بلغ قدامة بن جعفر ۳۳۷هـ، في كتابه نقد الشعر ذروة التفكير الموضوعي في نقد القرن الرابع الهجري، فهو بتأسيس منهجه العقلي في النقد أضاف رافدا جديدا إلى الوعي النقدي الذي كان في طور التمايز والنضج، لأن اتسامه بالمنطق العلمي الصارم وابتعاده عن الأحكام الشمولية ذات الطابع الذوقي الفردي إنما يشكل علامة فارقة في الوعي النقدي حينذاك، فالنقد لدى قدامة علم ومجاله تخليص الجيد من الرديء في الشعر أما سائر ما يتعلق بالشعر من علم العروض والقوافي والغريب واللغة والمعاني فليس مما يدخل في باب النقد إلا على نحو عارض، والحديث عن تأثر قدامة بالفلسفة اليونانية والمنطق العلمي الذي اتبعه هو ضرب من التكرار الذي كثيراً ما تحدث عنه شراح قدامة وهو لا يفيدنا في هذا البحث إلا من جانب اقتراب منهج قدامة من منهج الجماليين الشكليين إذ إن أكثر ما اهتموا به هو الحكم الجمالي والبحث عن ميزان الجودة والاهتمام بالمقاييس التي تجعل النص نصاً أدبياً جيداً، وأكثر ما اعتدوا به في هذا السياق هو النص ذاته بوصفه موضوعاً جماليا يحمل في داخله مقومات الجودة والرداءة بعيداً عن ذوق المتلقي لأننا لن نجد ناقدا مثل قدامة قصر حديثه كله على الشعر نفسه دون أن يلتفت للشاعر أو المتلقي، فليس يدخل في نقد قدامة أي حديث عن الحالات النفسية بالمعنى الدقيق ولا عن الطبع وما أشبه من هذه الأمور.
وعلى الرغم من أن قدامة لم يضع رؤية واضحة للتلقي وآلياته إلا أننا يمكن أن نستنتج من خلال منهجه العلمي في النقد نظرات مهمة حول الطريقة التي يجب أن يُقرأ فيها النص والغاية من تلك القراءة وهذا ما يجعلنا نؤكد أن قدامة يرى أن القارئ الذي سيصل إلى الحكم الجمالي الصحيح هو الناقد الذي يتسم بالقدرة على التجول داخل النص فهو يقف موقف العالم يصنف كل شيء بمنتهى الدقة والوضوح، ويسيء الظن بالقارئ فيضع له الأنموذج ليقيس عليه ولا ريب في أنه بنى أسساً نقدية متكاملة، فابتعاد قدامة عن الأحكام الفردية الشخصية يجعله ناقداً موضوعياً يحث كل قارئ على اتباع منهجه العلمي في الحكم وأسلوبه المبني على التقسيم، ولعل العنوان الأهم الذي يمكن أن ندرج منهج قدامة في القراءة والتلقي تحته هو المنهج الشكلي القائم على تشريح النص الأدبي والبحث عن العلامات الفارقة فيه للتمييز بين جيده ورديئه وتتبع أسباب الحسن والرداءة فقراءة قدامة هي قراءة شكلية تهدف إلى البحث عن سمات الجمال فيه ومن خلال ذلك المنهج في القراءة يمكن أن نستنتج آليات التلقي الجمالي عنده.
إن البداية التي تحدد آليات تلقي النص الأدبي عند قدامة والجهة التي تجذب بوصلته هو أنه تلق يكشف مكامن الجمال في النص ويهدف إلى تفسير أسباب الحسن والجودة وتعليلها وغايته الأخيرة هي وضع قانون علمي للحكم الجمالي،وما فعله قدامة هو أنه رسم لنا ملامح النص الشعري الجميل وشروطه وقوانينه فقد وضع المقاييس الجمالية للنص والصياغة وأكثر ما يؤكد ذلك أنه لم يهتم بالمعنى من هذا الجانب لأنه يعده مادة للأدب كالخشب بالنسبة إلى النجار، وعلى الرغم من أنه يعد المعنى مكوناً أساسياً للنص ويغوص في البحث عن قانون يحكمه إلا أننا نراه يتتبع ذلك بغية استكمال بحثه عن الحسن ووضع المعنى بين حدي الجودة والرداءة فنراه لا يعطي أهمية كبرى لتناقض الشاعر في المعنى ولا يهتم كثيراً بالوضوح أو الإغراق والمهم لديه هو التجويد والجمال فحسب ومناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين بأن يصف شيئاً وصفاً حسناً ثم يذمه بعد ذلك نما حسنا بينا غير منكر عليه ولا معيب من فعله، إذا أحسن المدح والذم بل ذلك عندي يدل على قوة الشاعر في صناعته واقتداره عليها.
فالشكل الذي يخرج فيه النص إلى القارئ هو مدار الحكم الجمالي ولا أهمية للمعنى إلا من هذا الجانب فالمعاني مطروحة للشاعر وله أن يتكلم منها في ما أحب وآثر من غير أن يحظر عليه معنى يروم الكلام فيه إذ كانت المعاني للشعر بمنزلة المادة الموضوعة والشعر فيها كالصورة، كما يوجد في كل صناعة من أنه لا بد فيها من شيء موضوع يقبل تأثير الصورة منها مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة.
ومن هنا يؤسس قدامة منهجا جماليا في التلقي، فالنص الشعري موضوع جمالي غايته الحسن في الصياغة ومادته المعنى الذي يلبس القالب اللفظي، ولعل أهم أسس ذلك المنهج هو وضع حدود المقياس الجمالي فالشعر صناعة الغرض منها غاية التجويد والكمال فإذا قد صح أن هذا على ما قلناه فلنذكر صفات الشعر الذي إذا اجتمعت فيه كان في غاية الجودة، وهو الغرض الذي تنحوه الشعراء بحسب ما قدمناه من شريطة الصناعات والغاية الأخرى والمضادة لهذه الغاية هي نهاية الرداءة، وأذكر أسباب الجودة وأحوالها وأعداد أجناسها ليكون ما يوجد من الشعر الذي اجتمعت فيه الأوصاف المحمودة كلها وخلا من الخلال المذمومة بأسرها يسمى شعرا في غاية الجودة وما يوجد بضد هذه الحال يسمى شعراً بغاية الرداءة وما يجتمع فيه من الحالين أسباب ينزل له اسماً بحسب قربه من الجيد أو من الرديء أو وقوعه في الوسط الذي يقال لما كان فيه صالح أو متوسط أو لا جيد ولا رديء، فالقراءة بحسب منهج قدامة ستنزل كل نص منزلته وتعطيه حكمه الجمالي الذي يقع على محور طرفاه غاية الجودة الكمال وغاية الرداءة ومقولاته الأخرى موزعة بين هذين الطرفين بحسب قربها أو بعدها أو توسطها بينهما.
خطوات الحكم الجمالي عند قدامة بن جعفر؟
إن الصرامة العلمية لمنهج قدامة في النقد عامة وفي القراءة خاصة أدت إلى وضعه خطوات للقراءة تهدف إلى تقعيد الحكم الجمالي بحيث يمكن للمتلقي أن يصدر حكما أقرب إلى اليقين العلمي منه إلى الشك الذي يثيره الذوق الفردي الذي لا يمكن لأحد أن يجادل فيه معتمداً على تلك القواعد، واستناداً إلى منهج قدامة ذلك يمكن أن نضع خطوات لقراءة النص الجمالية وخطوات عملية للتلقي تقوم على أربع مراحل وهي:
١- تشريح النص الأدبي.
٢- تركيب الائتلافات.
٣- المفاضلة.
٤- الحكم.
ولعل من الأهمية في هذا السياق أن نوضح كل خطوة من تلك الخطوات بهدف شرح عملية التلقي تلك.
1- تشريح النص الأدبي: انطلاقاً من تعريفه الشعر بأنه قول موزون مقفى يدل على معنى، يبدأ قدامة استخدام أدواته في تشريح النص ليلج أعماقه بغية وضع معيار جمالي لكل مكون من مكوناته، ولعل عنوان تشريح النص بوصفه خطوة أولى في البحث عن جماليات النص هو العنوان الأشمل لأن الخطوات الثلاث اللاحقة يمكن أن تندرج تحت العنوان نفسه وعملية التشريح النصي هذه تهدف إلى فصل مكونات النص وعناصره والعمل على وصفها جودة ورداءة وهذه العملية تتبع القاعدة العلمية التي وصفها قدامة، وهي عملية واضحة وسهلة بقدر ما هي متشعبة فهو يضع نعتاً للفظ ونعتا للوزن ونعتا للقوافي ونعتا للمعاني ويفصل في شرحها ويحدد الجيد والرديء فيها، وهكذا نرى أن جماليات اللفظ نابعة من أن يكون سمحاً سهل مخارج الحروف من مواضعها عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة، ويضع لذلك مقياساً من أشعار العرب منها أبيات من التشبيب في قصيدة للحادرة الذبياني وهي:
وتصدقت حتى استبتك بواضح
صلب كمنتصب الغزال الأتلع
وبمقلتي حوراء تحسب طرفها
وسنان حرة مستهل المدمع
هذا من جانب الجودة أما من جانب الرداءة فإن عيوب اللفظ هي أن يكون ملحونا وجاريا على غير سبيل الإعراب واللغة، وأن يرتكب الشاعر فيه ما ليس يستعمل ولا يتكلم به إلا شاذا وذلك هو الحوشي الذي مدح عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته وتنكبه إياه، ومن أمثلته شعر أبي حزام غالب بن حارث العكلي وكان في زمن المهدي وله في أبي عبيد الله قصيدة أولها
تذكرت سلمى وإهلا سها
فلم أنس والشوق ذو مطروه.
ويذكر أيضاً من عيوب اللفظ: المعاظلة وهي التي وصف عمر بن الخطاب زهيراً بمجانبته لها أيضاً، ويدل شرحه لها على أنها التراكب في الكلام.
أما جماليات الوزن فهي: أن يكون سهل العروض، من أشعار يوجد فيها وإن خلت من أكثر نعوت الشعر منها قصيدة حسان:
ما هاج حسان رسوم المقام
ومطعن الحي ومبني الخيام.
ومن نعوت الوزن الترصيع وهو أن يتوخى فيه تصيير مقاطع الأجزاء في البيت على سجع أو شبيه به أو من جنس واحد في التصريف.
أما عيوب الوزن التي تجعله على طرف الرداءة من الحكم فهي الخروج عن العروض وقد تقدم من استقصى هذه الصناعة إلا أن من عيوبه التخلع وهو أن يكون قبيح الوزن قد أفرط تزحيفه وجعل ذلك بنية للشعر كله حتى ميله إلى الانكسار وأخرجه من باب الشعر الذي يعرف السامع له صحة وزنه في أول وهلة إلى ما ينكره حتى ينعم ذوقه أو يعرضه على العروض فيصح فيه فإن ما جرى هذا المجرى من الشعر ناقص الطلاوة قليل الحلاوة، ومن ذلك قول الأسود بن يعفر
إذا ذممنا على ما خيلت
سعد بن زيد وعمرو من تميم
وضبة المشتري العار بنا
وذاك عم بنا غير رحيم
وإضافة إلى أن قدامة وضع حدي الجودة والرداءة في الوزن نراه يصف المزايا التي تجعل الوزن أجمل من غيره كالترصيع، كذلك يضع قدامة جماليات الحد الثالث في الشعر وهو القافية التي ينبغي لكي تكون جيدة أن تكون عذبة الحرف سلسة المخرج وأن تقصد لتصيير مقطع المصراع الأول في البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها فإن الفحول والمجيدين من الشعراء القدماء والمحدثين يتوخون ذلك ولا يكادون يعدلون عنه وربما صرعوا أبياتاً أخر من القصيدة بعد البيت الأول وذلك يكون من اقتدار الشاعر وسعة بحره، ونراه يتوسع في الحديث عن عيوب القافية تفصيلاً.
فمن ذلك التجميع: وهو أن تكون قافية المصراع الأول من البيت الأول على روي متهيئ لأن تكون قافية آخر البيت فتأتي بخلافه.
ومن عيوبها الإقواء: وهو أن يختلف إعراب القوافي فتكون قافية مرفوعة مثلاً وأخرى مخفوضة.
ومنه الإيطاء وهو أن تتفق القافيتان في قصيدة فإن زادت عن اثنين فهو أسمج، ومنه السناد وهو أن يختلف تصريف القافيتين، ونراه يفصل في وضع الأمثلة ليسهل التمييز على القارئ الذي سيصدر حكماً معيارياً قائماً على هذه المقاييس والأمثلة.
ولعل العمل الأصعب على قدامة كان في وضع مقاييس الجودة والرداءة لحد المعنى في النص بسبب تنوع المعاني وتعددها ولكنه وبفضل عقله المنطقي قسمها إلى أبواب عامة ونعوت تلحقها بهدف تسهيل العمل عليه فنراه يضع جماليات الوصف وهي أن يكون المعنى مواجها للغرض المقصود غير عادل عن الأمر المطلوب وهنا نلاحظ أن قدامة من أنصار الغلو في التشبيه، ثم يضع مقاييس المديح الجميل ويفصل فيها بحسب الخصال التي يراد مدحها فمن أقسام خلقة الإنسان العفة والقناعة وقلة الشره وطهارة الإزار، ومن أقسام الشجاعة الحماية والدفاع والأخذ بالثار والنكاية في العدو والمهابة وقتل الأقران والسير في المهامه الموحشة ومن أقسام العدل السماحة ويرادف السماحة التغابن وهو من أنواعها،ثم يركب بين تلك الخصال، وهذا مقام يطول الحديث فيه.
ويذكر بعد ذلك جماليات الهجاء وجماليات المراثي،ثم ينتقل إلى المقاييس العامة التي تجمع كل المعاني وتؤدي إلى التفاضل بينها وهي صحة التقسيم وصحة المقابلة وصحة التفسير والتتميم والمبالغة والتكافؤ والالتفات، وكعادته يقوم بالتعريف والتفصيل والشرح لكل ذلك، وكل ما أتى في المعاني هو من طرف الحكم بالجودة أما من الطرف الآخر فنراه يذكر عيوب كل معنى من المعاني وذلك ليسترشد القارئ بها وهي الصفات المناقضة لأسباب التجويد في كل معنى فعيوب المدح خلاف فضائله أما عيوب الهجاء فهي سلب المهجو أموراً لا تجانس الفضائل النفسية، وفي هذا المقام لا نرى تفصيلا إذ إنه يحيل القارئ إلى استنتاج العيوب من الفضائل، وكذلك يتحدث عن عيوب الصفات العامة للمعاني، وهي فساد الأقسام وفساد المقابلات وفساد التفسير والاستحالة والتناقض وإيقاع الممتنع فيها في حال ما يجوز وقوعه ويمكن كونه ومخالفة العرف والإتيان بما ليس فيه وأن ينسب إلى الشيء ما ليس فيه.
وهكذا نرى أن كل ما جاء في هذا المقام والذي يصعب الإسهاب فيه بسبب تشعبه عند قدامة يؤكد أن الخطوة الأولى في التلقي وفق هذا المنهج ذات أهمية كبرى لأنها الأساس الذي سيتمكن فيه المتلقي أن يتابع سعيه لاستخلاص الحكم الجمالي وهي بحق تغوص في أعماق النص تشريحاً وتجريدا لمعرفة ميزاته وهذا ما يؤكد منهج قدامة الشكلي.