لم يكن قصدنا مقاربة تصور الذهن العربي الإسلامي لإشكال اللفظ والمعنى من منظور تاريخي يتنامى فيه الرصد وفق تتابع الفكرة، إنما هدفنا تحسس هذا التصور لدى الطوائف التي نخصها بالبحث وفق ما يستوجبه منطق منهجه الذي يقتضى أن نخص كل فئة أو تيار بوقفة أو وقفات، فكان أن انتهت دورة النقاد الأولى بقدامة بن جعفر، وبه اكتمل رأي في النص الأدبي ينوع في أشكال معالجته له بدءاً من الإلحاح على ضرورة التشاكل والتطابق بين المعنى واللفظ التي ستصل إلى نضوجها في المصادرة على فكرة صورة المعنى المطروحة من أيام الجاحظ، إلى فكرة الائتلاف الضام لعناصر النص المختلفة كما رأينا ذلك عند قدامة بن جعفر.
والواقع أن النقاد الذين نخصهم بهذه الوقفة بدءاً من أصحاب الموازنات ثم بعض البلاغيين كأبي هلال العسكري وابن سنان الخفاجي اللذين تزاوج الطرح عندهما في بحث إشكال اللفظ والمعنى بإشكال الفصاحة والبلاغة، إلى فئة من نقاد القرن الخامس الهجري كالمرزوقي والشريف المرتضى وابن رشيق، دون أن نجزم بانفصال حقل البلاغة عن حقل النقد لدى هؤلاء ولدى غيرهم أيضا، كان بين أيديهم وواكبهم نتاج وافر في الميدان، تجسده إنجازات النقاد السابقين، وتمثل أيضاً في أعمال متفلسفة في الإسلام في مجال النقد الأدبي والبلاغة انطلاقاً من مختصرات الكندي إلى آراء الفارابي مع الإشارة إلى طروحات أبي حيان التوحيدي واجتهادات مسكويه وتشعبات آراء فلاسفة القرن الرابع في الأدب نثره وشعره عامة، وفي معضلة اللفظ والمعنى خاصة كما تبلوره أيضا طائفة المتكلمين التي استقطب نتاجها مبحث إعجاز القرآن كحال الجاحظ في مؤلفه الذي لم يصلنا، وما يمكن أن يكون قد بثه الواسطي في الموضوع مما تضمنه كتابه في إعجاز القرآن أيضا إلى المعالجة المتقدمة كما يجسدها الرماني والخطابي فالباقلاني وغيرهم، هذه الفئات المتعاصرة والمتداخلة كان يمكن أن تتيح للنقاد الذين ندرسهم في هذا الموضع مزيدا من تعميق البحث في إشكال اللفظ والمعنى، إلا أن هؤلاء ظلوا في الأغلب أمناء الطروحات السابقين وخاصة الجاحظ وقدامة فيما يخص قضيتنا طبعا، ولم يتمكنوا من إضافة الجديد الحق باستثناء بعض التفريعات والتشقيقات أحياناً، دون أن ننسى محاولة هذا الناقد أو ذاك تنزيل عمله في إطار عام كالإشكال الذي انطلق منه الآمدي والقاضي الجرجاني المتمحور حول قضية الموازنة والوساطة التي ستشكل بدايتنا في قراءة آراء هؤلاء النقاد والبلاغيين.
اللفظ والمعنى عند أصحاب الموازنات؟
تكشف الموازنة بين البحتري وأبي تمام والوساطة بين المتنبي وخصومه عن ذوقين في الكتابة ومنحيين في تصور خصائص الفن في النص الأدبي وهذان الموقفان ليسا إلا واجهتين لصدام خفي بين مسلكين في المعرفة، اقتنع أحدهما بأنه الوصي على أصول قديمة راسخة في الثقافة العربية الإسلامية تحد بجهود اللغويين ومن تأثر بهم في البحث البلاغي والأدبي، وتترسخ قناعة هذا التيار شعريا في ضرورة تأسيس هذا الفن ممارسة ونقداً على ثوابت تقاليد القصيدة الجاهلية، واستفاد ثانيهما من روافد ثقافية فلسفية ومنطقية فعكف يستمليها ليجدد الحياة في عروق القصيدة العربية، إذ خيل إليه أن تدقيق المعنى وسبكه في صورة معقدة تقوم على الاستغلال الواسع لأوجه بلاغية كالاستعارة والجناس والطباق، وتوظف الألفاظ المستعارة من حقول معرفية ظلت غريبة عن الشعر كعلم الكلام والفلسفة تجديد في الشعر، فكان أن اختلفت مواقف النقاد بين منتصر للقديم ومنتصر للمحدث، وظل الصدام مطروحا والخلاف مستفحلا إلى أيام الآمدي والقاضي الجرجاني بل إلى ما بعدهما، حيث قدر لهذا الخلاف أن يأخذ مداه كاملاً بالاعتكاف على استخلاص الأسس والقواعد الفنية التي ستمكن من وضعه في إطاره النظري المؤسس لمنطلقات كل طرف، مع توثيق التنظير بتفريعات التمثيل والتحليل لأبرز كتابات الطرفين.
من هنا تتنزل الموازنة والوساطة في جوهر هذه الأعمال إذ نمثل بهما لأصحاب الموازنات عامة، لكننا لا ندعى أن الفواصل كانت حاسمة بين التيارين، ففي الشعر مثلاً، لا يمكن وضع البحتري بمنأى عن تلطيف المعنى واستغلال الشائع من الثقافة الفلسفية إذ له مثاليته الخاصة، أما في النقد فإنه على الرغم من أن الآمدي لا يخفي موقفه من الانتصار لمذهب عمود الشعر العربي، فإنه لا يجد بدا من الانطلاق من أصول فلسفية عامة يبني عليها رأيه في طريقتي الكتابة اللذين يمثلهما كل من البحتري وأبي تمام.
فالآمدي إذ يهدف إلى توفير شروط الاقتناع بصحة رأيه في الشعر وميله إلى القديم يضع تصوره هذا ضمن نطاق شامل لكل صناعة بالاعتماد على فكرة العلل الأربع، ذلك أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود وتستحكم إلا بأربعة أشياء وهي جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة التأليف، والانتهاء إلى تمام الصنعة من غير نقص فيها ولا زيادة عليها ، ثم يدقق هذه المصطلحات مقتربا من المصطلح المعتمد لدى الفلاسفة ذاكرا أن كل محدث مصنوع يحتاج إلى أربعة أشياء علة هيولانية وهي الأصل، وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية، ليخلص إثر ذكر أنموذج الخلق عامة مصداقا لهذه المبادئ أو العلل إلى التطبيق على فعل الصنعة الذي يشمل كل مصنوع، بما في ذلك الشعر، ذلك أنه لا يستقيم فعل الصنعة إلا بهذه الأشياء الأربعة، وهي آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب النجار، وفضة الصانع، وأجر البناء، وألفاظ الشاعر والخطيب، وهذه هي العلة الهيولانية التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة الغرض فيما يقصد الصانع صنعته، وهي العلة الصورية التي ذكروها، ثم صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلة التمامية، فهما قول جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد هذه الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنى لطيفا مستغربا كما قلنا في الشعر من حيث لا يخرج عن الغرض، فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها.
وعلى الرغم من أن توظيف هذا الاقتباس لتوضيح فكرة الصنعة الشعرية غير متطابق تماما مع المعاني أو الوظائف التي حددها الفلاسفة للعلل الأربع، فإننا نميل إلى أن الآمدي كان واعيا بالمنزع الذي نحاه في استغلال هذه المبادئ لتحديد تصوره الشعر وجودته من هنا لا نميل إلى وسمه بأنه لم يعرف منزلة العلة الصورية من هذه العلل الأربع، وأنها هي التي تقوم بها الصفة الذاتية للشيء، وكأنه توهم من قولهم إن العلة الهيولانية هي الأصل وأن العلل الباقيات فروع لها، وهو قد رأى هذه العلة الهيولانية في الألفاظ دون أن يلاحظ أن الألفاظ دوال على معان، ومن ثم كان بعيدا كل البعد عن أن يبين بطريقة فلسفية، صفات الشعر الجيد، وانتهى إلى حيث بدأ من تقرير أن المعاني اللطيفة في الشعر نافلة ليست بأصل، ذلك أن العوامل المؤدية إلى غير هذا الموقف كثيرة.
ونلاحظ بداية أن فكرة العلل الأربع شائعة في الأوساط الثقافية آنذاك وليست حكراً على فئة دون أخرى، إذ يبدو أن هذه المصطلحات، وخاصة مصطلح الصورة رائجة التوظيف لدى الفئات المختلفة، وليس اعتماد الجاحظ وسم الصياغة الشعرية للمعنى بالصورة، سوى استغلال لهذا المنحى، فلا يمكن للآمدي أن يكون في منأى عن هذا الشيوع وهو يتخذ موقفا رافضا لكل ميل إلى استغلال التدقيق الفلسفي في الشعر، علما بأنه عاش في القرن الرابع الهجري عصر رواج التفلسف وذيوع صيته، ناهيك أن انتقاده قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر، ومخالفته إياه في مسائل كالمدح بصفات الجمال كانت تتيح له وهو ينقد هذا الكتاب المؤسس على فكرة التأليف واستغلال مفهوم الصورة والمادة بصريح قول قدامة، أن يدرك بعمق دلالات هذه المصطلحات وأن ينزل مفهوم الصورة المنزلة التي تلائم المعنى الفلسفي، ولكنه أبى مسايرة قدامة ذلك لأنه يبتغي توظيف هذه المبادئ لخدمة أغراضه.
أما في الإطار العام فقد ساير معهود الاستعمال، ففي شرحه الخلق الإلهي للكائنات يرى أن الهيولانية فهم يعنون به الطينة التي يبتدعها البارئ جل جلاله ويخترعها ليصور ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جمل أو غيرها من الحيوان، أو برة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النبات، فباستثناء رأيه بأن الهيولي مخلوقة تمشياً مع التصور الإسلامي لفعل الخلق وهي عند الفلاسفة قديمة، نراه مدركا لعلاقة الهيولي بالصورة، إذ إن فحوى كلامه يؤكد أن اختلاف المخلوقات إنما هو بالصورة الطارئة على المادة الطينة، فالمخلوقات المعددة في النص تشترك في وحدة المادة وتختلف في الصورة التي تهب كلا خصائصه، فضلا عن أن استعماله المصطلح يكشف عن إلمامه بالتنوع في الاصطلاح، فاستعماله العلة التمامية وهي إن صدقنا الآمدي في استعمال المصطلح تساوي العلة الغائية، يكشف عن إطلاعه على التنوع في الاصطلاحات المستخدمة في وصف الفكرة الواحدة، ذلك أن هذا الاستخدام يعود إلى أيام الفيلسوف الكندي.
أما المهم فهو مقابل اللفظ والمعنى في هذه المبادئ الأربعة، فهل غير خاف أننا لا نستطيع مناقشة الآمدي في هذا التشبيه الذي استمده من الفلسفة لأنه لم يفهمه، فالعلتان الأولى والثانية الهيولانية والصورية تقابلان في الشعر ما أطلق عليه النقاد العرب اسمي اللفظ والمعنى؟ والحق أن التقابل لم يكن بهذه الكيفية دائما، إذ من النقاد من قابل حقا، بين الهيولي والصورة والمعنى واللفظ كقدامة مثلاً، ومن تأثره كأسامة بن منقذ، والنواجي، ومن النقاد من اعتبر الهيولى مقابلا للألفاظ، لأنه يعتبر موضوع الصنعة الشعرية للألفاظ وحسن تأليفها، ومن هؤلاء الآمدي وابن سنان وكلاهما انتقد قدامة وأفاد منه، وكذلك المواعيني الذي عرض إحسان عباس رأيه في الموضوع.
وتأسيساً على ما سلف لم يهمل الآمدي المعنى إذ يتنزل عنده في مرتبتين، مرتبة يكون المعنى فيها كالأمر البديهي يسميه المعنى المكشوف، إذ إن كل صياغة شعرية لا بد أن تحتوي معنى، أما جوهر الشعرية فيكمن في الصياغة نفسها، ومرتبة يتحقق فيها للمعنى اللطافة والاستغراب، وهذا أمر زائد في حسن الصنعة والجودة، ذلك أن الصنعة قائمة بنفسها مستغنية عما سواها.
ولذلك كان توظيف الآمدي فكرة العلل الأربع متمشياً مع هذه الأصول، ذلك أن تمام الصياغة الشعرية يتحقق بإصابة الغرض المقصود المقابل للعلة الصورية التي تتأسس على الهيولى المتجسدة هنا في الألفاظ، وهو تحوير في القضية، إذ إن قدامة يرى أن المعنى كالمادة والشعر فيه كالصورة، والآمدي يرى اللفظ كالمادة وإصابة الغرض المقصود هو الصورة، ولا يشك في أن إصابة الغرض في الشعر هو تحقيق المعنى المقصود، ثم يتلوهما صحة التأليف حتى لا يقع فيه خلل ولا اضطراب، كما قال، ومن هنا نفهم قوله أخيراً فصحة التأليف في الشعر وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة المعنى، فكل من كان أصح تأليفا كان أقوم بتلك الصناعة ممن اضطرب تأليفه، فصحة المعنى هنا هي تنزله ضمن المقصد والغرض حسب التقاليد الضابطة للأغراض، ومقتضيات الأعراف الاجتماعية وخصائص الصنعة الشعرية ويبدو أن الآمدي استغل قدامة هنا، ذلك أن من شروط صحة المعنى لديه ملاءمته الغرض، أما صحة التأليف فهي مسألة صياغة تتعلق بنسيج الكلام ونظمه، وهكذا نصل إلى العلة الغائية التي تضبط شروط إيفاء الصنعة حقها من غير زيادة ولا نقصان، وبتمامها يكمل لفعل الصنعة وجوده، وخارج هذا الوجود يمكن أن يتفق للشاعر تحقيق معنى لطيف، فهو كالفضلة يزيد من حسن الصنعة ما دام لا يخرج عن الغرض، وانتفاؤه من الصياغة لا يعني قيام التأليف على شكل مفارق أجوف، إذ إنه يتأسس على معاني الشعر المعهودة كما حصرها عمود الشعر عند العرب.
وسيكون بين يدي الآمدي مبدأن اثنان يقيم بواسطتهما موازنته بين البحتري وأبي تمام وبهما تتأسس معالجته النص الأدبي عموما، وهما: حسن التأليف، ودقة المعاني، وحضور العنصرين في الصياغة الشعرية تحقيق لغاية الجودة القصوى، والاكتفاء بحسن التأليف فقط، مع قيامه طبعاً على معهود المعاني، يعني وقوع الصياغة ضمن قيم عمود الشعر العربي، وتلك طريقة البحتري، أما اعتبار تلطيف المعنى ودقته هاجس الكتابة الأول مع عدم إيفاء التأليف شروطه الجميلة، فهو خروج بالشعر عن مساره وتلك طريقة أبي تمام، ونجد أن فكرة التأليف الجميل ودقة المعاني ليست إلا امتداداً لثنائية اللفظ والمعنى، فهي تستفيد من فكرة الجاحظ عن المعنى ومن ثنائية ابن قتيبة وتعضدها بفكرة قدامة عن التأليف مع حضور خفي لفكرة الصورة أيضاً، فالتأليف الجميل يتعادل مع الصورة أو اللفظ في حين يتكافأ اصطلاح معنى مع المعنى الدقيق إذ إن دقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة، وما دام التأليف عنده إفرازا لتركيب العناصر بما فيها المعنى، فإن دقيق المعاني قيمة في ذات المعنى، وليست دوما مشروطة بكمال التأليف، إذ إن إمكان الجمع بين سوء التأليف ودقيق المعاني وارد وهي الحجة التي يبرزها في وجه أنصار أبي تمام.
وتأسيساً على ما سلف يكون إيفاء التأليف حقه من الجمال والحسن تحقيقاً لغاية القول شعراً ونثراً، ومعاضدة هذا الركن بالمعنى اللطيف زيادة في البهاء ذلك أن ليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه، فإن الكلام لا يكتسي البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري، قالوا وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر، فإن اتفق، مع هذا معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن فذلك زائد في بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه.