يسلم حازم بداية بانحصار عملية إبداع القصيدة من تكون فكرة إلى آخر مراحل التنقيح في أربعة مواطن هي:
١- موطن قبل الشروع في النظم.
٢- وموطن في حال الشروع.
۳ - وموطن عند الفراغ يبحث فيه عما هو راجع إلى النظم.
٤- وموطن بعد ذلك متراخ عن زمان القول، يبحث فيه عن معان خارجة عما وقع في النظم لتكمل بها المعاني الواقعة في النظم وتستوفى بها أركان الأغراض ويكمل التئام القصائد.
فأما الموطن الأول فالغناء فيه القدرة التخيل، والموطن الثاني الغناء فيه للقوة الناظمة ويعينها حفظ اللغة وحسن التصرف والموطن الثالث الغناء فيه للقوة الملاحظة كل نحو من الأنحاء التي يمكن أن يتغير الكلام إليها ويعينها حفظ اللغة أيضاً وجودة التصرف والبصيرة بطرائق اعتبار بعض الألفاظ والمعاني من بعض والموطن الرابع الغناء للقوة المستقصية الملتفتة، ويعينها حفظ المعاني والتواريخ وضروب المعارف.
هذه القوى النفسية تتداخل وتتعاضد بشكل آخر، إذ إن اكتمال القول الشعري لا يكون على الوجه المختار كما يرى حازم إلا بأن تكون له قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة، وتبعاً لمراحل التلاحق في مستويات القصيدة من مستوى التصور الكلي لكيانها ثم التحكم في مستوياتها المعنوية واللفظية إلى حد اكتمالها كائناً يكون لكل مرحلة من هذه المراحل قوة خاصة تتولى إنجاز ما علق بها من وظيفة ويظهر إذ ذاك تمايز القوى التي يفصل بين فعاليتها نوع ما أنيط بها من مرحلة في تكوين القصيدة، وأمر هذه القوى العشر، لا يهمنا تدقيقا وإنما يكفي الإشارة إلى أنها تتتابع بدءا من القوة على التشبيه فيما لا يصدر عن قريحة بما يصدر عنها، والقدرة على تصور كليات الشعر والمقاصد الواقعة فيها، والقوة على تصور صورة للقصيدة كاملة والقوة على تخيل المعاني واجتلابها من جميع الجهات وكذا ملاحظة الوجوه التي بها يقع التناسب بين المعاني ثم التهدي إلى العبارات الحسنة الوضع والتأليف والدلالة على تلك المعاني وهكذا إلى القدرة على استخلاص الوزن وتحسين وصل بعض الفصول ببعض وكذا الأبيات وتمييز الكلام بالنظر إلى حسنه والموضع الموقع فيه ولا جدال في أن مثل ذلك التقسيم يقوم على افتراض مؤداه أن العملية الإبداعية تتم على درجات متفاوتة ومراحل متباينة تخضع في كل منها لقوة نفسية أو ملكة متاميزة عن غيرها، وهذا ما يصعب قبوله لأننا أميل إلى أن نفهم فاعلية العملية الإبداعية باعتبارها وحدة متكاملة لا تتجزأ إلى عناصر، أو مراحل متباينة أو متعاقبة.
غير أن ما يهمنا في موضوعنا هو كيفية تصور حازم عملية تتابع المعنى واللفظ في الصياغة بحسب ما حددناه سابقا من مستويات وخطوط تميز بين حقول التقصي والرصد إذ بموجب إقراره بانفصال القوى الصانعة للقصيدة وتميز كل مرحلة بخاصية الانفصال عن السابقة واللاحقة، وكونها إفرازا نوعيا لقوة معينة، يترتب ضبطه العلاقات التي يمكن أن تشكل لحمة المعنى واللفظ، وكذا الأسلوب والنظم مع الإقرار بولادتها المتتابعة، فهل هذا الانفصال الذي أكده تحرك حازم في حدود تصور الفلاسفة لقوى النفس يطول تصور القصيدة في كل مستوى من مستوياتها أم أن حازما استطاع أن يلحم المستويات المعنوية واللفظية خصوصا في بعض مواقف التحليل والتدقيق.
نحاول الاقتراب من الإجابة بداية بتثبيت هذا النص الطويل الذي يتعقب فيه حازم ولادة القصيدة ليتأكد لنا عقبه رؤيته لعلاقات مستوياتها المختلفة يقول: إن للمتخيلين في التخييلات التي يحتاجون إليها في صناعتهم أحوالاً ثمانية، لكل واحدة منها في زمان مزاولة النظم مرتبة لا تتعداها؛
الحال الأولى: يتخيل فيها الشاعر مقاصد غرضه الكلية التي يريد إيرادها في نظمه أو إيرد أكثرها.
الحال الثانية: أن يتخيل لتلك المقاصد طريقة وأسلوباً أو أساليب متجانسة أو متخالفة ينحو بالمعاني نحوها ويستمر بها على ما هي عليها.
الحال الثالثة: أن يتخيل ترتيب المعاني في تلك الأساليب، ومن أهم هذه التخييلات موضع التخلص والاستطراد.
الحال الرابعة: أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها ليعلم ما يوجد في تلك العبارات، من الكلم التي تتوازن وتتماثل مقاطعها ما يصلح أن يبنى الروي عليه، وفي هذه الحال أيضا يجب أن يلاحظ ما يحق أن يجعل مبدأ ومفتتحا للكلام، وربما لحظ في هذه الحال موضع التخلص والاستطراد، فهذه أربعة أحوال في التخاييل الكلية.
الحال الخامسة: وهي أول حال من التخاييل الجزئية، أن يشرع الشاعر في تخيل المعاني معنى معنى بحسب غرض الشعر.
الحال السادسة: أن يتخيل ما يكون زينة للمعنى وتكميلاً له، وذلك يكون بتخيل أمور ترجع إلى المعنى من جهة حسن الوضع والاقترانات والنسب الواقعة بين بعض أجزاء المعنى، وبأشياء خارجة عنه مما يقترن به ويكون عونا له على تحصيل المعنى المقصود به.
الحال السابعة: أن يتخيل لما يريد أن يضمنه في كل مقدار من الوزن الذي قصد، عبارة توافق نقل الحركات والسكنات فيها ما يجب في ذلك الوزن في العدد والترتيب بعد أن يخيل في تلك العبارات ما يكون محسنا لموقعها من النفوس.
الحال الثامنة: أن يتخيل في الموضع الذي تقصر فيه عبارة المعنى عن الاستيلاء على جملة المقدار المقفى معنى يليق أن يكون ملحقا بذلك المعنى وتكون عبارة المعنى الملحق طبقا لسد التلمة التي لم يكن لعبارة الملحق به وفاء بها.
وتقسيم حازم التخييلات التي يحتاجها الشعراء في صناعتهم إلى قسمين كبيرين يحتوي كل قسم على أربعة احوال حيث يتمحور القسمان الكبيران في ما أسماه التخاييل الكلية، والتخاييل الجزئية، انعكاس لمنظوره المزدوج إلى القصيدة كاملة وإلى عناصرها الجزئية المتشكلة منها التي هي المعاني في مستواها الجزئي، وهذا المنظور هو الذي تحكم في توزيع مادة الكتاب نفسها فإذ يتوافق القسمان الأولان وهما بحث الألفاظ والمعاني مع قسم التخاييل الجزئية يكون انسجام القسمين الثالث والرابع من الكتاب المرصودين لبحث النظم والأسلوب مع قسم التخييلات الكلية هذا من جهة ومن جهة أخرى يكشف هذا التقسيم عن حدود البحث في كل مستوى وطبيعة الصلة بين المستويين حيث يتوافق قسم التخاييل الجزئية مع رصد معاني الجهات في مستواها الجزئي، وضبط هيئات العبارة في حدود اللفظ وكذا التأليف الذي لا يتعدى الجملة أو الجمل المتعاضدة في حدود ضيقة تماماً كرصده هنا مستوى التحسينات العالقة بالمعاني المتأتية من الاقترانات والنسب الواقعة بين بعضها بعض.
ولن يكون البحث في التخاييل الكلية إلا تضخيما للمستوى السالف، ذلك أنها ستكون محور تصور مقاصد الأغراض الكلية وانتقاء الأسلوب الملائم للمعاني المتخيرة ليتسنى تهيئة الانتقال بين بعضها بعض، وكذا رصد المستوى اللفظي الذي يعلق به تضام الفصول واستخلاص المبادئ والتخلص والمقاطع مع انسجام الأصوات في تناغم موسيقي يشكل انتظامه وزن القصيدة.
ويكشف مستويا النظر هنا تصور حازم القصيدة في شكل تكرار المعاني جزئية، وتضخيم لدوائر منتهية مكتملة، تعاضدت هيئاتها المعنوية واللفظية في نسب وتحسينات منسجمة ليؤدي تراكمها وتتاليها إلى تكوين القصيدة من هنا يباح تعدد معاني الجهات وكذا تنوع فصول الأغراض فاختلاف الأغراض في ما يسميه حازم بالقصيدة المركبة التي هي أفضل من القصيدة البسيطة.
فتصور حازم لمادة كتابه ولفصول البحث في كل موضع من مواضعه دقيق يتوافق مع ضبطه كيان القصيدة لذلك ينتظم مراحل وضع القصيدة الخيط الناظم لعلاقات المعاني والألفاظ والأسلوب والنظم فصلة المعنى باللفظ في مراحل وضع القصيدة وكذلك صلة النظم بالأسلوب تكثيف لصلة هذه العناصر في وجودها الفاعل في كيان القصيدة المكتمل، وهاتان صورتان متطابقتان، وإن أباح التقصي في كل مستوى عند تحليله على حدة تدقيق البحث في مسائله فرادي وجماعات.
وتتحقق صلة المعنى باللفظ في قوله السالف أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها، وهذه مرحلة لاحقة لمرحلة تضبط فيها المعاني وفق الأسلوب المنتقى، وإذا كانت هذه الكيفية لا تزيح إمكان تصور تمييز بين المعاني والألفاظ فإن حازما استطاع في بعض مراحل البحث أن يحدث بينهما التلاحم التام خاصة عندما يوظف النحو، أما في قوله السالف فإن في تأكيده تخيل المعاني المتصورة بداية في عبارات وألفاظ لائقة ما قد يخفف من غلواء التمييز خاصة أن من هذه الألفاظ المنتقاة يتحدد الوزن والقافية ويتأكد ذلك في قوله في موضع آخر إذ يرى أنه حقيق على الشاعر إذا قصد الروية أن يحصر مقصده في خياله وذهنه والمعاني التي هي عمدة له بالنسبة إلى غرضه ومقصده، ويتخيلها تتبعا بالفكر في عبارات بدد ثم يلحظ ما وقع في جميع تلك العبارات أو أكثرها طرفاً أو مهيئا لأن يصير طرفا من الكلم المتماثلة المقاطع الصالحة لأن تقع في بناء قافية واحدة، ثم يضع الوزن والروي بحسبها لتكون قوافيه متمكنة تابعة للمعاني لا متبوعة لها.
وعلى كل تبدو أصالة حازم الحقيقية في تحليله للقوى الإبداعية وبحثه في الانتقالات الخاطرية التي تتكون منها القصيدة، وكتابه من هذه الناحية ثمرة ناضجة للاتجاه النفسي الذي نحا نحوه النقد العربي بتأثير علم الكلام، وهذا بقدر ما يؤكد استفادته من أعمال المتكلمين في نقده وبلاغته بقدر ما يكشف عن التكامل الدقيق بين مستويات البحث في نقد القرطاجني، وإن إلحاحه على العقل وضرورة حضوره الطاغي في صناعة القصيدة إذ يكاد يكون وضعها فعلا واعيا ليس إلا انعكاسا للاعتماد الكلي عليه في ضبط المنهاج ومكانة العقل في أعمال عبد القاهر راسخة.
فعلى الرغم من أن حازما يرى أن خير الشعر ما صدر عن فكر ولع بالفن والغرض الذي القول فيه فإنه يعقب إثر قوله السالف بأنه قد توجد لبعض النفوس قوة تتشبه بها في ما جرت فيه من نسيب وغير ذلك على غير السجية بما جرى فيه على السجية من ذلك، فلا تكاد تفرق بينهما النفوس ولا يماز المطبوع فيها من المتطبع، وتتنوع درجة هذه القوة من شاعر إلى آخر في مستويات مختلفة لا يهمنا أمرها في موضوعنا، ولكن في الإمكان كسب مهارة القول الشعري وترسيخ مفهوم الصنعة وآلية التأليف فإذا كان للأفكار تفاوت في تصرفها في ضروب المعاني وضروب تركيبها فإنه يتقوى على ذلك بالطبع الفائق والفكر النافذ الناقد الرائق، وبالمعرفة بجميع ما يحتاج إلى معرفته في هذه الصناعة من حفظ الكلام والقوانين البلاغية، ويتعاضد هذا المنظور مع طرائق اقتباس المعاني واستثارتها المؤسسة على الخيال وبحث الفكرة وعلى الاعتماد على ما سلف من نظم أو نثر وغيرهما، وذلك كله محكوم بتصور لذاكرة تحفظ ما أدرك في شكل انتظام العقد الذي يسعف الشاعر عند مزاولة النظم المتوزع كما أشرنا في قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة.
ولكن الذي يعنينا في موضوع بحثنا هو صلة المعاني بالألفاظ في مستوى العبارة، وفي مستوى القصيدة كاملة إذ يستحيلان أسلوباً ونظما انسجاما مع مرحلتي التخاييل الجزئية، والتخاييل الكلية.
من هنا سيوزع حازم بحثه اللفظ والمعنى في مستوى أول عندما يرصد علائق الألفاظ والمعاني في مستوى معانى جهة واحدة حيث لا يكاد البحث يتجاوز حدود العبارة، وفي مستوى كلي عندما يبحث تفاعل المعاني مع المعاني في الهيئة المؤلفة لها، والنظام الشامل للقصيدة في ما أسماه النظم ويكشف هذا التوزيع عن الكيفيات التي استقام بها لحازم تحديد موقفه من المعاني والألفاظ.