يضطرنا المرور إلى المستوى الجوهري للمحاكاة المتحقق في لحمة المعنى واللفظ باعتبار أن فعل المحاكاة أو أساسها إنما هو خواص صورية يتشكل وفقها المعنى ليتسنى له الدخول إلى خانة الشعريه، وإلى الكشف عن الأصول العامة المؤسسة للمحاكاة ذلك أن المنظور الوظيفي للشعر القائم على فكرة التخييل لدى الفلاسفة يعتمد في مستوى المفهوم على فكرة المحاكاة التي قد تتعادل مع اصطلاح التخييل، فالمحاكاة المتحققة في الصياغة الجمالية للمحاكي تختزل منطلقات مفهوم الشعر لدى الفلاسفة في كونه إخراجاً جماليا بالصياغة المميزة للموضوع، حيث يمكن هذا المفهوم من وضع الشعر ضمن دائرة الفنون بالاستناد إلى صلات التشابه بينه وبينها، وبالاعتماد على الخواص الشكلية المتميزة التي يصوغ فيها الشعر معانيه، ومع ذلك احتل الشعر موقعه ضمن بناء منطقي شامل لأصناف الخطابات المنطقية نزلا من البرهان المحقق لليقين فالجدل والسفسطة ثم الخطابة والشعر، فاعتبار الشعر تخييلا ليس إلا إسناد مهمة نوعية للشعر ضمن جملة المنطق عموماً.
ويتألف مع المفهوم المشكل لحد الشعر لدى الفلاسفة الإسلاميين، المنظور الجمالي للخطاب الشعري، ذلك أن المحاكاة هي إيراد مثل الشيء وليس هو، فالمستوى النوعي في صياغة المعطى الحيوي هو الذي سيميز الشعر في سلم الخطابات المنطقية عموماً، إذ سيفرده بالخواص الصورية التي تؤسس جوهر المحاكاة بما يضمنها من وزن وترتيبات تحسينية تلحق المعنى واللفظ وغيرها من العناصر الداعمة لفعل المحاكاة والتخييل.
يتأسس مفهوم الشعر ومهمته على قناعة معرفية تمثل ركناً في نظرية الفلاسفة الإسلاميين في المعرفة، وذلك أن مراتب الناس في الإدراك متفاوتة فإذا يتسنى للبعض تمثل البرهان في يقينه وإدراك الخطاب الفلسفي في عمقه التجريدي، لم يتمكن غير هؤلاء من الجمهور من تجاوز سلم الخطابة والشعر إذ إن أذهان هؤلاء فطرت أو مرنت على ربط كل تصور إدراكي بأمثلة الأشياء، فلا يعدم هؤلاء إلباس كل معنى عميق بمثاله أو صورته الشارحة القائمة على المستوى الحسي من المعرفة، من هنا يتوسل في شرح معاني الحكمة العميقة لهؤلاء بالأقوال التخييلية في الشعر، والإقناعية في الخطابة التي إن حققت نوعاً من التصديق الخطابي فإنها تستفيد من خواص التغيير الشعري وتستعملها بقدر طبقا لوظيفتها في الإقناع، لهذه الفئة التي عدمت القدرة على تعاطي المجرد يوضع القول الأدبي عموما، ليتسنى رفدها بالمعرفة بعد وضعها في قالب حسي كما يتجسد خاصة في الشعر.
يحيل هذا المستوى المعرفي على تصور الفلاسفة الإسلاميين للنفس البشرية وملكاتها وقدراتها المختلفة وتفاوت هذه القدرات والملكات في القيمة، وآراء الفلاسفة في النفس البشرية ووظائفها تمثل أساسا التحم بحد الشعر لديهم، ذلك أن قوى النفس المدركة لدى الفلاسفة تختزلها مراتب أساسية ثلاث هي، الحس والتخيل والعقل مع الإقرار بتفرعات كل مستوى، فإذا كانت مرتبة العقل حضنا للدرجة العالية في المعرفة كما تتمثل في الفلسفة والمنطق، وكل ما يحتاج فيه إلى قدر عال من التجريد، ويمثل الحس القناة الأولى في التعرف على الموجودات في إطارها الحسي، فإن مخزون الحس يمثل بدوره رافد المخيلة يمدها برصيد المدرك الحسي الذي يتيح لها ممارسة وظائفها، ومن هنا تتحدد منطقة الشعر في هذا المستوى الوسط، إذ يكون كل قول شعري إنما هو تشكيل المحسوسات أدركت إفرادا، وإعادة لصياغتها وترتيبها وفق المقصد مما يدلل لدى الفلاسفة على البرهان عن الأصل السيكولوجي لفعل المحاكاة والتخييل.
غير أن الأصول المنطقية والمعرفية والجذر النفسي المؤسسة لمفهوم الشعر ومهمته لدى الفلاسفة، بقدر ما تثقل الشعر وتجذبه نحو قيود المنطق وتهويمات المخيلة وحصار الوظيفة الشارحة والتابعة، تقوم على تأكيد الخاصية النوعية للشعر التي تتجسد في الصياغة المميزة للمعنى، وهذه الخاصية المميزة تقوم أيضاً على مسلمة لدى الفلاسفة الإسلاميين تحيل على حقل الإلهيات لديهم، والأصول الكلية التابعة من هذا العلم التي تشكل بدورها مفاتيح البرهان والبحث في ما عداها من فنون المعرفة، هذه المسلمة تقوم على فكرة المادة والصورة التي تختزل مبادئ البرهنة على وجود كل كائن، إذ تراه خلاصة لانطباع صورة تهبه وجوده وخصائصه على هيولى تمثل وجودا بالقوة، وإن كان من قناعات الفلاسفة أن لا وجود للصورة إلا بالمادة والعكس صحيح، لذلك يكون الاقتراب من خواص الشعر كامنا في الإقرار بقدرته المتميزة على صياغة المعنى في بنية من التصوير، وتكون هذه الخاصية هي التجسيد الفعلي للفكرة الفلسفية السابقة في الشعر.
هذا الأساس الفلسفي الأخير الذي يمثل أساساً آخراً ينضاف إلى بقية الأسس الفلسفية المبرهنة على وضع الشعر وغيره من فنون الخطابات الأدبية ضمن البناء الفكري لفلاسفة الإسلام يتيح لنا المرور، عقب هذه الوقفة الشارحة لخلفيات منطلقات الفلاسفة في ضبط مفهوم الشعر إلى مستوى النص في ذاته ومحاولة كشف طروحات الفلاسفة وتصوراتهم لبنيته النوعية، ذلك أن مهمتنا تعقب المستوى اللغوي المجسد لنوعية القول الشعري الذي لا يمثل سوى تفريع أو إعادة لمقولة المعنى واللفظ، وخارج هذا الإطار من رصد المفهوم أو المهمة وما يشبههما من مواضع البحث في الشعر ليست من عناصر اهتمامنا في هذا الموضوع.
اهتم ابن سينا بفكرة الهيئة الناتجة عن خصائص التناول الشعري للمعنى القائمة أساسا على المحاكاة بما يرفدها من إيقاع، دون أن ينسى عناصر أخرى تدعم الشعر في أداء وظيفته، فالتخييل المحرك من القول متعلق إما بجودة هيئته، أو قوة صدقه، أو قوة شهرته، أو حسن محاكاته، إلا أنه لا يلبث أن يرى أنه قد نخص باسم المخيلات، ما يكون تأثيره بالمحاكاة، فيركز جوهر الشعر في المحاكاة المتشكلة أساساً من الصياغة المتميزة للمعنى، تتجسد لدى ابن سينا فكرة الهيئة في الانقلاب الذي تحدثه في أصل المعنى ليستحيل شعريا، وعملية التغيير الطارئة على المعاني في إطارها التصديقي هي التناول الشعري لها الذي يصوغها وفق خصائصه، فالمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار وبالجملة تنفعل له انفعالا نفسانيا غير فكري، سواء كان المقول مصدقا به أو غير مصدق، فإن كونه مصدقاً به غير كونه مخيلاً أو غير مخيل، فإنه قد يصدق بقول من الأقوال ولا ينفعل عنه، فإن قيل مرة أخرى وعلى هيئة أخرى انفعلت النفس عنه طاعة للتخييل لا للتصديق، فكثيرا ما يؤثر الانفعال ولا يحدث تصديقا وربما كان المتيقن كذبه متخيلاً، صحيح أن ابن سينا يقر بأن جوهر المعنى قد لا يتغير جذريا، ذلك أن إعادة القول مرة أخرى وعلى هيئة أخرى إيمان بأن الشعر تشكيل لموجود وليس إيجادا لمعنى جديد يولده السياق المستقل، إلا أن الهيئة الطارئة تشي بفهم لنوعية الصياغة الشعرية المتميزة التي تضعها في مواجهة القول التصديقي، يتأكد ذلك في وقفة لابن سينا في الموضوع نفسه يرى فيها أن القول الصادق إذا حرف عن العادة وألحق به شيء تستأنس به النفس، فربما أفاد التصديق والتخييل معا، وربما شغل التخييل عن الالتفات إلى التصديق والشعور به، وهكذا تكسب عملية التشكيل الشعري للمعنى إذا تتأسس على مسلمة الانحراف عن العادة كما ورد في النص السابق خصوصيتها من تعاضد مستويات القول المحتشدة لتحقيق الآية المتمثلة في إحداث التخييل في المتلقي، من هنا يوثق ابن سينا فكرة الهيئة السابقة بتفصيل أقسامها في النص وتشخصاتها الحسية ذلك أن الأمور التي تجعل القول مخيلا منها أمور تتعلق بزمان القول وعدد زمانه وهو الوزن ومنها أمور تتعلق بالمسموع من القول، ومنها أمور تتعلق بالمفهوم من القول ومنها أمور تتردد بين المسموع والمفهوم، وكل واحد من المعجب بالمسموع أو المفهوم على وجهين، لأنه إما أن يكون من غير حيلة بل يكون نفس اللفظ فصيحا من غير صنعة فيه، أو يكون نفس المعنى غريباً من غير صنعة إلا غرابة المحاكاة والتخييل الذي فيه، وإما أن يكون التعجب منه صادرا عن حيلة في اللفظ أو المعنى.
وهنا ترتد الخواص الصياغية التي تهب القول طاقة التخييل إلى اللفظ والمعنى مطلقاً لتكون فيهما أصلاً وجوهراً إذا ولدا التخييل لخواص فيهما تتوفر لهما إذا صيغا وفق خصائص الخطاب الشعري والأدبي عموماً، وقد تتولد منهما بحيلة وصنعة، وهو ما سيعرف لدى الفلاسفة بأشكال التناسب والهيئات التحسينية التي تشكل مستوى ثانويا في سلم التخييل، وذلك إذا رتبا ورتب ما يتفرع منهما من أصناف التراكيب وفق الهيئات الجمالية التحسينية، أما ما يتعلق بزمان القول وعدد زمانه الذي هو الوزن فإنه ليس إلا إيقاعا تفرزه أنماط التناسب الحادثة بين الأصوات وتوزيعها المنسجم والمتردد وفق الزمن، وهذا يرتد إلى اللفظ أيضا في مستواه الصوتي المولد لموسيقى القصيدة، ومن هنا تكون المستويات الصوتية والتركيبية والدلالية مراتب تتكامل وفق التصور الخاص لصلة المعنى باللفظ أو للطاقات التخييلية التي تعلق بكل طرف، نلمس ذلك في عودة لابن سينا للموضوع نفسه باعتماد الشاهد حيث يرى أن القول الشعري يتألف من مقدمات مخيلة، وتكون تلك المقدمات موجهة تارة بحيلة من الحيل الصناعية نحو التخييل، وتارة لذواتها بلا حيلة من الحيل، وهي أن تكون إما في لفظها مقولة باللفظ البليغ الفصيح بحسب اللغة، أو أن تكون في معناها ذات معنى بديع في نفسه، لا بحيلة قارنته، مثال ذلك القول القائل:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي
بسهميك في أعشار قلب مفتل
وأما في المعنى كقوله:
كأن قلوب الطير رطباً ويابسا
لدى وكرها العذاب والحشف البالي
ومن هذا الباب جودة العبارة عن المعنى وتضمين معان كثيرة في قسمة بيت واحد من غير تقصير في العبارة.
فالارتداد بفعالية التخييل إلى خواص في اللفظ أو في المعنى إقرار صريح بالتمييز بين العنصرين وإن لم ينبن على ذلك تقديم طرف على آخر، وذلك أن تمام القول الشعري يكون في تعاضد المستويات اللفظية والمعنوية على تحقيق الوظيفة، غير أن الدلالة المستخلصة من القول لا تبدو إفرازا عميقا للحمة ناظمة بين عناصره المختلفة المرتدة إلى تفاعل اللفظ والمعنى أو تفريعاتهما في مراتب الدلالة والتركيب والصوت، إنما يبدو أن لكل طرف فعالية مستقلة أو كالمستقلة ويكون الكمال في تراكم هذه الفعاليات بالإضافة، فابن سينا يرى في البيت الأخير شاهدا للمعنى البديع في ذاته الخالص من حيل التخييل وصنعته، والمعنى البديع هنا يتمثل في الصورة القائمة في البيت على التشبيه، وقد أفرط الأقدمون بمختلف طوائفهم في الإعجاب بهذا البيت واعتباره سبقا، إذ فيه تشبيه شيئين اثنين بشيئين اثنين، إلا أن حمل البيت الأول على النوع الذي توفر له اللفظ البليغ الفصيح بحسب اللغة كما يرى مدعاة إلى إثارة بعض الشك، ذلك أن البيت يقوم على استغلال الصورة أيضا وذلك في استعارة السهم للعين ولعل الذي دعا ابن سينا إلى اعتبار هذا البيت شاهدا للفظ الفصيح هو قوة الفاظه وشدة أصواته، غير أن ذلك لا يمنع من اعتبار البيت أنموذجا لتعاضد فصيح اللفظ مع بديع المعنى، على أن المنظور الثنائي المؤسس على قناعات فكرية ترتد إلى أصول منطقية يتحكم في تشخيص بنية القول الشعري لفظاً ومعنى، ويكاد ابن سينا يستدرك ما فات في قوله في آخر النص إن من هذا الباب جودة العبارة عن المعنى وتضمين معان كثيرة في قسمة بيت واحد من غير تقصير في العبارة وإن كان يفهم من القول الإقرار بتلازم الإجادة في المعنى واللفظ إلا أن هناك تمييزا بينهما، فإذا كانت حدة هذا التمييز خافتة في الدعوة إلى جودة العبارة عن المعنى، فإن الخشية من وقوع القصور في العبارة مع تضمين القول معاني كثيرة استغلالا لطاقات اللغة في التعبير والإيحاء كشف لعدم الوعي بالتكامل الدقيق بين المعاني العميقة المتفاعلة مع العبارات التي تؤديها.
ويتأكد إسناد ابن سينا الفعالية إلى الطرفين مع التمييز بينهما في قوله، وما كان من أجزاء الشعر بطالاً ليس فيه صنعة ومحاكاة، بل هو شيء ساذج فحقه أن يعنى فيه بفصاحة اللفظ وقوته، ليتدارك به تقصير المعنى، وتتجنب فيه البذالة، اللهم إلا أن يكون شديد الاشتهار كمثل مضروب، فإكمال تقصير المعنى بفصاحة اللفظ إقرار بتمييز الطرفين، وكأن الفصاحة هنا لفظية تتميز بخواص صوتية في القول دون أن يكون لهذه الخواص قدرة الإيحاء بالمعنى نفسه، لكن لموقف ابن سينا فضيلة تتجسد في اشتراطه فصاحة اللفظ مما يكشف عن تمايز الألفاظ في التعبير عن المعنى الواحد، مما يحقق إمكان الاختيار بين الدوال في التعبير عن المدلولات، ومع ذلك يظل إحساسه بالهيئات الناتجة عن تكامل عناصر الصياغة في النص الأدبي دليلا على وعي بإحساس متميز ببنية النص الشعري، أما الفارابي فقد كان له السبق إلى ضبط عناصر التخييل في القول التي ينتظمها المعنى واللفظ أيضاً، مع التنويه بالإيقاع بما فيه القافية، يقول محددا خواص الشعر عند الجمهور وعند كثير من الشعراء الذين يرون أن القول شعر متى كان موزونا مقسوما بأجزاء ينطق بها في أزمنة متساوية وليس يبالون كانت مؤلفة مما يحاكي الشيء أم لا، ولا يبالون بألفاظه كيف كانت بعد أن تكون فصيحة في ذلك اللسان، بل يؤثرون منها ما كان مشهوراً سهلا، وكثير منهم يشترطون فيها مع ذلك تساوي نهايات أجزائها، وذلك إما أن تكون حروفا واحدة بأعيانها أو حروفا ينطق بها في أزمان متساوية فهناك الإلحاح على ضرورة تحقق المحاكاة التي تكمن في الطريقة المميزة في تقديم الشيء، مع انتقاء للفظ يتجاوز المشهور والسهل بالإضافة إلى مستوى الإيقاع والقافية.
ويعود الفارابي إلى الموضوع بمزيد من التدقيق باعتماد مصطلحي المعنى واللفظ لتوثيق خاصية المحاكاة في القول إذ إن الأشعار إنما تصير أكمل وأفضل بألفاظ ما محدودة إما غريبة وإما مشهورة، وأن تكون المعاني المفهومة عن ألفاظها أموراً تحاكي الأمور التي فيها القول، وأن تكون بإيقاع وأن تكون مقسومة الأجزاء وأن تكون أجزاؤها في كل إيقاع سلابات وأسباب وأوتاد محدودة العدد، وأن يكون ترتيبها في كل وزن ترتيباً محدوداً، وأن يكون ترتيبها في كل جزء هو ترتيبها في الآخر فإن بهذا تصير أجزاؤها متساوية في زمان النطق بها وأن تكون ألفاظها في كل وزن مرتبة ترتيبا محدودا، وأن تكون نهاياتها محدودة إما بحروف بأعيانها أو بحروف متساوية في زمان النطق بها، وأن تكون ألفاظها أيضاً كالمحاكية للأمر الذي فيه القول ثم أن تكون ملحنة.