وأما الذي بحسب القسم الخامس : فأما في المشاكلة فأن يكون معنى مركب من معان وآخر غيره يتشاكل ترتيبهما أو يشتركان في الأجزاء، وأما الذي بالمخالفة فأن يتخالفا في التركيب أو الترتيب بعد الشركة في الأجزاء، أو بلا شركة في الأجزاء: ويدخل في هذه القسمة كقولهم: إما كذا كذا، وإما كذا كذا، والجمع والتفريق كقولهم: أنت وفلان بحر، لكن أنت للغمارة، وذلك للزعاقة، وجمع الجملة لتفصيل البيان كقولهم: يرجى ويتقى: يرجى الحيا منه، وتخشى الصواعق تبدو المشاكلة التامة الحادثة هنا بين معنيين مركبين من معان عديدة نتاجاً لتشاكل الترتيب في المعاني الجزئية المحدثة للتركيبين أو لاشتراك في هذه الأجزاء مما يهب التركيبين تشاكلا تاماً خاصة إذا تأسس على هذا الاشتراك في الأجزاء ترتيب منسجم متوازن إذ يبدو المستوى هنا مناظرا لقسم الألفاظ المركبة المترتبة وفق علاقات تناسب وحداتها الجزئية، أما التخالف في هذا القسم وإن شكل نوعاً من الانسجام والتناغم بالتضاد خاصة نوعه المركب المؤسس على المشترك في الأجزاء فإنه لا يعدو أن يكون تضخيما للمطابق إذ إن من أقسام هذا النوع ما يقع على الجمع والتفريق، وجمع الجملة لتفصيل البيان، والتمثيل لذلك يقوم على تضاد في المعنى، وتشخيص ذلك في تقابل الغمارة والزعاقة، ويرجى ويتقى وكذا ببعض التجوز الحيا والصواعق.
وخلاصة الرأي في هذه التفريعات السينوية لأوجه التناسب العالقة باللفظ والمعنى وأقسامهما، هي أنها امتداد للثنائية الناظمة لفكر ابن سينا المؤسسة على قناعات فكرية عميقة تتجذر أصولها في مصادرها المنطقية والفكرية عموماً.
أما لدى ابن رشد فإن التناسب العالق بالألفاظ والمعاني لا يبدو من مرتبة الحيل أو لواحق المحاكاة بل يكون بالإضافة إلى أصناف الصور المجازية من جوهر الفعل الشعري ذلك أن القول إنما يكون مختلفاً أي مغيراً عن القول الحقيقي من حيث توضع فيه الأسماء متوافقة في الموازنة والمقدار، وبالأسماء الغريبة، وبغير ذلك من أنواع التغيير، فاعتماد مبدأي التوافق والتوازن في إخراج القول الشعري تحقيق لمرتبة من مراتب الشعرية في القول إذ إن في التناسب الحادث بين الألفاظ والمعاني كشفا لاهتمام بالشكل يجعل القول المخرج وفق هذا المنحى متميزاً عن بقية أصناف القول، إلا أنه يبدو أن ابن رشد يقصد مخالفة ابن سينا في منح مبدأ الموافقة في إخراج القول قيمة أساسية في تحقيق مبدأ الشعرية فمستويات التناسب عموما تتنزل لدى ابن سينا في مرتبة الثانوي أو التحسيني دون أن يغفل أنها محدثة للمحاكمة أيضا، أما ابن رشد فإنه يقر بإمكان خلو القول الشعري من أقسام الألفاظ المجازية عموماً، وقيامه على الحقيقي أو المستولي فقط، في حين يمتنع قيام نص شعري دون أن يتحقق في بعض مستوياته شكل من التوافق في الموازنة والمقدار يقول، وأما موافقة الألفاظ بعضها لبعض في المقدار ومعادلة المعاني بعضها لبعض و موازنتها فأمر يجب أن يكون عاماً ومشتركا لجميع الألفاظ التي هي أجزاء القول الشعري، وذلك أنا نجد الشعراء، وإن استعملوا الألفاظ الحقيقية في المواضع التي يهزأ بهم في استعمالهم إياها ليس يخلو شعرهم من هذين الأمرين: أعني من الموازنة والموافقة في المقدار، ولكن كان هذا عاماً لجميع أنواع الشعر، وأما الأشعار التي تأتلف من الأسماء المختلفة فوجود هذا المعنى فيها أبين.
ولعل الذي دعا ابن رشد إلى تبني هذه المواقف إحساسه بفعالية ألوان الانسجام الصوتي في الشعر بما فيها الوزن والقافية، ومقابلها الإيقاعي في الخطابة إلا أن ما يدعم رأينا في اعتبار موقف ابن رشد من القضية مؤسسا على مبدأ الاختلاف مع ابن سينا هو أن ابن سينا وإن اعتبر أشكال التناسب من حيل المحاكاة فقد امتد بها لتشمل مراتب خمس عرضنا لها سابقاً تطول الألفاظ والمعاني في مراتبها الإفرادية والتركيبية في حين لم يذكر ابن رشد من هذه المراتب سوى ما علق بالألفاظ الإفرادية في مستوييها الصوتي والمعنوي دون أن يتمكن من فصل الحقلين فصلا تاما، وأغفل ذكر التوافق أو التوازن في الأدوات ومقاطع القول والتراكيب، وهذا يتناقض مع اعتباره هذه الأشكال من جوهر الشعر، من هنا يكون اقتصاره على مرتبة التوافق والتوازن في الألفاظ والمعاني في مستواهما الإفرادي اقتطاعاً لمرتبة واحدة مما ذكر ابن سينا قصد بها أن تعم القول الشعري وأن تصبح من جوهر المحاكاة.
ومبدأ الموافقة مبدأ فضفاض يستوعب أشكالاً عدة من أوجه النسبة الجامعة بين اللفظين في المستوى الصوتي أو المعنوي، يقول: وموافقة الألفاظ التي ذكر في المقدار هي مقاربة بعضها لبعض في عدد الحروف، وإن وافقت مع هذا في كل اللفظ، أو في بعض اللفظ، فهو الذي يعرف بالمطابقة والمجانسة عند أهل زماننا ، والموافقة في كل اللفظ أو في بعض اللفظ لا يمكن أن يصدق عليها وصف المجانسة إلا إذا تضمنت اختلافا في معاني الألفاظ المتجانسة علماً بأن وصف هذه العلاقة القائمة بين تناسب الحروف كما نص ابن رشد لا يمكن أن تنضوي تحت وصف المطابقة إذا اعتمدنا التعريف البلاغي إلا إذا اعتبرنا ابن رشد يستعمل اللفظين: المطابقة والمجانسة كمترادفين، أو نحمل الاصطلاحين معاني أوسع وفق منظور مزدوج حيث سيكون تقارب الحروف في اللفظين نوعا من أنواع المجانسة، واختلافهما في أي درجة من درجات الاختلاف شكلا من المطابقة، وقد ينسجم هذا التفريق مع هذه المقابلات التي اقتضتها القسمة المنطقية التي أوجدها ابن رشد حين شرع في تعداد أصناف الموافقة التي تكون أنحاء، وذلك أنه لا تخلو الموافقة أن تكون في كل اللفظ وكل المعنى.
ومثل قولهم: طويل النجاد طويل العماد، ثم ذكر مقابل النوع السابق وهو أن تكون الموافقة في بعض اللفظ وبعض المعنى ثم تفرع الموقف إلى هذه المقابلات حيث تتحقق ضمن هذه الأزواج أيضا في بعض اللفظ وكل المعنى، أو في كل اللفظ وبعض المعنى، أو تكون في كل اللفظ فقط أو في بعض اللفظ فقط، أو تكون في كل المعنى فقط أو في بعض المعنى فقط، فمثال الموافقة في بعض اللفظ وبعض المعنى الأسماء المشتقة من تصريف واحد وذلك مثل قول المتنبي:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم.
وتأتي على قدر الكرام المكارم.
ومثال الموافقة في بعض اللفظ وكل المعنى قولهم درهم ضرب الأمير ومضروب الأمير، ومثل عكس هذا، أعني في اللفظ وبعض المعنى الأسماء المشككة، والشعراء يستعملونها كثيراً، ومثال الموافقة في كل اللفظ فقط الأسماء المشتركة مثل قول المعري: معان من أحبتنا معان.
ومثال المتفقة في بعض اللفظ فقط قول حبيب: ما أنت على ذهلية بذاهل.
وقول أبي الطيب: أقلب الطرف بين الخيل والخول.
وهذا كله في لغة العرب، مثل الضرب والضرب، والحمل والحمل وأشرقت الشمس وشرقت.
ومثال الموافقة في كل المعنى فقط الأسماء المترادفة مثل قوله: أقوى وأقفر، ومثال المتفقة في بعض المعنى فقط الأسماء المختلفة التي تدل من
الشيء الواحد على جهات مختلفة، مثل الصارم والذكر، والقوافي عند العرب هي موافقة في المقدار وفي بعض اللفظ وذلك إما في حرف واحد وهو الأخير، وإما في حرفين وهو الذي يعرفه المحدثون باللزوم.
فإذا كانت الموافقة في كل اللفظ وفي كل المعنى تدخل في باب المتكرر الموت طويل فإن التمثيل بالعزم والعزائم للمتوافق في بعض اللفظ وبعض المعنى غير دقيق، إذ ليست العزائم إلا جمعا للعزم، ولعل ابن رشد يعتبر أن في صيغة الجمع اختلافاً عن المفرد، وهذا يقتضي وضعها ضمن المتوافق في بعض اللفظ وكل المعنى، ولكن لا يمكن اعتبار ما سبق من المجانس أبداً بحسب التحديد البلاغي، فضلا عن أن أمثلة الموافق في كل المعنى وبعض المعنى لا تدخل تحت المتطابق، إلا إذا اعتبرنا النسبة الحاصلة بين المعاني المترادفة نوعاً من أنواع التطابق، وكان يمكنه أن يعتبر هذه الأنماط من التوافقات من خصائص القول الشعري قد تشمل التجنيس كما في بعض الأمثلة الباقية معان، معان مغتال مغتال ذهلية ذاهل، وقد لا تشمله إنما تقوم على ألوان من التوازن المعنوي واللفظي عموما لتحقيق خصائص الشعرية في القول إذ إن من جوهرها قصد التناسب.
ويعتبر مبدأ التوافق لدى ابن رشد استغلالاً لما أسماه ابن سينا بالتشاكل في مرتبة بسائط الألفاظ في منزلتي التشاكل الذي يكون في اللفظ بحسب ما هو لفظ، والذي يكون فيه بحسب المعنى، في حين يمثل التوازن استثماراً لما أورده ابن سينا في قسم التشاكل الواقع في بسائط المعاني مع تغيير طفيف في بعض الأمثلة يقول ابن رشد: وأما الموازنة في أجزاء القول فهي على أنحاء أربعة:
أحدها أن يأتي بالشيء، وشبيهه، مثل الشمس والقمر، أو يأتي بالأضداد، مثل الليل والنهار، أو يأتي بالشيء وما يستعمل فيه، مثل القوس والسهم والفرس واللجام، أو يأتي بالأشياء المناسبة، مثل الملك والإله، وهذه المناسبة إنما تؤخذ من أربعة أشياء، ومن هذا الباب عيب على الكميت:
تكامل فيه الذل والشنب.
لأن الذل غير شبيه بالشنب.
والخلاصة أن أشكال التناسب التي تطول الألفاظ والمعاني وإن شملت مساحة الدلالة والصوت في القول خاصة يدعمها فهم أولي للتركيب كما بدا في ما سلف من أمثلة خصوصاً في حالة اعتماد الترتيب في الألفاظ والمعاني في العبارات المركبة حسب رأي ابن سينا، أو كما تظهر في قول ابن رشد مبينا دور التركيب في إحداث التغيير في الخطابة إذ يقول: والإغرابات التي تنجح يريد بحسب التركيب لا بحسب الألفاظ المفردة، وذلك فيما أحسب، مثل التقديم والتأخير والحذف والزيادة والإغرابات الغريبة يبدو أنها تفريع لموقف من اللفظ والمعنى أو الشكل والمضمون عموماً مع الإقرار بامتداد الإلحاح على هذه الأنماط من أوجه التناسب المعنوي واللفظي في القول الأدبي عموما كالخطابة التي يشترط فيها تحقيق التناغم الصوتي في أواخر الفقر الكلامية في هذه الصناعة من قبل التركيب الغير المعتاد في الأقاويل هي أيضا تغييرات واعتماد التفصيل في هذه الأقاويل بأن تكون أواخرها على صيغ واحدة أو اعتماد تكرار لفظ بعينه، وتفريعات ذلك في ما يسميه ابن رشد بالكرور والعطوف وغيرها، فعلى الرغم من تنزيل وجوه التناسب السابقة المحققة عامة لأشكال من الهيئات التحسينية الملحقة بالمحاكاة في مستواها الجوهري في ركن الصوت والدلالة والتركيب فإنها تظل محكومة برأي الفلاسفة في صلة الألفاظ بالمعاني، علماً بأن تخصيص القول الشعري أو الأدبي عموما بوضعه في خانة المغاير للعادي لم ينبن عليه الإيمان بجدوى السياق وفعاليته في بناء الدلالة.
أما عند أبي حيان التوحيدي فإن معتمده يكون على اللفظ والمعنى، وعلى النظم، ويبدو لأول وهلة، وهو يتحرك في مسار ثنائي يفصل العنصرين أنه يؤمن بتقديم طرف على آخر فمما يمكن أن يكون دليلاً على هذا التوجه ما يرويه عن بعضهم داعيا إلى ضرورة الاعتناء باللفظ الموثق والتأليف المعجب إذ ما أكثر ما رد صالح معناه لفاسد لفظه، وقبل فاسد معناه لصالح لفظه، إلا أنه لا يلبث أن يستدرك في أكثر من موضع ملحاً على ضرورة الاعتناء بالعنصرين من هذه المواضع قوله: ولا تعشق اللفظ دون المعنى ولا تهو المعنى دون اللفظ، ذلك أن أحسن الكلام ما رق لفظه، ولطف معناه، و لأن المعاني ليست في جهة والألفاظ في جهة، بل هي متمازجة متناسبة والصحة عليهما وقف، من هنا يكون من ضرورات البلاغة عنده في مراتبها المختلفة إذ يراها حسب ما يرويه عن أبي سليمان ضروباً منها بلاغة الشعر، ومنها بلاغة الخطابة، ومنها بلاغة النثر، ومنها بلاغة المثل ومنها بلاغة العقل، ومنها بلاغة البديهة، ومنها بلاغة التأويل أقول: يكون من ضرورات البلاغة عنده الاعتناء باللفظ والمعنى معا في أغلب ضروبها، مما يجعل إمكانية اختيار الدوال وفق مقاصد القول ضرورة أسلوبية تقتضي تحقيق خصائص الفصاحة في الألفاظ والوضوح في المعاني والشهرة أو اللطف حسب ضرورات الموضع ومتطلبات المقام.
لكن الموقف من المعنى واللفظ لا يلبث أن يمتد ليشمل النظم اللاحم لهما، وبدخوله حقل القول البليغ لدى التوحيدي ارتقاء إلى مرتبة الجمع بين ركني القول اللذين هما المعنى واللفظ، إذ ينبغي أن يكون الغرض الأول في صحة المعنى، والغرض الثاني في تخيير اللفظ والغرض الثالث في تسهيل النظم وحلاوة التأليف، واجتلاب الرونق، والاقتصاد في المؤاخاة، واستدامة الحال ليستمر الثاني على الأول، والثالث على الثاني، ويبدو أن وظيفة النظم هنا لا تتجاوز طابع الرصف الجامع لشتات الدوال إلا أنه بمقابلة دلالة النظم هنا بدور النحو في الكلام وفي تحصيل المعنى إذ أن الكلام كالجسم والنحو كالحلية، وأن التمييز بين الجسم والجسم إنما يقع بالحلي القائمة والأعراض الحالة فيه، وأن حاجته إلى حركة الكلمة بأحد وجوه الإعراب حتى يتميز الخطأ من الصواب كحاجته إلى نفس الخطاب، وحاجة الكلام إلى النحو أكيدة إذ لها علاقة بمعناه حيث يتغير المراد فيه باختلاف الإعراب فقد تمكننا من استشفاف تصور أولي لعلاقة نظم الكلام بالنحو حيث قد تقترب هذه الصلة من الوعي بالمستوى التركيبي، وعلاقة النحو أو معانيه برباط الوحدات في السياق إذ يروي التوحيدي عن أبي سعيد السيرافي في مناظرته متى بن يونس قوله: معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته بين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك، فدلالة معاني النحو هنا لا تقتصر على حركات الإعراب أو الوقاية من الخطأ وقصد الصواب بل تتخلل تأليف الكلام وتتحكم في ترتيب وحداته مع مراعاة مواضعها، ولو ارتبطت هذه الوظيفة بالنظم صراحة لكانت خطوة أعمق في فهم بنية الكلام.