوقاً، فالماء هو نبع الاستمرار والحياة، والشاعر استخدم الماء ليدل على أن الرسول هو نبع هذه الأمة، وهو دائماً موجود في ذواتنا ولا ينقطع تواصلنا معه، إن الرسول على الرغم من (غيابه) إلا أنه ما زال (حاضرا) فينا، وندل (تسفكوه) على الحركة وتحمل دلالات على حب التضحية من أجل رسول الله، وجاءت الدوال الأخرى تعبيرا عن السكينة والشعور بها عند ذكر رسول الله إن الثنائية الضدية للحركة والسكون امتزجتا بالحالة النفسية للشاعر وانعكست على المتلقي، ولعل الشاعر أن يسكن في حب رسول الله واللجوء إليه في الملمات التي تعيشها الأمة.

تتقلب ثنائية الحركة والسكون في القصيدة من جديد وتنتقل هذه الثنائية من موضوع لآخر، ونتيجة لهذا الانتقال يحدث اهتزاز؛ ويكون ذا وجهين: إما أكثر حدة وانفعالا، وإما حركة فيها نوع من الرقة والهدوء، وعندما ابتعد الموضوع عن سيد الخلق واتجه الموضوع لغرض العتاب، ظهرت حركة فيها شحنات من الغضب والحركة المستمرة.

فاستخدم الدوال (تعلق، بيع، يأس، أمل، اعتنقا، يجتلدا، أطاع اللوم، اللندا) التي ولدت حركات انفعالية أخفت الثنائية الأخرى وهي السكون، فالشاعر استخدم كلمات كلها حركة ترفض الواقع، ورجم الواقع وبالتالي أدت هذه الحركات إلى عدم الهدوء والثبات الذي كان في بداية القصيدة، فالشاعر عندما رفض التعلق بالأمال؛ لأن الواقع مختلف عما يريده، فالواقع ذهب بالشاعر إلى الحيرة بين اليأس والأمل وكلاهما ضد للآخر، فكل إنسان في نفسه حالة صراع بين الأمل والصبر على اليأس، وكلاهما يدل على الاستمرار وعدم الثبات.

تشتت ذهن الشاعر بين مرحلتين إما السكون دون فعل شيء لهذا الواقع أو بدء الحركة وبعث الأمل من جديد لمحاربة هذا السكون والهدوء، ثم استخدم حرف النداء (يا) وما بعدها ليدل على استمرارية الطاعة وسخريته من المطيعين لعدوهم وتصويرهم بالأطفال، أيضا ثنائية الحركة التي فيها عشق الحكام لأعدائهم كعشق المحبوبة الذي لا يتوقف.

إن الحركة في هذه الابيات تفوقت على السكون لحاجة هذه الأبيات للألفاظ التي تعبر عن النفور والغضب تجاه ما نشاهده في هذا العالم، أو مما يراه من المذلة التي يظهرها من يحبون الإسلام، وفي داخلهم يبغضون الإسلام ويتمنون كل شر، ويعدون أنفسهم مسلمين، وهم من يتبعون في داخلهم المسيلمة الكتاب أو عبد الله بن سلول.

يبدأ الشاعر في هذا المقطع بطلب من النفس سواء كانت نفسه الذاتية أو نفس كل مسلم بالسكون لأن الحذر من الدنيا يحتاج التاني والحلم وكلاهما يحتاجان السكون والهدوء والتفكير العميق بما يدور حوله: فالإنسان الكاذب أو الغدار يأتي بالوعود ويحرك لسانه دائماً بإعطاء الوعود الكاذبة التي كلها حقد ثم يطلب الشاعر بعد السكون وأخذ الحيطة والحذر، ثم يطلق الأفعال المضارعة المتصلة بلام الأمر ويبدأ لغة الحوار الصارمة تجاه نفسه، وصاحب كل قرار، فهو لم يحدد بالأفعال التي فيها الحركة أي نفس، وإنما كل نفس حسب مركزها بهذا العالم، ومن هذه الافعال المضارعة التقدمي لتفرحي لتعلمي، لا تكوني لتحملي، لتذكري.

إن الشاعر من خلال استخدم الفعل المضارع الذي يسبقه لام الأمر، يحاول أن يصل إلى رسالة أن كل قرار يحتاج إلى مراجعة النفس وأخذ حركتين إحداهما للأمام والأخرى للخلف، والبقاء على استعداد لعدم وجود الصدق في هذا العالم.

إن الشاعر يوجه رسالة مفادها أن كل إنسان في صراع داخلي بين المخاطرة والخوف؛ أي هل يتحرك ويواجه هذا العالم؟ أم يلتزم الخوف والسكون أمام هذه الوعود الكاذبة، ثم المطالبة برفع التحدي ومواجهة الظلام مهما كانت قوته.

إن الأبيات السابقة جعلت الحركة والسكون أقرب للتكامل فيما بينها؛ لأن الحركة والسكون في الموقف نفسه، فالأبيات احتاجت الهدوء ثم السكون ثم التحرك ومواجهة الواقع.

تتواصل ثنائية الحركة والسكون في هذا المقطع من خلال مشهد يتمنى الشاعر فيه استرجاع ما حدث في الماضي وتكراره في الحاضر؛ لعل الحاضر يتغير ويعيد أمجاد الماضي: تتجلى الحركة والسكون في هذه الأبيات في أنصع صورها، لتشكل ثنائية غير تقليدية؛ فالفعل رأى فيه حركة سريعة تدل على اتجاه البصر، وكأنك تشاهد صورة فيها الإصرار والتحمل من العذاب الذي يتعرض له أصحاب رسول الله، ولم يؤثر في عزيمة الصحابة، وهم كانوا فداء لرسول الله، فالحركة ليست متوقفة وإنما كلما جلد يزداد عزيمة وصبراً أكبر، والشاعر يريد هذه العزيمة في الوقت الحاضر لتحمل المصائب التي تحصل يومياً، ثم القيد إن الساكن الصحابة رسول الله لم يؤثر في عزيمتهم؛ فهم يتحملون الأصفاد، وكان الصورة تنتقل للحاضر لعل الموجودين في أصفاد الاحتلال لم تقل من عزيمتهم وأعطتهم الشجاعة، ولعل الأصفاد الساكنة في أجسادهم تتحرك وتكسر كما كسرت في زمن الصحابة.

إن الرسول مدرسة لأصحابه في تعليم الصبر والتغلب على الخوف والقلق كأنه يشعر أنه سيأتي زمن لا يطيق أصحاب هذا الزمن فيه الصبر والتحمل، إن تلك الصفات استمدها سيد الخلق من رب العزة.

تتقلب ثنائية الحركة والسكون في هذا المقطع وهنا الحركة سريعة خاطفة فيها كثير من الحذر والقلق؛ لأن الموضوع يحتاج الدقة والكثير من التمرس في الاختيار:

فبدأ بالفعل انتحى رسول الله لأبي بكر يطمئنه؛ حيث كانت الحركة سريعة تقترب من سرعة البرق لكي يختصر الوقت، ويطمئن أبا بكر وبصوت مهموس فيه نوع من السكون الهادئ، ثم تبعها بالنداء المرخم يا صاح لا تحزن الذي يلزم الرسول من صاحبه بالسكون والطمأنينة، أيضا علت أنفاس المشركين كان أنفاسهم أعلى من صوت الرعدة فنفسهم فيه الحقد والغل تجاه سيد الخلق، وهنا الصورة أشبه بالإيقاع الموسيقي الذي يسرد الأحداث بموسيقى تحتوي أكثر من نوع؛ فالأول فيه الطمأنينة والثقة والثاني خائف لا على نفسه إنما خوفه على سيد الخلق، والثالث فيه حقد وكراهية مستمرة لا تتوقف تجاه سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، ثم استخدم كلمة (تفرس) والتفرس يحتاج نوعا من السكون والدقة في الاختيار؛ لأن الوضع فيه خطورة فلا يحتاج الحركة وإنما الصبر والهدوء وهما أقرب إلى السكون؛ لأنهما يتطلبان الدعة، ثم أتبعها بالحركات مثل: يدري لن تسامحه، تطلب، يدري، يحلم بعيرهم، قال صعدا، يكذبهم، أخبرهم أفضى، يجحدهم، ظلم، أضناه، غربه، ما حقدا، تذكر، تحنانه، خجلة الخد، لم يعلم، مرت، سجدا.

إن هذه الحركات كلها جاءت لبيان كيفية المعاملة من الرسول مع الكفار، والاستمرارية في المسامحة من الرسول للكفار على الرغم من الأذى الذي تعرض له منهم، ثم يعكس هذه الاستمرارية لو أنهم انتصروا لطلبوا الثار، فالزمن ما زال مستمرا فهم إلى الآن يريدون الثار، أما السكون فهو جاء عن طريق الثبات على طلب الثار، أما الموقف الآخر فهو السجود، وفيه الثبات وعدم الحركة والخضوع وشكره الله على النصر.

ثم ينتقل الشاعر في مقطع آخر إلى الحديث عن سياق متصل بالارتكاز على ثنائية الحركة والسكون، وهذه المرة بطريقة مختلفة، تتناسب وطبيعة الموقف، فها هو يرسم مشهدا للعدوان على المسلمين ولكثرة تكراره في تاريخهم بات كأنه مشهد ثابت غير متحرك، فالفرنجة يغزون أرض المسلمين، ويقف المجاهدون بكل قوتهم في حالة حركة غير متوازنة، فأمام الغزو يجب أن يهب المجاهدون دفاعا وقتالا ومقاومة، إلا أن الشاعر وصفهم يستنجدون، ولا يحركون ساكنا، ويكتفون بالاستنجاد بالرسول، أم أنه أرد أن الرسول وصاحبه رأوا من عصرنا أكثر مما رأوه في عصرهم من الكفار ؟ وكلا المشهدين مما يتصل برسم صورة مكررة لهزائم المسلمين الفرنجة يغزون المسلمين، والخلافة في بغداد تمحى، وفي الشام مشهد لا يقل بشاعة.

تتواصل الصور، في حركة صارت كأنها مشهد حركي مألوف، أوقفت تدفقها قدرة الشاعر على كسر المألوف بصورة غريبة رسم فيه واقع الفرقة بين العرب والمسلمين الذين لو تم حشرهم بين شفي نواة لا يتحدون، بما في الصورة من سكون وثبات، ليشكل من هذه اللوحات جميعا ثنائية قائمة على تدفق الحركة، وصدمة الثبات: ينتقل الشاعر بعد ذلك إلى سرد ما تبقى من أحداث بصورة فنية تتكامل مع ما جاءت به الأبيات السابقة بحركات بطيئة، كان الشاعر أراد أن يوحي أنه بدأ يفقد طاقته، أو أن العاطفة تغلبت عليه، فبدأ يسرد ما تبقى من أحداث ليقول إن العربي بات مرهقاً من شدة الهزائم التي تتابعت عليه، والواقع الفني للقصيدة يبين أن همة الشاعر لم تفتر، ولكن الأمل بالنصر بات ضعيفا، يقول: تواصلت ثنائية الحركة والسكون في هذه الأبيات؛ ففي البيت الأول نحن نعرف أن النخيل والزيتون فيهما السكون والثبات، ولكن عندما اختار الشاعر الصورة الفنية في جملة مال النخيل على الزيتون أصبح هناك حركة، فالنخيل لم يعد ساكناً إنما أصبح متحركاً، وبالتالي لم يعد النخيل يستطيع على قدميه نتيجة للأحداث المأساوية، ولكن الزيتون كما عهدنا ظل شامخاً في مكانه ولم يتحرك فقط النخيل مال عليه، فالزيتون شيخ كبير يسرد التاريخ وهو ثابت في مكانه.

ثم استخدم النداء ثلاث مرات يا سيدي يا رسول الله يا سندي؛ وكأن الحركة فيها نوع من الاستعجال الإخبار المنادى بشيء مهم وضروري وهو فقدان الشام العراق، تتواصل الحركة هنا في البيت التالي بشعور الشاعر بالتعب وثقله عليه، ثم يعود للنداء يا جاري الغار هنا النداء المثقل بالهموم، ثم يستخدم في البيت نفسه عييت أن أحصي الرددا؛ ليدل بالحركة هنا على الكثرة؛ أي كثرة المرتدين عن الإسلام. وفي استخدام دالي الزيتون والنخيل دلالة على الثبات في الأرض برغم كل تلك الحركة التي تستهدف الاقتلاع.

إن ثنائية الحركة والسكون تعود نشطة بشكل مختلف في المقطع اللاحق؛ ففيها السخرية والغضب وهنا جاءت ألفاظ الحركة تكتنز بكثير من الرموز : يبدأ الشاعر في الأبيات بالحديث عن الملوك أو بأشباه الملوك فكانت الأبيات أغلبها حركات حيث قال: (إذا عبروا) والعبور يحتاج لسرعة قوية، ثم ذكر الجنة التي هي في الأصل تدل على الثبات والاستقرار والراحة والطمأنينة، ولكن بعبور الملوك أصبحت فارغة لا تصلح للسكن، ثم تتابعت الحركات أنيابهم ناشبة في ذوي الأرحام، وللأعادي ابتسام يظهر الدرداء لا يغضبون ولا يحمى، هذه الحركات تدل على الذل والخضوع لغير المسلمين، ثم أسيافهم نضدا تدل على السكون، أي السيوف ثابتة لا تتحرك المواجهة العدو إنما فقط للزينة، ثم تبدأ الحركات تحمل السخرية والاستهزاء المنطقي؛ لأن الشاعر يلجأ إلى الإقناع بالمؤثرات العقلية، مثل تعذيب الغزاة لهم، إن المحب يرى ذله رغدا؛ فالملوك فقط في ذلهم، ثم إن الموت أو الارتحال يؤدي إلى سكون؛ فموت هؤلاء سيؤدي إلى استقرار، ويكملها بصورة فلية، حتى الصبح الساكن من بعد موتهم يبدأ بأخذ الأوكسجين؛ لأنهم قبل موتهم يسرقون الهواء وبموتهم ترجع الحياة وتبدأ هذه الأمة بالتنفس.

شكلت ثنائية الحركة والسكون في القصيدة هاجسا واكب مشاهد القصيدة من أولها إلى آخرها في خطين متناقضين، إلا أنهما يكمل كل منهما الآخر؛ إذ إن ثنائية الحركة والسكون توزعت على غالبية القصيدة، ولكن طغت الحركة أكثر على القصيدة؛ لأن الشاعر اختار جوانب كثيرة تحتاج الحركة ولا مجال للسكون والسكوت، فالشاعر أراد أن يعبر بالحركة عما يدور في خاطره وما يدور في هذا الوطن، فعبرت الحركة عن الحنين والشوق من الشاعر الرسول الله، والفخر والعزة بسيد الخلق، وجاءت ثنائية الحركة تتحدث عن أفعال سيد الخلق، وكيف كان يلقنها لصحابته مثل الصبر والإعانة والشجاعة وغيرها، واستخدامه ثنائية الحركة الممزوجة بالصورة الفنية لتحقيق غاية في نفس الشاعر؛ لعل الهدف من المزج أن يصل إلى ذهن المتلقي، ثم تواصلت الحركة الممزوجة بالسكون، ثم باستخدام الجانب الفني يتحول الساكن للمتحرك مثل مال النخيل على الزيتون، ثم تتقلب الحركة بسرد أحداث من التاريخ، وتواصلت الحركة في جوانب السخرية والتهكم على الحكام الذين يحكمون هذه الأرض، ثم تواصت هذه الحركة بالدعاء وتمني الاستجابة من الله ورسوله بتغيير هذا الحال للأفضل، وحماية هذه الأمة من الهلاك وإرشادها للفلاح.
0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

المبحث الثالث ثنائية الموت والحياة؟ 

تمثل ثنائية الحياة والموت في الشعر جدلية تتعالق معطياتها في وجدان الشاعر، وقد هذه الثنائية في قصيدة البردة ثيمة مركزية بوصف القصيدة قائمة على موضوع متصل بالجانب الديني بشكل مباشر، فالحياة والموت حتميتان مرافقتان للإنسان منذ بدء الخليقة، ولكنهما مختلفتان في الكيفية؛ إذ لا أحد يعرف متى تكون البداية ولا أحد يستطيع أن يعرف كيف تكون النهاية، وهما على هذا الأساس بداية ونهاية.

قيل في الموت: الموت خلق من خلق الله تعالى. وقيل: الموت والمؤتان ضد الحياة والموات بالضم: المؤت. مات يموت موتاً، ويمات. 

إذن الموت هو الشق الأول من أركان الواقع، وهو يشكل ثنائية متلازمة مع الحياة، ولكن الموت هو ضد للحياة والموت خروج الروح من الجسد.

أما الحياة ف ضد الموت، والحي: ضد الميت. والمحيا مفعل من الحياة. تقول: محياي ومماتي، وزعموا أن الحي بالكسر : جمع الحياة. قال العجاج وقد ترى إذا الحياة حي والحي واحد أحياء العرب. وأحياة الله فحيي وحي أيضا. 

أما الشق الثاني للواقع فهو الحياة، وهو ضد للموت وهو بقاء الروح في الجسد، وكلاهما مكملان للآخر؛ أي لا يوجد تفسير لاختفاء أحدهما لأنه سيصبح الكون فيه خلل وعدم اتزان.

إن حقيقة الحياة والموت تأتي في مقدمة الحقائق التي تواجه الإنسان وتشغله، فإن حقيقة أحدهما أو كليهما يشكلها ما يراه الإنسان ويدركه من تعارض أو تضاد أو مفارقة. 

أكثر الشعراء منذ العصر الجاهلي إلى العصر الحديث ذكروا هذه الثنائية، حتى لا تكاد تخلو قصيدة من الحديث عن الحياة وارتباطها بالموت؛ لأن كل إنسان يحاول أن يبقى أكبر فترة ممكنة على قيد الحياة فالأدباء والنحاتون يحاولون تخيل أساطير أو أمور فيها اللامعقول تنجي من الموت؛ فتخلدت هذه الأساطير في شعرهم ورسمهم على أمل أن تتحقق هذه الأمنية.

الموت والحياة هي اهتمام الإنسان على مدار الأعوام فمتى ذكر الموت ذكرت الحياة: إن البقاء والفناء صنوان لا ينفصمان، ينسجمان الوجود في مقابل العدم، فمنذ وعي الإنسان ألا سبيل إلى الخلود وأن الموت يحوم حوله، يتصيده في أية لحظة دأب على معرفة سر الموت ليتقيه، ويدفعه عنه، ولكنه سرعان ما أدرك أن الفناء قدره المنتظر، وعلى قدر انشغال الإنسان بقضية الموت، ويقدر أرقه في الحصول على الأولى وكان تأريق الثانية له والتفكير في الهروب منها. 

إن الموت محطة تواجه البشر، فمنهم من بعد الموت راحة ليتخلص من الواقع الممزوج بالكراهية ومنهم من بعد الحياة هي السعادة فلا يريد أن ينتهي أجله لكي ينعم بهذه الحياة، فالموت عند القسم الآخر هو التعاسة والشفاء، هو هروب ملذات الدنيا من أمامه، هو عدم حصوله على كل شيء من هذا العالم.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
سُئل يونيو 18، 2024 في تصنيف أخبار بواسطة أثير الثقافة (4.2مليون نقاط)
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...