أما عن صفات البدو أنفسهم فأهمها القرب من الخیر وخصاله والشجاعة والجود والمروءة وفي هذه المعاني یقول ابن خلدون في مقدمته تحت عنوان أهل البدو أقرب إلى الخیر من الحضر إن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت مهیأة لقبول ما یرد علیها وینطبع فیها من خیر أو شر فإذا سبق أحد الخُ لقین إلى النفس تبعد عن الآخر ویصعب علیها اكتسابه فصاحب الخیر إذا سبقت إلى نفسه عادات الخیر وحصلت له ملكتها بعد عن الشر وصعب علیه طریقه وكذلك صاحب الشر وأهل الحضر لكثرة ما یعانون من فنون الملاذ وعادات الترف والإقبال على الدنیا والعكوف على شهواتهم منها قد تلوثت نفوسهم بكثیر من مذمومات الأخلاق والشر والبدو وان كانوا مقبلین على الدنیا مثل أهل الحضر إلا أن هذا الإقبال یكون في المقدار الضروري لافي الترف ولفضائل البادیة والبدو فقد كان الخلفاء والأمراء في عصور الحضارة الإسلامیة یدفعون بأبنائهم إلى البادیة لاكتساب صفات الشجاعة والفروسیة حتى تشتد سواعدهم وتقوى عزائمهم ویتأهلوا لتحمل المشاق والمسؤلیات كما كان الآباء الذین یریدون لأبنائهم أن یكونوا من الشعراء والخطباء والأدباء والفصحاء یرسلونهم إلى البادیة لتعلم اللغة ولتستقیم ألسنتهم وتصفو قرائحهم ولا غرو في ذلك فتلك سنة أمضاها سید البلغاء صلى الله علیه وسلم عندما قال أنا أفصح العرب بید أني من قریش ونشأت في بني سعد.
وبالنسبة لبعض الأقوال الشرعیة التي وردت في ذم التعّرب وهو سكنى البادیة فقد أشار إلیها العالم الفقیه عبد الرحمن بن خلدون معتبراً أنها لیست دلیلاً على مذمة البداوة التي عبر عنها بالتعّرب وساق ابن خلدون أدلة كثیرة منقولة ومعقولة تؤكد عدم ذم البداوة والبدو وأشار إلى أن النهي عن التعرب أو سكنى البادیة ارتبط بوقت معین وظروف خاصة وهو ظرف وجوب الهجرة على المسلمین وملازمة المدینة المنورة مع النبي صلى الله علیه وسلم ویقول ابن خلدون إن أهل البدو أقرب إلى الخیر من أهل الحضر والله یحب المتقین ولا یعترض على ذلك بما ورد في صحیح البخاري من قول الحجاج لسلمة الأكوع قد بلغ أنه خرج إلى سكنى البادیة فقال له ارتدت على عقبیك تعربت فقال لا ولكن رسول الله أذن لي في البدو فأعلم أن الهجرة فرضت على أهل مكة لیكونوا مع النبي صلى الله علیه وسلم حیث حل من المواطن ینصرونه ویظاهرونه على أمره ویحرسونه ولم تكن واجبة على الأعراب أهل البادیة لأن أهل مكة یمسهم من عصبیة النبي صلى الله علیه وسلم في المظاهرة والحراسة ما لا یمس غیرهم من بادیة الأعراب فقد كان المهاجرون یستعیذون باالله من التعرب حیث لا تجب الهجرة وقال صلى الله علیه وسلم في حدیث سعد بن أبي وقاص عند مرضه بمكة (اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم) ومعناها أن یوفقهم لملازمة المدینة وعدم التحول منها.
وكلمة التعرب التي أوردها ابن خلدون في نصه تقودنا إلى تحقیق الكلمة فالنصوص التاریخیة كلها تشیر إلى أن كلمة عربي لم تستعمل في الشعر العربي أو الآثار السابقة للإسلام وأن القرآن الكریم هو الذي أبرز هذه الكلمة وأن الإسلام هو الذي أعطاها دلالتها الحقیقیة إذا أقام وحدة الأمة وكانت العرب قبله قبائل متفرقة لا یجمعها رابط وكان التعصب العربي أو البدوي والالتزام بالقضایا المصیریة أول عناصر العروبة أو البداوة وركائزها في العصر الجاهلي فقد كانت القبیلة هي الأساس الذي بنى علیه العرب أو البدو نظامهم الاجتماعي وكان انتساب العربي إلى قبیلته بمثابة هویة شخصیة له وهم یرون أن الانتساب ما نراه نحن الیوم في الانتساب إلى الوطن.
ومن الأمثلة على سمو القبیلة العربیة على ما سواها وتضحیة العربي أو البدوي في سبیل أبناء قومه ما رأیناه في شعر المقنع الكندي في قوله:
فــــــإن أكلــــــوا لحمــــــي وفــــــرت لحــــــومهم
وإ ن هــــدموا مجــــدي بنیــــت لهــــم مجــــدا
وقد كانت العصبیة القبلیة ضرورة لا غنى عنها للحفاظ على بقاء القبیلة واستمرار كیانها.
قيمهم الجاهلية؟
كان العرب في جاهلیتهم عدا سكان المدن بدواً یضربون في الصحارى والقفار وطور البداوة هذا میزهم وخصهم بحالات اجتماعیة وأخلاقیة ومزایا خاصة بهم عرفوا بها على مر الأیام فالبدوي بسكنه الصحارى المقفرة المحفوفة بالأخطار والمشاق وبعده عن المدن ونبذه الدور والأسوار وتفضیله لبیوت الشعر علیها وطبیعة الصحراء القاسیة ولد وفیه مزایا وخصال امتاز بها عن الحضر سكان المدن منها الشجاعة والعصبیة والكرم والوفاء والصدق والأنفة والنجدة والحسین بن مطیر شاعر من شعراء بوادي الكوفة نجده یردد في شعره هذه المعاني إذ یقول في مدحه للخلیفة المهدي بالكرم:
أضــــــحت یمینــــــك مــــــن جــــــود مصــــــورة
لا بـــــل یمینـــــك منهـــــا صـــــور الجـــــودُ
فهو یمتدح كرمه الذي یمثل كرم سادة القوم وهو غایة الكرم كما یفتخر الجاهلیون بصفة الكرم الذي یعتبر من أسباب السیادة والزعامة والمجد مثل قول حاتم الطائي:
یقولـــــون لـــــي أهلكـــــت مالـــــك فاقتصـــــد
ومـــــا كنـــــت لـــــولا مـــــا تقولـــــون ســـــیدا
یقول الحسین بن مطیر:
رأت رجـــــــــلاً أو دى بـــــــــوافر لحمـــــــــه
طــــــلاب المعــــــالي واكتســــــاب المكــــــارم
خفیــــــف الحشــــــا ضــــــربا كــــــأن ثیابــــــه
علــــى قــــاطع مــــن جــــوهر الهنــــد صــــارم
فقلـــــــــت لهـــــــــا لا تعجـــــــــبن فـــــــــإنني
أرى ســـــــمن الفتیـــــــان إحـــــــدى المشـــــــاتم
والأبیات على ما فیها من مبالغة فإنها تصور صفة الكرم وكیف أن الشاعر یحبذ ما به من ضعف وهزال ویكره أن یكون سمین الجسم طلباً للمعالي واكتساب المكارم وقد سبقه في هذا المعنى عروة بن الورد في قوله:
أقســـــــم جســـــــمي فـــــــي جســـــــوم كثیـــــــرة
وأحســـــو قـــــراح المـــــاء والمـــــاء بـــــارد
حضت ظروف الحیاة القاسیة الجاهلیین على التمسك بالقیم الأخلاقیة العالیة والاقتداء بمن نادوا بها ومثلوها في تلك الحقبة ذات الطبیعة البدویة الخالصة مما جعلهم یتغنون بالشجاعة والدفاع عن الحمى ومجد شعراؤ هم الشجاعة والقوة أمثال لبید وعنترة وغیرهم وقد تفنن هؤلاء الشعراء في وصف أهوالهم وشجاعتهم یقول عنترة:
لمـــــا رأیـــــت القـــــوم أقبـــــل جمعهـــــم
یتزامـــــــرون كـــــــررت غیـــــــر مـــــــذمم
یـــــــدعون عنتـــــــرة والرمـــــــاح كأنهـــــــا
أشـــــطان بئـــــر فـــــي لبـــــان الأدهـــــم
ولقـــــد شـــــفي نفســـــي وأبـــــرأ ســـــقمها
قیـــــل الفـــــوارس ویـــــك عنتـــــرة أقـــــدم
یقول لبید مفتخراً بقومه:
وهـــــم الســـــعاة إذا العشـــــیرة أفظعــــــت
وهـــــــــم فوراســـــــــها وهـــــــــم حكامهـــــــــا
ومن الشعراء البدو العباسیین من تغنى أیضا بالشجاعة وكما أنصف الجاهلیون أعداءهم عند كلیهما فیما سمي بالمنصفات فهذا البطین البجلي یقول:
رمینــــــــــا خمســـــــــــة ورمـــــــــــوا نعیمـــــــــــا
وكـــــــــــان المـــــــــــوت للفتیـــــــــــان زینـــــــــــا
فلمـــــــــا لـــــــــم نـــــــــدع نـــــــــدبا ورمحـــــــــا
بركنــــــــــــــــا للكلاكــــــــــــــــل فارتمینــــــــــــــــا
نرى أنه انتهج نهج المنصفات كما في قول شاعرهم:
فلمــــــــا لـــــــــم نـــــــــدع قوســـــــــا وســـــــــهما
مشــــــــــینا شــــــــــطرهم ومشــــــــــوا إلینــــــــــا
فلمـــــــــــــــــا أن تواقفنـــــــــــــــــا قلـــــــــــــــــیلا
انخنــــــــــــــــا للكلاكــــــــــــــــل فارتمینــــــــــــــــا
وكان البدو الجاهلیون یحرصون على المثل العالیة والخصال النبیلة ویفخرون بأدائها والوفاء بحقها فحرصوا على جارهم حرصهم على شرفهم وقد سُئل إعرابي بدوي عن مبلغ حفاظ قومه فقال یدافع الرجل منا عمن استجار به من غیر قومه كدفاعه عن نفسه وتغنى الشعراء بمروءاتهم العربیة البدویة التي تتجلى في نجدة المستغیث والوقوف بجانب البدوي وقت الشدة یقول بشامة مفتخراً :
إنـــــــي لمـــــــن معشـــــــر أفنـــــــى أوائلهـــــــم
قیــــــــل الكمــــــــاة ألا أیــــــــن المحامونــــــــا
إن تبتـــــــــدر غایـــــــــة یومـــــــــا لمكرمـــــــــة
تلـــــــــق الســـــــــوابق منـــــــــا والمصـــــــــلینا
إنـــــــا لنـــــــرخص یـــــــوم الـــــــروع أنفســـــــنا
ولـــــو نســـــام بهـــــا فـــــي الأمـــــن أغلینـــــا
ومن المعاني التي تعبِّر عن الوفاء وحمایة القبیلة قول ابن مطیر:
ولـــــیس فتـــــى الفتیـــــان مـــــن راح واغتـــــدى
لشـــــرب صـــــبوح أو لشـــــرب غبـــــوق
ولكـــــن فتـــــى الفتیــــــان مـــــن راح واغتــــــدى
لضــــــر عــــــدو أو لنفــــــع صــــــدیق
وقد افتخر البدو الجاهلیون بخصال الخیر معتزین بنسبتها إلیهم كالعفو عند المقدرة والحلم والتسامح ولكنهم مع ذلك یأبون الضیم ویأنفون الذل والهوان ومنه قول المتلمس الضبعي:
إن الهــــــــوان حمــــــــار الأهــــــــل یعرفــــــــه
والحُــــــــــر ینكــــــــــره والرســــــــــلة الأجــــــــــد
ولا یقــــــــیم علــــــــى ضــــــــیم یُــــــــراد بــــــــه
إلا الأذلان عیـــــــــــرُ الحـــــــــــي والوتـــــــــــد
وقول الشنفري في لامیته:
أدیــــــم مطـــــــال الجـــــــوع حتـــــــى أمیتـــــــه
وأضـــــرب عنـــــه الـــــذكر صـــــفحاً فأذهـــــلُ
واســـــتف تـــــرب الأرض كـــــي یـــــرى لـــــه
علـــــــىّ مـــــــن الطُـــــــولِ أمـــــــرؤ متطـــــــوّل
كذلك افتخر البدو العباسیون بالمقدرة على العفو والتسامح ووصفوا صفة الحلم ورزانة العقول بالجبال في وزنها كما في قول ابن هرمة:
ولــــــو وزنــــــت رضــــــوى ببــــــبعض حلــــــومهم
لشــــالت ولــــو زیــــدت علیــــه تضــــارعه
وقد سبقه كعب بن زهیر الى هذا المعنى في مدح الأنصار:
تـــــــــزن الجبـــــــــال رزانـــــــــة أحلامهــــــــــم
وأكفهــــــــــم خلــــــــــف مــــــــــن الأمطــــــــــار
والعفة وحمایة الجار من الأخلاق الرفیعة التي عرفها العرب في جاهلیتهم وظلت ملازمة للشعر في عصوره المختلفة ومن ذلك قول عنترة:
أغــــض طرفــــي مــــا بــــدت لــــي جــــارتي
حتــــــــــى یــــــــــواري جــــــــــارتي مأواهــــــــــا
ویقول لبید في الفخر بقومه في حمایة الجار:
وهـــــــــــم ربیـــــــــــع للمجـــــــــــاور فـــــــــــیهم
والمـــــــــــرملات إذا تطـــــــــــاول عامهـــــــــــا
فالعفة أساساسها الغیرة على العرض وقد حرص العربي على الافتخار بهذه الفضیلة في العصر العباسي الأول على ما فیه من لهو ومجون وخلاعة وشیوع الحانات والدیارات وغیرها نجد العفة في الشعر تمثل مكاناً مرموقاً یقول ابن هرمة:
وإنـــــي إذا الجـــــار لـــــم تحفـــــظ محارمـــــه
ولــــــــم یقــــــــل دونــــــــه هیــــــــد ولا هــــــــادِ
لا أخـــــذل الجـــــار بـــــل أحمـــــي مباءتـــــه
ولــــــیس جــــــاري كعــــــش بــــــین أعــــــواد
ولم تكن هذه الفضائل والممیزات قصراً على فئة من المجتمع البدوي الجاهلي دون فئة فقد شكلت طابع التوحد بینهم مما دل على أنهم رسخوا لتقالید بدویة عربیة لا تؤثر فیها الحضارات وقد سعى الإسلام لینقل الناس جمیعاً إلى كثیر من الفضائل والأخلاق الحسنة وعبر عن ذلك المصطفى صلى الله علیه وسلم بقوله: (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق).
وهكذا حث الإسلام على كثیر من الفضائل وجمیل الأخلاق التي سادت شبه الجزیرة العربیة وجعلها أساساً لنجاحهم في أداء الرسالة وهذب البداوة ونفى عنها العصبیة القبلیة وأبقى مروءتها وأخلاقها الفاضلة وفي العصر الأموي ازدادت الخصومات القبلیة والعصبیة وتعددت الفرق الدینیة ویرى شوقي ضیف إن الشعر الذي وجد في العراق لعصر بني أمیة وهو الذي كان یقال في الخصومة وإما شعر قبلي وهو الذي كان یقال في الخصومة القبلیة وقد امتدت هذه العصبیة القبلیة التي اتسم بها العرب البدو خاصة الى العصر العباسي الذي شهد وصول عناصر غیر عربیة إلى كرسي القیادة والحكم مما أجج الصراع بین العرب والشعوبیین وارتفعت بعض الأصوات التي كشفت عن حقدها الدفین على العرب والإسلام وتطاولت على العرب وأمجادهم الطارفة یقول بشار مفتخراً بأصله الفارسي:
ســـــــــأخبر فـــــــــاخر الأعـــــــــراب عنـــــــــي
وعنـــــــــــه حـــــــــــین بـــــــــــارز للفخـــــــــــارِ
أنــــــا ابـــــــــن الأكـــــــــرمین أبـــــــــاً وأمـــــــــاً
تنـــــــــازعني المـــــــــر ازبُ مـــــــــن طخـــــــــارِ
وأبو نواس الذي لمع نجمه في سماء الشعوبیة نابذاً العرب وأصولهم البدویة ونمط شعرهم القدیم اذ یقول:
دع الأطـــــــــــلال تســـــــــــفیها الجنـــــــــــوبُ
وتبلـــــــــي عهـــــــــد جِـــــــــدتها الخطـــــــــوبُ.