تبين لنا فيما سبق أن النقاد العرب والبلاغيين ومن ورائهم جمهور المتلقين في القرن الرابع الهجري تباينوا في الطريقة التي ينبغي على القارئ أن ينظر فيها إلى العمل الأدبي فالقراءات في تاريخ الأدب والنقد العربي تنوعت في اتجاهاتها وقد احتكمت في كثير من الأحيان لذوق الناقد لأن الأدب كان ينتقل بين الناس مشافهة ولأن القول على السليقة والسجية فرض مقاييس غير معللة لوصف جودة العمل الأدبي ورداءته في نقد الشعر.
ولكن ظهور الدعوة الإسلامية واستقرار المجتمع الجديد بقيمه التي ترسخت سريعاً وتطورت مع تطور الحركة السياسية ومن ثم الحضارية أديا فيما بعد إلى تغير أدوات التعبير وظهور حركة نقدية مسايرة فرضتها الضرورة الناتجة عن الحراك الفكري والحضاري بين الاتجاهات الفكرية المتنوعة والأعراق والفئات التي دخلت إلى الدولة من بوابة الإسلام الواسعة وهذا ما أدى إلى ذلك التنوع في القرن الرابع ولا يعني ذلك أن الاختلاف في طرائق القراءة والتلقي والنقد كان حاداً وكبيراً إذ إن نقاطاً مشتركة كانت تنظم تلك الطرائق ولولا الصراعات النقدية التي درجت في سوق الأدب من خلافات حول الشكل الجديد للشعر ومذهب البديع وقضايا مثل الطبع والصنعة والسرقات الشعرية وعمود الشعر وقضايا الأخلاق والدين لاقترب النقاد من الالتزام بمعايير مشتركة وثابتة في التلقي.
والنقطة الأولى والأهم التي تواجهنا بداية مما التقى عنده النقاد والتي شكلت أساساً اجتمع النقاد حولها هي حكم الجودة، فكما أن الشاعر حر في تناول ما يشاء من المعاني فكذلك المتلقي حر في قبول ما يعجبه من تلك المعاني ورفض ما لا يعجبه منها ومن هنا يأتي حكم القيمة على النتاج الشعري وهي معيار يهتم بالحكم على المادة الأدبية حكما جماليا يتمثل بالجودة أو الرداءة وما يقف خلفهما من مقولات جمالية كالحسن والقبح وقد تعددت مشارب النقاد في استلهامهم القواعد والأحكام والذي يميز هذا المعيار هو أنه حكم قيمة أي إنه بحاجة إلى مقياس محدد يؤدي إلى حكم سليم ويجمع أغلب النقاد والباحثين منذ أفلاطون وأرسطو وحتى الوقت الحاضر على أن للنقد، إضافة إلى وظائفه الأخرى المتمثلة في التفسير والتحليل والاكتشاف والوصف بعدا تقويمياً أو قيمياً لا يمكن إغفاله، وهم يؤكدون على أهمية أحكام القيمة وضرورة فحص القيم الفكرية والإنسانية كقضايا الحقيقة والصدق والقبح والجمال والجودة والرداءة واستخلاص الرؤيا الاجتماعية والحضارية والإيديولوجية التي يحملها النص الأدبي إذ لا يمكن تجاهل منظومة القيم الفكرية التي يزخر بها النص الأدبي والاقتصار على وصف القيم الجمالية الخالصة.
وهذا ما يؤدي إلى أن نضع هذا المعيار تحت عنوان القراءة التقويمية فالمتتبع لآراء النقاد العرب ومناهجهم في قراءة النصوص الأدبية يلاحظ اهتمامهم بالجانب التقويمي في القراءة سواءً من خلال الأحكام المتنوعة التي يصدرونها على العمل الأدبي أم من خلال اهتمامهم بتعليم الشاعر أهم أدوات الإبداع وأصوله التي تجعل عمله غاية في التجويد أم من خلال تأكيدهم على محورية المتلقي في العمل الأدبي وأهمية أن يتوجه الشاعر إلى إرضائه لأنه الحكم الأول في تقويم العمل، وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية عن أهم مصادر الحكم الأدبي الذي احتكمت لها القراءات التقويمية في النقد العربي.
حكم الجودة بين الذوق والتعليل؟
إن خلو التاريخ الفكري العربي في بدايات نشأته من طرائق التفكير الفلسفية وابتعادهم عن مناخات التفكير التجريدي أدى إلى تأخرهم في وضع المقاييس العلمية وعدم اهتمامهم بتقعيد الأحكام وقد أدى اعتزازهم بلغتهم وتقديسهم لها ومن ثم انتماؤهم إلى الشعر فكرياً إلى الاستناد بداية إلى الذوق في الحكم الأدبي فقد كانت الجودة والرداءة المقولتين الأهم في قراءاتهم وهذا ما جعل الأحكام فردية تبتعد عن التعليل، وذلك لأن صدور القارئ الناقد واللغوي والنحوي بالإضافة إلى القارئ العادي عن نفس المعيار الذي يتصف بالذاتية أدى إلى تنوع تلك الأحكام على الرغم من أنها لم تتعد أن تكون جيدة أو رديئة، ومن جانب آخر جعل تلك الأحكام تبتعد عن الموضوعية في بعض الأحيان تبعاً لخبرة المتلقي وهذا ما سنناقشه لاحقاً فمسيرة الفكر النقدي ظلت حتى القرن الخامس الهجري تتأرجح بين اتجاهين في التعامل مع النص اتجاه يميل بأصحابه في إصدار الأحكام إلى الربط بين النص وصاحبه واتجاه يستقبل فيه النص بصورة تلغى فيها ذاتية الشاعر أو تكاد، وفي كلا الاتجاهين كانت عملية التلقي أو دراسة النص تخضع غالباً إما لقناعة خاصة يعتسف بها المتلقي مجال النص وصاحبه وإما لأحكام صادرة عن هوى النفس وإما لمعيار لا يمت بسبب الأصول الفن الأدبي.
لقد كان الذوق القانون الأساسي في الحكم عند النقاد العرب وكانت محاولاتهم وضع القواعد والحدود والمعايير تسعى إلى وضع قوانين تسير باتجاه إلغاء الأحكام الفردية على الشعر والشاعر، وقد كانت الحركات التي تنزع إلى الحداثة النقدية والتي سعت المسايرة الحداثة الأدبية أكثر اهتماماً بإيجاد قوانين علمية في الحكم بهدف تعليله ووضعه في قالب أقرب للقواعد التي توجه القارئ في إصدار الحكم وقد ساعدهم على ذلك النزوع التجديدي عند الشعراء الذين رغبوا إلى تجاوز المقدسات الأدبية التي وضعها أهل النقل مثل نهج القصيدة وعمود الشعر والقوانين التي وضعها أهل المنقول كانت بحكم غموضها نفسه أقل الزاما للشعراء كما كان هذا الفريق من النقاد بحكم اعتمادهم على الرواية، أكثر اتكاء على الذوق واستدعاء لانفعالهم الخاص عند قراءة الشعر.
والذوق الأدبي هو الموجه الأول في عمليات النقد الأدبي في الحضارات التي تخلو من التفكير العلمي والفلسفي وهو وليد المقدرات والخبرات الذاتية المحضة والتي ترتكز على تداول المادة الأدبية والتماس مع أهل العلم بها وهو المرجع الطبيعي في الأحكام على الفنون الإنسانية ومنها الأدب فيجد القارئ أو السامع في بعض الأساليب من جرس الكلمات وحلاوتها والتئام التركيب وحسن رصفه وقوة المعاني وفخامتها وسمو الخيال ما لا يجده في بعضها الآخر فيحكم للأولى دون الثانية من غير أن يلتمس العلة لما أصدر من حكم، وهو المصدر الأول للحكم الأدبي يهتم بالتمييز بين أسلوب وآخر وبين نص وآخر جودة ورداءة ويعتمد الملامح العامة للنصوص وأهم ما يميز الذوق الأدبي بوصفه مرجعا في قراءة الجودة أنه غير معلل ولا جدال فيه كما يقال وأنه يعنى بممارسة الحكم على أعمال معينة بناء على مرجع عام هذا المرجع لا يمكن تحديده إلا بأنه قيمة أو قيم ما، فالحكم يستند إلى القيمة أي إنه معلل بالقيمة وإن كانت القيمة نفسها غير معللة.
فالذوق في الأحكام الأدبية يشابه القوانين العلمية لأنه المصدر الأول للحكم في غياب القواعد والقوانين وهو مقياس عماده التأثر والذوق والانفعال ولا يُعنى في أحكامه النقدية بالتحليل وبيان العلل والأسباب الكامنة وراء تلك الأحكام بل يكتفى فيه بما يعبر عن استحسان الناقد أو استهجانه للأثر المنقود.
لقد اعتمد النقد الأدبي ومعيار الجودة والحكم التقويمي في بداياته الذوق الفطري وهو معيار تأثري يتميز بالذاتية وقد أجمل النقاد الشروط التي تجعل القارئ ذا ذوق قادر على التقويم والتفضيل، لكي يسمع حكمه إذا حكم من دربة ومجالسة لأهل العلم بالشعر ومعرفة صناعة الشعر وحفظه فعلى الرغم من أن الذوق مرجع فطري يكتسبه الإنسان من محاورته الدائمة مع جماليات الطبيعة والفنون فتقبل النفس عبره ما ترتاح له وتنبو عما تقلق منه إلا أن النقاد القدماء رغبوا إلى صقل هذا الذوق الذاتي بإضافة خبرات مكتسبة له ليصبح حكمة أقوى وذلك بالمران والحفظ وكثرة السماع ومجالسة العلماء بالأدب.
واستعداد الناقد لهذه الأمور وقدرته على الإحساس بمواطن الجمال مع الدربة والثقافة يؤدي إلى امتلاك هذه الأداة في الحكم على الأعمال الأدبية من خلال استقبال الجمال الناشئ عنها وتذوقه ومن ثم قدرته على مقارنتها بغيرها مما تختزنه تجربته النقدية وتهيؤ الناقد لأن يكون ذواقة للأدب والشعر إنما يأتيه من صفاء القريحة وأصالة الطبع في أن يستعد لهذا اللون من الفنون استعداد إقبال عليه للإحساس بجماله.
وتتميز أحكام الذوق بأنها غير معللة إلا أنها تكشف عن خبرة الناقد وثقافته وشخصيته لأنها أحكام تاثرية نابعة من ذاته ولا تعتمد القوانين أو القواعد والذوق الأدبي يعتمد على أساسين هما العقل والعاطفة، والعاطفة يقوى دورها في ذوق الأديب المنشئ ويقل في ذوق الناقد المحايد.
وقد كان الذوق الناقد والفهم الثاقب عند ابن طباطبا وهو ليس سوى الذوق المدرب والمصقول بالثقافة والخبرة النقدية من أهم أدوات التلقي في معيار الجودة والحكم في القرن الرابع الهجري فـ ابن طباطبا يرى أن الفهم الثاقب هو أداة الحكم فالذوق المثقف والخبير له القدرة على تقويم الأعمال الأدبية وقد جعل الذوق الأدبي في منزلة إحدى الحواس والآمدي يطلب من الناقد أن يجالس أهل العلم بالشعر ليقوي تجربته لأن الناقد يجب أن يمتلك الخبرة مع الذوق حتى يقبل حكمه فـ الآمدي مثلاً، يتمتع بذوق عربي سليم فعلى الرغم من أنه عاش في القرن الرابع قرن امتزاج الحضارات المختلفة وقرأ الكثير من المؤلفات إلا أن ذوقه ظل بمأمن من أن تغزوه عناصر الحضارة الجديدة فتفسده وما الأحكام التي يطلقها والمذاهب التي يدعو إليها إلا خلاصة ذوق رفيع.
وعلى الرغم من اعتماد النقاد العرب الذوق الأدبي مصدراً أساسياً من مصادر الحكم الأدبي فقد ظهرت محاولات واضحة وجادة عند بعض النقاد سعيا نحو العلمية والتعليل ووضع القوانين لإصدار الأحكام الجمالية بوصفها الغاية من معيار الجودة في القراءة التقويمية للنصوص الأدبية، إلا أن الذوق الأدبي كان عرفاً عاماً في التقويم نجده حتى عند أكثر النقاد علمية فالآمدي مثلاً وإن كان يحاول أن يضع تعليلات لأحكامه الأدبية استقاها من المثال الشعري القديم والراسخ في الذاكرة الأدبية والنقدية إلا أن رأيه في الذوق هو رأي القاضي الجرجاني في كتاب الوساطة الذي يرى أن الذوق هو مرد الحكم في الأدب وأنه يكتسب بصحة الطبع وإدمان الرياضة وكان عقل قدامة المنطقي يغلب ذوقه الأدبي فزل أحياناً في نقده من حيث قوم ذوق ابن العميد والصاحب بن عباد وأبي هلال العسكري أحكام عقولهم في النقد والحكومة الأدبية وإن تبعوا منهج قدامة وجروا في فهم الشعر وتذوقه ونقده مجراه الذي أوضحه في كتابه نقد الشعر والذي يرجع إلى البحث في عناصر الشعر الأساسية من اللفظ والوزن والقافية والمعنى.
والذي كان يميز النقاد العرب هو إدراكهم منزلة الذوق في قراءة الأدب ومدى تأثيره وإن اختلف التعبير الاصطلاحي للذوق عندهم في وضع النص الأدبي في المكان المناسب على محور القيمة الجمالية للأدب والتي كانت تتراوح بين حدي الجودة والرداءة وما يتفرع عنهما من قيم ومقولات فابن طباطبا يرى أن عيار الشعر أن يورد على الفهم الثاقب ويقصد به الذوق الأدبي المثقف والآمدي كان أيضاً من الذين يرون أن بعض الحسن لا يمكن أن يعلل وهذا ما يترك إلى ذوق القارئ والقاضي الجرجاني يعتمد الذوق كثيراً في أحكامه النقدية بل ربما جعله المرجع الأساسي في تقدير جمال النصوص وجودتها أو رداءتها، وكما سبق فالذوق كان عرفاً عاماً في أحكام الجودة ساعدت السليقة العربية ورواية الشعر على رسوخه معياراً وحكماً عند أغلب النقاد والقراء، وهو طبع واستعداد فطري يصقله القارئ بالدربة والاطلاع وطول مجالسته ومذاكرته للعلماء.
غير أن الناقد لا يمكن أن يطمئن في حكم الجودة إلى الذوق الأدبي بوصفه المصدر الوحيد للحكم لأن ذلك سيؤدي إلى اختلاف في الأحكام بين القراء تبعاً لأذواقهم وهذا ما يفسر تطور النقد باتجاه وضع معايير للقراءة التقويمية بهدف تقنين الأحكام، ولم يهمل نقاد القرن الرابع الهجري هذا الجانب ونلاحظ ذلك بمحاولة بعضهم وضع نظرات علمية للتقويم الأدبي كان سببها الأساسي الصراع القائم بين الاتجاهات النقدية آنذاك وبسبب نشوء تيارات فكرية جديدة مثل المذهب الكلامي ودخول تيارات وافدة مثل الفلسفة اليونانية وما أدت إليه من تأثيرات ولأن الذوق الأدبي في كثير من الأحيان يقترن بعدم القدرة على التعليل وفي غالبيته يعبر عن انفعال سريع مستند إلى خبرة كبيرة وباع طويل في قراءة النصوص الأدبية ومدارسها، وهو ما جعل النقاد يسعون نحو محاولات التعليل سيراً نحو العلمية وذلك بالاعتماد على البصيرة النفاذة والعقل القادر على المفاضلة والموازنة والتعليل وصحة المقدمات لتبنى عليها أحكام يطمئن العقل إلى سدادها ويسلم بصحتها، لأن أذواق الناس متباينة فكان لا بد من أساليب العلم للإقناع بأن هذا الأثر الأدبي يفضل ذاك، وهذه الأساليب العلمية هي التي يلتقي عندها الناس جميعاً إذ إن أحكام العقل لا مناص من التسليم بصحتها.
وقد تباينت محاولات النقاد في وضع قوانين التقويم والحكم وتراوحت بين التعليل العفوي المعتمد على أصول الكتابة الأدبية التي تهدف إلى دفع الشاعر إلى التجويد، وبين السعي لوضع قانون علمي ومنهج متكامل لتقعيد الحكم، لقد كان ابن طباطبا مقارباً ذلك حين حاول أن يضع العقل والفهم بمنزلة حاكم أساسي على جودة العمل الأدبي على الرغم من أن الفهم الثاقب لا يخرج عن خبرة الناقد في استحسان ما وافقه ووافاه وينكر ما مجه بسبب نقصه استناداً لما يألفه ويرتاح له أو ما يجهله فهو يضع العقل ميزانا لتقويم الصواب والخطأ فالأصل في تحديد عنصر القيمة عند ابن طباطبا هو العقل الذي يرجع الإعجاب بالشعر أو عدم الإعجاب به إلى أصول محددة يمكن للجميع مناقشتها، والحديث عن عنصر القيمة الجمالية في الشعر لا يختلف كثيراً عن الحديث عن عيار الشعر كلاهما شيء واحد يؤكد ضرورة استناد الحكم النقدي إلى قاعدة ثابتة صالحة لأن تنطبق على كل شعر، وقيمة الشعر عند ابن طباطبا تتحدد بمدى تقبل الفهم له.