مقدمة : يعد الاتصال عملية أساسية لا غنى عنها في استمرار الحياة الاجتماعية وتفاعل أفرادها.
خاصة في الوقت الراهن مع بروز التطورات التكنولوجية على مستوى وسائلها، فأضحت وسائل إعلامية جماهيرية جد متطورة، تعمل على تحقيق مجموعة من الو ظائف أهمها الترفيه، التسلية، التثقيف، لكن مع التقدم الذي شهدته هذه الوسائل تطورت الاستراتيجيات المتحكمة في مؤسساتها الإعلامية، وانعكس ذلك حتى على مستوى المواد الإعلامية التي تنقلها من الوسيلة إلى الجمهور، ومن ثمة تأخذ شكل آراء مستجدة وحديثة تنتقل بدورها بين الجماهير، بغض النظر إذا ما كانت هذه الأحزمة الثقافية إيجابية أم سلبية، إلا أنها تخلق نوعا من التوحيد في الأذواق والأفكار والمعتقدات.
فالعملية الاتصالية تعمل على خلق نوع من الاشتراك والمشاركة بين الأفراد لينتج ثقافة جديدة، وهذا ما أكده تشارلز كولي، بأن الاتصال يعني ذلك الميكانيزم الذي من خلاله توجد العلاقات الإنسانية، فتنمو وتتطور الرموز العقلية بواسطة وسائل نشر هذه الرموز عبر المكان واستمرارها عبر الزمان.
إضافة إلى الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام الجماهيرية والتي تعتبر المرآة العاكسة لأفكار، وثقافات المجتمعات، هي تنتقل من مجتمع لمجتمع، ومن فرد إلى فرد، لكن الأهم أنها تنقل، حسب إدوارد تايلور لتحولها ذلك الكل المركب من العادات والتقاليد والقيم لتحولها منتج جديد.
أولاً إشكالية الدراسة؟
حظي موضوع الهوية في السنوات الأخيرة باهتمام واسع من طرف الباحثين والمفكرين رغم أنها لم يسبق لها أن أثارت مسائل ومشاكل مثل التي صارت تثيرها اليوم، إذ يبدو جليا من خلال تصفح العديد من الدراسات التي حاولت الإلمام بمفاهيم الهوية ومكوناتها، مقوماتها، مستوياتها ورتبها، وعلاقة هذا الموضوع بالمواضيع الأخرى التي لا تقل أهمية عنها مثل الثقافة والشباب.
تعتبر فئة الشباب من بين الفئات الأكثر أهمية داخل المؤسسات المجتمعية على اختلافها، خاصة لما تكون عملية التنشئة الاجتماعية الثقافية سليمة، فيمكن اعتبارهم وقود الدولة الجزائرية، لأنهم هم مستقبل الأمة وهم من يحجزون بسواعدهم مكانتها بين الأمم الأخرى، في المقابل إذا فشلت هذه التنشئة الاجتماعية فهي نعكس بالضرورة على هذه الفئة وعلى كيان المجتمع وتماسكه، لأنها تضمن التكوين الصحيح للشخصية والذات الجزائرية بزرعها حب الانتماء للوطن والإحساس بهويته الفردية والجماعية، خاصة لما يتم توضيح أهم مقومات التكوين الهوياتي كالدين، اللغة، التاريخ والثقافة.
فإذا كانت الثقافة عبارة عن جملة من الأفكار والاتجاهات التي يكتسبها الفرد من انتمائه لوطنه والولاء له، فالشباب هو محصلة لتلك الثقافة؛ والذي تلقى على عاتقه مسؤولية الحفاظ عليها من جهة، والحفاظ على الهوية الوطنية من جهة أخرى.
وبطبيعة الحال، فكل من الثقافة الهوية الشباب يعتمدون وبشكل فعلي على العملية الاتصالية التي تطورت بتطور وسائل الاتصال وعصرنتها وكذا الإعلام وتكنولوجياته الحديثة.
فبعدما كان الاتصال هو عملية اشتراك ومشاركة تفاعل بين الأفراد تحول إلى اتصال جماهيري في معظمه ينقل الثقافات برموزها ومعانيها الحديثة إلى جماهير بالآلاف وإلى أبعد رقعة جغرافيا في العالم.
وهنا يتضح أن وسائل الاتصال والإعلام لم تُحدث تغيرات على مستوى العلاقات الاجتماعية فقط؛ بل امتدت لتعمل على إحداث مستجدات حتى على منظومة الثقافة والهوية مستخدمة الشباب كأساس لإحداث هذه التغيرات باعتباره فئة عمرية وحساسة وهي القلب النابض في أي مجتمع، ومن شأنه أن يكون معول بناء، كما يمكن أن يكون مغول تهديم للأفكار والقيم والمعارف والالتزامات الأخلاقية.
إضافة لذلك فإن مرحلة الشباب تقترن بمفاهيم أخرى أو بمعنى أصح مدلولات نفسية اجتماعية على أساس أنهم في مرحلة انتقالية، فنجده يعيش حالة من التجاذب بين ما هو معروض ووافد من الثقافات الغربية، وبين ما هو موروث من ثقافة المجتمع، وهذا ما تتسم به مرحلة المراهقة وما تحمله من تحولات على عدة أصعدة؛ ففي هذه المرحلة إما ينجح الشباب ويتجاوز كل المشاكل أو تنشأ لديه أزمات يصعب تجاوزها خاصة لما تتأصل على مستوى مثل الهوية.
وما يمكن الإشارة إليه في هذا المقام هو أن الوسائل الاتصالية تعتبر إحدى أهم الميكانيزمات الأساسية للعولمة، والتي تعمل على إنتاج الثقافة الجماهيرية أو صناعة الثقافة من خلال صناعة الفرد استهلاكيا بالشكل الحديث معتمدة على إذابة كل الهويات ومعنى ذلك أن يصبح الفرد مجرد من هويته الوطنية، أو نقول أنها تخلق صراعًا هوياتي لدى الفرد الشاب من خلال جعله يعيش غربة في الأحاسيس والمفاهيم ليفقد جوابه عن من هو ؟ فيعيش حالة من المد والجزر بين ما قدمه للمجتمع، وما تفرزه الوسائل الاتصالية من ثقافة استهلاكية مادية.
فبالرغم مما يفرزه هذا النوع من الوسائل من أحزمة متنوعة تؤثر على الشباب مستهدفة الهوية، فإنه لا يمكن لهذه الفئة الشابة أن تعيش دون هوية تميزها عن باقي الثقافات والهويات. تأسيسا على ما سبق يبرز إشكال موضوعنا الأساسي المتجاذب بين المفاهيم الأساسية، الثقافة الجماهيرية والشباب والهوية كالآتي.
التساؤل الرئيسي، كيف تعمل الثقافة الجماهيرية على تشكيل هوية الشباب الجامعي؟
التساؤلات الفرعية؟
1. كيف تؤثر الثقافة الجماهيرية على العناصر الدينية المكونة لهوية الشباب الجامعي.
2. كيف تؤثر الثقافة الجماهيرية على اللغة. والعناصر الوطنية المكونة لهوية الشباب الجامعي.
3. كيف تؤثر الثقافة الجماهيرية على العناصر.
الاجتماعية المكونة لهوية الشباب الجامعي.
ثانياً أسباب اختيار الموضوع؟
يُعد اختيار موضوع الهوية الوطنية في الثقافة المعولمة أو الثقافة الجماهيرية الاستهلاكية لم يأت عشوائيا أو بمحض الصدفة، فمهما كانت طبيعة العمل البحثي الاجتماعي الأكاديمي لابد من وجود أسباب واعتبارات لهذا الموضوع وأهم هذه الدوافع هي.
ملاحظتنا الفعالة والهادفة لخطورة الظاهرة أو الموضوع الذي هو قيد الدراسة، في ظل التحديات الكبيرة التي تعاني منها فئة الشباب على مستوى الهوية في ظل الثقافة الجماهيرية الاستهلاكية والتي تحتاج للعديد من الدراسات التي من شأنها أن تسلط الضوء على العديد من المفاهيم والأفكار المتعلقة بهذا الموضوع.
وضع كل التغيرات والمستجدات التي تحدث في المجتمع بصفة عامة ولدي عماد الأمة وقوتها تحت المجهر السوسيولوجي وذلك للكشف على جانب من جوانب الحياة الاجتماعية من جهة واثراء البحث العلمي من جهة أخرى.
قلة الدراسات والبحوث التي تربط بين متغيرات ثلاث الثقافة، الهوية والشباب.
أيضاً من أحد أسباب اختيارنا لهذه الدراسة في مجال التخصص ألا وهو علم اجتماع اتصال، أنها تربط بين هذه الدراسة والتحليل السوسيولوجي من منظور اتصالي.
إضافة إلى كون الشباب بحاجة ماسة للتعرف على أهم مكونات مجتمعه ألا وهي الهوية وتأثيرات الإعلام ووسائله عليها، خاصة لما تنقل ذلك الكل المركب من العادات والتقاليد لتتحول إلى ثقافة جماهيرية تظهر من خلال غرس ثقافة استهلاكية فرعية تؤثر على بناءات المجتمع، وإطاره العام، فمثل هذه الدراسات تكشف على دور الثقافة الجماهيرية في تشكيل هوية الشباب، الجامعي خاصة أننا في مرحلة تستهدف بالدرجة الأولى الشباب وثقافته العربية ومحاولة الانفتاح على الثقافة المعولمة في أحد الأوساط والمؤسسات الاستثمارية كالجامعة، فهي بمثابة استثمار مستقبلي لدولتنا أساسه المحافظة على الهوية الوطنية والثقافة الجزائرية.
ثالثاً أهمية الدراسة؟
تأتي أهمية الدراسة ككل بتتبع أهمية هذه الفئة بالنظر للشباب عامة والشباب الجامعي خاصة الذي يُمثل نسبة كبيرة من المجتمع الجزائري وبناءًا على أهمية هذه الشريحة في تحديد مجموعة من الأنماط الاستهلاكية على مستوى الهوية لدى هذه الفئة إذ أن الدراسة تتوخى معرفة دور الثقافة الجماهيرية في تشكيل هذه الهوية وكذا تفاعل الشباب الجامعي كفئة مثقفة مع هذا النوع من الثقافة.
فحسب محمد سيد فهمي في كتابه العولمة والشباب من المنظور السوسيولوجي ص 89 التي جاء فيها أن الشباب هم رأسمال الأمة وعدتها عتادها حاضرها ومستقبلها هم ثروة الأمة التي تفوق ثروتها مواردها كلها فإذا أدركت الأمة كيف تحافظ على أغلى ثرواتها وكيف توجهها وتستفيد منها وتغيرها استطاعت أن تؤدي رسالتها في الحياة والشباب هو المستقبل والرجاء هو أمل الأمة وعماد قوتها ورمز عزتها، على أكتافه تلقى تبعات المستقبل وفي ذمته تتلاقى مسؤوليات الأيام.
وهكذا اكتست هذه الدراسة أهميتها الأكاديمية، إذ تتجه إلى أهم عنصر في عملية التنمية، سواء كانت بشرية اجتماعية اقتصادية سياسية وثقافية، فهو جيل الشباب الذي يمثل قوة العمل الحقيقية، فإذا كانت هذه الدراسة تُركّز على الشباب كمرحلة عمرية أساسية فهي لا تغفل أهمية الهوية بالنسبة للمجتمع وما تواجهه من تحديات نتيجة للثقافة الجماهيرية حتى الثقافة في حد ذاتها وعلاقتها بالشباب والهوية محل الصراع من جهة وتداخلها مع باقي المفاهيم المهمة ضمن العمل الأكاديمي ككل كما تُعد الهوية مسألة من المسائل المهمة والمعقدة وهي من المواضيع الحديثة التناول.
رابعاً أهداف الدراسة؟
إن اختيار الباحث الاجتماعي لمشكلة اجتماعية واعتبارها مشكلة تستحق الدراسة يعني أن هناك مجموعة من الأهداف يسعى إلى تحقيقها وذلك بالتطرق لها في دراسته السوسيولوجية التي هو بصدد إنجازها وباعتبار دراستنا حول الثقافة الجماهيرية وما تقدمه للشباب من ثقافة.
استهلاكية نمطية على مستوى الهوية سنوضح أهم الأهداف المرجو تحقيقها وهي الكشف عن مدى تأثر العناصر الدينية المكونة للهوية من طرف الثقافة الجماهيرية بالنسبة لعماد الأمة وقوتها.
التعرف على الثقافة الجماهيرية وطابعها الاستهلاكي النمطي وما تقدمه للشباب بتسليط الضوء على أبعاد وجوانب الثقافة والهوية معا ومدى انتشارها بينهم من خلال إيضاح أهمية العامل اللغوي وما تعرض له نتيجة الأحزمة الثقافية استهلاكية الطابع ومادية النزعة اضف إلى ذلك الكشف على العناصر الوطنية وأهميتها بالنسبة للهوية الجزائرية وقوميتها إضافة إلى الأهداف السابقة نوضح هدف لا يقل قيمة عن باقي الأهداف ألا وهو الكشف عن أهم القيم المستوردة نتيجة الانفتاح الهائل على وسائل الإعلام والاتصال الحديثة بمعنى التغلغل الثقافي الاستهلاكي بين الشباب وإيضاح طبيعة الوعي الذي تشكله الثقافة الجماهيرية لدى شريحة الشباب بمعنى أوضح التعرف على العناصر اجتماعية الطابع وما تتعرض له نتيجة صناعة الثقافة وإبراز أهمية المقومات الاجتماعية في تماسك الأمة الجزائرية إشباع الفضول بالدرجة الأولى واثراء البحث العلمي في مجال العلوم الاجتماعية.
خامساً مفاهيم الدراسة؟
1. الثقافة : هي عبارة عن مجموعة من القيم العادات والتقاليد الأخلاق طرائق التفكير الجمالي والمعرفي المميز لمجتمع عن باقي المجتمعات كما تعد مجموعة من المعالي والرموز والإشعارات التي ينسجها الأفراد نتيجة تواصلهم مع بعضهم البعض فهي إذن منظومة متنوعة متكاملة ترسم معالم هوية المجتمع عن طريق قيمها وصورتها الحضارية لتحدد مكانتها في مصاف الأمم.
2. الثقافة الجماهيرية تشير الثقافة الجماهيرية بوجه عام إلى الثقافة المميزة للمجتمع الجماهيري وجماهيرها تستهلك وتستمتع بثقافة تختلف اختلافا جوهريا عن الثقافة التي كانت محل استماع في الحاضر والماضي لأن عناصر الثقافة الجماهيرية تنتقل وتنتشر من خلال وسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة.
3. الثقافة الاستهلاكية مجموعة من الرموز والأفكار والقيم القادرة على نشر النزعة الاستهلاكية والبحث عن السلع المطلوبة في الأسواق فثقافة الاستهلاك تشير إلى مركب ثقافي يستخدم أساليب متنوعة لإنتاج مواد إعلامية معينة ومن ثمة تعميمها أو هي نظام ثقافي يهدف لتغيير الواقع وخاصة الثقافي منه لتقبل مخرجات السوق ومنتجاتها بالاعتماد على وسائل الاتصال التكنولوجية الحديثة هذه الأخيرة هي الميكانيزم الأساسي بالنسبة للثقافة الاستهلاكية الجماهيرية المادية بشكل عام.
4. الشباب هي مرحلة عمرية تتميز بالحيوية والطاقة المتجددة تصفي على العلاقات الإنسانية المرونة والتعلم بشكل مستمر إضافة إلى اعتبارها طاقة قومية لما تحتويه من قدرات وأفكار متنوعة.
5. الشباب الجامعي والدارسين لهذا المصطلح يرون وجوب ألا يقتصر هذا المفهوم على النظر للشباب كفئة عمرية أو اجتماعية لها خصائصها النفسية والسلوكية المميزة ولكن باعتبارهم عنصرا هاما في بناء النسق الاجتماعي للمجتمع.
6. الهوية هي مجموع الخصائص المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد بوعيهم الذاتي لكل المقومات التي تصطبغ على الفرد فتكون هويته الفردية وبالتفاعل الاجتماعي فيما بين الأفراد تنتقل كل السمات والمقومات عن طريقة التواصل بينهم فتكون هويتهم الجماعية وهي تضم اللغة والدين العادات والتقاليد الوطن وتاريخه.