الرياضة تربية وعمل؟

كُلَّ يَوْمٍ يَقفُ تلاميذ المدرسة في طابور الصباح مِنْ أَجْلِ أَنْ يمارسوا الرياضة بأنواعها المختلفة، فيجدوا فيها شيئاً من النشاط والحيوية والترويح والتسلية، وهذا يُساعِدُهُمْ على مُواصَلَةِ التَّحْصِيلِ العِلْمِي والتطبيق العملي، فالرياضة تُقوّي الأجسام، وتَحْمي من الأمراض، وتُعِينُ على ممارسة العبادة والعمل والكفاح في طلب الرزق، والإعداد للحياة وحماية العقيدة والوطن والدفاع عنهما، وذلك يتطلب رجالاً أقوياء أشداء. وإذا عُدنا إلى التاريخ القديم نَجِدُ أَنَّ أَجدادنا العرب كانوا يَهْتَمُونَ بالرياضة لأنَّهُم يُدركون دورها في تربية الأجيال، فقد كانت حياتهم في الصحراء نشاطاً رياضياً متواصلاً لا تنفصل فيه الرياضة.
للحياة والعمل لها وكانوا يخصصون ساعات من وقت فراغهم الممارسة العاب متنوعة ورياضات مُفِيدَةٍ، كالعاب الفروسية، ومسابقات الخيول والجمال، والمصارعة، والرمي بالسهام من القَوْس، والمبارزة بالسيف وكثيراً ما أخْرَجَت الرياضة للأمة رجالاً أقوياء في أجسامهم وَعُقولِهِمْ، يَملؤونَ حَياةَ الناسِ عَمَلاً وأَمَلاً وَبَهْجَةً، لأنَّهُم بَنوا أَجْسامهم بناء متيناً بالرياضة مِثْلَما بَنَوْا عُقولَهُمْ وَشَخْصِيَّاتِهِمْ بالعِلْمِ والمَعْرِفَةِ، ذلك عن الشفي أن العقل السليم لا يكون إلا في الجسم السليم. ولكن نهانا الإسلام عن الرياضات الضارة بنا أو بالآخرين لاضرر ولا ضرار مثل : الألعاب النارية أو اللعب بالسلاح، فقد نهى نبي الله عن المزاح ولو بالإشارة بعصا أو حديدة نحو شخص آخر وفي الرياضةِ نَتَعَلَّمُ الكثير من القيم الأخلاقية الكريمة، فاللاعبون يتنافسون على الفوز والنجاح ولكن قُلوبَهُمْ لا تَعرف ضغناً ولا حقداً، وتَجدُهُمْ يُهَاجِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَكَأَنَّهُمْ خُصَمَاءُ، وفي نهاية المباراة تَجِدُهُمْ يَمْزَحون ويبتسمون، وَيَنْصَرِفُ الجميعُ وَقُلوبُهُمْ مملوءة بالحب والتسامح، وَمِن هُنَا حَتْ الإسلامُ على مُمارسة الرياضة، كما جاء في الحديث علموا أولادكُمُ السِّباحَةَ والرماية
يمني في المهجر؟
تَسَاقَطَ الدَّمعُ مِنْ عَيْنَيْهِ حَتَّى مَحَا كَثِيراً مِنَ الكَلِمَاتِ التِي كَانَ قَدْ كَتَبَهَا فِي الْوَرَقَةِ، فَاضْطُرَّ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهَا وَرَقَةً أُخْرى هَكَذَا ظَهَرَ سَعِيدٌ، وَهُوَ يَكْتُبُ رِسَالَةً إِلَى أَبِيْهِ وَأُمِّهِ عَشِيَّةَ تَوْدِيْعِ أَحَدٍ زُمَلائِهِ عَائِداً إِلَى أَرْضِ الْوَطَنِ.
كَانَ سَعِيدٌ يَسْكُنُ مَعَ زَمِيْلَيْهِ، وَكَانُوا جَمِيعاً نَمَاذِجَ عَالِيَةً لِلْمُغْتَرِبِ الْيَمَنِي فِي الاخْلاقِ وَالسُّلُوكِ المُسْتَقِيم ، والمحافظة عَلَى الشَّعَائِرِ الدينية، وَمُتَابَعَةِ أَخْبَارِ الْبِلادِ بِاسْتِمْرَارٍ.
لَمْ تَمُرُّ عَلَيْهِ فِي المَهْجَرِ إِلا أَشْهَرٌ قَلائِلُ، لَكِنَّ لَوْعَةَ الْفِرَاقِ، وَمَرَارَةَ الْغُرْبَة جَعَلَتْهُ لا يَقْوَى عَلَى مُغَالَبَة الدَّمْع اثْنَاءَ كتابة الرِّسَالَة، فكُلَّمَا بَداً يكتب الهمرت دموعَهُ بِغَزَارَة، فَيَتوقف قليلاً يَمْسَحُ دُمُوعَهُ، ثُمَّ يُعَاوِدُ الكتابة.
وفي المرة الثَّالِثَةِ بَدا يَكْتُبُ، فَظَهَرَتْ في خَيَالِهِ صُورَةُ أبيه وأُمه واخوته، وتذكر شده اشتياقهم إلى رؤيته، كونه أكبر الأَبْنَاءِ، وَتَخَيْلَ يَوْمَ العودة إلى الْبِلادِ، وبَهْجَةَ اللقاء بأفراد الأسرة، وَخَاصَّةُ الصَّغَارَ الَّذِينَ يكن لَهُمْ حُبّاً شَدِيداً فَلَمْ يَتَمَالَكَ نَفْسَهُ، فَوَضَعَ الوَرَقَةَ والْقَلَمَ، وَغَطَّى عَلَى وَجْهِهِ، فَتَأَثَّرَ زُمَلَاؤُهُ لَحَاله.
كَانَ أَحَدُ الحاضِرِينَ وَاسْمُهُ حَسَنُ قَدْ جَاءَ لِيُرْسِلَ بَعْضَ الْهَدَايَا وَالرَّسَائِلِ مَعَ زَمِيْلِهِمْ الْعَائِدِ إِلى البلاد، وكَانَ قَدْ أَظْهَرَ تَمَاسُكَهُ فِي هَذَا الموقف، مَاعَدَا عَبَرَات نَزَلَتْ مِنْهُ خَلسَةً، فَحَاوَلَ إِخْفَاءَهَا فَقَالَ مُشَجِّعاً ومعاتباً لا، لا يَا شَبَابُ لِماذَا الحُزْنُ الغُرْبَةُ لِلرِّجَالِ، وَالْبِلادُ بَاقِيَةٌ، والأهلُ بِخَيرٍ، فَمَا الدَّاعِي لِما أَرَى فَقَالَ سَعِيدٌ، وَهُوَ يَنظُرُ إلى النافذة، وكَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلى البعيد أنا مُسَافِرٌ مُسَافِرٌ لَمْ أعُد أطيقُ البَقَاءَ فِي جَحِيمِ الغُربَةِ، فَقَالَ حَسَنٌ مُنَبِّهاً اسْمَعْ اسْمَعْ يَا أَخِي لا تُضَيِّعْ النِّعْمَةَ الَّتِي أَنْتَ فِيْهَا فَالْتَفَتَ سَعِيدٌ غَاضباً، وَقَالَ أَيُّ نِعْمَةٍ حَصَلْتُ عَلَيْهَا فِي الغُربة صَحِيحٌ أَن اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْنَا بِنِعَمَ كَثِيرَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا جَزِيلَ الشَّكْرِ، لَكِنَّ النَّعْمَةَ كُلَّ النعمة هي أن أعيش في بلادي، وبين أهلي، ثُم تَكَلَّمَ أَحَدُ زُمَلائِه قَائلاً : لَقَدْ صَدَقَ سَعيد ما الذي جَنَيْنَاهُ مِنَ الغُربة إلا المعاناة، والشعور بالْوَحْشَةِ وأي مَعْنَى لِلنَّقُودِ الَّتِي نَجْمَعُهَا إِذَا كُنَّا لا نُحِس بالأُنْسِ بَينَ أهلنا، وَعَلى تُرَابِ أَرْضِنَا نَزَرَعُهَا، وَنَاكُل مَنْ خَيْرَاتِهَا، إِنَّنِي عَزَمْتُ أَنَا والزمِيلُ طَاهِرٌ عَلَى الْعَوْدَةِ مَعَ سعيد، ولَنْ نَتاخَّر بإذن الله قَالَ سَعِيدٌ وَهُوَ مُلكِي عَلى مسند آه ما أحلى العيش تَحْتَ سَمَاء بِلادِي وَشَمْسِهَا إِنَّني أشْعُرُ بِكَراهِيَة اليوم الذي تَرَكْتُ فيه بلادي إن قَلْبِي يَكَادُ يَطِيرُ مِنْ بَيْنِ الضلوع شوقاً إلى تلك الأَرْضِ الطيبة.
عند ذلك تاثر حَسَنُ تَأثراً عَميقاً وتَذكر كلام زوجته وابنته وهو مسافر إلى المهجر حين قالت زوجته وهي تكفكف دموعها غُرَبَتُكَ يَا حَسَنُ لا يَقْتَصِرُ ضَرَرُهَا عَلَيَّ، وَعَلَى الأطفال، وَإِنَّمَا يَمْتَهُ ضَرَرُهَا إِلى أَرْضِنَا الزّراعِيَّةِ حِيْنَ تُهْمَلُ فِي غِيَابِكَ، وَلَوْ بَدَلتَ فِيْهَا جُهْداً بسيطاً لَكُنْتَ فِي غِنى عَنِ الاغْتِرَاب فَالخَيرُ فِيهَا وَفِيرٌ، ثُمَّ وَاصَلَت ابنته حديث أُمِّهَا قَائِلةً لا تَتْرُكْنَا وَحْدَنَا يَا أَبِي نَحْنُ لَا نَشْعُرُ بِالرَّاحَة والآمَانِ إِلَّا عِنْدَ وُجُودِكَ بَيْنَنَا، وَأَنَا خَائِفَةٌ أنْ يَضْعُفَ مُسْتَوَانَا الدَّرَاسى أنا وأختي، ثُمَّ تَذكَّر أنَّهُ حَنَا عَلَيْهَا ، وَقَبْلَهَا قَائِلاً لا تَخَافُوا سَاعُوهُ إلَيْكُمْ قَريباً إِنْ شَاءَ الله وَهُنَا خَنَقَتْهُ العَبْرَةُ لكنَّه غالبهاثُمَّ قَالَ حقاً إِنَّ الغُرْبَةَ شَفَاءٌ وَمُعَانَاةٌ لَيْسَ لِلْمُغْتَرِبِ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا لاهْلِهِ كَذَلكَ. غداً أهيِّئْ نَفْسِي لِلْعَوْدَةِ مَعَكُمْ إلى البلاد فَتَهَلَّلَ وَجْهُ سَعِيد، وكأَنَّه أحس أن شُعُورَهُ هُوَ شُعُورُ الجميع ثُمَّ قَالَ هَذَا هُوَ القَرَارُ السَّليم؛ نَعُودُ إلى أهْلِنَا لِنُدْخِلَ الفرحة عَلَيْهِمْ، وَنَانَسَ بِقُرْبِهِمْ، وَنَصْرِفَ طَاقَاتِنَا في بلادِنَا زِرَاعَةً، وَصَنَاعَةٌ وَتجَارَةً، وَأَعْمَالاً أَخْرى، كُلِّ فِيْمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لِنَنْعَمَ بِخَيْرَاتِها وَنَحْيَا فِيْها حَيَاةً حُرَّةً كَرَيْمَةً فَهَنيئاً لَنَا بِالْعَوْدَةِ.