0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

بلغ قدامة بن جعفر ۳۳۷هـ، في كتابه نقد الشعر ذروة التفكير الموضوعي في نقد القرن الرابع الهجري، فهو بتأسيس منهجه العقلي في النقد أضاف رافدا جديدا إلى الوعي النقدي الذي كان في طور التمايز والنضج، لأن اتسامه بالمنطق العلمي الصارم وابتعاده عن الأحكام الشمولية ذات الطابع الذوقي الفردي إنما يشكل علامة فارقة في الوعي النقدي حينذاك، فالنقد لدى قدامة علم ومجاله تخليص الجيد من الرديء في الشعر أما سائر ما يتعلق بالشعر من علم العروض والقوافي والغريب واللغة والمعاني فليس مما يدخل في باب النقد إلا على نحو عارض، والحديث عن تأثر قدامة بالفلسفة اليونانية والمنطق العلمي الذي اتبعه هو ضرب من التكرار الذي كثيراً ما تحدث عنه شراح قدامة وهو لا يفيدنا في هذا البحث إلا من جانب اقتراب منهج قدامة من منهج الجماليين الشكليين إذ إن أكثر ما اهتموا به هو الحكم الجمالي والبحث عن ميزان الجودة والاهتمام بالمقاييس التي تجعل النص نصاً أدبياً جيداً، وأكثر ما اعتدوا به في هذا السياق هو النص ذاته بوصفه موضوعاً جماليا يحمل في داخله مقومات الجودة والرداءة بعيداً عن ذوق المتلقي لأننا لن نجد ناقدا مثل قدامة قصر حديثه كله على الشعر نفسه دون أن يلتفت للشاعر أو المتلقي، فليس يدخل في نقد قدامة أي حديث عن الحالات النفسية بالمعنى الدقيق ولا عن الطبع وما أشبه من هذه الأمور. 

وعلى الرغم من أن قدامة لم يضع رؤية واضحة للتلقي وآلياته إلا أننا يمكن أن نستنتج من خلال منهجه العلمي في النقد نظرات مهمة حول الطريقة التي يجب أن يُقرأ فيها النص والغاية من تلك القراءة وهذا ما يجعلنا نؤكد أن قدامة يرى أن القارئ الذي سيصل إلى الحكم الجمالي الصحيح هو الناقد الذي يتسم بالقدرة على التجول داخل النص فهو يقف موقف العالم يصنف كل شيء بمنتهى الدقة والوضوح، ويسيء الظن بالقارئ فيضع له الأنموذج ليقيس عليه ولا ريب في أنه بنى أسساً نقدية متكاملة، فابتعاد قدامة عن الأحكام الفردية الشخصية يجعله ناقداً موضوعياً يحث كل قارئ على اتباع منهجه العلمي في الحكم وأسلوبه المبني على التقسيم، ولعل العنوان الأهم الذي يمكن أن ندرج منهج قدامة في القراءة والتلقي تحته هو المنهج الشكلي القائم على تشريح النص الأدبي والبحث عن العلامات الفارقة فيه للتمييز بين جيده ورديئه وتتبع أسباب الحسن والرداءة فقراءة قدامة هي قراءة شكلية تهدف إلى البحث عن سمات الجمال فيه ومن خلال ذلك المنهج في القراءة يمكن أن نستنتج آليات التلقي الجمالي عنده.

إن البداية التي تحدد آليات تلقي النص الأدبي عند قدامة والجهة التي تجذب بوصلته هو أنه تلق يكشف مكامن الجمال في النص ويهدف إلى تفسير أسباب الحسن والجودة وتعليلها وغايته الأخيرة هي وضع قانون علمي للحكم الجمالي،وما فعله قدامة هو أنه رسم لنا ملامح النص الشعري الجميل وشروطه وقوانينه فقد وضع المقاييس الجمالية للنص والصياغة وأكثر ما يؤكد ذلك أنه لم يهتم بالمعنى من هذا الجانب لأنه يعده مادة للأدب كالخشب بالنسبة إلى النجار، وعلى الرغم من أنه يعد المعنى مكوناً أساسياً للنص ويغوص في البحث عن قانون يحكمه إلا أننا نراه يتتبع ذلك بغية استكمال بحثه عن الحسن ووضع المعنى بين حدي الجودة والرداءة فنراه لا يعطي أهمية كبرى لتناقض الشاعر في المعنى ولا يهتم كثيراً بالوضوح أو الإغراق والمهم لديه هو التجويد والجمال فحسب ومناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين بأن يصف شيئاً وصفاً حسناً ثم يذمه بعد ذلك نما حسنا بينا غير منكر عليه ولا معيب من فعله، إذا أحسن المدح والذم بل ذلك عندي يدل على قوة الشاعر في صناعته واقتداره عليها.

فالشكل الذي يخرج فيه النص إلى القارئ هو مدار الحكم الجمالي ولا أهمية للمعنى إلا من هذا الجانب فالمعاني مطروحة للشاعر وله أن يتكلم منها في ما أحب وآثر من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصورة منها مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة.

ومن هنا يؤسس قدامة منهجا جماليا في التلقي، فالنص الشعري موضوع جمالي غايته الحسن في الصياغة ومادته المعنى الذي يلبس القالب اللفظي، ولعل أهم أسس ذلك المنهج هو وضع حدود المقياس الجمالي فالشعر صناعة الغرض منها غاية التجويد والكمال فإذا قد صح أن هذا على ما قلناه فلنذكر صفات الشعر الذي إذا اجتمعت فيه كان في غاية الجودة، وهو الغرض الذي تنحوه الشعراء بحسب ما قدمناه من شريطة الصناعات والغاية الأخرى والمضادة لهذه الغاية هي نهاية الرداءة، وأذكر أسباب الجودة وأحوالها وأعداد أجناسها ليكون ما يوجد من الشعر الذي اجتمعت فيه الأوصاف المحمودة كلها وخلا من الخلال المذمومة بأسرها يسمى شعرا في غاية الجودة وما يوجد بضد هذه الحال يسمى شعراً بغاية الرداءة وما يجتمع فيه من الحالين أسباب ينزل له اسماً بحسب قربه من الجيد أو من الرديء أو وقوعه في الوسط الذي يقال لما كان فيه صالح أو متوسط أو لا جيد ولا رديء، فالقراءة بحسب منهج قدامة ستنزل كل نص منزلته وتعطيه حكمه الجمالي الذي يقع على محور طرفاه غاية الجودة الكمال وغاية الرداءة  ومقولاته الأخرى موزعة بين هذين الطرفين بحسب قربها أو بعدها أو توسطها بينهما.

خطوات الحكم الجمالي عند قدامة بن جعفر؟ 

إن الصرامة العلمية لمنهج قدامة في النقد عامة وفي القراءة خاصة أدت إلى وضعه خطوات للقراءة تهدف إلى تقعيد الحكم الجمالي بحيث يمكن للمتلقي أن يصدر حكما أقرب إلى اليقين العلمي منه إلى الشك الذي يثيره الذوق الفردي الذي لا يمكن لأحد أن يجادل فيه معتمداً على تلك القواعد، واستناداً إلى منهج قدامة ذلك يمكن أن نضع خطوات لقراءة النص الجمالية وخطوات عملية للتلقي تقوم على أربع مراحل وهي:

١- تشريح النص الأدبي

٢- تركيب الائتلافات

٣- المفاضلة.

٤- الحكم.

ولعل من الأهمية في هذا السياق أن نوضح كل خطوة من تلك الخطوات بهدف شرح عملية التلقي تلك.

1- تشريح النص الأدبي: انطلاقاً من تعريفه الشعر بأنه قول موزون مقفى يدل على معنى، يبدأ قدامة استخدام أدواته في تشريح النص ليلج أعماقه بغية وضع معيار جمالي لكل مكون من مكوناته، ولعل عنوان تشريح النص بوصفه خطوة أولى في البحث عن جماليات النص هو العنوان الأشمل لأن الخطوات الثلاث اللاحقة يمكن أن تندرج تحت العنوان نفسه وعملية التشريح النصي هذه تهدف إلى فصل مكونات النص وعناصره والعمل على وصفها جودة ورداءة وهذه العملية تتبع القاعدة العلمية التي وصفها قدامة، وهي عملية واضحة وسهلة بقدر ما هي متشعبة فهو يضع نعتاً للفظ ونعتا للوزن ونعتا للقوافي ونعتا للمعاني ويفصل في شرحها ويحدد الجيد والرديء فيها، وهكذا نرى أن جماليات اللفظ نابعة من أن يكون سمحاً سهل مخارج الحروف من مواضعها عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة، ويضع لذلك مقياساً من أشعار العرب منها أبيات من التشبيب في قصيدة للحادرة الذبياني وهي:

وتصدقت حتى استبتك بواضح

صلب كمنتصب الغزال الأتلع

وبمقلتي حوراء تحسب طرفها

وسنان حرة مستهل المدمع

هذا من جانب الجودة أما من جانب الرداءة فإن عيوب اللفظ هي أن يكون ملحونا وجاريا على غير سبيل الإعراب واللغة، وأن يرتكب الشاعر فيه ما ليس يستعمل ولا يتكلم به إلا شاذا وذلك هو الحوشي الذي مدح عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته وتنكبه إياه، ومن أمثلته شعر أبي حزام غالب بن حارث العكلي وكان في زمن المهدي وله في أبي عبيد الله قصيدة أولها

تذكرت سلمى وإهلا سها

فلم أنس والشوق ذو مطروه. 

ويذكر أيضاً من عيوب اللفظ: المعاظلة وهي التي وصف عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته لها أيضاً، ويدل شرحه لها على أنها التراكب في الكلام.

أما جماليات الوزن فهي: أن يكون سهل العروض، من أشعار يوجد فيها وإن خلت من أكثر نعوت الشعر منها قصيدة حسان:

ما هاج حسان رسوم المقام

ومطعن الحي ومبني الخيام. 

ومن نعوت الوزن الترصيع وهو أن يتوخى فيه تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع أو شبيه به أو من جنس واحد في التصريف.

أما عيوب الوزن التي تجعله على طرف الرداءة من الحكم فهي الخروج عن العروض وقد تقدم من استقصى هذه الصناعة إلا أن من عيوبه التخلع وهو أن يكون قبيح الوزن قد أفرط تزحيفه وجعل ذلك بنية للشعر كله حتى ميله إلى الانكسار وأخرجه من باب الشعر الذي يعرف السامع له صحة وزنه في أول وهلة إلى ما ينكره حتى ينعم ذوقه أو يعرضه على العروض فيصح فيه فإن ما جرى هذا المجرى من الشعر ناقص الطلاوة قليل الحلاوة، ومن ذلك قول الأسود بن يعفر

إذا ذممنا على ما خيلت

سعد بن زيد وعمرو من تميم

وضبة المشتري العار بنا

وذاك عم بنا غير رحيم

وإضافة إلى أن قدامة وضع حدي الجودة والرداءة في الوزن نراه يصف المزايا التي تجعل الوزن أجمل من غيره كالترصيع، كذلك يضع قدامة جماليات الحد الثالث في الشعر وهو القافية التي ينبغي لكي تكون جيدة أن تكون عذبة الحرف سلسة المخرج وأن تقصد لتصيير مقطع المصراع الأول في البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها فإن الفحول والمجيدين من الشعراء القدماء والمحدثين يتوخون ذلك ولا يكادون يعدلون عنه وربما صرعوا أبياتاً أخر من القصيدة بعد البيت الأول وذلك يكون من اقتدار الشاعر وسعة بحره،  ونراه يتوسع في الحديث عن عيوب القافية تفصيلاً. 

فمن ذلك التجميع: وهو أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روي متهيئ لأن تكون قافية آخر البيت فتأتي بخلافه. 

ومن عيوبها الإقواء: وهو أن يختلف إعراب القوافي فتكون قافية مرفوعة مثلاً وأخرى مخفوضة. 

ومنه الإيطاء وهو أن تتفق القافيتان في قصيدة فإن زادت عن اثنين فهو أسمج، ومنه السناد وهو أن يختلف تصريف القافيتين، ونراه يفصل في وضع الأمثلة ليسهل التمييز على القارئ الذي سيصدر حكماً معيارياً قائماً على هذه المقاييس والأمثلة.

ولعل العمل الأصعب على قدامة كان في وضع مقاييس الجودة والرداءة لحد المعنى في النص بسبب تنوع المعاني وتعددها ولكنه وبفضل عقله المنطقي قسمها إلى أبواب عامة ونعوت تلحقها بهدف تسهيل العمل عليه فنراه يضع جماليات الوصف وهي أن يكون المعنى مواجها للغرض المقصود غير عادل عن الأمر المطلوب وهنا نلاحظ أن قدامة من أنصار الغلو في التشبيه، ثم يضع مقاييس المديح الجميل ويفصل فيها بحسب الخصال التي يراد مدحها فمن أقسام خلقة الإنسان العفة والقناعة وقلة الشره وطهارة الإزار، ومن أقسام الشجاعة الحماية والدفاع والأخذ بالثار والنكاية في العدو والمهابة وقتل الأقران والسير في المهامه الموحشة ومن أقسام العدل السماحة ويرادف السماحة التغابن وهو من أنواعها،ثم يركب بين تلك الخصال، وهذا مقام يطول الحديث فيه.

ويذكر بعد ذلك جماليات الهجاء وجماليات المراثي،ثم ينتقل إلى المقاييس العامة التي تجمع كل المعاني وتؤدي إلى التفاضل بينها وهي صحة التقسيم وصحة المقابلة وصحة التفسير والتتميم والمبالغة والتكافؤ والالتفات، وكعادته يقوم بالتعريف والتفصيل والشرح لكل ذلك، وكل ما أتى في المعاني هو من طرف الحكم بالجودة أما من الطرف الآخر فنراه يذكر عيوب كل معنى من المعاني وذلك ليسترشد القارئ بها وهي الصفات المناقضة لأسباب التجويد في كل معنى فعيوب المدح خلاف فضائله أما عيوب الهجاء فهي سلب المهجو أموراً لا تجانس الفضائل النفسية، وفي هذا المقام لا نرى تفصيلا إذ إنه يحيل القارئ إلى استنتاج العيوب من الفضائل، وكذلك يتحدث عن عيوب الصفات العامة للمعاني، وهي فساد الأقسام وفساد المقابلات وفساد التفسير والاستحالة والتناقض وإيقاع الممتنع فيها في حال ما يجوز وقوعه ويمكن كونه ومخالفة العرف والإتيان بما ليس فيه وأن ينسب إلى الشيء ما ليس فيه.

وهكذا نرى أن كل ما جاء في هذا المقام والذي يصعب الإسهاب فيه بسبب تشعبه عند قدامة يؤكد أن الخطوة الأولى في التلقي وفق هذا المنهج ذات أهمية كبرى لأنها الأساس الذي سيتمكن فيه المتلقي أن يتابع سعيه لاستخلاص الحكم الجمالي وهي بحق تغوص في أعماق النص تشريحاً وتجريدا لمعرفة ميزاته وهذا ما يؤكد منهج قدامة الشكلي.

2 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

2- تركيب الائتلافات: إن ما يتميز به منهج قدامة هو أنه يسعى إلى توسيع القاعدة العلمية لكي تصبح شاملة للنص وهو ما يؤدي إلى إقصاء الحكم الذوقي غير المعلل وهنا نلاحظ أن الخطوة الثانية في قراءة النص تهدف إلى إعادة الانسجام بين المكونات السابقة فهو لا يهدف إلى تقطيع أوصال النص بل يسعى إلى إيجاد الانسجام فيه عبر ابتكاره عدداً من الائتلافات والسعي لوضعها من جديد على محور الحكم الجمالي بين حدي الجودة والرداءة، ومما يؤخذ على قدامة هنا أنه حددها بأربعة ائتلافات دون التوسع في ذلك ربما لأن قدامة أدرك أنه من الصعب عليه التوسع أكثر عبر ائتلافات ثلاثية ورباعية مما سيشتت القارئ وربما ستضعه عند حد عدم القدرة على الإحاطة بها وبأحكامها وهو ما قد يؤدي به إلى اللجوء إلى حكم الذوق الذي كان يهرب منه منذ بداية البحث فنراه يضع تلك الائتلافات على الشكل التالي

  • ائتلاف اللفظ مع المعنى ومن أنواعه المساواة والإشارة والإرداف والتمثيل ونراه كعادته معرفاً ومحدداً لكل نوع.
  • ائتلاف اللفظ والوزن وهو أن تكون الأسماء والأفعال في الشعر تامة مستقيمة كما بنيت لم يضطر الأمر في الوزن إلى نقضها عن البنية بالزيادة عليها والنقصان منها وأن تكون أوضاع الأسماء والأفعال والمؤلفة منها وهي الأقوال على ترتيب ونظام لم يضطر الوزن إلى تأخير ما يجب تقديمه ولا تقديم ما يجب تأخيره منها ولا اضطر أيضاً إلى إضافة لفظة أخرى يلتبس المعنى بها.
  • ائتلاف المعنى والوزن وهو أن تكون المعاني تامة مستوفاة لم تضطر بإقامة الوزن إلى نقصها عن الواجب ولا الزيادة فيها عليه وأن تكون المعاني أيضا مواجهة للغرض لم تمتنع عن ذلك وتعدل عنه من أجل إقامة الوزن والطلب لصحته.
  • ائتلاف القافية ومن أنواع ائتلاف القافية ما يدل عليه سائر معنى البيت التوشيح، وهو أن يكون أول البيت شاهدا بقافيته ومعناها متعلق به، و الإيغال هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاماً من غير أن يكون للقافية في ما ذكره صنع ثم يأتي بها لحاجة الشعر فيزيد بمعناها في تجويد ما ذكره من المعنى.

ويذكر قدامة حد الائتلافات التي تجعل منها ردينة مورداً عيوب ائتلاف اللفظ والمعنى ومنها الإخلال والعودة إلى الضد، وعيوب ائتلاف اللفظ والوزن وهي الحشو والتعليم والتذنيب والتغبير والتعطيل أما عيوب ائتلاف المعنى والوزن معا فمنها المقلوب والمبتور، وعيوب ائتلاف المعنى والقافية أن تكون مستدعاة أو أن يؤتى بها لأن تكون نظيرة لأخواتها في السجع.

إن اقتصار قدامة على تلك الائتلافات يجعل هذه القاعدة قاصرة عن مبدأ الوحدة من خلال التنوع فلا نرى مثلا ائتلافات ثلاثية كائتلاف اللفظ مع الوزن والقافية أو ائتلافات رباعية كائتلاف اللفظ مع الوزن مع المعنى مع القافية، وربما هذا ما كان سيجعل عمل قدامة أو عمل أي قارئ آخر صعباً ولاسيما أن غاية هذه القراءة هو إصدار حكم جمالي، يفسر الجودة، ذلك أن إيجاد نعوت لهذه الائتلافات الثلاثية والرباعية بغاية الصعوبة ولكن ذلك لا ينقص من أهمية هذه الائتلافات ولا يسلب هذه الخطوة أهميتها.

3- المفاضلة: إن القارئ لا يستطيع أن يركن إلى الخطوتين السابقتين في إصداره الحكم الجمالي فهو مما سبق اتباعه سيكتفي بمعرفة الجيد والرديء من الألفاظ والقوافي والأوزان والمعاني وائتلافاتها، ولكن ثمة ميزات تؤدي إلى أن يكون أحد الألفاظ مثلا جميلاً ويجعل لفظاً آخر أجمل أو يجعل معنى من المعاني أكثر جودة من نظيره وهنا يؤكد منهج القراءة هذا ضرورة المفاضلة بين تلك النعوت، لذلك نرى أن قدامة أكد أن من النعوت ما يسهل عملية التفاضل تلك، ففي المعاني نرى أنه لا يكفي أن يكون المدح أو الهجاء أو النسيب محققاً للجمال بل يجب أن يسعى الشاعر فيه إلى التجويد والاقتراب من النص المثالي عن طريق صحة التقسيم وصحة المقابلة وصحة التفسير فمن النصوص ما نراه محققاً لإحدى تلك المحسنات ومنه ما يحقق أغلبها ومنه ما لا يحقق من شروط المعنى الجميل سوى حده الأدنى أو ما يؤدي إلى رداءة المعنى بسبب فساد الأقسام أو فساد المقابلات أو فساد التفسير أو الاستحالة والتناقض، على الرغم من أنه قد يكون جميلاً من حيث المقياس الأولي الذي وضعه قدامة لإصابة المعنى وهكذا نرى أن من الأهمية في سياق عملية القراءة والتلقي وفق منهج قدامة الجمالي أن يقوم المتلقي بالمفاضلة بين الألفاظ والأوزان والمعاني والقوافي بهدف الوصول إلى الحكم الجمالي وهو الخطوة النهائية والأخيرة في عملية التلقي، وهو الغاية من القراءة عند قدامة.

4- الحكم: تكمن الأهمية في العمل الأدبي في تجويده وعملية القراءة تسعى إلى البحث عن النص المثالي الكامل، ويؤكد قدامة ذلك من الخطوة الأولى في القراءة، فالقارئ بعد أن ينعم النظر في النص ويعرف الجيد والرديء فيه يجب أن يضعه على مقياس الحكم الذي وضعه قدامة وهو كما رأينا مقياس علمي طرفاه منتهى الجودة ومنتهى الرداءة وما يقع بينهما بحسب قربه من الجيد أو الرديء ولكن يكمن التساؤل هنا عن المعيار الذي سيضع القارئ من خلاله النص المقروء في المسافة الصحيحة بين الجودة والرداءة، والطريقة التي يتخلص بها قدامة من ذلك هو عدم ذهابه في هذا المنطق العلمي إلى أبعد حدود التطرف مكتفياً بعدة مقولات جمالية تتوسط الطرفين وتتقارب وتدل على النص الذي يقع في وسط المسافة تماماً الذي يقال لما كان فيه صالح أو متوسط أو لا جيد ولا رديء فإن سبيل الأوساط في كل ماله ذلك أن تحد بسلب الطرفين، كما يقال مثلاً في الفاتر الذي هو وسط بين الحار والبارد إنه لا حار ولا بارد والمز الذي هو وسط بين الحلو والحامض إنه لا حلو ولا حامض وهنا نلاحظ غياب المقولات التي تحكم النص الذي لا هو جيد ولا رديء ولا هو وسط بينهما عند قدامة إذ يكتفي بوصفه بما يجتمع فيه من الحالتين أسباب ينزل له اسماً بحسب قربه من الجيد أو من الرديء وهو ما يوقع القارئ المتلقي في غموض الحكم ونرى أن غياب تلك المقولات يعيد المتلقي إلى رأيه وذوقه الشخصي الذي من خلاله سيجعل النصوص على درجات متفاوتة من الجودة والرداءة وليست على ثلاث مستويات فقط كما عند قدامة.

وهكذا نرى أن منهج قدامة النقدي في كتابه نقد الشعر يوحي بتلك الآلية العلمية في القراءة ويؤكد أنها قراءة جمالية تهدف إلى تفسير أسباب الجمال وتعليل أسباب الرداءة ومن ثم إطلاق الحكم الجمالي، من خلال خطوات تغوص في النص سعياً للوصول إلى التعليل والتفسير والحكم.

الفارابي والتخييل؟ 

على الرغم من أن أبا نصر الفارابي ت ٣٣٩هـ لم يكن ناقداً أدبياً وبرغم انشغاله في رسائله وبحوثه بالموضوعات الفلسفية إلا أنه وضع رأياً هاماً في النقد الأدبي ونظرية الأدب ذلك أنه أفرد للشعر عدة رسائل بالإضافة إلى بحوثه المهمة في الفنون الأخرى كالموسيقى.

وقد جاء درسه الأدبي موزعاً ضمن فلسفة السياسة والصناعات المدنية، فالفارابي يرى أن المعرفة من شأن الفلسفة وأن الإبداع يعتمد القوة المتخيلة عند الإنسان وهي قوة تسهم في التعرف إلى الحقائق والموجودات ولكن بوسائل مختلفة ويفهم من صريح المقالة الفلسفية أن المفكرة والمخيلة اسمان لقوة واحدة وهي التي تتصرف في المعلومات بالتفصيل والتركيب وإنما تغير اسمها بحسب اختلاف الحال فعندما يكون زمامها بيد العقل يسمونها مفكرة وعندما تنفلت منه يسمونها مخيلة، وأن القوة المتخيلة عند الإنسان تفيد المعرفة لذا على الشعراء معرفة المنطق والفلسفة وبناءً على ذلك يقيم نظرية الشعر على أنها قسم من أقسام التفكير الكلي الشامل وبعبارة أخرى أراد أن يوحد ما بين التفكير الفلسفي والتفكير الأدبي وأن يجعل نظرية الشعر قسما من أقسام التفكير الفلسفي العام، ومن أجل ذلك استطاع أن يقيم نظرية المحاكاة الأرسطية على أساس سيكولوجي واضح وأن يتحدث عن التخييل باعتباره أساس الشعر وجوهره وأن يكشف عن ثراء مدلوله ويعمق صلتنا بطبيعة الإثارة النفسية التي يحدثها التخييل الشعري عند المتلقي.

فالفارابي وبسبب تفكيره المجرد والمرتبط بقضايا الفلسفة جعلها الحاضن الأكبر للمعرفة الإنسانية والناظم الأساسي لها وجعل الأدوات المعرفية الأخرى روافد لها تنهل من المعطيات العامة التي تضعها فالفلسفة تحدد مجالات الأدب والفن من خلال الإسهام في عملية التوجيه الأخلاقي وضمن هذا السياق يمكن للفنان أن يساعد الفيلسوف في تشكيل السيرة الفاضلة للبشر إذا تحرك داخل مجموعة القيم التي يحددها له الفيلسوف فيقدمها الفنان تقديماً مؤثراً، وهكذا يختلف اهتمام الفارابي بقضايا الأدب عن النقاد والبلاغيين لأنه يحاول أن يقيم نظرية متكاملة له تضيء جوانب العمل الأدبي من خلال فهم عمل كل طرف من أطرافها وهذا ما يقربه من التفكير النقدي الحديث فهو يبحث عن الطرائق والأدوات المشتركة بين المبدع والمتلقي التي تجعل المتلقي يفهم رسالة المبدع ويؤكد اشتراك النص في إيصال الرسالة من خلال بنيته الأساسية التي تعتمد المحاكاة بين الأشياء، ويهتم الفارابي بالطبيعة الإنسانية لعملية الإبداع الأدبي والكيفية التي تتصل فيها بالجانب الداخلي للإنسان من مشاعر وانفعالات وعمليات عقلية ونفسية ولذلك كان الفن قادراً على إثارة المتلقي من خلال اشتراكه مع الطبيعة الذاتية للمبدع فنرى الفارابي يهتم بعمليات التلقي أكثر من عمليات الإبداع ويفهم العملية الأدبية من خلال التخييل أكثر من التخيل.

وهكذا يضع مفهومين أساسيين نفهم من خلالهما الطريقة التي يفسر فيها العمل الأدبي وهما المحاكاة والتخييل إذ يجعل الأقوال الشعرية أقوالا محاكية تعتمد الإيهام بالتشبيه ويضع تفسيراً لعمليات الإبداع والتلقي يعتمد القوة المشتركة بين المبدع والمتلقي وهي القوة المتخيلة التي تقوم بنفس الفعل عند كل منهما ولكنها تكون فاعلة في إنتاج الصور عند المبدع ومنفعلة بإعادة إنتاج تلك الصور على هيئة تصورات جديدة عند المتلقي من خلال تفسير التشبيهات في الأقوال المحاكية إذ يلتمس بالقول المؤلف مما يحاكي الشيء تخييل ذلك : إما تخييله في نفسه وإما تخييله في شيء آخر، فيكون القول المحاكي ضربين ضرب يخيل الشيء نفسه وضرب يخيل وجود الشيء في شيء آخر.

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)

وتقوم القوة المتخيلة بالدور الأساسي في عمليات الإبداع والتلقي لعلاقتها بالظواهر الخارجية من جانب وبالعالم الداخلي للإنسان من جانب آخر فهي تحفظ المحسوسات بعد غيبتها عن الحس، وهي بالطبع حاكمة على المحسوسات ومتحكمة عليها وذلك أنها تفرد بعضها عن بعض وتركب بعضها إلى بعض تركيبات مختلفة يتفق في بعضها أن تكون موافقة لما حس وفي بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس، لذلك فهي قادرة على تشكيل الصور والتصورات عند المبدع والمتلقي على السواء من خلال الربط بين ما تحفظه وهذه الصور كما نرى قد تقترب من الواقع المحسوس في محاكاته وتشبهه فتتسم بالوضوح وقد تبتعد عنه وتخالفه فتتسم بالغموض.

فالشعر أقوال محاكية يبدعها الشاعر من خلال عملية التخيل ويفهمها المتلقي من خلال عملية التخييل، وتعتمد المخيلة على قوة التذكر وهو تداعي المعاني وخطورها على الذهن بسهولة وبعد أن تتراءى لها الصورة بوسيلة التذكر تستخلص منها ما يلائم الغرض، وتطرح ما زاد على ذلك، وأسلوب المحاكاة يمكن أن يكون سهلا ومباشراً كما يمكن أن يكون بعيداً وغامضاً والغموض يؤثر في المتلقي ويعمل على تفعيل القوة المتخيلة عنده بالتأمل وربط التذكرات والمعاني فالشاعر يستخدم كل الوسائل لتبلغ المحاكاة مهمتها وقيمتها الفنية والمعرفية التي أكثر ما تظهر باستجابة المتلقي فالمحاكاة الحقة عند الفارابي تفرض عدم المباشرة وعلى هذا الأساس فكلما ابتعد المحاكي عن موضوعه كان التعبير أكثر قدرة وقابلية على التأثير والإثارة فالابتعاد يولد الغموض وفي الغموض إيحاء وللأخير جمال الذي يعتبر بمنزلة قيمة فنية.

والأقوال الشعرية أقوال كاذبة لأنها تعتمد التخيل ولكنها أقوال تحاكي بالشبيه وليس بالتغليط أي إنها أقوال كاذبة فنياً وليست هي كذلك من حيث الصدق والكذب الأخلاقي فهو بتقسيمه الأقوال يجعل الأشعار من الأقاويل الجازمة الكاذبة والكاذبة من الأقاويل منها ما يوقع في ذهن السامع الشيء المعبر عنه بدل القول ومنها ما يوقع فيه المحاكي للشيء وهذه هي الأقاويل الشعرية، فأما المحاكي للشيء فليس يوهم النقيض لكن الشبيه ويوجد نظير ذلك في الحس، وهكذا يمكن أن نفهم قصده من أن الأشعار أقوال كاذبة ذلك أنها لا توقع في الذهن صوراً مطابقة للأشياء بل صورا تحاكيها وتشبهها.

إن الفارابي بهذا التصور للعمل الأدبي يبتعد عن الفهم العادي للشعرية لأن قاعدة المحاكاة والتخييل السابقة تضع حدوداً جديدة للشعر فليس كل قول منظوم شعراً وليس النظم هو ما يميز الشعر بل المحاكاة وهو كذلك يفرق بين الأشكال الأدبية من خلال ذلك التصور فنراه يميز بين لغتي الخطابة والشعر بالأدوات والوظيفة فصحيح أن كلتا اللغتين تستعمل التخييلات بخلاف لغة البرهان بيد أن الشعر وحده الذي ينفرد بالإكثار منها فأما الخطابة فلا تستعمل من ذلك إلا مقداراً ضئيلاً ليس له أن يرقى إلى الشعر بحال، وما ذلك إلا لأن هدف الخطابة إنما هو الإقناع وهذا أمر فيه من استعمال المنطق والعقل شيء كبير، ومن خلال هذه النظرية الأدبية يمكن أن نفهم الطريقة التي نظر فيها الفارابي إلى التلقي.

التلقي والتخييل؟ 

استناداً إلى ما سبق ذكره عن نظرية الأدب عند الفارابي يمكن القول إن الأداة الأساسية للتلقي هي التخييل كما أن الأداة الأساسية للإبداع هي التخيل وهاتان الأداتان تحركهما القوة المتخيلة وهي قوة يشترك فيها كل من المبدع والمتلقي والقول الشعري هو محاكاة تعتمد على الذاكرة التي تربط بين المحسوسات لتبتكر الصور مرة وتعيد إنتاجها مرة أخرى وبذلك لا يكون القول الشعري تعاقباً منتظما بين الحركة والسكون فحسب إنه يتكون من كلمات والكلمات لها دلالات أي إنها تشير إلى مدركات مرتبطة بباقي الحواس أي إن الشعر لا يثير إحساسات سمعية فحسب بل يثير إحساسات أخرى طالما كانت لها صلة بكل مدركات الحس، وهكذا تصبح العملية الأدبية فعلاً مترابطاً بين أطرافها بسبب مفهومي المحاكاة والتخييل ويؤكد الفارابي الأثر الناتج عن عملية التخييل الأدبي من خلال ربط القوة المتخيلة بالقوة النزوعية المرتبطة بالغرائز الإنسانية مما يؤدي إلى استجابة المتلقي فهي عملية سيكولوجية تشير إلى تلقي العمل الأدبي ولكن لها أساسها المعرفي والأخلاقي فالفن باعتباره محاكاة لا يتناول فحسب مادة الطبيعة خارج الفنان ولا أفعاله الظاهرة، وإنما يتناول فضلاً عن ذلك عالمه الداخلي بكل ما يموج به من انفعالات ومشاعر باختصار كل ما يدخل في إطار الإدراك الإنساني بالنسبة للفنان، ولهذا السبب كان الفن قادراً على إثارة المتلقي لأنه يقدم الجانب الذاتي الخاص بالموضوع المقدم.

والتخييل وسيلة من وسائل الفكر وتؤدي بالإنسان إلى تصورات فالإنسان يلاحق تخيلاته وإن لم تكن كالحقيقة وهي بين الحس والعقل لها أدواتها، ويؤكد الفلاسفة ومنهم الفارابي أنها ترفد وسائل المعرفة الأخرى لتحقيق العلم وتحصيل السعادة غير أنها تعتمد التشبيه والمحاكاة بأقوال تماثل الحقائق والتخييل ههنا مثل العلم في البرهان والظن في الجدل والإقناع في الخطابة، فإن أفعال الإنسان كثيراً ما تتبع تخيلاته وذلك أنه يتخيل شيئاً في أمر فيفعل في ذلك ما كان يفعله لو اتفق بالحس أو بالبرهان وجود ذلك الشيء في الأمر، وعلى الرغم من أن التخييل ينضوي تحت جناح المعرفة الفلسفية الكلية التي تجعل وسائلها تعمل ضمن منظومة متوافقة بالغاية الأخلاقية ومقيدة بضوابطها إلا أننا نرى الفارابي يعلي من شأنه لأن القوة المتخيلة بوابة القوة العقلية، فنحن نتخيل الشيء ثم نعقله بل إن كل ما تعقله النفس مشوب بتخيل، وكذلك فإن المتخيلة تتمايز عن وسائل المعرفة الأخرى من حيث وظيفتها فهي لا تقدم المعرفة بشكلها الجاهز الواضح فجودة التخييل غير جودة الإقناع والفرق بينهما أن جودة الإقناع يقصد بها أن يفعل السامع الشيء بعد التصديق به وجودة التخييل يقصد بها أن تنهض نفس السامع إلى طلب الشيء المخيل والهرب منه أو النزاع إليه أو الكراهية له وإن لم يقع له به تصديق.

واستنادا إلى قياسه بالبرهان والظن والإقناع يكون التخييل هو أداة القول الشعري الأساس وجوهره وهو كذلك القوة التي تؤدي بمتلقي الشعر إلى الفهم والتذوق والالتذاذ وتتعدى القوة المتخيلة إلى أبعد من ذلك لأنها تحرك القوة النزوعية عنده فتؤدي به إلى الفعل كذلك إذ إن التخييل الشعري هو المحرك الأساس للسلوك الإنساني في الاتجاه الذي يقتضيه ذلك الدور الذي يفترض للشعر أن يؤديه في المجتمع الإنساني،إن التخييل يعتمد رسم مثالات الأشياء والحقائق وهو بهذه الطريقة من المحاكاة لا يبتعد عن الحقيقة، كما هو تصور المحاكاة عند أفلاطون بل إنه وسيلة من وسائل الوصول إلى تلك الحقيقة وهو يؤدي إلى الارتياح والالتذاذ وبذلك يقترب القول المحاكي في وظيفته النفسية والأثر السلوكي عند المتلقي من رؤية أرسطو له وإذا كانت الخطوط والألوان هي وسيلة المحاكاة في الرسم واللحن هو الوسيلة في الموسيقى فإن الشعر والخطابة بوصفهما أقوالا أدبية تعتمد الكلمة يرتكزان على التشبيه والاستعارة في تقريبهما حقائق الأشياء، برسم مثالاتها إلا أن التخييل يعمد بذلك إلى إيهام المتلقي وإثارة انفعالاته وتتمثل آلية عمل التخييل في التلقي بإعادة تشكيل الأوهام بعد تفكيك الترابطات والصور المحاكية.

أدوات التخييل؟ 

كما ورد سابقاً، يرتبط التخييل كفعل تلق بالكلام المحاكي، من خلال تأثير الصورة بالقوة المتخيلة عند المتلقي فالصورة هي الأداة الأولى والأساسية في عمل التخييل لأن التخيل يؤدي إلى رسم الصورة المحاكية للأشياء والحقائق التي من شأنها أن تميز القول الشعري من الأقوال التي تعتمد البرهان والظن والإقناع وتؤدي إلى تقديمه بصورة مختلفة عن الحقيقة ولكن تحيل إليها وهذا ما يحرك القدرة التخييلية عند المتلقي إلى القياس والمشابهة والبحث عن الصورة الحقيقية خلف التصورات المتأتية عن استقبال ذلك القول فالأقاويل الشعرية هي التي تركب من أشياء شأنها في الأمر الذي فيه المخاطبة حالاً ما أو شيئاً أفضل أو أخس وذلك إما جمالاً أو قبحاً أو جلالة أو هواناً أو غير ذلك مما يشاكل هذه.

وأهم أدوات الصورة الشعرية التشبيه والاستعارة إذ يحققان الإفهام من خلال التمثيل والمقارنة، إن المحاكاة هي الركيزة الأساسية في القول الشعري التي تعطيه الميزة الأدبية وتجعله مختلفا عن الأقوال التي تعتمد العلم والمنطق والجدل ولأنها الحامل الأساسي للشعرية الذي يهدف إلى تقريب المعرفة ويؤدي إلى المتعة فهي ترتكز على الأدوات التي تعطي الصور القادرة على إتقان القول المحاكي فالطبيعة المعرفية للشعر تفرض أن يكون كل من الاستعارة والتشبيه بوصفهما ركيزتين للتعبير والتخييل والمحاكاة وسيلة معرفية من أهم وظائفها تحقيق الإفهام فضلا عن تحقيق التخييل وبعبارة أخرى إن الاستعارة والتشبيه تحققان الإفهام من خلال التمثيل والمقارنة والإبدال أي من خلال التخييل على أن لا يفقدها الإفهام غرابة التخييل أو لذته لأن الغرابة هي التي ستدفع المتلقي إلى الدهشة واللذة على أن يتم تعرفه على الشيء من خلال ذلك كله.

إن أدوات التمثيل وابتكار الصور من استعارة وتشبيه تحمل وظيفة مضاعفة تنطوي عليها الصور المكونة للقول من جانب تقديم المعرفة والحقيقة التي تقاس الصورة بها ومن جانب المتعة الجمالية من خلال الزخرف اللغوي الذي يؤدي إلى الدهشة والغرابة، بل إننا نجد الفارابي يجعلهما مساويتين للقياس والاستقراء في البرهان فكما يعد القياس والاستقراء وسيلتين أساسيتين للتوصل إلى المعرفة اليقينية والحقيقة العلمية في البرهان بالنسبة للخواص تصبح الاستعارة والتشبيه وسيلتين أساسيتين في توصيل ذات المعرفة والحقيقة للعوام، ولعل أهم ما تتميز فيه الصورة الشعرية عنده، هو التباعد بين الطرفين والابتعاد عن المباشرة بهدف تحقيق أعظم الأثر في المتلقي لأن التشبيه هو البنية الأساسية للمحاكاة والأقوال المحاكية والعلاقة بين المشبه والمشبه به لا تغدو مجرد علاقة تناسب بل تتعدى ذلك لتتعمق في نفس الشاعر لتسكن فيها فتصبح في النهاية حالة تكابدها النفس وتتفاعل مع دلائلها البعيدة لتخضعها فتخدم صوره وعندما يصل الشاعر إلى هذه الحالة يكتسب تجربة يعتمد عليها في أعماله وتمكنه من النهوض مستقبلاً هذا بالإضافة إلى أن تأثيره في السامع يكون أقوى لأن الصور كلما نبعت من ذات الشاعر كلما وصلت بشكل أسرع إلى نفس المتلقي.

وعلى الرغم من أن الفارابي يؤكد أن المحاكاة هي الميزة الأساسية التي تجعل قولاً ما شعراً فإنه يربط المحاكاة بالنظم أي الوزن والإيقاع بهدف الحصول على الشعر ولكنه يشير إلى أولية المحاكاة في الشعر والفنون لتغدو الأدوات الشعرية الباقية وسائل مساعدة لها في القول الشعري وتدور في فلكها إذ تفتح قنوات الاتصال مع المتلقي ويخضعها لقانون التناسب والانسجام مع المعاني والأغراض فقد جعل الأوزان الشعرية تتميز إذ لكل واحد خصائص يختلف بها عن الثاني وهي في هذا مناسبة للأغراض الشعرية التي تختلف باختلاف كل نوع من الأنواع، إن الشعر محاكاة بجوهره وهذا يعني أن الكلام المنظوم ليس شعراً بالضرورة وأن الشعر ليس منظوماً دائماً لأن المحاكاة هي ما يميز الشعر وليس الوزن على الرغم من أنه ربطه بالمحاكاة في الشعر فهو يؤمن أشد الإيمان بوجود نوع من القول المتضمن للوزن لكنه بعيد كل البعد عن المحاكاة، وهذا الصنف عنده ليس من قبيل الشعر.

أما عن القافية فإنها مجرد نهايات للأبيات الشعرية وهي مختصة بالأقوال الشعرية عند العرب إن الفارابي مثل كل الفلاسفة الذين ارتكزوا على التخييل في تفسير العمل الأدبي يهمل المكونات النصية التي ليس لها علاقة بالمحاكاة والصورة فكل الذي شغلهم أن القافية تخص أشعار العرب دون غيرهم من الأمم.

الاستجابة؟ 

لعل استجابة المتلقي للعمل الشعري هو أكثر ما شغل اهتمام الفارابي لأن القول الشعري كما رأينا يعمل في سياق منظومة أخلاقية كلية تحددها الفلسفة ولأن السعادة البشرية هي أكثر الأشياء التي يسعى الفارابي لتحقيقها من خلال الفلسفة، وقد أدرك أن ارتباط القوة المتخيلة بالقوة النزوعية يؤدي إلى انفعال المتلقي باتجاه الغرائز فالتلقي يتم دون وعي وخارج القيود العقلية فالإنسان يتبع تخييلاته حتى وإن عرف أنها مناقضة للحقيقة ولأن التخييل يشوب كل العمليات العقلية كما ورد سابقاً فالتخييل إذن استجابة نفسية تلقائية غير واعية ولا متعقلة بمعنى أنها تتم في غياب العقل بحيث لا يكون هناك أدنى تدخل إلا أن الاستجابة النفسانية غير المتروى فيها هي التي يترتب عليها الأفعال الإنسانية والسلوك الإنساني بصفة عامة.

بواسطة (4.2مليون نقاط)
فليس الغاية من الأقاويل الشعرية المتعة الجمالية بل هي تهدف إلى النزوع باتجاه الفعل إنها تنهض بالسامع نحو فعل الشيء الذي خيل له فيه أمر ما من طلب له أو الهرب عنه ومن نزاع أو كراهة له أو غير ذلك من الأفعال إساءة أو إحساناً سواء صدق ما يخيل إليه من ذلك أم لا، إن الفارابي لا يكتفي بوظيفة التطهير النفسية التي تحدث عنها أرسطو وإنما يجعل من الأقوال المحاكية وسيلة دفاعية عند المتلقي تؤثر مباشرة في سلوكه ولكن ذلك التأثير قد لا يتجه نحو الخير دائما لأن القوة النزوعية ترتبط بالغرائز البشرية لذلك فالتخييل شأن القوة المتخيلة بحاجة لضبط من العقل الذي يجب أن يضعه في الإطار الأخلاقي العام مما يؤدي بالإنسان إلى السعادة والعقل هو الذي يسيطر على التخييل فيجعله في سبيل المعرفة ولخدمة الوعي الذي يصل إليه العقل بالبرهان لأن المتخيلة هي التي تبعث القوة النزوعية على التحرك طلباً لأشياء نافعة وضرورية أو دفعا لأشياء ضارة ومفسدة ومن هنا لو ترك التخييل دونما رعاية من العقل فإنه ينحرف عن الجادة وبالتالي ينحرف بالسلوك الإنساني إلى الوجهة غير المرغوب فيها، ولهذا أصبح من الضروري هيمنة العقل على التخييل الشعري.

ومن خلال هذا الفهم للترابط بين الأقوال المحاكية وبين التوجه الفلسفي الأخلاقي العام عند الفارابي نجد أن التخيل الشعري ينطوي على وظيفتين وهما اللذة والمنفعة أو اللعب والجد فالفارابي كما سبق لا يكتفي بالمشاعر الجمالية التي تسيطر على المتلقي بل نراه يحمل القول الشعري مسؤولية معرفية تهدف إلى إثارة الفعل عند المتلقي بالاتجاه المطلوب كاجتناب الشر أو دفع الضرر وبهذا يوازي بين جانبي المتعة والفائدة في الشعر ويجعل المتعة طريقاً غير مباشر لتحقيق النفع، وهو كذلك يميز بين أنواع الفنون تبعا لنوع الاستجابة التي يقوم بها المتلقي وما تؤدي إليه من أفعال فيلاحظ أن هذه الاستجابة قد لا تتجاوز الشعور الممتع بالراحة واللذة وقد تتجاوز ذلك إلى التأثير في سلوك المتلقي فيصحبها انفعال يؤدي إلى النزوع إلى الفعل أي إننا إزاء نوعين من الفن يتمايزان بتمايز الاستجابة التي يحدثها كل منهما، إن مهمة الشعر تعليمية أخلاقية لذلك فهو يسهم في العمل المعرفي ولكن يختلف بالأداة عن العلم والمنطق فالإنسان يدرك المعارف إما متصورة أو متخيلة ونعني بمتصورة أن تحصل تلك الحقائق في ذهن المتلقي كما هي موجودة، وبمتخيلة أن ترتسم في نفسه خيالاتها ومثالاتها.

لقد حاول الفارابي في سياق درسه الفلسفي أن يضع نظرية للفنون ترتبط بالتوجه العام لتلك المعرفة الفلسفية وما يميز الفارابي في هذا الاتجاه أنه استند في شرح هذه النظرية إلى عمليات التلقي وما يصاحبها من انفعال وسلوك إذ أراد أن يفسرها ويضع لها ضوابط عقلية، كما أنه توغل في البحث النظري مجانباً التطبيق والتحليل وهو ما يوافق الأسلوب الفلسفي فالفارابي فيلسوف يبتعد عن روح النقد ويهدف إلى سبيل السعادة البشرية وذلك ما قاده إلى الحديث عن الفنون من زاوية التلقي سعياً لتوضيح الأثر الناتج عنها والكيفية التي تؤثر فيها في المتلقي والطرق التي يجب الاستفادة للكتاب منها في إطار التوجه الفلسفي العام.

إن وضع عناوين واسعة وشاملة لتفسير الأعمال الفنية قادت الفارابي للربط بين طرائق الإبداع والتلقي مباشرة بما يتلاءم مع نظريته في المحاكاة ورأي الفارابي يبين أن التخييل هو هدف المحاكاة والمحاكاة قد تكون بفعل أو بقول والمحاكاة بالقول تعني أن يؤلف القول الذي يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيه القول، مما جعل المحاكاة القولية تنقسم إلى محاكاة تخيل الشيء نفسه مباشرة ومحاكاة تخيل وجود الشيء في شيء آخر وهي محاكاة غير مباشرة.

وهكذا نرى أن عملية التلقي عند الفارابي تعتمد مباشرة التخييل الشعري وتقوم على الاستجابة النفسية اللاواعية تخاطب العاطفة قبل العقل وتعتمد التصوير والمحاكاة برسم انعكاسات للظواهر والحقائق لتقربها إلى المتلقى بوسائل الأدب وهذا ينسحب على أجناس الفنون المتنوعة، لحناً ورسماً ونحتاً، والتخييل عنده لا يجب أن يحقق اللذة والمتعة الجمالية فحسب بسبب ارتباط القوة المتخيلة بالقوة النزوعية من جانب ولأن المتلقي كثيراً ما يتبع ظنه من جانب آخر وإنما عليه أن يسمو بالمتلقي فالمحاكاة تخيل الحسن والخير في الشيء أو الشر والقبح، لذلك يرغب الفارابي في إخضاعها للرقابة العقلية والضوابط الأخلاقية بهدف جعلها وسيلة تعليمية وتوجيهية.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...