وصف السفينة، التعريف بالكاتب؟
هو أبو العز طاهر بن الحسن بن عمرين حبيب الحلبي ولد ونشأ في مدينة حلب، وكتب في ديوان الإنشاء، ثم انتقل إلى القاهرة وعمل فيها نائباً لكاتب ألسر هناك، حتى توفي فيها سنة ٧٧٩هـ عن عمر ناهز السبعين عاماً، ومن كتبه ( مختصر عن أبيه المنار) في أصول الفقه و وشي البردة) شرحها وتخميسها و ذيل التاريخ ) الحسن وغير ذلك من كتبه المخطوطة والمطبوعة.
مناسبة النص؟
النص الآتي، يصور لنا إعجاب أبي العز بالسـ البخارية التي تدار بالشراع وكان ظهورها في ذلك العصر حدثاً تاريخيا عظيما في تاريخ العلم، لأنها كانت حلم الإنسان منذ وعى ،ذاته، وتأمل الكون حوله، وقد أعجب الكاتب بعظمة السفينة فوصفها وهي تسير في البحر، ومما أوحى به خياله النص الآتي:
ديا لها سفينة على الاموال امينة ذات دسر والواح، تجري مع الرياح، وتطير بغير جناح، وتعتاش على الحادي بالملاح، تخوض وتلعب، وترد ولا تشرب، لها قلاع كالفلاغ، وشراع يحجب الشعاع، وسكينة وسكان، ومكانة وإمكان، وجوجو وفقار واضلاع محكمة بالقار، وج عار عن الفؤاد، وهي في عين الماء بمنزلة السواد، بعيدة ما بين ال حسن الجواري المنشآت في البحر، معقود بنواصيها الخير كالحيل، لا عمل. منْ سُرَى الليل، ما رأى الناس. الماء سواها، تسير سير القداح، كأنها وعل ينحط من شاهق، أو عرياض.
سَائِق، أو عقرب شَائِلةً، أو عُقاب صائلة، أو غُراب أعْصَمْ، أو تِمْسَاحٌ أَرقم، أو ظلِيمٌ نقر في الظلام، أو جواد فر مُستنكفاً مِنْ صُحْبَةِ الأنَامُ، حَاكِمُها عَادِلٌ فِي حُكْمِه، عارف بنقض أمْرِهَا وَبَرمَهُ يَهْتَدِي بِالنُّجُوم، ويبتدي باسم الحي القيوم، يبرز نَوَاتِيُّها في جُنُودُ، وَيَشْمَلُ إِحْسَانُهُم أهلها أيقاظاً وهُم رُقُودْ، يتانقُونَ فِيمَا يَعْمَلُون، ويَفْعَلُون مَا يُؤْمَرُون ).
معاني المفردات والتراكيب اللغوية؟
الدسر : جمع دسار، وهو حبل من ليف تشد به الواح السفينة أو المسمار، الحادي: من يسوق الإبل، ويغني لها، ورد الماء بلغه، قلاع الأولى : جمع قلع بكسر القاف، وهو شراع السفينة، وقلاع الثانية: جمع فة الحصن السكينة: الوقار وهي الجؤجؤ : الصدر ( المقصود به صدر السفينة)، الفقار مفردها فقرة، وهي واحدة من فقرات الظهر القار مادة سوداء تطلى بها السفن السحر الصدر، والنحر : أعلى الصدر، الجواري : جمع جارية وهي السفينة النواصي جمع ناصية، وهي شعر مقدمة الرأس، سرى الليل : السير في الليل القداح : جمع قدح وهو السهم الوعل : تيس الجبل العرباض الغليظ من الإبل، الشائلة الرافعة الذنب، عُقاب صائلة : العقاب طائر جارح، صائلة : من صال: أي وثب وصال عليه : سطا عليه ليقـهـره الأعصم : ما في ذراعيه أو في أحدهما من بياض، وسائره أسود، الأرقم : أخبث الحيات، الظليم : ذكر النعام، المستنكف : المستنفر، الأنام : الخلق، برم الحبل : فتله القيوم : القائم الحافظ لكل شيء، نواتي : جمع نوتي، وهو الملاح الذي يدير السفينة تأنق في العمل : عمله بإتقان وحكمة . في البحر، في هذا النص ثلاث فكر أساسية: هي تصوير شكل السفينة وفائدتها - وصف حركتها وسرعتها - وصف ربانها ومهارته في الفكرة الأولى، يصور الكاتب إعجابه بأمانة السفينة على الأموال، وفائدتها في التجارة، ويصف شكلها فيقول : إنها مكونة من الواح وخيوط لبغية تشيد تلك الألواح وحكمها أو مسامير تربط بين الواحها، وأن لها شراعاً يحجب أشعة الشمي وسكانا، وصدرا، وفقاراً، وأضلاعاً محكمة، وهي عبارة عن جسم طويل مكشوف القلب، ومتباعدة ما بين الصدر والنحر، وأنها من أحسن السفن في البحر، وتسير باستمرار دون أن تمل من السير في النهار أو الليل، ويمتد إعجابه بالسفينة فيقول : إنها كالقصر على سطح البحر، ولم يشاهد الناس سواها.
وفي الفكرة الثانية يصف سرعتها وحركتها في الماء، فيقول : سرعتها كالرياح وتسير في البحر مثل السهام، وتتأرجح في البحر دون أن يتسرب الماء إلى داخلها، وتقفز كالتيس الهابط من أهلى الجبل، أو كالجمل السريع الذي يركبه فارس مسرع وانها ترفع مؤخرتها كالعقرب الرافعة لذنبها، وهي في سرعتها كالطائر الجارح، أو الغراب، أو التمساح أو الحية الخبيثة أو ذكر النعام، أو الجواد المستنفر. وفي الفكرة الثالثة : يصف الكاتب قائد السفينة أو ريانها فيقول : إنه قائد عادل وماهر في قيادة سفينته، ويهتدي بالنجوم في طريقه، ويظهر بين ملاحيه كالقائد في جنده المتقنين عملهم الذين ينفذون ما يؤمرون به طاعة وانقياداً نابعا من تقتهم فيه.
تحيل وتذوق؟
نرى الكاتب في هذا النص قد التزم أسلوب السجع في معظم جمل النص من وصف السفينة، دون أن يمتزج به نفسيا وتختلط مشاعره في هذا الوصف، فجاء أسلوبه منمقاً، ومزخرفاً وتصويراً مباشراً للمشهد، إذ ساق لنا الكثير من الأمثلة والتشبيهات الجافة التي لا نشعر معها بأي عاطفة حية أو عبارة ذات معنى رفيع، مثل قوله : ( كأنها وعل ينحط من شاهق ) إذ شبه سرعة السفينة وهي تجري في البحر بسقوط الوعل من أعلى الجبل، وهذا التشبيه لا قيمة له في بيان سرعة السفينة، فشتان بين السقوط من أعلى وسرعة السفينة في البحر، وقوله : ( عقاب صائلة، أو غراب أعصم ) وهما تشبيهان لا قيمة لهما أيضا في بيان سرعة السفينة، وذلك لعدم فائدتهما في توضيح المعنى وتقريبه إلى الأذهان وقوله : ( عرباض سابق يحثه سائق )
إذ شبه السفينة بالجمل الذي بركبه فارس مسرع، وهو تشبيه الإبراز الضخامة والسرعة، وقوله أيضا : ( أو تمساح أو أرقم أو ظليم نفر في الظلام، أو جواد فر مستنكفا) وكل هذه التشبيهات يراد بها تصوير سرعة السفينة، لذلك أخذ من التمساح، ومن الحية وذكر النعام، والجواد، سرعتها في الجري واسقطها على سرعة السفينة . وفي قوله : ( عقرب شائلة ) إذ شبه السفينة وهي ترفع مؤخرتها في البحر وتتجدد في مقدمتها بالعقرب الرافعة المنبها، وهو تشبيه جميل لحركة السفينة في الماء وتلاحظ السجع في معظم جمل النص كقوله : ( بالها سفينة على الأموال أمينة ) ذات دسر والواح تجري مع الرياح)، وتطير بغير جناح، والعتاض عن الحادي بالملاح). وهذا التنسيق اللفظي كان الغرض الأول للكاتب، فضلا عن أن هذا الترابط اللفظي والجرس الصوتي المتتابع قد شكل عيناً ثقيلا على تذوق السامع وادى إلى ضعف المعاني بشكل عام.
وتلاحظ بعض المحسنات البديعية الأخرى التي نالت من روعة الأسلوب وجماله، كالجناس في قوله : (لها فلاع كالفلاع ) ، ( وشراع بحجب الشعاع)، ( وسكينة وسكان ) ، ( الخير كالخيل)، إذ لم يستعمل استعمالاً بليغاً وذلك لضعف المعنى وعدم توضیحه، بل جاء متكلفاً ليتناسق ويتوافق مع الحرس الصوتي للمسجع الذي التزمه الكاتب، والمقابلة في قوله: ( لا تمل من سير النهار ولا من سرى الليل)، وتلاحظ الطباق في قوله : ( أهلها أيقاظاً وهم رقود) الذي جاء متكلفاً ولم يضف إلى الأسلوب أي جمال أو قوة في المعنى، وترى الكتابة في قوله : ( من احسن الجواري المنشأت في البحر) وهي كتابة عن السفينة وجمالها وتدل على تأثر الكاتب بالقرآن الكريم.
والنص في مجمله صورة صادقة للعصر الذي عاشه الكاتب، وهو عصر الانحطاط الذي انحدر الأدب فيه إلى غاية الضعف والركاكة، حيث أسرف الأدباء والكتاب بالصناعة اللفظية، وغلب عليهم طابع التقليد للعصور السابقة، فكانوا يصوغون المعاني القديمة صياغة ضعيفة، ويصفون الطبيعة وصفاً خالياً من العاطفة والوجدان.