0 تصويتات
في تصنيف كلمات كراش بواسطة (4.2مليون نقاط)

لم يكن قصدنا مقاربة تصور الذهن العربي الإسلامي لإشكال اللفظ والمعنى من منظور تاريخي يتنامى فيه الرصد وفق تتابع الفكرة، إنما هدفنا تحسس هذا التصور لدى الطوائف التي نخصها بالبحث وفق ما يستوجبه منطق منهجه الذي يقتضى أن نخص كل فئة أو تيار بوقفة أو وقفات، فكان أن انتهت دورة النقاد الأولى بقدامة بن جعفر، وبه اكتمل رأي في النص الأدبي ينوع في أشكال معالجته له بدءاً من الإلحاح على ضرورة التشاكل والتطابق بين المعنى واللفظ التي ستصل إلى نضوجها في المصادرة على فكرة صورة المعنى المطروحة من أيام الجاحظ، إلى فكرة الائتلاف الضام لعناصر النص المختلفة كما رأينا ذلك عند قدامة بن جعفر.

والواقع أن النقاد الذين نخصهم بهذه الوقفة بدءاً من أصحاب الموازنات ثم بعض البلاغيين كأبي هلال العسكري وابن سنان الخفاجي اللذين تزاوج الطرح عندهما في بحث إشكال اللفظ والمعنى بإشكال الفصاحة والبلاغة، إلى فئة من نقاد القرن الخامس الهجري كالمرزوقي والشريف المرتضى وابن رشيق، دون أن نجزم بانفصال حقل البلاغة عن حقل النقد لدى هؤلاء ولدى غيرهم أيضا، كان بين أيديهم وواكبهم نتاج وافر في الميدان، تجسده إنجازات النقاد السابقين، وتمثل أيضاً في أعمال متفلسفة في الإسلام في مجال النقد الأدبي والبلاغة انطلاقاً من مختصرات الكندي إلى آراء الفارابي مع الإشارة إلى طروحات أبي حيان التوحيدي واجتهادات مسكويه وتشعبات آراء فلاسفة القرن الرابع في الأدب نثره وشعره عامة، وفي معضلة اللفظ والمعنى خاصة كما تبلوره أيضا طائفة المتكلمين التي استقطب نتاجها مبحث إعجاز القرآن كحال الجاحظ في مؤلفه الذي لم يصلنا، وما يمكن أن يكون قد بثه الواسطي في الموضوع مما تضمنه كتابه في إعجاز القرآن أيضا إلى المعالجة المتقدمة كما يجسدها الرماني والخطابي فالباقلاني وغيرهم، هذه الفئات المتعاصرة والمتداخلة كان يمكن أن تتيح للنقاد الذين ندرسهم في هذا الموضع مزيدا من تعميق البحث في إشكال اللفظ والمعنى، إلا أن هؤلاء ظلوا في الأغلب أمناء الطروحات السابقين وخاصة الجاحظ وقدامة فيما يخص قضيتنا طبعا، ولم يتمكنوا من إضافة الجديد الحق باستثناء بعض التفريعات والتشقيقات أحياناً، دون أن ننسى محاولة هذا الناقد أو ذاك تنزيل عمله في إطار عام كالإشكال الذي انطلق منه الآمدي والقاضي الجرجاني المتمحور حول قضية الموازنة والوساطة التي ستشكل بدايتنا في قراءة آراء هؤلاء النقاد والبلاغيين.

اللفظ والمعنى عند أصحاب الموازنات؟ 

تكشف الموازنة بين البحتري وأبي تمام والوساطة بين المتنبي وخصومه عن ذوقين في الكتابة ومنحيين في تصور خصائص الفن في النص الأدبي وهذان الموقفان ليسا إلا واجهتين لصدام خفي بين مسلكين في المعرفة، اقتنع أحدهما بأنه الوصي على أصول قديمة راسخة في الثقافة العربية الإسلامية تحد بجهود اللغويين ومن تأثر بهم في البحث البلاغي والأدبي، وتترسخ قناعة هذا التيار شعريا في ضرورة تأسيس هذا الفن ممارسة ونقداً على ثوابت تقاليد القصيدة الجاهلية، واستفاد ثانيهما من روافد ثقافية فلسفية ومنطقية فعكف يستمليها ليجدد الحياة في عروق القصيدة العربية، إذ خيل إليه أن تدقيق المعنى وسبكه في صورة معقدة تقوم على الاستغلال الواسع لأوجه بلاغية كالاستعارة والجناس والطباق، وتوظف الألفاظ المستعارة من حقول معرفية ظلت غريبة عن الشعر كعلم الكلام والفلسفة تجديد في الشعر، فكان أن اختلفت مواقف النقاد بين منتصر للقديم ومنتصر للمحدث، وظل الصدام مطروحا والخلاف مستفحلا إلى أيام الآمدي والقاضي الجرجاني بل إلى ما بعدهما، حيث قدر لهذا الخلاف أن يأخذ مداه كاملاً بالاعتكاف على استخلاص الأسس والقواعد الفنية التي ستمكن من وضعه في إطاره النظري المؤسس لمنطلقات كل طرف، مع توثيق التنظير بتفريعات التمثيل والتحليل لأبرز كتابات الطرفين.

من هنا تتنزل الموازنة والوساطة في جوهر هذه الأعمال إذ نمثل بهما لأصحاب الموازنات عامة، لكننا لا ندعى أن الفواصل كانت حاسمة بين التيارين، ففي الشعر مثلاً، لا يمكن وضع البحتري بمنأى عن تلطيف المعنى واستغلال الشائع من الثقافة الفلسفية إذ له مثاليته الخاصة، أما في النقد فإنه على الرغم من أن الآمدي لا يخفي موقفه من الانتصار لمذهب عمود الشعر العربي، فإنه لا يجد بدا من الانطلاق من أصول فلسفية عامة يبني عليها رأيه في طريقتي الكتابة اللذين يمثلهما كل من البحتري وأبي تمام.

فالآمدي إذ يهدف إلى توفير شروط الاقتناع بصحة رأيه في الشعر وميله إلى القديم يضع تصوره هذا ضمن نطاق شامل لكل صناعة بالاعتماد على فكرة العلل الأربع، ذلك أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء وهي جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى تمام الصنعة من غير نقص فيها ولا زيادة عليها ، ثم يدقق هذه المصطلحات مقتربا من المصطلح المعتمد لدى الفلاسفة ذاكرا أن كل محدث مصنوع يحتاج إلى أربعة أشياء علة هيولانية وهي الأصل، وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية، ليخلص إثر ذكر أنموذج الخلق عامة مصداقا لهذه المبادئ أو العلل إلى التطبيق على فعل الصنعة الذي يشمل كل مصنوع، بما في ذلك الشعر، ذلك أنه لا يستقيم فعل الصنعة إلا بهذه الأشياء الأربعة، وهي آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار، وفضة الصانع، وأجر البناء، وألفاظ الشاعر والخطيب، وهذه هي العلة الهيولانية التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة الغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلة الصورية التي ذكروها، ثم صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلة التمامية، فهما قول جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنى لطيفا مستغربا كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض، فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها.

وعلى الرغم من أن توظيف هذا الاقتباس لتوضيح فكرة الصنعة الشعرية غير متطابق تماما مع المعاني أو الوظائف التي حددها الفلاسفة للعلل الأربع، فإننا نميل إلى أن الآمدي كان واعيا بالمنزع الذي نحاه في استغلال هذه المبادئ لتحديد تصوره الشعر وجودته من هنا لا نميل إلى وسمه بأنه لم يعرف منزلة العلة الصورية من هذه العلل الأربع، وأنها هي التي تقوم بها الصفة الذاتية للشيء، وكأنه توهم من قولهم إن العلة الهيولانية هي الأصل وأن العلل الباقيات فروع لها، وهو قد رأى هذه العلة الهيولانية في الألفاظ دون أن يلاحظ أن الألفاظ دوال على معان، ومن ثم كان بعيدا كل البعد عن أن يبين بطريقة فلسفية، صفات الشعر الجيد، وانتهى إلى حيث بدأ من تقرير أن المعاني اللطيفة في الشعر نافلة ليست بأصل، ذلك أن العوامل المؤدية إلى غير هذا الموقف كثيرة.

ونلاحظ بداية أن فكرة العلل الأربع شائعة في الأوساط الثقافية آنذاك وليست حكراً على فئة دون أخرى، إذ يبدو أن هذه المصطلحات، وخاصة مصطلح الصورة رائجة التوظيف لدى الفئات المختلفة، وليس اعتماد الجاحظ وسم الصياغة الشعرية للمعنى بالصورة، سوى استغلال لهذا المنحى، فلا يمكن للآمدي أن يكون في منأى عن هذا الشيوع وهو يتخذ موقفا رافضا لكل ميل إلى استغلال التدقيق الفلسفي في الشعر، علما بأنه عاش في القرن الرابع الهجري عصر رواج التفلسف وذيوع صيته، ناهيك أن انتقاده قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر، ومخالفته إياه في مسائل كالمدح بصفات الجمال كانت تتيح له وهو ينقد هذا الكتاب المؤسس على فكرة التأليف واستغلال مفهوم الصورة والمادة بصريح قول قدامة، أن يدرك بعمق دلالات هذه المصطلحات وأن ينزل مفهوم الصورة المنزلة التي تلائم المعنى الفلسفي، ولكنه أبى مسايرة قدامة ذلك لأنه يبتغي توظيف هذه المبادئ لخدمة أغراضه.

أما في الإطار العام فقد ساير معهود الاستعمال، ففي شرحه الخلق الإلهي للكائنات يرى أن الهيولانية فهم يعنون به الطينة التي يبتدعها البارئ جل جلاله ويخترعها ليصور ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جمل أو غيرها من الحيوان، أو برة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النبات، فباستثناء رأيه بأن الهيولي مخلوقة تمشياً مع التصور الإسلامي لفعل الخلق وهي عند الفلاسفة قديمة، نراه مدركا لعلاقة الهيولي بالصورة، إذ إن فحوى كلامه يؤكد أن اختلاف المخلوقات إنما هو بالصورة الطارئة على المادة الطينة، فالمخلوقات المعددة في النص تشترك في وحدة المادة وتختلف في الصورة التي تهب كلا خصائصه، فضلا عن أن استعماله المصطلح يكشف عن إلمامه بالتنوع في الاصطلاح، فاستعماله العلة التمامية وهي إن صدقنا الآمدي في استعمال المصطلح تساوي العلة الغائية، يكشف عن إطلاعه على التنوع في الاصطلاحات المستخدمة في وصف الفكرة الواحدة، ذلك أن هذا الاستخدام يعود إلى أيام الفيلسوف الكندي.

أما المهم فهو مقابل اللفظ والمعنى في هذه المبادئ الأربعة، فهل غير خاف أننا لا نستطيع مناقشة الآمدي في هذا التشبيه الذي استمده من الفلسفة لأنه لم يفهمه، فالعلتان الأولى والثانية الهيولانية والصورية تقابلان في الشعر ما أطلق عليه النقاد العرب اسمي اللفظ والمعنى؟ والحق أن التقابل لم يكن بهذه الكيفية دائما، إذ من النقاد من قابل حقا، بين الهيولي والصورة والمعنى واللفظ كقدامة مثلاً، ومن تأثره كأسامة بن منقذ، والنواجي، ومن النقاد من اعتبر الهيولى مقابلا للألفاظ، لأنه يعتبر موضوع الصنعة الشعرية للألفاظ وحسن تأليفها، ومن هؤلاء الآمدي وابن سنان وكلاهما انتقد قدامة وأفاد منه، وكذلك المواعيني الذي عرض إحسان عباس رأيه في الموضوع. 

وتأسيساً على ما سلف لم يهمل الآمدي المعنى إذ يتنزل عنده في مرتبتين، مرتبة يكون المعنى فيها كالأمر البديهي يسميه المعنى المكشوف، إذ إن كل صياغة شعرية لا بد أن تحتوي معنى، أما جوهر الشعرية فيكمن في الصياغة نفسها، ومرتبة يتحقق فيها للمعنى اللطافة والاستغراب، وهذا أمر زائد في حسن الصنعة والجودة، ذلك أن الصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها.

ولذلك كان توظيف الآمدي فكرة العلل الأربع متمشياً مع هذه الأصول، ذلك أن تمام الصياغة الشعرية يتحقق بإصابة الغرض المقصود المقابل للعلة الصورية التي تتأسس على الهيولى المتجسدة هنا في الألفاظ، وهو تحوير في القضية، إذ إن قدامة يرى أن المعنى كالمادة والشعر فيه كالصورة، والآمدي يرى اللفظ كالمادة وإصابة الغرض المقصود هو الصورة، ولا يشك في أن إصابة الغرض في الشعر هو تحقيق المعنى المقصود، ثم يتلوهما صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، كما قال، ومن هنا نفهم قوله أخيراً  فصحة التأليف في الشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة المعنى، فكل من كان أصح تأليفا كان أقوم بتلك الصناعة ممن اضطرب تأليفه، فصحة المعنى هنا هي تنزله ضمن المقصد والغرض حسب التقاليد الضابطة للأغراض، ومقتضيات الأعراف الاجتماعية وخصائص الصنعة الشعرية ويبدو أن الآمدي استغل قدامة هنا، ذلك أن من شروط صحة المعنى لديه ملاءمته الغرض، أما صحة التأليف فهي مسألة صياغة تتعلق بنسيج الكلام ونظمه، وهكذا نصل إلى العلة الغائية التي تضبط شروط إيفاء الصنعة حقها من غير زيادة ولا نقصان، وبتمامها يكمل لفعل الصنعة وجوده، وخارج هذا الوجود يمكن أن يتفق للشاعر تحقيق معنى لطيف، فهو كالفضلة يزيد من حسن الصنعة ما دام لا يخرج عن الغرض، وانتفاؤه من الصياغة لا يعني قيام التأليف على شكل مفارق أجوف، إذ إنه يتأسس على معاني الشعر المعهودة كما حصرها عمود الشعر عند العرب.

وسيكون بين يدي الآمدي مبدأن اثنان يقيم بواسطتهما موازنته بين البحتري وأبي تمام وبهما تتأسس معالجته النص الأدبي عموما، وهما: حسن التأليف، ودقة المعاني، وحضور العنصرين في الصياغة الشعرية تحقيق لغاية الجودة القصوى، والاكتفاء بحسن التأليف فقط، مع قيامه طبعاً على معهود المعاني، يعني وقوع الصياغة ضمن قيم عمود الشعر العربي، وتلك طريقة البحتري، أما اعتبار تلطيف المعنى ودقته هاجس الكتابة الأول مع عدم إيفاء التأليف شروطه الجميلة، فهو خروج بالشعر عن مساره وتلك طريقة أبي تمام، ونجد أن فكرة التأليف الجميل ودقة المعاني ليست إلا امتداداً لثنائية اللفظ والمعنى، فهي تستفيد من فكرة الجاحظ عن المعنى ومن ثنائية ابن قتيبة وتعضدها بفكرة قدامة عن التأليف مع حضور خفي لفكرة الصورة أيضاً، فالتأليف الجميل يتعادل مع الصورة أو اللفظ في حين يتكافأ اصطلاح معنى مع المعنى الدقيق إذ إن دقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة، وما دام التأليف عنده إفرازا لتركيب العناصر بما فيها المعنى، فإن دقيق المعاني قيمة في ذات المعنى، وليست دوما مشروطة بكمال التأليف، إذ إن إمكان الجمع بين سوء التأليف ودقيق المعاني وارد وهي الحجة التي يبرزها في وجه أنصار أبي تمام.

وتأسيساً على ما سلف يكون إيفاء التأليف حقه من الجمال والحسن تحقيقاً لغاية القول شعراً ونثراً، ومعاضدة هذا الركن بالمعنى اللطيف زيادة في البهاء ذلك أن ليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري، قالوا وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر، فإن اتفق، مع هذا معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه.

2 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
ولذلك كان توظيف الآمدي فكرة العلل الأربع متمشياً مع هذه الأصول، ذلك أن تمام الصياغة الشعرية يتحقق بإصابة الغرض المقصود المقابل للعلة الصورية التي تتأسس على الهيولى المتجسدة هنا في الألفاظ، وهو تحوير في القضية، إذ إن قدامة يرى أن المعنى كالمادة والشعر فيه كالصورة، والآمدي يرى اللفظ كالمادة وإصابة الغرض المقصود هو الصورة، ولا يشك في أن إصابة الغرض في الشعر هو تحقيق المعنى المقصود، ثم يتلوهما صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، كما قال، ومن هنا نفهم قوله أخيراً  فصحة التأليف في الشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة المعنى، فكل من كان أصح تأليفا كان أقوم بتلك الصناعة ممن اضطرب تأليفه، فصحة المعنى هنا هي تنزله ضمن المقصد والغرض حسب التقاليد الضابطة للأغراض، ومقتضيات الأعراف الاجتماعية وخصائص الصنعة الشعرية ويبدو أن الآمدي استغل قدامة هنا، ذلك أن من شروط صحة المعنى لديه ملاءمته الغرض، أما صحة التأليف فهي مسألة صياغة تتعلق بنسيج الكلام ونظمه، وهكذا نصل إلى العلة الغائية التي تضبط شروط إيفاء الصنعة حقها من غير زيادة ولا نقصان، وبتمامها يكمل لفعل الصنعة وجوده، وخارج هذا الوجود يمكن أن يتفق للشاعر تحقيق معنى لطيف، فهو كالفضلة يزيد من حسن الصنعة ما دام لا يخرج عن الغرض، وانتفاؤه من الصياغة لا يعني قيام التأليف على شكل مفارق أجوف، إذ إنه يتأسس على معاني الشعر المعهودة كما حصرها عمود الشعر عند العرب.

وسيكون بين يدي الآمدي مبدأن اثنان يقيم بواسطتهما موازنته بين البحتري وأبي تمام وبهما تتأسس معالجته النص الأدبي عموما، وهما: حسن التأليف، ودقة المعاني، وحضور العنصرين في الصياغة الشعرية تحقيق لغاية الجودة القصوى، والاكتفاء بحسن التأليف فقط، مع قيامه طبعاً على معهود المعاني، يعني وقوع الصياغة ضمن قيم عمود الشعر العربي، وتلك طريقة البحتري، أما اعتبار تلطيف المعنى ودقته هاجس الكتابة الأول مع عدم إيفاء التأليف شروطه الجميلة، فهو خروج بالشعر عن مساره وتلك طريقة أبي تمام، ونجد أن فكرة التأليف الجميل ودقة المعاني ليست إلا امتداداً لثنائية اللفظ والمعنى، فهي تستفيد من فكرة الجاحظ عن المعنى ومن ثنائية ابن قتيبة وتعضدها بفكرة قدامة عن التأليف مع حضور خفي لفكرة الصورة أيضاً، فالتأليف الجميل يتعادل مع الصورة أو اللفظ في حين يتكافأ اصطلاح معنى مع المعنى الدقيق إذ إن دقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة، وما دام التأليف عنده إفرازا لتركيب العناصر بما فيها المعنى، فإن دقيق المعاني قيمة في ذات المعنى، وليست دوما مشروطة بكمال التأليف، إذ إن إمكان الجمع بين سوء التأليف ودقيق المعاني وارد وهي الحجة التي يبرزها في وجه أنصار أبي تمام.

وتأسيساً على ما سلف يكون إيفاء التأليف حقه من الجمال والحسن تحقيقاً لغاية القول شعراً ونثراً، ومعاضدة هذا الركن بالمعنى اللطيف زيادة في البهاء ذلك أن ليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري، قالوا وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر، فإن اتفق، مع هذا معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن، فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه.

وما دام هذا الموقف انتصاراً لخواص الصياغة ذاتها، وإحلالاً للمعاني الفكرية والحكمية محلا ثانويا وهو رأي يكشف أن ميزة الشعر العربي تتجسد في البيان، والفصاحة، وحسن الصياغة، لا المعاني، فالمعاني يستطيعها كل إنسان بكل لسان، فإنه يكون اعتماد طريقة مغايرة للطريقة السابقة بالتركيز على المعاني الفلسفية انحرافا عن الذوق الراسخ كما يرى الآمدي وانفلاتا من إسار التقليد الفني الذي يبوئ التأليف الجميل المقام الأول، فإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة عنها، ولسانه غير مدرك لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان، أو حكمة الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من صحيح الوصف وسليم النظر، قلنا له، قد جئت بحكمة وفلسفة ومعان لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيما، أو سميناك فيلسوفا، ولكن لا نسميك شاعرا، ولا ندعوك بليغا، لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ولا على مذاهبهم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء ولا المحسنين الفصحاء، فلا شك أن الموجهات السياسية والحضارية عملت على بلورة هذين المنحيين في الكتابة إلا أنه في ظن الآمدي يتحقق الإبداع في الإخراج المتكرر للمعهود، ذلك أن الطريف بحسبه يكمن في تلبس المعهود المتداول بالغريب والجديد حسب ما تحققه جماليات التأليف، فحسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسنا ورونقا حتى كأنه قد أحدث فيه غرابة لم تكن، وزيادة لم تعهد، وذلك مذهب البحتري، وهذا حل مزدوج فبالقدر الذي يبقي على الصلات بالمعهود يفتح المجال للجديد الذي لا يعبث بالأصول، عكس المنزع الآخر، ذلك أن سوء التأليف ورداءة اللفظ يذهب بطلاوة المعنى الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحوج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام في معظم شعره.

وأوجه التقابل التي نزل فيها الأصلين الفنيين جودة التأليف، ودقيق المعاني تساعدنا على حل الإشكال الذي يضعنا فيه نصه التالي، فقد وجد أهل النصفة من أصحاب البحتري، ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه، لا يدفعون أبا تمام عن لطيف المعاني ودقيقها، والإبداع والإغراب فيها، وإن اهتمامه بمعانيه أكثر من اهتمامه بتقويم لفظه على شدة غرامه بالطباق والتجنيس والمماثلة، وأنه إذا لاح له أخرجه بأي لفظ استوى من ضعيف أو قوي، وإذا كان هذا هكذا فقد سلموا له الشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلة دون ما سواها فضل امرؤ القيس، لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه وبديع الحكمة، فوق ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية والإسلام، حتى أنه لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أن تشتمل من ذلك على نوع أو أنواع، ولولا لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها، لما تقدم على غيره، ولكان كسائر الشعراء من أهل زمانه، إذ ليست له فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم، ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم، ولكن هل يمكن اعتبار هذا الموقف المشيد بالمعاني وكونها وسيلة السبق والتقديم وأنها ضالة الشعراء وطلبتهم مخالفاً لرأيه فيما سلف من نصوص، وتأكيده أن التأليف الحسن هو أس الشعر وبذلك فضل البحتري؟ فهل نعد ذلك تناقضا في تصور الآمدي لتياري النقد بسبب من ميله الذاتي إلى الفريق الثاني، الفريق الذي ينصر التأليف الجميل؟ الواقع أن تقديم امرئ القيس، حسب رأي الآمدي، لم يتم إلا بتعاضد دقيق المعاني والتأليف الحسن في شعره، وهي الغاية في الجودة، إذ ما دام يستوي وغيره في الفصاحة ذلك أن الأعرابي إنما ينظم كلامه المنثور الذي يستعمله في مخاطباته ومحاوراته، فإن سبق امرئ القيس يكمن في أنه اتفق له من بديع المعاني ما لم يتفق لهم، في حين أن تحقيق أبي تمام ضالة الشعراء وطلبتهم لم يسنده دوما تأليف جميل من هنا لم تشفع له دقة المعاني أمام سوء التأليف ورداءة اللفظ، وهذا يتماشى مع أصوله ومنطلقاته المحددة الجودة الكلام.

ومع كل ما سلف إلا أن موقف الآمدي لا يلبث أن يضطرب ويتذبذب، ولعل مرد ذلك قصده التلطف في مواجهة أنصار أبي تمام ومحاولة الإيهام بموقفه العادل في الموازنة، إذ يكاد يتزحزح عن الموقف السابق في تبرير السبق بجودة التأليف ودقة المعنى معاً أو الاكتفاء بالتأليف الحسن في المشهور من المعنى إلى اعتبار أن السبق المعنوي شفيع لاضطراب اللفظ فإذا كان قد اضطرب لفظ أبي تمام واختل في بعض المواضع، فهل خلا من ذلك شاعر قديم أو محدث؟ هذا الأعشى يختل لفظه كثيرا، ويسفسف دائما، ويرق ويضعف، ولم يجهلوا حقه وفضله حتى جعلوه نظيراً للنابغة، وألفاظ النابغة في الغاية من البراعة والحسن، وعديلاً لزهير الذي صرف اهتمامه كله إلى تهذيب ألفاظه وتقويمها، والحقوه بامرئ القيس الذي جمع الفضيلتين فجعلوهم طبقة وصار فضل كل واحد من غير الوجه الذي فضل منه صاحبه، بل يكاد يتراجع عن موقفه من أبي تمام مطلقا حين يتساءل بعد أن يورد شواهد شعرية له متعجبا فكيف وبدائعه مشهورة، ومحاسنه متداولة، ولم يأت إلا بأبلغ لفظ وأحسن سبك، وهذا إقرار بتكامل الصنعة لدى أبي تمام الفاظا ومعاني لكن الآمدي وإن اضطرب موقفه قليلا من أبي تمام، فإن إلحاحه على التأليف الجميل لا ينفي لديه إمكان تكامله مع المعاني الدقيقة ليصل الشعر بتحقيقهما إلى مرتبة امرئ القيس الذي جمع الفضيلتين.

ومع الإقرار بهذا الاضطراب إلا أن الراسخ في أغلب فصول الموازنة تأكيده المنظور الثنائي المؤسس على التأليف الجميل من جهة ودقيق المعاني من جهة أخرى، كما يلخصه قوله والمطبوعون وأهل البلاغة لا يكون الفضل عندهم من جهة استقصاء المعاني والإغراق في الوصف، وإنما يكون الفضل عندهم في الإلمام بالمعاني وأخذ العفو منها، كما كانت الأوائل تفعل، مع جودة السبك، وقرب المأتى ، إلى أن تستحيل المقابلة رصداً لنمطي الكتابة لدى الشاعرين إذ يروي عن البحتري موازنا بين صنعته وصنعة أبي تمام قوله كان أغوص على المعاني مني، وأنا أقوم بعمود الشعر منه، والمواقف التي يلخصها فيها منهجي الكتابة لدى الشاعرين، ومن ثم خلاصة مبادئ المذهبين المتقابلين حسب رأيه، مذهب عمود الشعر ومذهب التعقيد وتدقيق المعاني وابتكارها كثيرة، نجتزئ منها قوله فإن كنت ممن يفضل سهل الكلام وقريبه، ويؤثر صحة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق فالبحتري أشعر عندك ضرورة، وإن كنت تميل إلى الصنعة، والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوي على ما سوى ذلك، فأبو تمام عندك أشعر لا محالة.

وعلى الرغم من أن ما سبق يرسخ مبدأ الثنائية القائمة أساساً على مقابلة التأليف الحسن بالمعنى الدقيق دون أن يمتنع الجمع بينهما كما رأينا، فإن مما يحمد للآمدي نظرات له في النص تقر بمبدأ التفاعل بين عنصري الدلالة المعنى واللفظ، وإن كان بعض آرائه قد يؤكد الفصل بينهما بل التفاوت، يرى أنه قد يتفاوت البيتان الجيدان النادران فيعلم أهل العلم بصناعة الشعر أيهما أجود إن كان معناهما واحداً، أو أيهما أجود في معناه إن كان معناهما مختلفا، فكأن الجودة لا تطول المعنى، إلا أن في مثل تعليقه على بيت أبي تمام التالي ما يجعل حضور المعنى في اعتبار الجودة واردا، وهو قوله:

على مثلها من أربع وملاعب.

أذيلت مصونات الدموع السواكب.
0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
يرى أن بعضهم قد أنكر قوله  مصونات الدموع السواكب وقال كيف يكون من السواكب ما هو مصون؟ وإنما أراد أبو تمام أذيلت مصونات الدموع التي هي الآن سواكب، ولفظه يحتمل ما أراده، والبيت جيد لفظا ومعنى ونظما، فالمعنى يتنزل هنا عنصرا في الصياغة، إلا أن اصطلاح المعنى يأخذ دلالة أخرى في مثل تعليقه على بيت البحتري:

قف العيس قد أدنى خطاها كلالها

وسل داري سدعي إن شفاك سؤالها

هذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد، لأنه قال، قد أدنى خطاها كلالها أي قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الدار الذي تعرض لأن يشفيه سؤالها، وإنما وقف لإعياء المطي، فسوء المعنى هنا سببه عدم مطابقته الغرض وخروجه عن مبدأ اللياقة التي يمليها غرض الوقوف على الطلل، فليس المقصود بالمعنى هنا العنصر المتعاضد مع التأليف في بنية البيت، وإنما المنظور المتحكم في نقد المعنى هنا وضعه في إطار الغرض العام، ذلك أن الأغراض قد تكون من جنس واحد وإن اختلفت المعاني، وهذا إقرار بإمكان التنوع في معاني الغرض الواحد حيث تظل المعاني محكومة بأصول عامة وإن أباحت لها الصياغة والتوليد تحقيق الجدة والطرافة نرى ذلك في قوله معلقا على بيت البحتري:

أصبا الأصائل إن برقة منشد

تشكو اختلافك بالهبوب السرمد

مازلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقولون، إنهم ما سمعوا المتقدم ولا متأخر في هذا المعنى أحسن من هذا البيت، ولا أبرع لفظا، ولا أكثر ماء ولا رونقا، ولا ألطف معنى، وذكره المعنى في التعليق ليس من باب التكرار إذ المعنى في الأول يراد به مطلق الغرض أو المقصد، وهو هنا يتوافق مع عنوان فرعي يذكره في مقدمة هذا الشاهد وهو تعفية الرياح للديار، والمعنى في قوله ولا ألطف معنى حصر لدلالة البيت، وهو تعبير عن إعجاب الآمدي بما حققه البحتري من غرابة في الوصف.

ونصل أخيرا إلى ما يكاد يجزم بتنبه الآمدي لتبعية المعنى للصياغة، وهو موقف متطور نسبيا في تحليل النص يقوم على الإقرار بأن كل تغيير يطول الدال يتبعه حتما تغيير في المعنى، وأن انتقاء الدوال ضمن محور الاستبدال يحكمه التنبه إلى لطائف في المعنى، يقول معلقا على بيت البحتري يصف أخلاق الممدوح:

يتصر عن للرجاء دنو ال

مزن والودق خارج من خلاله

ولو قال يتدائين للرجاء دنو المزن لكان أحسن في اللفظ، وأوفق من أجل التجنيس، ولكن يتصر عن أوكد في المعنى، لأنه بمعنى يتساقطن ويتطرحن يريد الإسراع إلى الرجاء من غير ترفق ولا توق للانحطاط والوقوع، ليدل على الحرص والشهوة، فالعلائق التي تتنزل فيها اللفظة في بنية البيت متنوعة، فبالقدر الذي ينتظمها وبقية الألفاظ التوافق والانسجام في المستوى الصوتي، بقدر ما يوفر لها الإشعاع المعنوي للدال التعاضد في مستوى التركيب والدلالة.

ومما يحمد الآمدي أيضاً في معالجته النص إيمانه بالخاصية الفنية المميزة له التي تقوم على الفصل بين ما هو تخييلي يقدم معرفة نوعية لا تقوم دوما على النسخ لقانون المعطى الواقعي، إذ تكون الدلالة محصلة لحمة ألفاظ في النص لا مبرر لها سوى الحقيقة الفنية نفسها، وما هو رصد للواقعة أو

للحقيقة يقول ورأيت من عاب قوله البحتري:

فصبغت أخلاقي برونق خلقه

حتى عدلت أجاجهن بعذبه

وقالوا إنما كان ينبغي لما ذكر الأجاج والعذب أن يقول فمزجت لا أن يقول فصبغت، أو لما قال فصبغت أن يقول حتى عدلت ألوانها بحسن لونه وليست هذه المعارضة بشيء، والمعنى صحيح، وذلك أنه ليس هناك صبغ على الحقيقة فيقابل بذكر لون حتى يتكافأ المعنيان، ولا مشروب عذب ولا أجاج على الحقيقة فيستعمل ذكر المزج، وإنما هذه استعارات ينوب بعضها عن بعض، ويقوم بعضها مقام بعض، لأنها ليست بحقائق فيما استعيرت له.

وللآمدي إشارات أيضاً إلى بنية الكلام فيما يسميه استواء نظمه، وصحة سبكه، ووضع الكلام منه في مواضعه، ويتكلم عن تعسف النظم ورداءته وتعقيده، الذي ينتج عنه اختلال في البيت وإشكال في المعنى.

ويحاول الاقتراب من شرح أسباب هذا الاضطراب بالاعتماد على رأيه في المعاظلة التي يراها في شدة تعليق الشاعر ألفاظ البيت بعضها ببعض، وأن يداخل لفظة من أجل لفظة تشبهها أو تجانسها، وإن أخل بالمعنى بعض الإخلال، وذلك كقول أبي تمام:

خان الصفاء أخ خان الزمان أخا

عنه فلم يتخون جسمه الكمد

فانظر إلى أكثر ألفاظ هذا البيت، وهي سبع كلمات آخرها قوله عنه ما أشد تشبث بعضها ببعض، وما أقبح ما اعتمده من إدخال ألفاظ في البيت من أجل ما يشبهها ليخلص أخيرا إلى شرح مقولة النقاد المبينة لما يستجاد من النظم والنثر، وهي قولهم  هذا كلام يدل بعضه على بعض ويأخذ بعضه برقاب بعض بقوله إنما أرادوا المعاني إذا وقعت ألفاظها في مواقعها، وجاءت الكلمة مع أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن تجاورها لمعناها إما على الاتفاق، أو التضاد، حسبما توجبه قسمة الكلام.

والخلاصة أن الآمدي قد أولى جمال التأليف عناية كبرى واعتبر حسن الصياغة وإن أخرجت المشهور المعروف علامة الشاعرية، وأن مراعاة دقيق المعاني إن شفعت له جودة الصياغة كان غاية الحسن، دون أن ينسى الإلمام بنظم القول عامة مبرزا ضرورة الاعتناء بتنزيل الكلمات منازلها الملائمة في النص، وتجنب فساد النظم وتعسف التأليف.

وليس للقاضي الجرجاني فيما نرى إضافة تحسب له إلى قضية اللفظ والمعنى إذ قد شغله مبحث السرقات خصوصا عن إيفاء كثير من قضايا النقد حقها من الدرس، فتضاءل وزن ما أولاه لهذه القضية، ومع ذلك يكون منطلقنا في فهم رأيه في إشكال اللفظ والمعنى معضلة السرقات نفسها وإشكال الصراع بين القدماء والمحدثين، حيث يرى أن لو أنصف المحدثون الوجد يسيرهم أحق بالاستكثار وصغيرهم أوفى بالإكبار، لأن أحدهم يقف محصورا بين لفظ قد ضيق مجاله، وحذف أكثره، وقل عدده، وحظر معظمه، ومعان قد أخذ عفوها، وسبق إلى جيدها، وإذا كان شبح ابن طباطبا ماثلا في هذا التحليل، فإنه يكشف أيضاً عن فهم كمي لكل من اللفظ والمعنى حتى ليبدو ثراؤهما في تناقض مع الزمن، علما بأن تراكم الكتابة والتوظيف المتنوع للألفاظ سيكون من شأنهما تمديد مساحتها الدلالية، مما يتيح للمتأخر إمكانات أوسع تلبي مقاصده، إلا أن المسألة لم ينظر إليها من منظور المبدع ذاته ومدى ما تتطلبه تجربته الخاصة من استغلال متميز للموجود، ولم يقم فهم المعنى أيضاً بالاستناد إلى السياق وحده، بل كانت الرؤية منطلقة من الإيمان بأن الفعل الشعري يتلخص في الإخراج المتجدد للمعروف، وبالبحث والتوليد من الأصل، وتلك هي الأصول التي أملت رأي الجرجاني السابق.

لكن المهم في موضوعنا منطلقه الثنائي في تبرير أزمة المحدثين ذلك أن انحسار الاختراع أمامهم حسب رأيه يشمل اللفظ والمعنى معا، بحيث أن عملية الصياغة الشعرية تقوم عنده أيضا على ضرورة المقابلة بين الألفاظ ومعانيها وسبر ما بينهما من نسب، وامتحان ما يجتمعان فيه من سبب، وهذه الدعوة إلى إحداث وشائج القربى بين اللفظ والمعنى تمتد لتشمل صلة الألفاظ بالأغراض عامة وضرورة انتقاء ما يلائم كل غرض، إذ يجب أن تقسم الألفاظ على رتب المعاني، فلا يكون الغزل كالافتخار ولا المديح كالوعيد، ولا الهجاء كالاستبطاء، ولا الهزل بمنزلة الجد، ولا التعريض مثل التصريح.

ومع ذلك تأسست صلة اللفظ بالمعنى عنده على فكرة الكسوة والتحسين إذ يتكلم عن موقع اللفظ الرشيق من القلب وعظم غنائه في تحسين الشعر، وعن أثر لين الحضارة فى المحدثين فترققوا ما أمكن، وكسوا معانيهم ألطف ما سنح من الألفاظ، أما الاستعارة فيها يتوصل إلى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر، ومع ذلك استفاد من مجهودات السابقين في الإشارة إلى تميز الخاصية الفنية للشعر عن الصياغة اللغوية للحقيقة، وكان يمكن أن يؤدي ذلك إلى الوعي العميق بتعلق الدلالة في النص الشعري بفعالية السياق إلا أن الذهن ظل محكوما في تعليل الظاهرة الفنية بالواقع ومقتضيات العرف الاجتماعي وتقاليد الصنعة.

ويبدو أن ثنائية الآمدي القائمة على مقابلة دقيق المعاني بجودة التأليف وجدت طريقها إلى القاضي الجرجاني فصاغ رأيه في أبي تمام بنفس لغة الآمدي ليبلور مذهبي الكتابة السالفين في قوله المشهور : وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبه فقارب، وبده فأغزر، ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته، ولم تكن تعباً بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض.

وللقاضي إشارات إلى اضطراب النظم، وسوء التأليف، وهلهلة النسج  في حديثه عن عيوب الشعر، إلا أنه يحاول بالاستعانة بجهود الآمدي وغيره من النقاد الاقتراب من الأسباب المؤدية إلى هذا الاضطراب علما بأن وضعه النظم في جوار اللفظ كمقابلين للمعنى لا يدل على فهم دقيق له، يقول مرددا بعض أقوال خصوم المتنبي، إنما عمد إلى شعر أبي تمام فغير ألفاظه وغير نظمه فأما المعاني فهي تلك بأعيانها، ويستفيد من نماذج من شعر أبي تمام ضربها الآمدي للتعقيد، فيرجع هو أيضا أسباب الهلهلة إلى فساد التركيب، يقول معلقا على بيت أبي تمام:

فحذف عمدة الكلام، وأخل بالنظم، وإنما أراد يدي لمن شاء رهن، إن كان لم يذق ، فحذف إن كان من الكلام، فأفسد الترتيب وأحال الكلام علىوجه.

يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعاً

من راحتيك درى ما الصاب والعسل

ويعود إلى القضية ببعض التفصيل في بعض المواضع معتمداً دائماً في تعليله على فساد التركيب، منها قوله موردا أقوال بعض خصوم المتنبي عقب بيته:

وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه

بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه

فما هذا من المعاني التي يضيع لها حلاوة اللفظ، وبهاء الطبع، ورونق الاستهلال، ويشح عليها حتى يهلهل لأجلها النسج ويفسد النظم، ويفصل بين الباء ومتعلقها بخبر الابتداء قبل تمامه، ويقدم ويؤخر ، ويعمي ويعوص، والخلاصة أن القاضي الجرجاني سار في طريق مدروس وشغلته قضايا أخرى عن أن يولي مسألة اللفظ والمعنى أهمية خاصة، وحتى القليل الذي أورده فيها لم يكن في مستوى آراء السابقين.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...