لم يكن مفهوم اقتران الإبداع بتلطيف المعاني مفهوماً قاصراً على الشعرية التراثية وحدها فهم يوسعون آفاقه ليشمل مفاهيمهم عن الزيادة والافتنان كمقابل لتجلياتها في أشعار المولدين، ولا يمكن تمثل حدهما، إلا إذا ملك الشاعر كفاءة الجمع بين فصاحة المتقدم وحلاوة المتأخر، وأثر هذا التلطيف يكون ملحوظاً جداً حينما تتعلق العلاقة التناصية بالفروق الأساسية بين مفهوم للسرقة كافتراض غير معلن بطريقة واضحة وبدرجة لا تبتعد كثيراً عن المستوى الحرفي، وبين مفهوم للإيحاء يستدعي كفاية معرفية وذوقية وفطنة من قارئ كي يستطيع أن يقيم علاقة بين نص لاحق ونص سابق، والكل يعرف أهمية التمييز بين درجات التحويل الذي يتقلب بين حالة تذكير أحياناً، وحالة تلميح أخرى، وينقلب إلى سلفة واستعارة لوحدة نصية مجردة أو عدة وحدات عن سياقها مرة ثالثة، أو يعمد تحويل معنى أو موضوع في صورة استلهام، وهي أهمية لم تكن بخافية عن إدراك الناقد القديم فمن خلالها فقط يشتد ساعد الشاعر ويبعد مرماه فلا يقع دون الغرض وعسى أن يكون أرشق سهاماً، واحسن موقعاً ممن لو عول عليه من المحدثين لقصر عنه ووقع دونه إن التجربة التي يوفرها الإحساس بزيادة الشاعر في القول وافتنانه فيه، لا يمكن الحصول عليها خارج كفاية تأمل طريقة في تناول المعنى الواحد فكساه الشاعر المتأخر بلفظ رشيق أحسست في نفسك عنده هزة، ووجدت طربة تعلم لها أنه أنفرد بفضيلة لم ينازع فيها.
وأن أكثر المقايسات من هذا النوع تقر بالخاصية الإبداعية النوعية والمتغيرة لقدرات الشعراء على الخلق والاختراع والتجاوز ضمن تشبيهات مجردة سابقة يزيد إفرادها بالتخصيص زيادة التكيف مع بنيات نصية سابقة يحتكم في تفضيلها إلى قدرة متعالية في إعادة إنتاج المقول على ضوء قول أبدع مما قيل، ووظف حجة للتميز الشعري مسند ابتداء إلى صفتين لاصقتين بشعر امرئ القيس هما سبق الابتداع واستحسان هذا الابتداع، وإذا تقدم القارئ المتأمل خطوة في فهم سبل تقاطع الشعرية التراثية تناص شعرية امرئ القيس وشروط سبقه واستحسانه أو الاعتراف بفضله، فإن تقدمه هذا يسهل عليه قاعدة اختيار وابتكار تحاول أن تفعل هذين الزوجين من الشروط متداخلين متفاعلين انطلاقاً من حدود بلاغة شعر تراثي لا يجب أن يبتعد عنها الشاعر اللاحق كي يظل شعره جيداً ومؤثراً.
وإذا كنا نريد فهم مكانة الاقتدار على قول الشعر وأنه اقتدار غير مرتبط بزمان أو مكان محددين يتحتم علينا أن تداخل وتواشج بين مصطلحي الإتباع والأخذ، وبين مصطلحي الاختراع والتوليد وبغض النظر عن الفروق الدلالية التي قد تنجر عن هذا التواجد فإنه يمكن أن نلاحظ بعض الشبه العام في جميع الحالات التي كان يعتبر فيها الناقد العربي العمل الشعري موطن لقاء مع التجربة الشعرية المتزامنة أو السابقة، وأنها كما قالت كريستيفا امتصاص لنصوص كثيرة أخرى، وهي في مجموعها تحاول أن تستكنه نسب الامتصاص ونوعيتة انطلاقاً من تمييز مصاحب يعتقد في علاقة لها بتسعة أنواع أخرى من المصطلحات المؤدية عن مكوناته ووظائفه وهي: التخير، التداول الألفة، الأسباب الدائرة بين الناس، الابتكار، الأسباب المستحدثة، البراعة، اللطافة، العجب، والحديث عن التفاوت أمر ممكن عندما يتعلق الأمر بخصائص أسلوبية متجاوزة أو بالية وخصائص أسلوبية مبتكرة فإذا برع اللفظ في المعاني المبتكرة كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول.
ويعنينا من مجموع هذه المصطلحات أن نتعرف على نسقي التوليد والاختراع في الشعر، وكيفية إسنادهما إلى بنية الشواهد الشعرية في الشعرية العربية القديمة، وأن كل عنصر من عناصر الشاهد الشعري سواء كان ذلك شاهداً قديماً أو غير قديم في مقدوره أن يثير استجابة نوعية شرط انفراده بلفظة تستعذب، أو ترتيب يستحسن، أو تأكيد يوضع موضعه، أو زيادة اهتدى إليها دون غيره، فريك المشترك المبتذل في صورة المبتدع المخترع، وأن نكشف ثانية القراءة كبناء في استخراج المعنى في السياق الشعري وليس خارجه، وكيفية تفسيرها للفرضيات الخاصة بالسبق والزمن وتشخيص مظاهر الخصوصية التركيبية والدلالية.
يحيل مصطلح التوليد في الشعرية العربية القديمة إلى طريقة في النظم والتأليف يستخرج فيها الشاعر معنى من معنى شاعر تقدمه، أو يزيد فيه زيادة، وكل ما يتحقق على مستوى هذه الزيادة يلزمه كفاية عدم إشراك الشاهد اللاحق الشاهد السابق في شيء من لفظه فالشاعر يحيل على المعنى كما يتخيله ويرسمه ويتصوره الشاعر الأول، ومركزه الاقتداء الذي ليس بسرقة لأن المعنى المولد هنا لا ينحو نحو الأصل إلا في المحصول، وهو لطف الوصول إلى حاجته في خفيه، وتهتم القراءة التي تقتفي أثره بما تثيره جودة صنعته فأما إذا قصر عنه فإنه معيب بالسرقة ومذموم في التقصير، وهذه الحاجة إلى الخفاء هي التي تسمح بقياس قدرة التوليد في تحقيق درجة من المسافة الجمالية وأنه المعادل الضروري للغة الشعرية، ففي داخل مستوى الغرض ومستوى المعنى هو اللفظ الذي يمكن أن نعتبره رديف القول الشعرية النص يمكن تعيين مفهوم المعنى إنما يحسن بالكسوة على نحو ينسجم وفحوى جواب الشعبي عندما سئل إننا إذا سمعنا الحديث منك نسمعه بخلاف ما نسمعه من غيرك فقال: إني أجده خالي من الملابس فأكسوه من غير أن أزيد فيه حرفاً، أي من غير أن أزيد في معناه شيئا.
فإذا كان الحديث نفسه بأخذ على مستوى المعنى معنى سابقاً فقد أمكن أن تكون صياغته سبباً في الاعتقاد بتفاوت في اللفظة، فاللفظ هو مرجع الأدبية مثل السياق يتسع ليشمل كل صنعة دلالية أو صوتية قائمة على العدول أو التوازي، أو التوازن والجرس، ومن شأنها أن تؤدي إلى تفاوت مركبين في مستوى الأدبية، ويمكن تبيان درجتها في التقليد المتبع للأخذ، وأنه كان يتجه شيئاً فشيئاً صوب استجابة جمالية في حدود إبداعية محددة تختلف من شاعر إلى شاعر، ذكر الأصفهاني أن بشار بن برد حدد طريقته ومذهبه في قوله:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته - وفاز بالطيبات الفاتك اللهج.
وقد غضب غضباً شديداً على تلميذه مسلم الخاسر لأنه أخذ معناه في قوله:
من راقب الناس مات عما - وفاز باللذة الجسور.
ولم يقبل شفاعة المتشفعين لسلم، ولم يستجب لرجاء الراجين وقال لسلم: أفتأخذ معاني التي عنيت فيها، وتعبت في استنباطها، فتكسوها ألفاظاً أحف من ألفاظي، حتى يروى ما تقول، ويذهب شعري لا أرضى عنك أبداً، إن المعنى الحاضر في بيت سلم الخاسر يدرك أولاً كمعنى متداول، ثم تقوم خفة شكل التعبير دليلاً على درجة الأخذ ونوعيته، ومن حقنا في هذه الحالة أن نعتقد أن شركاء منطق السؤال والجواب كانوا على وعي أنه من الوهم الاعتقاد أن للأثر وجود مستقل، ذلك أن الأثر أي أثر يبرز ضمن كون أدبي تغمره النصوص السابقة له، وهناك بالذات يتجلى اندماجه لأن كل أثر فني يقيم علاقات متشعبة مع الآثار الفنية السابقة له، والتي تمثل حسب العصور مراتب ودرجات مختلفة.
ونلمس التأكيد على شعرية الشاهد التي تقف وراء كل حديث عن التوليد حين يتم الانتقال إلى الحديث عن لعبة الاختراع والتوليد، أو الاختراع والإبداع متداخلين متفاعلين داخل النص المنتج إن الشيء الأساس في الشعرية التراثية حسب هذه اللعبة، هو لحظات الاختراع والتوليد الأصيلة، وفيها يتم القول بالسبق لشعرية امرئ القيس في مقابل الشعريات المتزامنة واللاحقة فقد وصفه ابن رشيق بأنه أول الناس اختراعاً في الشعر، وأكثرهم توليداً، وهو وصف يؤسس للنص الشعري النواة، وهو تأسيس يتعلق بميزة السبق للأوائل في سبل الاختراع والابتداء والطبع والاكتفاء، وهنا تتم العناية ضرورة بسبق دلالي له خصوصيته في تاريخ الشعرية العربية القديمة ففي قوله:
سموت إليها بعد ما نام أهلها - سمو حباب الماء حالاً على حال.
لم يسبق إليه قائله ولا عمل أحد من الشعراء فيه نظيره، أو ما يقرب منه، وأنه أول من طرق هذا المعنى وابتكره، وسلم الشعراء إليه فلم ينازعه أحد، ويكشف مثال امرئ القيس عن هدم كل ما يقف فاصلا بينه وبين فرادته وتميزه بالمقارنة مع شواهده وشوهد غيره من الشعراء المتزامنين معه والشعراء الذين أتوا بعده، ومن ثم فإن لعبة الاختراع والتوليد تضع شاهده في منتصف التمييز الواقع حسب جين ريكاردو بين التناص العام والعلاقات التناصية بين نصوص لكتاب مختلفين والتناص المقيد والعلاقات بين نصوص الكاتب نفسه، ويتم التأكيد على مركزية خلق المعاني التي لم يسبق إليها، وتسهيل الشاعر طريق المعنى في البيت الشعري وتليينه حتى يبرزه المعنى الذي كان قد ظهر في عمل امرئ القيس والذي كان يميز شعرية هذا الشعر ليكون سبيل رصد بلاغة نقد شيوع قضية التوليد الدلالي في علاقته بالشعرية الحداثية.
وفي دراستها لهذا الشعر حاولت إعادة فحص الاختراع الدلالي المرتبط بشعر أبي تمام، وقد أحيط هذا الفحص بممارسة تدرك بالضبط في إطار علاقتها بلغة امرئ القيس الشعرية وليس في علاقتها باللغة الشعرية الحداثية، وأن الخصوصية الرئيسة للتوليد الدلالي تكمن في رصد نوع من التشرب يحاول إدراك سبب شيوع ظاهرة الاختراع في شعر أبي تمام دون أن تتوسع في الظاهرة أو تعللها على الرغم من أنه ليس أحد من الشعراء أعزك الله، ويعمل المعاني ويخترعها أكثر من أبي تمام ومتى أخذ معنى زاد عليه، ووشحه ببديعه، وتمم معناه فكان أحق به.
إن الرغبة الأولية لبلاغة نقد في استخلاص هذا التوليد الدلالي أو ذاك، وإقامة تصانيف له اعتماداً على شواهد شعرية كثيرة تم اختيارها بعناية فائقة قد حلت محلها أوصاف عمومية تحيل على تمجيد اختراعات امرئ القيس، والاكتفاء بإسقاط أحكام قيمة عامة وجدت تجلياتها في شواهد شعرية حداثية مولدة ومخترعة لازالت الشعراء تحدثها إلى عصر ابن رشيق و تولد غير أن ذلك قليل في هذا الوقت، وتصطدمها هنا بلاغة نقد بتقاليد الشعر الموروثة، فهي تحتفظ لها في حديث عن باب الابتداع للمعاني، وبقائه مفتوح إلى يوم القيامة بسلطة شكلية ومضمونية فائقة القوة، والدرجة أننا نجدهم ينسبون ميزة طرق المعنى وابتكاره للشاهد السابق، ويدخلون النوع الثاني من الشواهد ضمن إطار استرجاعي تذكري محض مرة وتلميحي أخرى ويمنحه الشاعر تحققه التام والنهائي من خلال عملية تحويل وتشرب تتمكن من الاقتراب من المعنى المألوف من طريق سمات التوليد.