الارتكاز على ثنائية اللفظ والمعنى كان هو منظور ابن قتيبة في معالجة النص الأدبي صحيح أنه في بعض المواضع يتحدث عما أسماه بمعجز التأليف وعجيب النظم، وهو يبحث بلاغة القرآن أو يشير إلى بعض خصائص بنية الشعر كما تتمثل في كونه محروسا بالوزن والقوافي وحسن اللفظ لكن الأساس الثنائي المحكوم بالمعنى واللفظ يظل قاعدته في مقاربة النص البليغ، ومن هنا لا يكاد يولي البنية العامة اهتماما، ولا يظهر ولعاً بالحديث عن تلاحم الأجزاء في النص، وعن ضرورة الانتظام المتكامل العناصر البنية ليتحقق لها سهولة المعاطف وسلاسة النظام كما ألح الجاحظ ولعل ابن قتيبة بهذا الموقف يحتل مرتبة أدنى منه، إلا أن اهتمامه المستمر بالمعنى وتبنيه منظورا قيميًا يؤسس عليه رأيا في جدوى الخطاب قد يشفع له في مباشرة الشعر من زاوية أضربه الأربعة كما يرى، ولعله قصد باهتمامه بالقيمة إكمال النقص في نظرية الجاحظ التي أولت صورة المعنى الاهتمام الأول، واعتبرت البحث في أخلاقية المعنى ميدانا غير الحكم على الشعر أو النص البليغ عموماً إذ إن جوهره الصياغة الجميلة للمعنى وليس المعنى في ذاته.
مدخلنا إلى قراءة مقاصد ابن قتيبة من المعنى واللفظ رأيه في بيتي شعر للمرقش يوردهما من جملة أمثلته للضرب الرابع الذي يراه أدنى أضرب الشعر الأربعة، وهو الذي تأخر معناه وتأخر لفظه يقول بعد أن يورد البيتين معلقاً، والعجيب عندي من الأصمعي إذ أدخله في متخيره، وهو شعر ليس بصحيح الوزن ولا حسن الروي ولا متخير اللفظ ولا لطيف المعنى، وحشده مصطلحات الوزن والروي واللفظ في مقابل المعنى في نقد أنموذج شعري تنتفي منه جودة المعنى واللفظ معاً يسعف في تبين قصده من هذين الركنين الأساسيين إذ يستنتج طه أحمد إبراهيم من تعليق ابن قتيبة السالف أنه يريد باللفظ التأليف والنظم يريد الصياغة كلها بما تضمه من لفظ ووزن وروي، ويريد بالمعنى الفكرة التي يبين عنها البيت أو الأبيات.
فالصياغة تفرز باعتبارها محصلة تشكيل المعنى كما تتجسد في اللفظ والوزن والروي عند نثرها فكرة، وسيمكننا رأي ابن قتيبة في الفكرة المنثورة من تصور رأيه في المعنى الذي يتنزل عنده في مستويين مستوى قيمي أخلاقي يشكل محصلة تصوره وظيفة الشعر، ومستوى صوري يبدو مضمنا في اللفظ والصياغة وكمال الخطاب الأدبي لديه هو في تعاضد قيمة المعنى وأخلاقيته وخلابة الصياغة ونضارتها إذ يجمل الموقف في تعليقه على شعر يورده بأنه كثير الوشي لطيف المعاني.
يكشف كمال الجودة في الطرفين في الضرب الأول الذي حسن لفظه وجاد معناه عن اعتماد ابن قتيبة على الصياغة الجميلة والمعنى الأخلاقي معاً، فالتعليقات التي يرسلها عقب ما يورده من نماذج لتشخيص هذا الضرب تدليل على هذا المنطلق، إذ يقول إثر النموذج الأول لم يقل في الهيبة شيء أحسن منه وعقب الثاني لم يبتدئ أحد مرثية بأحسن من هذا وعقب الثالث يذكر رواية عن الأصمعي أن هذا أبدع بيت قالته العرب والبيت لأبي ذؤيب هو قوله:
والنفس راغبة إذا رغبتها. وإذا ترد إلى قليل تقنع.
أما تعليقه عقب النموذج الرابع الذي يجسم ثقل الهرم على نفس الشاعر فهو قوله، ولم يقل في الكبر شيء أحسن منه لتنتهي أمثلة هذا الضرب بقول النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب. وليل أقاسيه بطيء الكواكب.
ثم يرسل رأيه في أنه لم يبتدئ أحد من المتقدمين بأحسن منه ولا أغرب فإذا كانت الصياغة الجميلة حسب رأي ابن قتيبة تكفل لهذه النماذج ولمثيلاتها الانضواء تحت المظلة الشعرية فإن فائدة المعنى وجدواه أخلاقياً تكملان قالب الصياغة الحسن، إلا أن الطابع الحكمي والمباشرة في الخطاب قد تقللان من شعرية مثل هذه النماذج كبيت أبي ذؤيب السابق، ولا شك أن هذه الصفة لم تكن لتمنع ابن قتيبة من إقرار أسبقية مثل هذه النماذج، وذلك أن الموقف عنده مشروط برؤية أخلاقية في وظيفة الشعر حيث تتبوأ لديه هذه الوظيفة مكانة سامية.
ويولي ابن قتيبة المعنى في ذاته في إطار ما عرف به من صدق أو اقتصاد أو إسراف أو غلو وبما يمكن أن يحتويه من عيوب أخرى مثل أخطاء الشعراء عموماً أهمية، ولكن موقفه من القضية غير حاسم فهو في بعض المواضع ينتصر للإفراط مثلاً إذ يرى ذلك جائزاً حسناً، ولعل ذلك كان نتيجة الدفاعه عن إعجاز القرآن وإبطال رأي القائل بأنه كذب، ولكنه في مواضع أخرى يقر بعيب هذا المنحى في القول.
ويسعفنا الضرب الذي جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه في تدقيق ثنائية الصياغة والمعنى ذلك أن القيمة الأخلاقية هي التي تكفل لنماذج هذا الضرب جودة المعنى في حين تقصر الصياغة عن تحقيق الإبانة اللائقة ومن أمثلة هذا الضرب قول لبيد بن ربيعة:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه. والمرء يصلحه الجليس الصالح.
وإحساس ابن قتيبة بضعف الصياغة في هذا الضرب صريح في تعليقه على بيت النابغة مصورا فزعه من وعيد النعمان:
خطا طيف حجن في حبال متينة. تمد بها أيد إليك نوازع.
إذ يقول رأيت علماءنا يستجيدون معناه ولست أرى ألفاظه جياداً ولا مبينة لمعناه، ونحسب في قوله ولا مبينة لمعناه اقتراباً من خصائص الصياغة ذاتها وإقراراً بتولد المعنى منها مما سيعطي لثنائية اللفظ والمعنى خاصية العنصرين المتلاحمين في البنية الموحدة يتضح ذلك كما يبدو لنا في الضرب الذي حسن لفظه وحلا فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى، ويمثل لهذا الضرب بأبيات الحج المعروفة ثم يختمها بهذا التعليق هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته ولما قطعنا أيام منى واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح، وإقرار ابن قتيبة بحسن صياغتها يعضده الإقرار أيضا بأن تحتمها معنى ثم يشرع في نثر معاني الأبيات كما سلف ولكن مقابلة هذا المعنى المبطن في الصياغة بقوله نافيا عن هذا الضرب الفائدة في المعنى إبانة ثنائية عن ثنائية المنظور الذي يحتكم إليه في بحث المعنى، إذ إن المعنى الذي تفرزه الصياغة لا يؤكد سابقاً أو جودة، إنما المسألة تجلوها فائدته أي قيمته من حيث إنه يتنزل في إطار تصور اجتماعي وأخلاقي لقيمة الشعر، ولذلك تكون النماذج الباقية كلها التي يضربها لهذا النمط في الغزل ومنها قول جرير في العيون التي في طرفها حور، وهي تؤكد هذا المنحى الذي يقر بتولد معنى في صياغة خلابة لكن منزلته دونية أخلاقياً ولعل هذا هو الذي جعل إحسان عباس يستنتج أن المعنى عنده قد يعني الصورة الشعرية مثلما يعني الحكمة.
الحق أن إحساس ابن قتيبة بصورة المعنى يظهر عميقا في بحثه مجازات القرآن المصوغة على غرار مجازات الكلام عند العرب فهذه الطرائق والمآخذ في القول التي تكسب القرآن خصائصه البلاغية تجعله ممتنعا عن الترجمة إذ لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله تعالى بالعربية، لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب وإذا كان من فضائل العربية الاتساع في المجاز كما يرى فإن خصائص الإخراج القرآني للمعنى في صورة متفردة إقرار بتعاضد العناصر اللفظية مع المعنوية في الصياغة مما يجعل كل معنى خلاصة لإخراجه الصوري، ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى؛ (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء)، لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها وتظهر مستورها فتقول إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد فخفت منهم خيانة ونقضا فأعلمهم أنك قد نقضت ما شرطت لهم وأذنهم لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على استواء، وعلى الرغم من أن النقل هنا يتم في إطار اللغة الواحدة فإن فك بنية النص الأصلية والتصرف في معناه وإخراجه إخراجا جديدا إدراك لتفاعل المعنى مع لفظه في العبارة الواحدة لأنه لا قدرة على الصرف في المعنى إلا يفك بنية اللفظ عموما.
وخلاصة الرأي في ابن قتيبة أنه وإن أدرك لحمة المعنى واللفظ في إطار الصياغة الواحدة، إلا أنه ظل مشدوداً إلى الثنائية أيضاً، وربما كان ارتكازه في بحث المعنى على قيمته الأخلاقية سبباً في ترسيخ هذا المبدأ وتعطيل إمكانات مواجهة النص فى ذاته والمصادرة على السياق وحده.
أما ابن طباطبا فعلى الرغم من رسوخ هذه الثنائية في فكره النقدي وتأسيسه رأيه في النص الأدبي ومراحل وضعه وتعليله أزمة الشاعر المعاصر له وكذا تلقي القصيدة وتذوقها سيظل مشدوداً إلى هذه الثنائية فإنه استطاع أن يؤلف من عناصر المعنى واللفظ والتأليف أو النسج كما يقول ثلاثياً راسخ الحضور في أغلب مقارباته النقدية مركزا في الآن نفسه على المشاكلة والمطابقة بين المعنى واللفظ، وإذا كان المبدأ في علاقة المعنى واللفظ عنده هو مقولة الجاحظ في أن الكلام الذي المعنى له كالجسد الذي لا روح فيه التي إن أبرزت أهمية المعنى وأولويته فإنها تقرر تكامل الطرفين وجودياً إذ إن انعدام الروح من الجسد انعدام للحياة فيه لكن ابن طباطبا وبناء على هذا الأصل يتصور، وهو يدعو إلى المشاكلة والمطابقة بين العنصرين إمكانية حدوث التفاوت بينهما في الحسن مما يهدد النص بالوهن والرداءة، وهذا إن كشف عن تصور كمال كل طرف في ذاته إلا أن الدعوة إلى إيفاء المشاكلة حقها تخفف من حدة هذا التفاوت فالمعاني ألفاظ تشاكلها فتحسن فيها وتقبح في غيرها، فهي لها كالمعرض للجارية الحسناء التي تزداد حسنا في بعض المعارض دون بعض وكم من معنى حسن قد شين بمعرضه الذي أبرز فيه، وكم معرض حسن قد ابتذل على معنى قبيح ألبسه، وكم من حكمة غريبة قد ازدريت لرثاثة الملائم ما يكشف عن فهم أولي لتعاضد عنصري الدلالة ذلك أن أحسن الشعر ما يوضع فيه كل كلمة موضعها حتى يطابق المعنى الذي أريدت له، فمبدأ المطابقة إذ يركز على ضرورة إحداث التشاكل بين المعنى واللفظ يسلم بتبعية اللفظ للمعنى في هذا المستوى ويجعل إيفاء مبدأ التشاكل حقه تحقيقاً للحمة الطرفين في ما يشبه الصوغ والسبك وانتظام العقد، يتجسد ذلك في إيفاء كسوتها، ولو جلبت في غير لباسها ذلك لكثر المشيرون إليها فإذا كان في مثل ما سلف ما يؤكد الفصل بين عنصري الشكل والمحتوى داخل الصنعة الشعرية، ويتصور الكمال في توافق جودة المعنى وحسن المعرض فإن في دعواه إلى إيفاء المشاكلة حقها وانتقاء اللفظ الملائم للمعنى كل معنى حظه من العبارة، وإلباسه ما يشاكله من الألفاظ حتى يبرز في أحسن زي وأبهى صورة واجتناب ما يشينه من سفاسف الكلام وسخيف اللفظ والمعاني المستبردة، والتشبيهات الكاذبة، والإشارات المجهولة، والأوصاف البعيدة، والعبارات الغثة، حتى لا يكون متفاوتاً مرقوعاً بل يكون كالسبيكة المفرغة، والوشي المنمنم، والعقد المنظم، واللباس الرائق فتسابق معانيه ألفاظه.
ويؤلف مبدأ المطابقة عند ابن طباطبا مقياساً في ضبط أقسام الشعر والأثر المنطقي واضح في التقسيم وكذلك تأثير ابن قتيبة، إلا أن ابن طباطبا يعرض رأيه في أقسام الشعر انطلاقاً من مبدأ مقابلة اللفظ بالمعنى في مستويين، الأول لا يكاد يتجاوز الطرفين أنفسهما، أما الثاني الموسوم عنده بالائتلاف أو النسج فهو يمتد إلى عنصر البنية، وهذا العنصر يهيئ له إمكان الامتداد بمفهومه للنص إلى مستوى كلي يطول علائق الدوال في المستوى التوزيعي ويشمل أيضا بنية الأبيات في القصيدة الكلية، ففي مستوى التقسيم الأول يظل أمينا لطروحات ابن قتيبة يرى أن من أبيات الشعر ما تخلب معانيها للطافة الكلام فيها، ويدقق هذا النوع أكثر في عودة أخرى تحت هذا الوصف الشامل للمعنى الصحيح البارع الحسن الذي قد أبرز في أحسن معرض وأبهى كسوة وأرق لفظ، وإذا كان هذا يقابل ما حسن لفظه وجاد معناه لدى ابن قتيبة فإن النوع القادم الذي منه الحكم العجيبة والمعاني الصحيحة الرثة الكسوة التي لم يتنوق في معرضها الذي برزت فيه يتوافق مع ما ضعف لفظه وجاد معناه عند ابن قتيبة، أما النوع الآخر الذي خلب معرضه ولم يحسن محتواه فإنه يتحقق في الأبيات الحسنة الألفاظ المستعذبة الرائقة سماع الواهية تحصيلا ومعنى، وإنما يستحسن منها اتفاق الحالات التي وضعت فيها، وتذكر اللذات بمعانيها، والعبارة عما كان في الضمير منها، وحكايات ما جرى من حقائقها دون نسج الشعر وجودته، وأحكام رصفه وإتقان معناه، وإذا كانت أغلب الأمثلة التي يضربها لهذا الضرب خاصة هي أمثلة ابن قتيبة، فإن في إشارته الأخيرة إلى جودة النسج وإحكام الرصف ما يفسح المجال لاعتماد عنصر البنية في التقسيم، ومن هنا يتاح لكل المفاهيم المستخدمة في معالجة النص ممارسة حقها في الحضور فضلا عن أنه يستدرك ذكر القسم الرابع الذي تأخر معناه ولفظه فيذكره تحت وصف الأشعار الغثة الألفاظ الباردة المعاني، المتكلفة النسج القلقة القوافي، ويمثل له بأبيات اختل فيها النسج خاصة كما يبدو في عدم إيفاء الوحدات في المستوى التوزيعي حقها، إذ يظهر الفساد في التقديم أو التأخير وكذا التعقيد أو التكرار أو فاسد الاستعارة، ثم يعيد صياغة الضرب الكامل الذي استوفت عناصره حقها من الإتقان فيرتقي إلى مرتبة الأشعار المحكمة المتقنة المستوفاة المعاني الحسنة الرصف السلسة الألفاظ.