تتكون هذه الأوصاف المتميزة بطابعها التصنيفي من مستويات تربط بينها علاقات التضاد والتناقض إذ نلاحظ:
1. ترتيباً تصاعدياً نحو الجودة، أو تنازليا نحو الرداءة.
2. يسمح تأسيس المفاضلة الشعرية من هذه الزاوية، واحتفاظها بأوليتها الحسية، وافتقادها لأبعادها النظرية الدقيقة، وإمكانية الاعتقاد في خضوعها لتسلسل تبسيطي لمجموعة من أزواج الصور مثل:
١- الجودة / الحرارة.
٢- البرودة / الرداءة.
٣- الزيادة في البرودة / الزيادة في الرداءة.
٤- شدة البرودة / شدة الرداءة.
وكل صورة تؤدي إلى سلسلة من الصور الأخرى. ويجد الكثيرون سهولة كبرى في قبول هذا النوع من التواصل المطعم بأنواع سننيه فرعية مأخوذة من الواقع الخارجي وحتى في فهمه، إذ يلاحظ أن توظيف التسلسل بتناقضاته يهدف في درجة من الإنزياح إلى توظيف الحقائق الحسية المعترف بها في فهم التعارض الثنائي.
إن ما يكشفه المربع السيميائي ليس فقط التفاوت في درجة الجودة الشعرية بين شعر مروان الأكبر من جهة وشعري أبي المتوج وابنه، فهما يتموضعان على حدي الثنائية الضدية، فهو يكشف إلى جانب ذلك عن مسارات أخرى على الرغم من عموميتها من حيث إن هذا النموذج غير مرتبط بميادين معنوية خاصة وأن عموميته الكبيرة تجعله، وبشكل كوني قابلا للتطبيق سواء كان الأمر يتعلق على الأخص بوصف كل العمل البشري نشاط تشريعي، ونشاط تصنيعي، ونشاط عاطفي، ونشاط معرفي، أو بتحليل رسائل معقدة مسماة نصوصاً، وفي حالة هذا النوع من أحكام القيمة فإن إدخال المستويات الشعرية متسلسلة تنازلياً أو تصاعدياً في المربع الدلالي يفيد تحديد هذه الرتب بصورة أكثر دقة، بمواضع يصعب عادة تمييزها مثلا موضع لا جودة ولا رداءة أين تتموضع أشعار عبد الله بن السمط وإدريس بن أبي حفصة ومروان الأصغر وأبي الجنوب.
ومع هذا فالباحث يستطيع أن يدرك بوضوح تضمن الثنائية الضدية حاجة مضمرة يبدو عليها مظهر جدل الشعرية التراثية والشعرية الحداثية، وأحد الوسائل التي تتكيف عادة مع مثل هذا الجدل تجد في الصور الحسية ما يحقق له نظام الحكم ويهيئ له فهما ملائما ذكر الصولي أن أبا تمام يقول النادر والبارد، لا يملك هذا الفصل مبرره الذوقي والمعرفي بمعزل عن فهم قابل لتفسير عمومي يعتقد في أن الشعر النادر هو الذي يستفز القلب، ويحمي المزاج في استحسانه، والبارد بضد ذلك، وبد هي أن لهذا التصنيف قيمة تفاضلية يمكن مقاربتها من خلال علاقات المشابهة وعلاقات اللامشابهة، فالعلاقة القائمة بين النادر والبارد يجب النظر إليها من زاوية تقدير يقاس:
أولاً: بالعودة إلى مجموع الملامح المشتركة التي تكون التعريف المعجمي للمدلولين نادر وبارد في العربية، وذكر ابن منظور لمادة ندر، ومشتقاتها معان منها: نوادر الكلام تندر، وهي ما شد وخرج من الجمهور، وذلك لظهوره، فهذه أربعة معان وهي: التفرد والنبوغ والغلبة والعلوم.
وذكر لمادة برد ومشتقاتها معان هي: أصل كل داء البردة بتسكين الراء وفتحها، وهي التخمة لأنها تبرد الطبيعة فلاتنضج الطعام بحرارتها، وأرض مبرودة كمثلوجة، ومن المجاز، وضربته حتى برد وحتى جمد، وبرد منه وبَردَتْ عِظامُه إذا هزل وضعف، فهذه أربعة معان هي عدم الفجاجة والجمود والهزال والضعف.
وبداية أن هذه الدلالات المعجمية تقع في مفترق العلاقات الدلالية المختلفة بين الصور الحسية والصور المجردة مع كل ما تحتويه كل منهما من مجالات تتصل بالشعر ومستوياته، ونستطيع أن نعتبر أن علاقات هذه الصور بتشعباتها، هي علاقات مدركة انطلاقاً من فهم خفى لأبعاد هذا الجدل، ونقول إن توظيفها في وصف درجة من التفاوت والتغاير هو توظيف يحتكم إلى التعريف التشبيهي الذي يقدمه، حسب أ. ج كريماس، المعجم فيما نحن فيه لمادتي ندر وبرد، إذ يمكن من تفسير سبب نشاز المداخل المعجمية للكلمتين في تحديد طريقة توظيف أبي تمام للغة الشعرية وأنها تساعد وحسب في البرهنة عادة على درجة من الإيحاء يبيحه الاعتقاد في أن للمداخل المعجمية مميزات دلالية مركبة، يمكن للكلمتين أن تحدثها في توزعاتها الممكنة والمختلفة.
ثانياً: أياً كان أمر تنوع الحقل المعجمي للكلمتين السابقتين فهو يحيل ضمنياً إلى الخصائص الشعرية المراد تبيين درجتها، وبذلك تقدم للمستمع / المتلقي تلميحات وليست تفصيلات للتفاوت المعطى استناداً إلى المميزات الدلالية التي تكون المميزين الدلاليين المركبين: نادر وبارد، وكلمة بارد تتضمن أبعاداً مجازية حيث:
1- توحي طبيعة النظم الجزئية أو النظم الصغيرة البسيطة والمبنية بشكل واحد حسب تصنيفي، كوزريو على العموم بحقلين متقابلين من الصفات:
أ- صفات الشيء التفرد والنبوغ والغلبة والعلو.
ب- صفات الطقس بارد جامد فاتر حار.
2- تلك العلاقة التي تنشأ بين المدلول الأساسي للكلمة والمدلولات الثانوية التي تضاف إليها من جراء، كما يقول قيرو ما ينتج عنها من تداعيات فيكون لها مدلول حقيقي وآخر إيحائي، فالكلمتان تستدعيان:
أ- دلالة مركزية وهي الخروج عن المعتاد في مقابل المعتاد.
ب- دلالة سياقية وهي وظيفتهما عند المقارنة بين مفهوم للجودة الشعرية وآخر للرداءة الشعرية.
ج- دلالة شعرية سياقية وهي البحث عن سبب للتفضيل بين قيمة شعرية وقيمة شعرية أخرى.
وتظهر العلاقة بين هذه الصفات بتداعياتها في شكل مركبات دلالية مجاورة وجامعة، تسميها آن اينو المميزات أو المميزات الدلالية العنصرية التفاضلية، إذ لا يمكن لمعنى التعارض بين النادر والبارد أن يتشكل إلا من مجموع مدلولات أولاها التي تتماشى مع مدلولات ثانيها وبالتالي لا يمكن لمعنى التعارض بين الحار والبارد أن يتشكل إلا من نوع العلاقات التي تقدمها الحرارة والتي من شأنها تفريق المختلفات وجمع المتشاكلات متراشحة من نوع العلاقات التي تقدمها البرودة والتي من شأنها تفريق المتشاكلات وجمع المختلفات.
وتترجم هذه الثنائيات المتعارضة في مجموعها، مبدئياً عن ترتيب أسلوبي وتركيبي ودلالي ذي أبعاد جمالية وإيحائية، لأن كل واحدة منها تشكل بمفردها أو بتراشحها مع غيرها قاعدة حجة من عدمها وسبيل متعة من عدمها، وتبقى صفاتها قابلة للتحديد انطلاقاً فقط من العلاقة التي تجمع أوصافا لاحقة بحسن قديم حامل لصفات مخلدة، وهي علاقة يتم استيعاب تجلياتها من خلال معيار جمالي وأنموذج شعري قياسي يحتوي كل واحد منها على وجه فني ووجه جمالي يبيحان استمرارية انتشارها وتأثيرها، الأمر الذي يساعدنا على إدراك سبب أن المجتمعات مهما فكرت أو قررت، فالأثر الأدبي يتجاوزها ويخترقها، فمثل هذه الشواهد ستبصح ممارسة خالدة لا لأنها تفرض معنى وحيدا على قراء كثيرين وإنما لكونها توحي بمعان مختلفة لإنسان وحيد، يتكلم دائما اللغة الرمزية نفسها من خلال أزمنة متعددة، كما أنها تقترح على القارئ الواحد معاني متجددة في مختلف الأوقات.
تستدعي هذه الطرق في الوصف والمقارنة بين الثنائية الضدية الجودة والرداءة إدماجها في أنساق دلالية غير لفظية، وهي في نظر الثقافة الشفاهية والثقافة الكتابية على السواء نوع من المعرفة تكتسب كفايتها التواصلية من قدرتها على ترتيب الحدود المتناقضة، ويأتي إصرار الناقد على استدعائها لميله إلى الاعتقاد بأهمية تجنب الفروق المعرفية والذوقية بين القراء، مما يدفعه إلى تدعيم هذه المقارنات بأمثلة من محسوسات العالم المحيط بالإنسان بما يتناسب ومحدودية أفق تجريدي نظري يمكن إعادة تشكيله من ثلاثة أبعاد أساسية:
1- يمارس المقام في استثمار العلائق داخل منطق السؤال والجواب بين غايات الإحسان وغايات الإساءة سواء كانت علائق بلاغية أو علائق يتم اختيارها بناء على المعرفة الضمنية مرة والصريحة أخرى، ببعض الظواهر المدركة حسياً الدوال، من أجل استدعاء مقابلة الإشارة إلى الدلالة على ظواهر أخرى غير ملحوظة هنا والآن المدلولات، وقد بين تاريخ منطق السؤال والجواب أن الظواهر المدركة حسياً وأحكام القيمة المرتبطة بها بإمتداداتها داخل ثقافة البصيرة لا تتخذ شكلا ترابطيا اعتباطياً بل تتم في إطار بناء مركب يتداخل في إطارها عنصرا السنن المتوارثة والمقام متفاعلين بطريقة يصعب الفصل بينهما.
2 - عدت فكرة إدماج الأنساق الدلالية غير اللفظية في الموازنات الحضورية في الثقافة الشفاهية، سبيلاً يستند إليه ركنا المعادلة الإبداعية داخل الثقافة الكتابية وأن فهم ملابساتها المقامية وتحديد فعاليتها التواصلية تبين عنها استمرارية وظيفتها عند الاستناد إلى مرجعيتها وأنها متأصلة بدرجة كافية، بحيث لا تترك شكا في أن السامع / القارئ المثالي الذي كان يوظفها يعرف ليس فقط بعض الصلات التي تكشف وتقام بين نظامين بل أيضاً بوصفها ممارسة تكشف عن عدم انفصالها عن المعرفة المشتركة في علاقتها بمحيط شركاء التواصل الإبداعي، وانتمائهما الاجتماعي.
3- لم تكن الثقافة الشفاهية الثقافة الوحيدة التي لاحظت إمكانية تنظيم خبرتها الجمالية من خلال عملية الإدماج على نحو مباشر بين النصوص الشعرية والأنساق الدلالية الاجتماعية والطبيعية وتستند العلاقة بينهما والصفات المشتركة بينهما والمنسجمة مع نموذج المعرفة التي تتأسس انطلاقا من التجربة الحياتية المباشرة والعلاقة المباشرة مع عالم الطبيعة والمادة والإنسان إلى الاعتقاد المضمر في أن هناك وجوداً لسنن وصفي أساسي مطعم بأنواع سننيه صغرى اختيارية في الغالب يمكن اعتبارها كأنواع سننيه فرعية، والسنن وسلسلة الأنواع السننية الفرعية جزء لا يتجزأ من الممتلكات الفرعية للمبلغ، وتتحكم في هذه الأنواع السننية سلسلة من الشروط الخارج سيميوطيقية التي يمكن جمعها في فئتين عامتين هما مقام التواصل، ومجموع الممتلكات المعرفية ولما كانت سنن التواصل تشتمل على مورفولوجية غير لفظية مشتركة أباح هذا النوع من التواصل توظيف أنساق دلالية غير لفظية، تتضمن نسقاً من التواصل بنوعيه اللفظي وغير اللفظي يتوقف على مورفولوجية سلوكية مشتركة متوفرة فينا لأننا في الحقيقة ننتمي بصورة عامة إلى أنساق دلالية واحدة فإنها حاولت أن تشيد ترتيب صيغ المفاضلة الشعرية وتصنيفها باللجوء إلى الحقول خارج اللغوية المعروفة ويمكننا أن نسوق منها نمط تجسيد الاقتران الفني بين الحيز متعدد السطوح في القصور المشيدة وصلابتها والخيام الموتدة من جهة، وبين التنوع في المستويات الأسلوبية والتركيبية والدلالية للنصوص الشعرية وخلودها من جهة ثانية، ويقع تمثل هذه المقابلة من خلال تواشج جودة البناء ومتانته بكيفية متماثلة فهي توحي على عموم الملاحظات نفسها التي أبديت بصدد اختيارات شعرية توصف في كتاب عيار الشعر بالأشعار المحكمة المتقنة الأنيقة الألفاظ حكيمة المعاني عجيبة التأليف وأضدادها دون الخوض في طرائق استخدام إمكاناتها الأسلوبية والدلالية، ويظهر هذا المقترب في شكل وصف مجمل، ومسند إلى المسافة الواقعة بين اختيار يمثله شعر يصدئ الفهم ويورث الغم لا كما يجلو الهم ويشحذ الفهم، وآخر يمثله نوع من الشعر الصفو الذي لا كدر فيه.
وبمعنى أدق فإن ابن طباطبا يوظف أوصاف البدائع والمعاني اللطيفة الدقيقة لتشخيص علاقة متينة مع بلاغة نقد من وجهة نظر اختيار يعتقد في توافره على عناصر صوتية ومعجمية وتركيبية تُحبب روايتها والتكثر لحفظها، ويلعب إدراك القارئ دورا فعالا فيما يخص نفي ضد هذه من الأشعار المستكرهة الألفاظ القلقة القوافي الرديئة النسج، وذلك يحدث حينما يتم الارتفاع بذائقة المتلقي إلى مستوى الخبرة بالشعرية التراثية، ولتجنب ضعف الأدوات الإجرائية وافتقادها لقاعدة نظرية واضحة فضل الاستعانة بالقصور المشيدة والخيام الموتدة لتكون قاعدة للعبور من ثقافة شعرية منتظمة في بنية ذوقية متعالية إلى ثقافة مسندة إلى أنظمة دلالية أخرى حسية وعيانية غير لغوية يمكن اختزالها في عناصر جدولية يتم كشفها تجريبياً.
تجد ثنائية الجودة والرداء نفسها مبنية على ثنائية القصور المشيدة والخيام الموتدة دون أن تكون الخبرة بالأشعار التفصيلية من أجل ذلك قابلة للاختزال في طريقة عيانية ومادية للاستدلال على قوة القصور المشيدة وصلابتها، وهشاشتها في حال الخيام الموتدة، وحتى على افتراض ملاءمة مثل هذه المشابهة، يبقى على ابن طباطبا إثبات أن المقولات المكونة للمقابلة الجمالية بين الثنائيتين قابلة لأن تلعب دورا في بنية حكم قيمة جمالي مسند إلى قياس مشابهة يمكن إحالته إلى شيء يمكن معاينة من طريق التجربة الحسية كيفية حفاظه على بقائه مدة زمنية طويلة أو قصيرة مما يساعد القارئ على التعرف على النصوص الشعرية الرفيعة والنصوص الشعرية الواهية من طريق آليات قياس موازية تبيح الاعتقاد في شهرة أولاهما واستمرارية تداولها، وخساسة ثانيتهما وضعف تداولها وعدم وجود من يقبلها غير قائلها، وعلى قياس هذا أيضاً فإن ابن طباطبا يريد أن يخرج بالمقارنة بين أسلوبين في الشعر أحدهما رفيع والآخر من إطار طبقات الكلام الثلاث: جيدة، ومتوسطة، ورديئة التي يحصر المعرفة بها تمييز بين ذوق شعري رفيع وذوق شعري مبتذل إلى مجال من المقارنة يتسع بهذه الصلة من خلال دليل مادي محسوس يفقه من طريق التجربة والمعايشة، وتكون قيمتها بوصفها قاعدة لكل فهم يمكن البرهنة عليه من خلال فكرة التجسيم لتشخيص درجة جودة النص أو رداءته.