التناص في ضوء معنى المعني يسمح تناول لعبة الأخذ والتوليد والاختراع من هذه الزاوية إمكانية قياس المسافة الجمالية داخل فكرة التناص انطلاقاً من آلية في التوسع في المعنى، وإذا اعتبرنا مقولتي خيره أصدقه وأجود الشعر أكذبه مقولتين لصيقتن بفكرة التناص فإننا بهذه الطريقة يمكن أن نمنح للتفرقة بين المعنى العقلي والمعنى التخييلي دورا في الإمساك بمعنى نص بالعودة إلى معان مرجعية سابقة، وسنبدأ في حصر أوجه هذه التفرقة في عمومية ما أثر عن الأصمعي قوله شعر حسان في الجاهلية من أجود الشعر فقطع متنه في الإسلام، وقوله معللاً هذا الضعف طريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لأنها ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره في باب الخير من مراثي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة وجعفر وغيرهم، لأن شعره وطريق الشعر هو طريق شعر الشعراء مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء، وصفة الخيل والافتخار.
أعطى الأصمعي ثنائية الجودة والليونة قاعدة تمثيل أنموذج الفروق التي من أجلها وقعت القسمة على القوة والليونة، وقد حاول الخليل بن أحمد تعليلها بأن جعل الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أن شافوه، ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تصريف اللفظ وتعقيده ومد المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلت الألسن عن رصفه ونعته، والأذهان عن فهمه وإيضاحه فيقربون البعيد، ويبعدون القريب، ويحتج بهم ولا يحتج عليهم، ويصورون الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل، وإذا كانت مصادر أخرى قد نقلت هذا النص محذوف منه قضية الحق والباطل، فإنه مع ذلك بقى يحتفظ بنوعية من التواصل أقامه القارئ مع القصيدة الشعرية الجاهلية بتراكماتها الفنية والجمالية، إذا تحتفظ عملية التنظير بقدر من الإجازات التي تحق للشاعر ولا تحق للناثر.
تفترض الشعرية التراثية إمكانية أن ينحو الشاعر منحى أكثر خيالية وطرافة عند استرجاع التجارب المشتركة من طريق ثنائية الواقع والخيال التي تفترض بشكل مسبق نظام من المعاني متوافق عليه داخل العرف ومشروط بحسن الوصف والجمالية، إذا وجودته فالشاعر ليس يوصف بأن يكون صادقاً، وإنما يراد منه إذا أخذ في معنى من المعاني كائنا ما كان أن يجيده في وقته الحاضر لا أن ينسخ ما قاله في وقت سابق.
ترتبط ثنائية الصدق والكذب عند الأمدي ارتباطاً وثيقاً بقاعدة فضائل الكلام وهي تعتمد حسب ما نقله عن بزر جمهور في المحل الأول على خمسه إن نقصت منها فضيلة واحدة سقط فضل سائرها وهي أن يكون الكلام صدقاً وأن يوقع موقع الانتفاع به وأن يتكلم به في حينه وأن يحسن تأليفه وأن يستعمل منه مقدار الحاجة، وان جميع الصفات التي يخصها بزرجمهر بالتفضيل هي صفات مرغوب فيها لدى المستقبل، وهي في مقابل هذا مرفوضة إذا كانت بالضد من ذلك، والشيء الجوهري هنا هو طريقة في استرجاعها وهي على مستوى المعاني العقلية أو معاني النثر، لا مجرد المعرفة بها، بل القدرة على تمثلها كاملة غير منقوصة، بينما هي فضائل بعضها فقط دليل في الشعر.
وقد أتاحت قاعدة الحاجة ومراعاة المقام في حديث بزر جمهور عن النثر إمكانية اقتراب الآمدي أكثر من ثنائية المعنى العقلي والمعنى النخييلي، وبصفة خاصة من المعنى التخييلي في الشعر، وإن لازمة الحاجة في الشعر تنشأ عن عملية فرز واعي بين مذهب في تجاوز الصدق الواقعي عن بصيرة لأن الشاعر لا يطالب بأن يكون قوله صادقاً، ولا أن يوقعه موقع الانتفاع به، لأنه قد يقصد إلى أن يوقعه موقع الضرر، وأن يجعل له وقتاً دون وقت، وبين مذهب يقع التشديد بوساطته على مفهوم للاعتدال وعدم مجاوزة المقدار، ويتم التكيف مع هذه المفهوم عبر الدفاع عن حكم قيمة يرتبط بدرجة من حسن تأليف الشعر لا يزيد فيه الشاعر على قدر حاجته ويتجه عمق هذا القدر إلى جميع صور التناص التي تختص كل واحدة منها بقاعدة إبداعية عرفية لها مجالها وحدودها في انتخاب قواعد التوليد والاختراع، ويسند التخييل إلى درجة وسطى بين الصدق واللاصدق تبعاً لنهجه في ضرورة أن يحل شكل القصيدة الشعرية التراثية ومضمونها محل مطالبة الشاعر أن يكون قوله صادقاً أو أن يوقعه موقع الانتفاع به وتحتكم طرق التناص إلى بنية الغرض بصفة عامة، وهذه البنية في ذاتها ليست سوى مظهر السمات جمالية، يتم تقييدها من طريق:
1. الاحتكام إلى مضامين غرضية قبلية، لأنها تخضع لمبدأ تنظيم تاريخي يقر ضرورة أن هناك شعراً هو خير كله، وذلك ما كان في باب الزهد والمواعظ الحسنة، والمثل العائد على من تمثل به بالخير وما أشبه ذلك وشعر هو ظرف كله، وذلك القول في الأوصاف والنعوت والتشبيه وما يفتن به من المعاني والآداب، وشعر هو شر كله وذلك هو الهجاء وما تسرع به الشاعر إلى أعراض الناس، وشعر يكتسب به وذلك أن يحمل إلى سوق ما ينفق فيها.
2. تلعب الصور البلاغية دور مهم في تأويل مقولة أحسن الشعر أكذبه، وتستند هذه المقولة إلى واسطة ما يلي
أ. نظام دلالي يستوعب علاقة الوصف بالموصوف وهو استيعاب يجب أن يمتد قيما يأتيه إلى أعلى الرتبة.
ب. نمط من العدول الأسلوبي يمكن أن نصادفه فيما ظهرت قوته في الصياغة وتمهره في الصناعة واتسعت مخارجه وموالجه.
ج. علاقات متداخلة من التجربة تحتويها سمات جمالية، يتصرف من خلالها الشاعر كيف ما شاء لأن العمل عنده على المبالغة والتمثيل للمصادقة والتحقيق، وعلى هذا أكثر العلماء بالشعر والقائلين له.
إذا كان أول شيء يميز الشعر هو تمثله لتحدي المبالغة والتمثيل فإن ثاني مميزاته هو انتصاره في النواحي القيمة الجمالية على حساب أهمية قيمة متعلقة بحدود مجردات كبرى مثل الفضائل والرذائل ويجد هذا الانتصار مجال تحققه عند عبدالقاهر الجرجاني عبر مقاربة منهجية، وضمن شروط نظمية محددة بدقة تعي التمايز بين خطاب يراد به خير الشعر أكذبه، وبين خطاب يراد به خيره أصدقه، عنهما يقع خطاب ناصر الإغراق والتخييل الخارج إلى أن يكون الخبر على خلاف المخبر، وقد انصب اهتمام عبد القاهر على أوجه الاختلاف بين النوعين الأولين والعلاقات التي يقيمها كل واحد منهما بشواهد شعرية ونصوص مأخوذة من آثار السلف، واستبعد ثالثهم لاستناده إلى بسط من الدعوى فادعي ما لا يصح دعواه، وأثبت ما ينفيه العقل ويأباه.
وقد أدت صياغة القضية بهذه الكيفية إلى جعلها تستوعب الجدل الدائر بين الخصائص النوعية للشعر وأخرى غير نوعية، وبالفعل بالإمكان دائماً تناول نص ما من زاوية المعني العقلي أي من جانب خصائص مضمونية يفترض أنها دينية أخلاقية لا يزال العقلاء يقضون بصحته ويرى العارفون بالسياسة الأخذ بسنته وبأوامر الله سبحانه وتعالى والأحكام الشرعية والسنن النبوية، ويجد هذا الاحتكام تفسيراً له في المعاني الأخلاقية والحكم التي لا يمكن أن يحصل القصد من أي شاهد شعري يأخذ منها أو يقتبس شيئاً منها دون البحث في نقطة البداية من حيث إنها ممارسة تبقى حبيسة تفاعل مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة رضي الله عنهم ومنقولاً من آثار السلف الذين شأنهم الصدق وقصدهم الحق، أو ترى له أصلان في الأمثال القديمة والحكم المأثورة عن القدماء.
وفي ضوء سلسلة ظاهرة من المكونات التناصية المتشابكة ووظيفتها يقدم دليلاً على طريقة عقلية صريحة في استحضار النصوص السابقة، وإقامة التفاعل معها من أجل إنتاج معنى صريح محض يشهد له العقل بالصحة، أما إجراءاتها ففي حالة المعاني العقلية فإنها تتضمن مذهب في الأخلاق والتجارب المدركة من خلال المألوف، وهو حكم قيمة اتفقت العقلاء على الأخذ به والحكم بموجبه، في كل جيل وأمة، ويوجد له أصل في كل لسان ولغة.
ويجرى هذا الأخذ في أعقابه مسافة بينه وبين لغة شعرية نموذجية لأنه ليس له في جوهره وذاته نصيب، إذا لم يتم قبول فكرة قدرة الشاعر على الباس معاني نصه من اللفظ ويكسوه من العبارة وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه والكشف أو ضده، مما يعني أن عبدالقاهر يتجه بالثنائية الضدية الصدق والكذب نحو تفاعل من نمط آخر يسنده إلى التقابل بين المادة والصورة، وسيكون من آثار الامتياز الذي يتمتع به التخييل وبالضرورة ومركزية مفهوم صورة المعنى التسليم بتبعية المعنى للصورة ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، وهو أمر يصدق على قراءة عبدالقاهر الجرجاني في حديثه عن علاقة المعنى بالغرض الشعري، وثنائية المعنى ومعنى المعنى ومن وجهة نظر هذه القسمة فإن النصوص الشعرية ليس لها القيمة الجمالية نفسها، فهو يعتمد على العلاقة بين الصورة والمعنى عوض قيمة الصدق والمعنى القائم مجاز بين الأعيان الجامدة التي لا تنمو ولا تزيد، ولا تريح ولا تفيد وبين الحسناء والعقيم، والشجرة الرائقة لا تمتع بجني كريم.
وتلك القسمة هي التي يحتويها نقاش تفاوت يقترح بوساطتها تمييزاً بين نصوص لا تقبل التأويل من قبيل الكلام المشترك العامي، وبين أخرى تقبل التأويل من قبيل الكلام الداخل في قبيل الخاص، وتمنح طريقة في الانتقال بينهما لعبة الإيحاء والتأويل بإسنادها إلى تأكيدين أساسين هما
1. يعد قول من قال خيره أصدقه وعبدالقاهر أيضاً يراه كذلك القاسم المشترك بين جميع المعاني العقلية التي لا تتطلب إغراقاً ومبالغة وتجوزاً، لأنها تعتمد أبدا التحقيق والتصحيح، ويجرى هذا الصدق في أعقابه عدد من القيود في الوقت نفسه
أ. عندما تتم قراءة هذا النوع من النصوص فإننا نعرف منذ البداية طبيعة المعاني المقصودة، لأن الشاعر في الأكثر يسرد على السامعين من بينها معاني معروفة وصور مشهورة، وبذلك فإن القارئ غالباً ما يشعر بالرغبة في قرأتها لا بغرض اكتشاف طريقة نظامية خالصة بل لمجرد معرفة أصولها، وهي وإن كانت شريفة فإنها كالجواهر تحفظ أعدادها ولا يرجى ازديادها، ويتفق هذا التوجه في الحفاظ على هذا النوع من المعاني مع جانب من قناعات عبدالقاهر الجرجاني التي تعد امتداد طبيعي لقراءة عقلية تحاول جاهدة أن تقف عند حد ما كان العقل ناصره والتحقيق شاهده.
ب. الفكرة الأخرى لمثل هذا التوجة هي ما كان يراه عبدالقاهر من فوائد الاختراع والابداع داخل نمط من النظم يكون الشاعر أبان عذرة بمعاني عقلية عريقة في نسبها، معترف بقوة سببها، وهو على ذلك السابق إلى إثارة سرها.
2. يعتبر قول من قال أكذبه، فكرة تحتاج إلى نقاش يجب بسطه من زاويتن هما؛
الزاوية الأولى: يتم التأكيد على أهمية طرح معالم القول انطلاقاً من
- نسق من الصنعة امتد تأثيرها وباعها.
- انها صنعة تعتمد على الاتساع والتخييل.
- انها صنعة في حاجة إلى قدر متفاوت من التلطف.
- انها صنعة ذات طبيعة تأويلية لذهابها مذهب المبالغة والإغراق في سائر المقاصد والأغراض، وأنها سبيل الشاعر في أن يبدع ويزيد، ويبدع في اختراع الصور ويعيد.
وحتى لا يتورط عبدالقاهر في حبال التناقض فإنه يشعر بحاجة هذا النوع من الصنعة إلى تقييد يحد مسافة بينه وبين الكلام الساذج الغفل يكذب فيه صاحبه ويفرط نحو أن يصف الحارس بأوصاف الخليفة، وهو تقييد لا ينفى مطلقاً، ودرجة عالية من الفطنة اللطيفة والفهم الثاقب والغوص الشديد كشروط لازمة للاختراع والإبداع في الصنعة، وفي تثمين عناصرها الجمالية والبنيوية.
ويحاول عبدالقاهر التأكيد على العنصر الجمالي عبر قراءة للغرض الشعري ترى في الوقوف بمعانيه عند اسمه مغالاة في التبسيط فيكون مدركا هو نفسه انطلاقاً من كفاءات القارئ على التحصيل والإنعام في التأمل، ويعتمد الاقتدار البلاغي على بعث الغرض من جديد في المحل الأول على درجة متعالية من الإحاطة بنمط تمازج أساليب متميزة، ذلك أنه من المؤكد أن يشمل ما يلي
أولاً : أن التحصيل هو حاصل اتفاق واشتراك في الغرض على الجملة والعموم، أو في وجه الدلالة على ذلك الغرض، وإن العملية التي يتم من خلالها أسلوب في التحصيل تبدأ بإثبات الصفة للموصوف، ويحتكم إلى معايير تبرر التفاوت في التشكيل عبر بناء يحقق الوجه البليغ والغاية البعيدة دون تفريط في الهيئات الدالة على الصفة.
ثانياً : أن التحصيل هو كفاية تأمل ممارسة تناصية من طريق الاستمداد والاستعانة ومحاجة كيفية الحكم على أن أحد الشاعرين قد يجعل عيالا على الآخر، وقد أمكن تنظيمه وفق علاقتين متداخلتين متفاعلتين هما:
أ- وفقاً لاتفاق في وجه الدلالة على الغرض وينبع هذا الاتفاق من كونه يفسح المجال أمام طريقة في المزاوجة بين المقاصد والأعراف والعادات، ليشق طريقه في محاولة لاستيعاب ممن حضر الشاعر في زمانه أو كان ممن سبق في الأزمنة الماضية والقرون الحالية، ولا يحرر مثل هذا الاتفاق النص من رتبة الانغلاق على معنى لا يختص بمعرفته قوم دون قوم ولا يحتاج في العلم به إلى روية واستنباط وتدبر وتأمل.
ب- يبدو واضح أن عملية استحضار الغرض تتقاطع مع فرضية كفاية إنتاجه واستقباله، فالقراء الذين يبحثون على حد تعبير عبدالقاهر الضرب من النظم والطريقة فيه، أي عن سر خفي في أسلوب النص الشعري وإنما يبحثون في الواقع عن طريقة في الاحتذاء، وهو عند الشعراء وعند أهل العلم بالشعر وتقديره وتمييزه، أن يبتدئ الشاعر في معنى له وأسلوبه والأسلوب الضرب من النظم والطريقة فيه فيعمد شاعر آخر إلى ذلك الأسلوب، فيجئ به في شعره، فيشبه بمن يقطع من أديمه فعلاً على مثال فعل قد قطعها صاحبها، فيقال قد احتذى على مثال، وذلك مثل قول الفرزدق:
أترجو ربيع أن يجئ صغارها - بخير وقد أعيا ربيع كبارها.
واحتذاه الشاعر البعيث قائلاً:
أترجو كليب أن يجئ حديثها - بخير وقد أعيا كليبا قديمها.