0 تصويتات
في تصنيف لعبة برين تست Brain Test بواسطة (4.2مليون نقاط)
ليس مصطلحا الفصاحة والبلاغة إلا مظهرين يدلان على حضور إشكال اللفظ والمعنى في كل معالجة نقدية عرفها النقاد والبلاغيون العرب القدماء تبتغي اكتناه العلائق الرابطة بين عناصر النص.

ويزيد الأمر تأكيداً أن البلاغة والفصاحة تشكلان مجالاً معرفياً يهتم بعلاج النص عموماً، ومن هنا تظل الحدود التي تنضبط بها مفاهيم هذين المصطلحين لدى هذا البلاغي أو ذاك محكومة برأيه في اللفظ والمعنى، ولعل محاولة كل من أبي هلال العسكري وابن سنان الخفاجي تمثلان أنموذجين بارزين في هذا المنحى، ذلك أنهما تشكلان أبرز محاولتين عرفهما القرنان الرابع والخامس الهجريان تنطلقان من هذا الإشكال، دون أن نغفل الإشارة إلى عبد القاهر الجرجاني الذي سيشكل رأيا خاصا في الموضوع نرجئه إلى بحث النظم لدى المتكلمين وهاتان المحاولتان إذ تعتمدان في الأغلب على طروحات السابقين تنطلقان من رصد علائق الاتفاق والاختلاف بين مصطلحي البلاغة والفصاحة كأساسين تنضبط بموجبهما تفريعات البحث في النص، وإن اختلفت المحاولتان في تماسك المنهج.

أما أبو هلال العسكري فرغم أن تواتر نقوله عن السابقين وخاصة الجاحظ وابن قتيبة وابن طباطبا في ما يتعلق بقضيتنا أساسا سيوهن من محاولته ويهلهل أصالته، فإنه يحاول الاجتهاد أو يحاول إحداث نسق من الانسجام بين آراء مختلفة، من ذلك موقفه في عرض معاني الفصاحة والبلاغة، إذ بالإضافة إلى أنه يبوئها الصدارة في توزيع مادة الكتاب، فإنه يبسط الرأي فيهما مما يكشف عن محاولته تلمس مخرج يضمن له توليف رأي من مبسوط الآراء.

فهو بداية يحاول عرض المعاني اللغوية للاصطلاحين، فبعد التفريع في مجالات إطلاق البلاغة ومعانيها يحصر دلالتها في الكلام باعتبار أنها سميت بلاغة لأنها تنهي المعنى إلى قلب السامع فيفهمه، ثم يخلص إلى الفصاحة التي يتمحور معناها حول تعبير المتكلم عما في نفسه وإظهاره، لينتهي أخيرا إلى تقرير هذه الخلاصة وهي أن الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما، لأن كل واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له.

ثم يعرض أقوالا لبعض العلماء منها أن الفصاحة تمام آلة البيان، فلهذا لا يجوز أن يسمى الله تعالى فصيحا، لأن الفصاحة تتضمن معنى الآلة ولا يجوز على الله تعالى الوصف بالآلة، ويوصف كلامه بالفصاحة لما يتضمن من تمام البيان، والدليل على ذلك أن الألثغ والتمتام لا يسميان فصيحين لنقصان التيهما عن إقامة الحروف، وقيل، زياد الأعجم لنقصان آلة نطقه عن إقامة الحروف وكان يعبر عن الحمار بالهمار ، فهو أعجم وشعره فصيح لتمام بيانه، فعلى هذا تكون الفصاحة والبلاغة مختلفتين، وذلك أن الفصاحة تمام آلة البيان فهي تتعلق باللفظ، لأن الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى، والبلاغة إنما هي إنهاء المعنى إلى القلب فكأنها مقصورة على المعنى.

ونسأل هل تؤدي مقابلة الرأيين السابقين إلى استنتاج أن العسكري يجمع بين موقفين متقابلين، موقف تتطابق حسبه دلالة المصطلحين ويعتبر ميدان الدراسة الأسلوبية ميداناً واحداً تتفاعل فيه مكونات النص وتتضافر الإبانة المعنى وإظهاره، وموقف يفصل أصحابه بين المصطلحين ويضيقون مجال الفصاحة إلى درجة أنهم اعتبروها صفة للمتكلم لا للكلام وتتحقق في النص المنطوق لا المكتوب؟ فإذا كان الموقف الأول واضحا ينسجم مع مقصد العسكري الصريح، فإنه يخيل إلينا أن في الموقف الثاني لبسا وأن الاستنتاج قابل للمناقشة، فاعتبار الفصاحة صفة للمتكلم تتحقق في النص المنطوق وليس في المكتوب نصف الخلاصة المضمنة في النص، وإلا فكيف ينفي عن الله تعالى الوصف بالفصاحة لعدم جواز الوصف بالآلة عليه سبحانه، ثم يصف كلامه بالفصاحة؟ ثم يشخص الرأي بوصف زياد، فهو أعجم لنقصان آلة نطقه عن إقامة الحروف، غير أن شعره فصيح، أليس الوصف بالفصاحة هنا خاصية في الشعر والقرآن معا ؟ ويؤكد الموقف أنه حين يتعلق الأمر بالنص المنطوق يستعمل اصطلاح الآلة، أما إذا كان الشأن بالمكتوب فإنه يكتفي بذكر تمام البيان دون ذكر الآلة، ومن هنا وعلى الرغم من إقراره بفصل حقل الفصاحة عن البلاغة في آخر النص واختصاص الفصاحة باللفظ والبلاغة بالمعنى، فإن امتداد معنى الفصاحة ليشمل مواصفات في النصين المنطوق والمكتوب معا يجعل حضورها والبلاغة في وصف النص الواحد وارداً.

ويقول مواصلا سرد الآراء، فإذا قلت، فصح رجل، أفاد ذلك أنه صار إلى حال يقيم فيها الحروف ويوفيها حقها، وإذا قلت بلغ، أفاد ذلك أنه صار إلى حال يؤدي فيها المعاني حق تأديتها في صورة مقبولة، ثم صار الفصيح والبليغ صفتين لمن جاد لفظة وبان معناه، فإذا كان الوصف بالفصاحة يتعلق بتمام آلة البيان، فإن البلاغة تستحيل تأدية للمعنى في صورة مقبولة، ولا شك أن اصطلاح الصورة المقبولة يوسع من دائرة اختصاص البلاغة بالمعنى فقط لتشتمل المعنى والمعرض الحسن الذي يبرز فيه، فإذا دققنا في آخر النص نجد إحساسا بالتطور في ضبط العسكري دلالة الاصطلاحين، إذ إن الصيرورة أدت إلى أن يتضام الوصفان لتحديد جودة اللفظ ووضوح المعنى، وجودة اللفظ أمر يتعلق بالنص غالبا، فإذا ضممنا هذا الوصف إلى اشتراط الصورة المقبولة في وصف الكلام بالبلاغة، أصبح بالإمكان الاستنتاج أن البلاغة تشمل مرة المعنى وصورته، وتختص مرة بالمعنى ليكون اللفظ قسيم الفصاحة، ويتأكد ذلك في رأيه التالي الذي ينم عن اجتهاد في تحديد معاني المصطلحين، يقول، وقد يجوز مع هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيد السبك، غير مستكره فج، ولا متكلف وخم، فبالإضافة إلى أن الأوصاف المتعلقة بسهولة اللفظ وجودة السبك تتحقق في النص المكتوب، يتأكد المنظور الثنائي المؤسس على تقابل البلاغة بالمعنى والفصاحة باللفظ، إلا أن وصول العسكري في العرض إلى هذا الحد جعل إمكان الامتداد باصطلاح البلاغة ليشمل عنصري المعنى واللفظ واقعا يهيئ لهذا الفهم منطلقه المطابق بين مفهومي الفصاحة والبلاغة، وما أوصله إليه مجرى النقاش من الامتداد بمعنى البلاغة ليطول أداء المعنى في الصورة المقبولة، لينتهي إلى بلورة الموقف في هذه الصياغة المقررة لما سلف، البلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن وإنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطا في البلاغة، لأن الكلام إذا كانت عباراته رثة ومعرضة خلقا لم يسم بليغا، وإن كان مفهوم المعنى مكشوف المغزى، فهذا يدل على أن من شروط البلاغة أن يكون المعنى مفهوما واللفظ مقبولاً على ما قدمناه، وهكذا يتأكد شمول مصطلح البلاغة عنده اللفظ والمعنى وتغليبه في الاستعمال على اصطلاح الفصاحة، إذ وجد أن لا معنى لتوظيف الاصطلاحين معا والبلاغة تطول عنصري الدلالة معا فضلا عن أن مدخله ينبئ بهذه النتيجة على الرغم من أنه يفتح استثناء آخر وهو بصدد استقصاء الآراء المختلفة في الموضوع، يروي أنه شاهد، قوما يذهبون إلى أن الكلام لا يسمى فصيحاً حتى يجمع مع هذه النعوت نعوت الجودة السابقة فخامة وشدة جزالة، قالوا وإذا كان الكلام يجمع نعوت الجودة، ولم يكن فيه فخامة وفضل جزالة سمي بليغا ولم يسم فصيحاً، وهذا الموقف لا يمثل إلا هامشا دفعه إليه داعي الاستقصاء، إذ يظل الموقف النهائي مجملا في قوله الجامع وهو إن البلاغة إنما هي إيضاح المعنى وتحسين اللفظ.

وهذه النتيجة تحيلنا إلى إشكال اللفظ والمعنى أصل القضية، وتمكننا من التساؤل عن طبيعة الصلة الجامعة بين المدخل التأسيسي القائم على بحث معاني الفصاحة والبلاغة، وثنائية اللفظ والمعنى، وهل أن صاحب الكتاب لم يستطع استغلال هذا المدخل استغلالاً محكماً ولم يبن كتابه على أساسه فأجهضت المحاولة وانفصلت بقية الفصول عن هذا المدخل، فلا هو درس البلاغة والفصاحة من زاوية متحدة متفاعلة ولا استطاع أن يلتزم بالفهم الضيق، لذلك يشعر القارئ أنه يستأنف كل مرة كلاماً جديداً لا علاقة له بهذه المسألة، ومن أحسن الأدلة على ذلك دراسته لثنائية اللفظ والمعنى فقد كنا ننتظر أن يربطها ببحثه في معنى الفصاحة والبلاغة لكنه باشرها كمسألة مستقلة؟ فإذا كانت الوحدة المنهجية المطلوبة في الكتاب هي قيامه على وحدة الفكرة المنبثة في كامل الفصول التي يؤدي عرضها المتنامي إلى إيفاء كل تفرعاتها حقها من البحث والاستقصاء، فإن الصناعتين خلو من ذلك، وإن كان القصد تأكيد انتفاء كل صلة بين الفصول وهو ما قد يفهم من الحكم السابق فإن الأمر قد يحتاج إلى مراجعة، ذلك أنه ورغم الإقرار بأن فصول الصناعتين المنزلة في الأبواب المشكلة لحجم الكتاب مستقل بعضها عن بعض من حيث القضايا المدروسة فإن خيطا خفيا يلحم أطروحات العسكري المختلفة يتبدى بوضوح في القناعة الواحدة التي تحكم بحثه اللفظ والمعنى ومدخله التأسيسي الضابط لعلائق الفصاحة والبلاغة.

ولقد أدى استقصاء ما طرح في المدخل إلى الإقرار بشمول البلاغة المعنى واللفظ، وأدى إلى تبني هذا الموقف المسار الذي تحقق بمقابلة دلالات المصطلحين، إذ بدوا متطابقين لتختص البلاغة بالمعنى، والفصاحة باللفظ مع انسحابها على شرط التمام في آلة البيان، ثم تعود دلالة البلاغة لتنبسط على عنصر اللفظ الذي هو من اختصاص الفصاحة، ويصبح شرط البلاغة في الكلام متحققا في وضوح المعنى ووضوح اللفظ، وهذه النتيجة هي التي خولت للعسكري الانتقال إلى بحث اللفظ والمعنى باعتبارهما عنصري البلاغة الرئيسيين، فإفرادهما بالبحث تفريع للقول في البلاغة ذلك أن تقصي المواصفات التي ينبغي أن تميز حضورهما بحث في بلاغة الكلام عموما، هذا من جهة الصلة المنهجية بين المبحثين، أما من جهة القناعات التي تحكم منظوره لكل منهما فيكشف عنها استقراء رأيه في اللفظ والمعنى.

فإذا كان تحقيق البلاغة يقوم على إبانة المعنى في صورة مقبولة ذلك أن الكلام إذا كانت عبارته رثة ومعرضة خلقا لم يسم بليغا وإن كان مفهوم المعنى مكشوف المغزى فإن اشتراطه خصوصيات في اللفظ تتمحور حول الجودة والتحسين واكتفاءه غالبا في وصف المعنى بالتركيز على الإبانة والوضوح، أمر يتمشى مع المنطلق البلاغي في بحث الكلام إذ يختص بالتركيز على الوسائل الأسلوبية، وهذا الرأي يمهد لموقفه مرددا مقولة الجاحظ، وليس الشأن في إيراد المعاني لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السبك والتركيب والخلو من أود النظم والتأليف، وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التي تقدمت، فهو يشترط في المعنى، الإصابة، وهذا أمر يتوافق عنده مع الوصف بالوضوح إذ يظلان حاضرين في وصف المعنى، هذا من جهة ومن جهة أخرى يبدو الموقف تأكيداً لرأيه في بلاغة الكلام، يظهر ذلك في عودته للانطلاق من مصطلح البلاغة في استمراره التدليل على رأيه السالف، يقول ومن الدليل على أن مدار البلاغة على تحسين اللفظ أن الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعاني فقط لأن الرديء من الألفاظ يقوم مقام الجيدة منها في الإفهام، وإنما يدل حسن الكلام، وإحكام صنعته، ورونق ألفاظه، وجودة مطالعه، وحسن مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه على فضل قائله، وفهم منشئه، وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعاني، وتوخي صواب المعنى أحسن من توخي هذه الأمور في الألفاظ.

يستخلص مما سلف أن العسكري لا يستأنف في بحث اللفظ والمعنى جديداً، بل يلحمه بتصوره البلاغة، وأن مسار بحث العنصرين عنده لا يأخذ هاجس التقصي عن أوجه ائتلافهما أو تشاكلهما أساساً بقدر ما ينبسط في تحديد أوصاف كل طرف يتبدى فيه المعنى خصوصاً في وضع المادة المزينة بالمعرض الحسن، والمهم في هذا الموقف الذي وسم فيه بمنتهى الشكلانية، أنه لا ينسى تكرار شروط الصواب في المعنى دون أن يتغافل عن إيلاء صورته مقاماً عالياً، ذلك أن الكلام إذا كان لفظه حلواً عذباً، وسلساً سهلاً، ومعناه وسطا، دخل في جملة الجيد، وجرى مع الرائع النادر، فإذا كان اللفظ الحسن يشفع لوسطية المعنى ووسطية المعنى إيذان بتنزل المعنى في مراتب، فإن المعنى إذا كان صوابا واللفظ باردا وفاترا، والفاتر شر من البارد، كان مستهجنا ملفوظا ، ومذموما مردودا، فصواب المعنى بقدر ما يبدو قيمة في المعنى ذاته وهو مقياس منطقي في تناول المعاني، لا يشفع لضعف الصورة اللفظية، إلا أن ذلك لا يعنى التقديم المطلق للصورة اللفظية، إذ ما دام الاعتبار في الإخراج الجميل للمعنى الصواب، فإن ضعف الإخراج يوهن من بلاغة النص مثلما أن سخف المعنى يهلهل الكلام الجيد اللفظ ذلك أنه لا خير فيما أجيد لفظه إذا سخف معناه، ولا في غرابة المعنى إلا إذا شرف لفظه مع وضوح المغزى، وظهور المقصد، وهكذا تتضافر المواقف لتؤدي إلى تأكيد حضور المعنى واللفظ معاً في بلاغة العسكري، مع الإقرار بالأثر المتبادل بينهما، ويكفي لإزاحة وسمه بالشكلانية اعتقاده في هذا النص بسقوط الكلام الذي حسن لفظه وسخف معناه، وإن ظلت العلائق الرابطة بين العنصرين قائمة على منظور ثنائي يرصد أوصاف كل طرف على حدة دون أن يمتنع لديه أن يكون لأوصاف هذا الطرف أثر في الطرف الآخر سلبا وإيجاباً، مع الإشارة أخيراً إلى أن وصف المعنى يستقطبه مبدأ الصواب في حين يشترط في اللفظ الحسن والجودة.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
وتأسيساً على ما سلف نستعرض موقفه الذي رأى فيه باحثون كثيرون تناقضا مع ما سالف رأيه الذي اقتبس من الجاحظ، يقول، إن الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدل عليها وتعبر عنها، فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ لأن المدار بعد على إصابة المعنى ولأن المعاني تحل من الكلام محل الأبدان والألفاظ تجري معها مجرى الكسوة ومرتبة إحداهما على الأخرى معروفة، إذ إننا لا نرى في قوله إن المدار على إصابة المعنى ما يعكر رأيه في المعاني المطروحة حتى نسم موقفه بالتناقض من مشكلة اللفظ والمعنى، ولا نجد أنه في نقده يقدم المعنى، وأنه في أبحاثه النقدية يقرر أن مدار البلاغة على اللفظ، صحيح أن هناك مغالاة يوقع العسكري فيه اعتماده في بعض الأحيان على النقل التام لنصوص سابقة مما يشوش مسار عرضه الفكرة الواحدة، إلا أنه في قضيتنا يظل الجوهر المؤسس لرأيه فيها إلحاحه على الصواب في المعنى والتحسين في اللفظ، وهما صفتان واردتان في نصه السابق بصريح اللفظ، وإذا كان في النص ما يشي بميل إلى تقديم صواب المعنى، أدته إليه نيته تأكيد أهميته بالإضافة إلى اللفظ، فإن في بدء النص ما يكشف عن حضور الطرفين بالصفات المميزة لكل منهما، وحتى لو فرضنا أن إمكان استنباط تقديم المعنى على اللفظ وارد من خلال نصه السابق، فإذا هذا التقديم لم ينبن عليه أكثر من اشتراط الصواب في المعنى وهو الوصف نفسه الذي ذكره في نصوصه السابقة دون أن يتأسس على رأيه في المعنى الصائب إمكان أن يشفع لضعف اللفظ، وهو ما يكشف لو حدث عن تراجع في الموقف، بل العكس هو الوارد، إذ يواصل بسطه الرأي السالف في الصفحة نفسها من الكتاب بقوله، والمعاني على ضربين، ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إمام يقتدي به فيه، أو رسوم قائمة في أمثلة مماثلة يحمل عليها، وهذا الضرب ربما يقع عليه عند الخطوب الحادثة،

ويتنبه له عند الأمور النازلة الطارئة، والآخر ما يحتذيه على مثال تقدم ورسم فرط، وينبغي أن يطلب الإصابة في جميع ذلك ويتوخى فيه الصورة المقبولة والعبارة المستحسنة، ولا يتكل فيما ابتكره على فضيلة ابتكاره إياه، ولا يغره ابتداعه له، فيساهل نفسه في تهجين صورته، فيذهب حسنه ويطمس نوره ويكون فيه أقرب إلى الذم منه إلى الحمد، فليس الوصف بالاحتذاء والابتداع بكاف في ضبط خصائص المعنى، إنما تمامه في صوابه وتوخي إخراجه في الصورة المقبولة، ولو كان الأمر عنده في تقديم المعنى حينا وتأخيره آخر لما أكد في آخر النص السابق ذهاب حسن المعنى المبتكر بتهجين صورته.

والواقع أن المبدأين الرئيسيين الضابطين اللفظ والمعنى عنده يظلان حاضرين في أغلب معالجته لهما، فهو يرى في شعر يورده أن معناه جيد وليس للألفاظ رونق، ولم ينبن على ذلك تقديم هذا الشعر، ويعلق على شعر الأصفهاني العلوي بقوله، ولست أورد أكثر شعره إلا لإصابة معناه دون لفظه لأن أكثر لفظه متكلف وجل صنعته فاسد، ولم يشفع صواب المعنى للعلوي أن يتبوأ شعره الصدارة بل يظل في نظر العسكري ضعيفاً، وفي مواقف لنقاد سابقين كابن قتيبة وابن طباطبا ما كان يتمشى مع رأيه لو كان لفظيا دوما، لكنه يورد بعض أشعار استشهدوا بها كنماذج من غزليات جرير المشهورة من مثل قوله، إن العيون التي في طرفها حور، ويرفض أن يكون هذا الشعر من الذي يستحسن لجودة لفظه وليس له كبير معنى بل يجزم بأنه لا يعلم معنى أجود ولا أحسن من معنى هذا الشعر، ذلك أن حضور العنصريين في معالجته النص راسخ يؤكده رأيه في أن المراد من الشعر، حسن اللفظ وجودة المعنى، ذلك أن سبيل الشعر أن يكون كلامه كالوحي ومعانيه كالسحر مع قربها من الفهم، والذي لا بد له منه حسن المعرض ووضوح الغرض، وهكذا يتأسس استقصاؤه المعاني في كتابه ديوان المعاني على خصائص ما يشترطه في الألفاظ والمعاني إذ يقدم بين يدي كتابه بقوله  جمعت في هذا الكتاب أبلغ ما جاء في كل فن وأبدع ما روي في كل نوع من أعلام المعاني وأعيانها إلى عواديها وشذاذها، وتخيرت من ذلك ما كان جيد النظم محكم الرصف غير مهلهل رخو ولا متجعد.

ويبقى موقفه الذي يتأكد فيه جمعه المعنى واللفظ قائماً بحسب المواصفات التي حددت، وهو رأيه في صنعة الكلام إذ بالرغم من أنه يعتمد على نصوص أوردها الجاحظ لبعض البلاغيين، وعلى رأي ابن طباطبا خصوصاً فإن ما أورده منها ينسجم مع أطروحاته، يقول إذا أردت أن تصنع كلاماً فأخطر معانيه ببالك، وتنوق له كرائم اللفظ، ويمكن إلحاق رأيه في السرقات بما سبق إلى أنه لا يعدو أن يكون رأيا مكروراً.

وللعسكري رأي في نظم الكلام عموماً يؤلف دعماً لموقفه الداعي إلى توخي إيقاع الصورة الحسنة في المعنى، يظهر ذلك في حديثه عن حسن الرصف والتأليف، وكمال الصوغ والتركيب، وفي ترداده رأي الجاحظ في القرآن وما خصه الله به من حسن التأليف وبراعة التركيب وفي وصف الشعر بالكلام المنسوج وأن حسنه في تلاؤم نسجه، وفي الإشارة إلى التئام الكلام عموما، ليبسط أشكال تحقيقه في دعوته إلى جعل الكلام مشتبها أوله بآخره، ومطابقاً هاديه لعجزه، ولا تتخالف أطرافه، ولا تتنافر أطراره وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ومقرونة بلفقها ليشير إلى أن من سوء النظم المعاظلة وهي ركوب بعض ألفاظه رقاب بعض، ثم لينتهي أخيرا إلى تخصيص باب كامل من كتابه الصناعتين للبيان عن حسن النظم وجودة الرصف والسبك وخلاف ذلك.

وهو يستعمل هذه الألفاظ الثلاثة مترادفة ثم يزيد معانيها بعض الشرح والتحديد يقول، وحسن الرصف أن توضع الألفاظ في مواضعها، وتمكن في أماكنها، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام، ولا يعمي المعنى، وتضم كل لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها، وسوء الرصف تقديم ما ينبغي تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغير صيغتها، ومخالفة الاستعمال في نظمها.

والحقيقة أن الاهتمام بالصورة الحسنة والتحسينات اللفظية المتحققة في الكلام لدى العسكري لم ينبن عليه الاستهانة بالمعنى، بل ظل يلح على تطلب الصواب والوضوح فيه، وأن فهم العنصرين بهذا المنحى هو الذي ألف رأيه في البلاغة التي تبدو عنده شاملة لهما معاً.

وأما لدى ابن سنان الخفاجي فإن الإشكال يأخذ مدى أكثر التواء وتعقيداً، إذ كان طموحه إلى استغلال النتاج السابق في مجال النقد والبلاغة ضمن مجاري ضبطها تصوره فعاليات المعنى واللفظ مدعاة إلى التقسيم والتفريع لاحتواء المادة، ولو ظلت المسألة خلاصة لاجتهاد في حدود اللفظ والمعنى التمس له العذر، ولكن محاولة الزج بالتقسيمات المتفرعة من المبدأين السابقين في إطار من فهم خاص لمصطلحي البلاغة والفصاحة أوقعه في حرج، مما اضطره إلى تمديد مجال المعنيين ليستوعبا محصول التفريعات التي يشملها استقصاء حضور الألفاظ والمعاني أفرادا وتراكيب في الكلام.

وإذا كان الاختلاف واردا مع ابن سنان الخفاجي في فهمه الفصاحة والبلاغة والفواصل التي تحد مجال كل نوع، فإنه لا بد من الإقرار بأن تفريعاته المستقرئة للفصاحة والبلاغة محكومة بمقدماته ومشدودة إلى أصوله النظرية، وأنه لم يحد عن المسار الذي ضبطه في المدخل، وإن أوحت التقسيمات إلى باحثين كثيرين بالاضطراب والقلق.

ومن هنا يكون لزاما البدء بعرض رأيه في قضية العلل الأربع أو الخمس إذا اعتبرنا الآلة من مشمولاتها التي تؤلف الإطار النظري العام الذي يحتوي أصول آرائه المنظمة لعلائق العنصرين في بنية الكلام.

يقوم رأيه في القضية على استغلال كل من قدامة والأمدي معاً مما أوقع رأيه في كثير من التعقيد واللبس، يقول فيما يشبه رأي قدامة إن صناعة التأليف في المعنى الفاحش مثل الصناعة في المعنى الجميل، ويطلب في كل واحد منهما صحة الغرض وسلامة الألفاظ على حد واحد ، وليس لكون المعنى في نفسه فاحشا أو جميلا تأثير في الصناعة، ولكن الجديد يكمن في استخدامه التأليف بدل الصورة كما هو الشأن عند قدامة حيث إن المعاني عنده مادة والشعر فيها كالصورة، وهو ينص على أن الجودة تظل من اختصاص التأليف وحده مشترطا في المعنى أيا كان صحة الغرض، وهذا يدل على انضباط المعاني لديه في خانة المنطق أيضا.

ثم يعود إلى نفس القضية بمزيد من التدقيق ليحيد عن هذا التوجه الذي يحتويه نصه السابق، فيقول مدققا هذه الأصول ومقابلاتها في صناعة الكلام إن الموضوع هو الكلام المؤلف من الأصوات، فأما الصانع المؤلف فهو الذي ينظم الكلام بعضه مع بعض، وأما الصورة فهي كالفصل للكاتب والبيت للشاعر، وأما الآلة فأقرب ما قيل فيها إنها طبع هذا الناظم، والعلوم التي اكتسبها بعد ذلك، وأما الغرض فبحسب الكلام المؤلف فإن كان مدحاً كان الغرض به قولا ينبئ عن عظم حال الممدوح، وإن كان هجوا فبالضد.

ولكن ما دام ينص صراحة على أن الموضوع هو الألفاظ، فكيف يمكن حمل هذا الرأي على نصه الأول الذي يرى فيه أيضا أن صناعة التأليف تكون في المعاني؟

إنه يحاول أن يضبط رأيه حين يدفع أن يكون الموضوع في المعاني كما ذهب قدامة في نقد الشعر، فيرى أنه يجب أن يقال له إذا ذهبت إلى أن المعاني هي الموضوع خبرنا عن الألفاظ التي أخذها هذا الصانع المؤلف فألفها إذا لم تكن عندك موضوعا لصناعته فما منزلتها من الأقسام التي اعتبرها الحكماء في كل صناعة؟ والتأمل قاض بصحتها، وإذ يستقيم له التدليل على أن موضوع الصناعة لن يكون إلا الالفاظ بعد أن يؤكد استحالة أن تكون الآلة أو الصانع أو الصورة أو الغرض موضوع الصناعة، يطرح الإشكال الأخير متسائلاً فإن قال لنا، ما تقولون أنتم في المعاني مع أن علقتها أيضا وكيدة؟ قلنا المعاني وتأليف الألفاظ هي صناعة هذا الصانع التي أظهرها في الموضوع، وهذا لا يعكر في نظره اختيار أن تكون مادة الصناعة هي الألفاظ، إذ إن الصناعة تتحقق بالتأليف الذي يعضده المعنى، لكن ما علاقة المعنى المنسجم مع التأليف هنا بالمعنى الذي تتجسد فيه صناعة التأليف نفسها ؟ نلاحظ أن المعنى في الموقف الأول منزل في إطار قيمي، فلم تكن فحاشته أو جماله لتطول الصنعة إذا كان متلائما مع الغرض وخلوا من الخطأ، في حين يتبدى المعنى هنا قسيماً للتأليف الطارئ على الموضوع الذي له فعالية في الصنعة إذ هو شطرها، فالمعنى في مستوى التأليف هو أقرب ما يكون إلى الدلالة العالقة بنسيجها، والمعنى في المستوى الآخر هو الوجه الآخر للمعنى المتألف الذي يمكن أن ينضبط في خانات البحث المنطقي، والأخلاقي، ويرتب وفق مواصفات الأغراض ويكيف حسب مقتضيات الإطار الاجتماعي عامة.

وهكذا إذ يتنزل المعنى في مستويين المستوى العالق بالتأليف والمستوى المستقل إن صح الوصف وليس مرد استقلاله إلا أنه يكون موضوعا لفعاليات أخرى منطقية وأخلاقية وغيرها يتنزل موضوع الصنعة أيضا في مرتبتين، مرتبة الألفاظ، ومرتبة التأليف، وما دام كلاهما يتعاضدان في فعل الصنعة أصبح لزاما دحض مقولة قدامة القائمة على أن الموضوع الرديء لا يؤثر في الصورة الجيدة، واشتراط الانتقاء والاختيار في الألفاظ نفسها، ذلك أن ناظم الكلام قادر على اختيار موضوعه، غير محظور عليه تأليف ما يؤثر منه، ليخلص إلى ضبط العنصرين معاً المؤسسين لحقل الفصاحة بقوله، الفصاحة عبارة عن حسن التأليف في الموضوع المختار.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...