البنية الدلالية للثنائيات في بردة تميم البرغوثي تشمل ما يلي؛
- المبحث الأول: ثنائية الذات والموضوع؟
- المبحث الثاني: ثنائية الساكن والمتحرك؟
- المبحث الثالث: ثنائية الحياة والموت؟
المبحث الأول ثنائية الذات والموضوع؟
كل شيء في الكون يقوم على ثنائيات، ومنها الثنائيات الضدية كالموت والحياة الجنة والنار والليل والنهار، والشرق والغرب، والسماء والأرض، والخير والشر، والإيجاب والسلب، والحق والباطل وغيرها، وكل طرف في الثنائية منها في صراع مع الآخر في سبيل البقاء على قيد الحياة إن الأضداد موجودة في الأمور المادية والمعنوية، وفي كل الحالات لها دلالة في الوجود وتعني أمورا متعددة، وإن ثنائية الذات والموضوع جزء لا يتجزأ من الثنائيات التي ترتبط بالنص وتنطلق من داخله، وقد قامت البنيوية والمدارس الحديثة بتوظيف ثنائية التضاد في الأعمال الأدبية.
اهتم النقد بالثنائيات قديماً وحديثاً لما لها من أبعاد فنية مؤثرة في النص الأدبي، فقد وردت دلالة الثنائيات عند النقاد العرب القدامي إذ ذكر ابن المعتز (909) ما يعادل الثنائيات وهو مصطلح الطباق المطابقة فذكر أنه يقال طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حذو واحد، وجاء في كتابه البديع باب للطباق حيث كان له باب خاص في الأضداد، فابن المعتز بعد كل شيئين يتم المقابلة بينهما طباقاً، فعد الكلام أجزاء ولكل جزء ضده أو عكسه، أما قدامة بن جعفر فيذهب إلى أبعاد الثنائيات بقوله أن يضع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها البعض والمخالفة، فيأتي بالموافق بما يوافق وفي المخالف بما يخالف على الصحة، أو يشترط شروطاً ويعدد أحوالاً في أحد المعنيين، فيجب أن يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما يخالفه بضد ذلك.
أما ابن قدامة (1223م) فيشترط في الطباق أن يكون الكلام مستوفيا لشروط، منها أن يكون مخالفا للكلمة الأخرى، وإذا كان عكس ذلك لا يعد طباقا أو تضادا، وأن تكون الكلمتان متساويتين في الإفراد والعدد، وإذا خالف ذلك لا يعد طباقا.
أما أبو هلال العسكري فيقول عنه إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ على جهة الموافقة أو المخالفة.
بعد الجرجاني أن الطباق أو المقابلة يجب أن يستوفيا شروط الاختلاف بالمعنى أي كل كلمة، تحتوي على معنى مغاير، وألا يجتمعا في اللفظ نفسه أي تكون كل كلمة في لفظة واحدة لأن هناك كلمات تحمل أكثر من معنى باللفظ نفسه، وأنه هناك كلمات تحمل بلفظة واحدة معنيين متضادين.
نستنتج أنه لم يرد مصطلح الثنائيات الضدية عند النقاد العرب القدامى بالمعنى المتعارف عليه في النقد الحديث، وإنما فقط بعض المصطلحات الشبيهة بالثنائيات مثل التضاد أو الطباق أو المقابلة وتلتقي هذه المصطلحات في كثير من الجوانب مع الثنائيات.
أما المحدثون من النقاد العرب فأخذوا معنى التضاد من القدامى، ومنهم من وافق المعنى أي أخذه بنصه، ومنهم من زاد عليه يقول محمد عبد المطلب هذه البنية من أكثر البنى انتشاراً في الخطاب اللغوي عموما والأدبي خصوصاً، وبرغم اعتمادها على التخالف إلا أن البلاغيين قد درسوها داخل منطقة التناسب، وإن حاول التنوخي إخراجها من هذه المنطقة، يعد عبد المطلب التضاد موجوداً في كل خطاب وفي سائر الأجناس الأدبية، وهذا يبين أن البلاغيين رأوا أن التضاد يجب أن يكون في حدود الاعتدال وأن ينسجم مع الوقع.
أما صلاح فضل فيقول قيمة التضاد الأسلوبية تكمن في نظم العلاقات القائمة بين العنصرين المتقابلين، فلن يكون له أي تأثير ما لم يتداع في توال لغوي، وبعبارة أخرى فإن عملية التضاد الأسلوبية تخلق بنية مثلها في ذلك مثل التقابلات المستمرة في اللغة، أي أن صلاح فضل يرى أن هذه الثنائية يجب أن تعطي أكثر من دلالة لغوية، وأكثر من دلالة فنية، ويجب أن تستمر هذه البنية في خلق معان جديدة ومتجددة وفق السياق الأدبي.
يعرف المعجم الفلسفي الثنائيات الثنائي من الأشياء ما كان ذا شقين، والثنائية هي القول بزوجية المبادئ المفسرة للكون، كثنائية الأضداد وتعاقبها، أو ثنائية الواحدة والمادة من جهة ما هي مبدأ عدم التعيين أو ثنائية الواحد وغير المتناهي عند الفيثاغوريين، أو ثنائية عالم المثل وعالم المحسوسات عند افلاطون... إلخ، والثنائية مرادفة للأثينية، وهي كون الطبيعة ذات مبدأين، ويقابلها الطبيعة ذات مبدأ واحد أو عدة مبادئ الثنوية والأثينية.
إن كل ثنائية في الكون تكون بين شيء معنوي وشيء يمكن أن يتحول إلى محسوس، فالكون يتكون من شقين، كل شيء محسوس أو غير محسوس يكون له مرادف يحمل بعض الصفات، أو يكون عكسه أو ضد تلك الصفة، الأمر الذي يمكن أن تصدق معه مقولة أن الثنائية وسيلة تصنيفية تجعل الفهم ممكنا.
إن ثنائية الذات والموضوع ثنائية ضدية، فالأولى تتحدث عن نفس الشاعر، أو الصراع الداخلي الذي في نفسه، والثانية الموضوع الذي يتحدث فيه الشاعر عن الآخر، أو المجتمع، أو الصراع الخارجي إن هذه الثنائية كل طرف فيها في صراع مع الأخردائماً وكل منهما يحاول الانتصار على الآخر. يؤشر شعر تميم على أنه كان يراوح بين البقاء في الذات والخروج إلى الواقع، وأحياناً كانت تلصق ذات الشاعر مع ذات الرسول حتى تشعر أنها أصبحت جسداً واحداً.
ورد معنى (ذات) في المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة ذات الشيء نفسه وعينه، والذات أعم من الشخص لأن الذات تطلق على الجسم وغيره، والشخص لا تطلق إلا على الجسم، والذات ما يقوم به بنفسه وتطلق الذات في المطلق على ما يحدد مفهوم الشيء وبالنسبة إليها ذاتي.
إن فلسفة الذات هي ما تعبر عما يدور في أعماق الإنسان، وفي شعوره الذاتي، إن ذات الإنسان هي ما تتحكم في عواطف الإنسان ومشاعره، وهي التي تؤثر في انفعاله وتسهم في اتخاذ قراراته، فالشعراء يقولون الشعر وفق ما تخبرهم ذاتهم، فذات الشاعر إذا كانت في هناء فهي تعبر عن ذلك بألفاظ السعادة والعكس صحيح إذا كان في شقاء وتعب فالشاعر يظهر الغضب الذي ينبع مما في داخله، أما الموضوع فهو ما يعبر عن الشريحة الأخرى في المجتمع، فإذا كانت الذات هي نفس الشاعر، فإن الموضوع هو كل شيء غير الشاعر سواء أكان ماديا كالبشر أم غير مادي كالصفات المعنوية.
تمثل مقدمة القصيدة (مطلعها) مؤثراً فنياً متقدماً من حيث بنائها القائم بشكل مباشر على الثنائيات التي تعكس جواً نفسياً قد يكون المرض الذي ألم به سببا في ذلك، وقد يكون المرض حالة شعورية وليست حقيقة واقعة فمنذ البداية يقول الشاعر ليجعل مقدمته المؤثرة بما ورد فيها من ثنائية قائمة على قوله: (وضوحا .. ابتعدا) وهي ثنائية تجسد حالة نفسية فيها الذات الوضوح والموضوع الابتعاد، وهي في دلالتها منسجمة انسجاما فنيا مع قوله في البداية: (أحن... لم ألق) (الذات.. الموضوع) إذ يذهب فكر المتلقي إلى أبعد من ظاهر القول، وبذلك فقد ربط هذا الجزء وهو البيت الثالث في القصيدة مع المطلع ليواصل تأثيره الفني النفسي، ويربط بين ما يحياه في ذاته وما هو خارج عنها، حيث الوضوح صورة لما في نفس الشاعر، والابتعاد صورة لما هو خارجها، ثم يواصل الشاعر الاتكاء على الثنائيات في رسم صوره حين يقول:
فهل البعد والقرب وغاب، شهدا ثنائيات عبثية في هذا الجزء من القصيدة بالطبع لاء لأن الشاعر أراد أن يأخذ المتلقي إلى ساحته ويجعله يعيش أجواء دينية منسجمة مع موضوع القصيدة، فالرسول صلى الله عليه وسلم في ذات الشاعر يعادل حضوره غيابه لأن الشاعر يتمثل سنته وما جاء به من إيمان في الرسالة السماوية التي بات الشاعر يعتقد بها اعتقادا يقينيا إيمانيا، وهو في الحالين القرب والبعد غاب أو شهد يؤمن به إيمان الشاهد الحي على حضوره المادي والمعنوي، وفي البيت الذي يليه يؤكد فكرة تعادل الحياة والموت في لعبة الحضور والغياب، ويتماهى ما في ذات الشاعر مع استعداده للموت من أجل لقاء الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي مقطع آخر ينطلق الشاعر إلى حدود أخرى منسجمة مع تطلعات أرحب مصوراً اليأس والأمل مع أنهما متناقضان على أنهما في صف واحد في مقابل خصمان ما اعتنقا فشكلا جديلة في صورة فنية محكمة وهما في الأصل لا يجتمعان، فكيف جعلهما يجتمعان في جديلة واحدة ولماذا لأن الشاعر أراد أن يستكمل بناء الثنائية التي بانت ملامحها من خلال اعتنقا ليجتلدا، يقول: تتجلى نفسية الشاعر المنهكة بالمرض، ولكن أي مرض هو الذي أصاب الشاعر أهو مرضه الحقيقي الذي عانى منه قبيل كتابة القصيدة، أم أنه مرض تعاني منه الأمة كلها؟ ولعل أبرز ما يساورنا في هذا المقام هو الوقوف عند قوله في البيت السابق: بهذه اليَوْمَ أَرْجُو لَيْل تلك غذا إذ حشد الشاعر ثنائيات في ظاهرها تجعل القراءة السطحية تائهة، ولكن لدى تأملها بعناية نعرف أنه أرادها على هذا النحو (بهذه - تلك - اليوم - غدا)، ولعل الموضوع المركزي وهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم - والتوسل به لنجاة الأمة من مصائبها التي تعيشها، تختلط فيه مشاعره الذاتية في وصف صفات رسول الله، لعل ذاته تقترب أكثر منه، فالصفات الضدية مثل: الروح والجسد، بعده وقربه غاب وشهد أمات نفسي وأحياها، أنفد وجدد اليأس والأمل الشجاعة والخوف واليوم وغدا تتوارد الصفات هنا بين طاقتين الأولى قاربت على النفاد والثانية تنتظر من شفيع الأمة أن يجددها له لأن الشاعر هنا يحاول أن يقف ويتصدى لمرضه ومرض الأمة، وينتظر شيئاً من موضوعه وهو المدح لعل هذا المدح بنسبه الألم، والشاعر يتوسل رسول الله كي يورثه الشجاعة والأمل ليحيا من جديد.
تتواصل الثنائيات في هذا المقطع وهنا الثنائيات تحتوي الجدال والخصام بشكل أكثر كثافة، وأكثر حدة فالأبيات التالية تشهد طائفتين إحداهما تعبر عن ذات وما يشعر به من إعجاب وتعظيم السيد الخلق، والأخرى تعبر عن طائفة طاغية تعادل الموضوع الذي يقف فيه سيد الخلق بقدرته وحنكته ضد أعداء الإسلام فيقول: ويبدأ الشاعر بثنائية تكفر هدى وكل من الكلمتين ضد للأخرى، وهنا يتكلم الشاعر عن الرسول الذي رفض الأصنام وكفر بها على الرغم من عدم نزول الإسلام أو نزول الهدى عليه، فذات الشاعر متوافقة مع رفض الموضوع وهو التعبد للأصنام، والتوافق مع موضوعه وهو الرسول وأخذ الهداية من الرسول وكتاب الله تبدأ ذات الشاعر بالدوران حول الموضوع وهو رسول الله، وبيان صفاته في إظهار الحق والوقوف ضد كل من يحاول تشويه هذا الدين، فيقول: إن ذات الشاعر تحاول أن تكتسب الهداية من رسول الله والسير بما سار عليه سيد الخلق ومحاولة الاندماج مع هذه الصفات، إن هذه الثنائيات التي امتلكها رسول الله التي أودعها رب العزة فيه كي يقف ضد الكفر، حيث واجه الكفر بإيمانه، والسخرية من الكفار أي الطائفة الأخرى الذين يعدون الضلالة رشداً، ثم احتدام الموضوع وهو الكفر والإيمان، وكل ثنائية توازي موضوعا، ولكن حاول أن يظهر طائفة الحق التي جاء بها سيد الخلق، لذلك بدأت ذاتية الشاعر تلتصق مع الموضوع، وبدأت تختفي تدريجياً بعد تحول الثنائية من القلق والخوف إلى الثقة والطمأنينة النفسية، من خلال التركيز على جوانب الموضوع، وهو مدح صفات سيد الخلق التي انتشرت في القصيدة مما أدى إلى اختلاط الذات بالموضوع لأن الموضوع جزء لا يتجزأ من حياة الشاعر.
بني الشاعر القصيدة على ثنائيات الذات والموضوع فتارة ترى ثنائية الذات أكثر انتشارا، وتارة ترى الموضوع أكثر انتشاراً، إن الشاعر من خلال ذاته صرح بحبه الرسول الله وباشتياقه له، وأصبحت ألفاظ الذات التي استخدمها تدل على أكثر من ذات لأن هذه الذات منتشرة في الأمة فأصبحت لا تعني جسداً واحداً أي جسد الشاعر، إنما كل إنسان مؤمن يحب سيد الخلق، والألفاظ الذاتية المندمجة بالموضوع تدل على مواطن الاشتياق والحنين، وهناك جزء من الذات يحمل فيه الغضب تجاه حكام هذه الأمة، وتفريطهم بدين محمد عليه الصلاة والسلام، أما الموضوع فهو المدح والفخر بسيد الخلق، فنحن نمدح رسول الله كأننا نمدح أنفسنا، وعندما نفخر برسول الله كأننا نفخر بأنفسنا حتى نرى أن الفخر والمدح لا يكفيان بحق سيد المرسلين، إن الموضوع الذي اختاره الشاعر يعبر عما يشعر به مجتمع كامل، فالحب الرسول الله لا يشمل فقط ذات الشاعر وإنما يشمل أمة كاملة، إن ثنائية الموضوع شملت جوانب القصيدة وليس جزئية معينة، فكان تارة يمدح رسول الله وما قدمه لهذه الأمة ليوم الدين، ومدح صفاته التي تجاوزت الحدود، ثم ابتعد قليلاً عن الموضوع خصوصاً في الأبيات التي تصف حكام المسلمين بعد وفاة رسول الله، فكانت الألفاظ أكثر سخرية وأكثر غضبا وأكثر عنفا تجاه من فرط بدين محمد عليه الصلاة والسلام.
المبحث الثاني ثنائية الساكن والمتحرك؟
من سمات الأشياء في الكون الحركة والثبات، ولكن هناك بعض الأمور لا تحتمل الوجهين معاه أي يكون فيها فقط حركة، أو يكون فها سكون فقط، إلا إذا تدخلت الطبيعة بقدرة الله سبحانه وتعالى فيتحول الثابت إلى متحرك أو العكس، إن هذه الثنائية جزء ملاصق للواقع، وما يكون في الواقع يمكن أن يكون في الشعر لأن الشعر بوجه عام ينطلق من الواقع ويرافقه، فالشاعر يعبر عن الواقع من خلال شعره وفته والحركة تعبر عن حالة شعورية متجددة ومستمرة، والساكن قد يعبر عن البقاء أو الركود أو التوقف وثنائية الساكن والمتحرك تحمل دلالة فنية في الشعر أكثر من غيرها؛ لأنها من خلق الشاعر وإبداعه.
وعلى الرغم من أن المعاني المعجمية لكليهما قد تكون مقيدة الخيال الشاعر، إلا أن الشاعر يحاول التخلص من القيود التي تفرضها أعراف كثيرة حتى لو كانت أصولا معجمية الحركة من الحاء والزاء والكاف: أصل واحد، فالحركة ضد السكون، حرك: حرك حركاً وحركة ضد سكن. وحَرَّكْتُهُ فَتَحَرَّكَ ما به حراك حركة، تدل معنى كلمة الحركة على الاضطراب والانتشار، فالذهاب ولو بخطوة بعد حركة وهو يحمل من معناه عدم التوقف.
أما السكون: فهو من الشين والكاف والنون أصل واحد مطرد، بدل على خلاف الاضطراب والحركة.
سكن: السكون ضد الحركة، سكن الشيء يشكل سكونا إذا ذهبت حركته، وأشكته هو وسكنه غيره تسكيناً، وكل ما هذا فقد سكن كالريح والحر والبرد ونحو ذلك، وسكن الرجل سكت، وقيل: سكن في معنى سكت، وسكنت الربح وسكن المطر وسكن الغضب، إن كل حركة تنطلق ثم تتوقف وتسكن، والكون مهما تحرك سيأتي يوم ويقف، وعندها سيكون التوقف دلالة على الانتهاء، وأيضاً يأتي من معنى سكن البيت أي ذهب إلى البيت وسكن به ويقال للبيت مكان السكن والهدوء لأنه مكان انتهاء العمل.