اعتبار اللغة وسيلة الكشف عن الفكر مسلمة لدى الفلاسفة الإسلاميين، ولم يكن بد للغة من أن تتنزل في هذا التصور منزلة الحامل للمعنى، كالمشير الذي يومئ إلى الشيء، أو الصوت الحسي الظاهر الدال على المعنى العقلي الخفي ذلك أن التناول المنطقي للظاهرة وضع الفلاسفة في إسار التركيز البدهي على المعنى إذ لولاه لما كان تلفظ، ولا نعدم بذلك كل سلوك لغوي، فإذا انضاف إلى ذلك كون التناول الفاحص للغة أو الألفاظ ليس إلا من توابع البحث في المنطق أو الفكر، أو أنه كما يقول ابن سينا، لو أمكن أن يتعلم المنطق بفكرة ساذجة، إنما تلحظ فيها المعاني وحدها لكان كافيا أمكن التسليم مبدئيا بأنه في عرف الفلاسفة فإن كل بحث في اللغة إنما هو من مقتضيات الفكر، وأنه تبعاً لذلك يتأكد التمييز بين حقلي الألفاظ والمعاني، ليشكل كل منها خطا يوازي الآخر ويحاذيه.
ولما كانت عملية التفكير لا تتم إلا باللفظ بإقرار الفلاسفة أنفسهم، وأن عملية التفكير نفسها تتفاوت وتتنوع، وأنها إذا تجسدت في مسلك تعبيري يستهدف إحداث تعبير فني عبر مدارج الكلام البليغ باتت لحمة الألفاظ والمعاني أشد ما تكون تألفاً، وأصبحت الفعالية إذ ذاك لمقدرة الذهن على توظيف الألفاظ لتدل على مقاصد الفن، من هنا تنحسر علائق الدلالة المباشرة على المعاني وينتفي تلازم المدلول بدال محدد أو العكس، ويتضاءل إن لم ينتف حضور التصور المنطقى الضابط لوظائف الألفاظ في الدلالة الإشارية، ذلك أن التعبير عن المعاني المقصودة في وظيفة الكلام الأدبي ليست خلاصة لمحاصرة منطقية للمعنى، بل هو البيان الذي يراه ابن سينا في أن يحسن المتكلم العبارة عن المعاني التي تهجس في ضميره فيحتاج إلى نقل صورها المتخيلة أو المعقولة إلى ضمير من يخاطبه، وما دام البيان يتجسد في حسن التعبير عن المعاني الهاجسة في الضمير أمكن الإقرار بتصور الفلاسفة لمستوى من الكلام يتجاوز الإبانة العادية إلى تحسين الإبانة بغية إحداث تأثير في المتلتقى، وهذا حقل الكلام البليغ عامة سواء أكان خطابة أم شعراً.
الكلام العادي والكلام الأدبي: فانطلاقا من رصد ثنائية الاستعمال في الظاهرة اللغوية بين الكلام العادي والكلام الأدبي، حدد الفلاسفة إطار الشعر والخطابة حيث يتنزل هذان الفنان ضمن سياق القول البليغ وإن تفاوتا في الدرجة، ويعتمد الفلاسفة الإسلاميون رصد أشكال الانزياح عن الكلام العادي في إصطلاحات مختلفة كالتجوز والتوسع والعدول وإخراج القول غير مخرج العادة، ذلك أن المنظور الوظيفي هو الذي يحدد خصائص بنية القول، فكما يرى الفارابي أن الأقاويل المبتذلة كلها قد يبلغ بها المقصود في تفهيم السامع، لأن وظيفة الإفهام التي يحققها القول المبتذل لا تتطلب خصائص فنية في النص، أما الأقاويل التي ليست مبتذلة فمنها أقاويل شعرية وخطبية وما جرى مجراها فانتفاء الأقاويل المبتذلة من حقل الشعر وما قاربه من فنون تخصيص لنوعية خطاب تتجسد فيه اللغة في مستوى انتقائي لتحقيق الطرافة والجدة وإزاحة المشهور والمبتذل، ذلك أن كل قصد للتأثير في المتلقى تخصيص للقول ضمن حقل كيفي تراعى فيه ضوابط الوظيفة الأدبية ومن هنا وكما يرى الفارابي أن الجمهور والخطباء والشعراء يتسامحون في العبارة ويجوزون فيها، وعلى الرغم من أن الفارابي يقابل بين الاستعمال العلمي للغة الذي يفيد تحقيق الإبانة، إذ يؤسس البرهان المحقق لليقين في مقابل الأشكال اللغوية المرنة في استعمالات الجمهور والخطباء والشعراء الهادفة إلى غير اليقين البرهاني، والموزعة ضمن مراتب الإفادة العادية أو إحداث الأثر النفسي الناتج من القول الأدبي، فإن تخصيص التوسع والتجوز بالقول الأدبي ضبط أساسي لمبادئ القول البليغ، حيث يشكل مفهوم التوسع أو المسامحة واستعمال الاستعارة كما يقول، مبدأ قاراً في ملاحظة كيفية التأسيس للقول الشعري أو الخطابي، ذلك أن التجوز والمسامحة إنما تستعمل في الصنائع التي يحتاج الإنسان فيها إلى إظهار القوة الكاملة في غاية الكمال على استعمال الألفاظ، فيعرف أن له قدرة على الإبانة عن الشيء بغير لفظه الخاص به لأدنى تعلق يكون له بالذي تجعل العبارة عنه باللفظ الثاني، أو له قدرة على استعمال اللفظ الذي يخص شيئا ما على ما له تعلق به ولو يسيرا من التعلق، ويبين عن نفسه أن له قدرة على أخذ اتصالات المعاني بعضها بعض ولو الاتصال اليسير، ويبين أن عباراته وإيانته لا تزول ولا تضعف وإن عبر عن الشيء بغير لفظه الخاص به بل بلفظ غيره، وأما الاستعارة فلأن فيها تخيلا وهو شعري.
فجوهر التوسع واستعمال المجاز والاستعارة والتسامح في العبارة المحددة لنوعية الخطاب الأدبي عموما والشعري خصوصا، قدرة على التحكم في اللفظ ومرونة في إحكام الصلة بين الألفاظ والمعاني، وتوظيفها في علاقات جديدة ينشأ عنها القول البليغ عموماً، ومن هنا تنشأ الخاصية النوعية للخطاب الأدبي في استغلال قابلية الألفاظ للدخول في عوالم جديدة يتولد من لحمتها السياقية معان شعرية وخطابية ينتفي منها المشهور والمباشر، ويبرز بها المخترع الطريف تماماً كما يرى ابن سينا أيضا، أن العدول عن المبتذل إلى الكلام العالي الطبقة التي فيها أجزاء هي نكت نادرة، هو في الأكثر بسبب التزيين لا بسبب التبيين.
فإذا كانت الإبانة ناتجة عن الكلام المبتذل أو العادي فإن تزيين الإبانة من خصائص الكلام العالي، من هنا يفضل في الكلام العالي إن مثلنا له بالشعر أن لا يكون مشهوراً وقريباً، ذلك أن القريب والمشهور غير مستحسن في الشعر بل المستحسن فيه المخترع المبتدع.
وينسجم رأي ابن رشد مع رأي الفارابي وابن سينا السابقين في ضبط حقل الكلام الأدبي عموما، والشعري خصوصاً، بمقابلته بالكلام العادي، ذلك أن كل شكل من أشكال التغيّر التي تطول الكلام الحقيقي تؤدي إلى تحقيق القول الشعري فقد يستدل على أن القول الشعري هو المغير أنه إذا غير القول الحقيقي سمي شعرا أو قولا شعريا، ووجد له فعل الشعر، والإخراج المجازي للمعنى تحقيق الشعرية القول الذي يظهر في كل أصناف التغييرات التي تطول مستويات النص المختلفة دلاليا في مستوى الصورة، وتركيبياً في مستوى تلاحم الوحدات في السياق كما تنتظمها العلاقات النحوية أو تحدثها الهيئات الحادثة في البنية النحوية للعبارة في حالات الحذف أو التقديم والتأخير وغيرها، وصوتيا في أشكال التناسب العالقة بالطبقات الصوتية للقول كل هذه الأشكال من التغييرات وغيرها مما يتحقق في النص معنى ولفظا ينضوي تحت ما أسماه ابن رشد إخراج القول غير مخرج العادة.
وهكذا تكون مقابلة الكلام العادي بالكلام الأدبي مبدأ أساسياً في ضبط مجال كل من الحقلين، وإذ يقر الفلاسفة بالخصائص النوعية لبنية النص الأدبي المجسدة لوظيفته الفنية، يظل الهاجس الرئيسي هو منظور الوظيفة القائم على أثر الخطاب الأدبي في المتلقي الذي تنبني عليه كل الخصائص الأسلوبية في النص، فليست أشكال الخروج عن الكلام المبتذل إلا تحقيقاً واستجابة لغاية التأثير ولمقتضيات كمال الإبلاغ، ذلك أنه كما يرى إخوان الصفا إن المعاني إنما تفهم من الكل من اللكن والفصحاء، وإنما يتفاضل الناس في البلاغة، وأساس التفاضل إنما يتأتى من القدرة على الصياغة المجددة للمعنى، فليست البلاغة إلا إيصال المعنى إلى النفس في أحسن صورة لفظية كما شاع في أوساط النقاد والبلاغيين أيضا، من هنا يصنف أبو حيان التوحيدي درجات الإفهام مقابلا بينها وبين البلاغة التي يراها مستوى تحسينيا للإفهام، حيث إن الإفهام إفهامان رديء وجيد، فالأول لسفلة الناس، لأن ذلك غايتهم وشبيه برتبتهم في نقصهم، والثاني لسائر الناس، لأن ذلك غايتهم وشبيه برتبتهم في نقصهم، والثاني لسائر الناس، لأن ذلك جامع للمصالح والمنافع، فأما البلاغة فإنها زائدة على الإفهام الجيد بالوزن والبناء، والسجع والتقفية، والحلية الرائعة وتخير اللفظ، واختصار الزينة بالرقة والجزالة والمتانة، وهذا الفن الخاصة النفس، لأن القصد فيه الإطراب بعد الإفهام والتواصل إلى غاية ما في القلوب لذي الفضل بتقويم البيان، وإذا كان التركيز في النص السابق على فوارق الإفهام والإلحاح على الخصائص الأسلوبية للنص التي تطول مستوياته المختلفة المحققة للإطراب بعد الإفهام، فإن المنظور الوظيفي المؤسس على مقابلة الإفهام بالبلاغة يقوم على مصادرة يتقابل فيها الكلام العادي بالكلام الأدبي، إذ إن تحقيق الإفهام ليس إلا خلاصة للأول في حين تنتج عن الثاني وظيفة الإطراب فالغرض الأول في الكلام الإفادة، وجل الأمم على هذا والثاني تحسين الإفادة.
هذا المنطلق المؤسس الفوارق الكلام العادي والكلام الأدبي المحكوم بالمنظور الوظيفي ليس حاسماً في تأكيد الفصل بين الحقلين، إذ إن كل انحراف عن الكلام العادي وإخراج القول غير مخرج العادة، ليس نفيا لمستوى الاستعمال العادي في الكلام، إذ إن ذلك سيحيل القول لغزاً وإنما المسألة نسبة ما بين المستويين، ومرد ذلك انعكاس الوظيفة أيضاً، فالتأثير أو الإطراب وإن أبان عن وظيفة نوعية إلا أنها لا تنفى الإفهام، وتعاضد الوظيفتين ينعكس في تلاحم التحسين والإبانة، أو تلاحم العادي وغير العادي في القول.
يتجسد المبدأ السابق لدى الفلاسفة الإسلاميين في تقصيهم أصناف الألفاظ المستعملة في الشعر وغيره من أصناف الخطاب المنطقي في مستوياته المختلفة بدءا من البرهان ثم الجدل فالسفسطة وفي درجة وسطى الخطابة، ضمن مقابلة الاستعمال اللغوي بين الشعر والعلم عموما، أو خصائص اللفظ في الخطاب الأدبي والعلمي، مع الإقرار بتفاوت درجات الأنواع المتفرعة من كل موقف، وتقصي فوارق اللغة في الخطابين الشعري والبرهاني من جهة، والشعري والخطابي من جهة أخرى لا تعنينا في هذا المقام، إنما أساس التقصي في موضوعنا هو اللغة في النص الأدبي والشعري خصوصا، في سياق مقابلة الكلام العادي بغير العادي ليتسنى لنا البناء على هذا الأساس المجسم للوعي بتميز النص الأدبي بخواص أسلوبية، يظهرها لدى الفلاسفة تصوّرهم علائق الألفاظ بالمعاني في مرتبة المحاكاة التي هي الجوهر المحقق للوظيفة الشعرية ثم علائقهما في مقامات التحسين والهيئات الترتيبية القائمة على أشكال التناسب بينهما، مما يتنزل في مجرى التشكيلات التي تعضد المحاكاة أو تعوض غيابها عن القول المقرر المباشر.
ويتأسس المدخل الضابط لطبيعة الاستعمال الشعري للفظ وللفوارق الفاصلة بين طبيعة هذا الاستعمال في الشعر وطبيعته في غيره كالمنطق والفلسفة، في قول الفارابي وحروف السؤال كثيرة : ما وأي وهل ولم وكيف وكم وأين ومتى، وهذه وجل الألفاظ قد تستعمل دالة على معانيها التي للدلالة عليها وضعت منذ أول ما وضعت، وتستعمل على معان أخر على اتساع ومجاز واستعارة، واستعمالها مجازا واستعارة، هو بعد أن تستعمل دالة على معانيها التي لها وضعت من أول ما وضعت والخطابة والشعر فإن الألفاظ تستعمل فيهما بالنوعين جميعاً، وأما الفلسفة والجدل والسفسطائية فلا تستعمل فيهما إلا على المعاني الأولى التي لأجلها وضعت أولاً.
يتعاضد استعمال الألفاظ في دلالتها الوضعية والمجازية معا في حقلي الخطابة والشعر وتختص الفلسفة والعلوم عامة بتوظيف اللفظ في دلالته الوضعية، فيتميز الخطاب الأدبي باستغلال أنواع التجوز والتوسع المشكلة لخصائصه النوعية، ويعدد الفارابي الأسماء التي يرى أن منها مستعارة، ومنها منقولة، ومنها مشتركة، ومنها ما يقال بتواطؤ، ومنها ما يقال عن الشيء بعموم وخصوص، ومنها ما هى متباينة، ومنها ما هى مترادفة، ومنها ماهي مشتقة ثم يعرف كل نوع على حدة ليخلص إلى تقرير أن الأسماء المستعارة لا تستعمل في شيء من العلوم، ولا في الجدل بل في الخطابة والشعر.
وقد وردنا لابن سينا وابن رشد نصان طويلان تخللا شرحيهما فن الشعر الأرسطي حددا فيهما أصناف اللفظ الدال، مع ما أوليا هذا الموضوع من وقفات وعودات في تلخيص الخطابة، وقد انحصر في مراتب أقسام الألفاظ التي يتولون شرحها مجال الاستعمال النوعي في الشعر والخطابة أو القول الأدبي عموماً، وهذا التصنيف للألفاظ ليس إلا تفريعا لحقلي الكلام العادي والكلام الأدبي المتماسين، إذ لا يمكن ضبط الحدود الفاصلة بين المستويين فضلا عن أن مقولة الكلام العادي الخلو من أدنى مراتب الانحراف ليست إلا مقولة تجريدية لا تجسيد لها في الواقع، يرى ابن سينا أنّ كل لفظ دال، فإما حقيقي ومستول، وإما لغة، وإما زينة وإما موضوع، وإما منفصل، وإما متغير، والحقيقي هو اللفظ المستعمل عند الجمهور المطابق بالتواطؤ للمعنى، وأما اللغة فهي اللفظ الذي تستعمله قبيلة وأمة أخرى وليس من لسان المتكلم، وإنما أخذ من هناك ككثير من الفارسية المعربة بعد أن لم يكن مشهورا متداولا فقد صار كلغة القوم.
وأما النقل فإن يكون أول الوضع والتواطؤ على معنى وقد نقل عنه إلى معنى آخر، من غير أن صار كأنه اسمه صيرورة لا يميز معهما بين الأول والثاني، فتارة تنقل من النوع، وتارة من النوع، وتارة من نوع إلى نوع آخر، وتارة إلى منسوب إلى شيء من مشابهه في النسبة إلى رابع.
- وأما الاسم الموضوع المعمول فهو الذي يخترعه الشاعر ويكون هو أول من استعمله.
- وأما الاسم المنفصل والمختلط فهو الذي احتيج إلى أن حرف عن أصله بمد قصر أو قصر مد أو ترخيم أو قلب، وقيل إنه الذي يعسر التفوه به لطوله أو لتنافر حروفه واستعصائها على اللسان أو بحال اجتماعها، والأول هو الصحيح.
- وأما المتغير وهو المستعار والمشبه على نحو ما قيل في الخطابة.
- والزينة هي اللفظة التي لا تدل بتركيب حروفها وحده بل بما يقترن به من هيئة نغمة ونبرة، وليست للعرب، والزينة هي اللفظة التي لا تدل بتركيب حروفها وحده، بل بما يقترن به من هيئة نغمة ونبرة، وليست للعرب.
يتحدد ضمن أقسام اللفظ السابقة حقل الكلام الأدبي بقسميه الخطابة والشعر، وغيره من أصناف الكلام الأخرى المشكلة للكلام الصريح سواء انضوت تحت تفرعات العلم في مفهومه القديم، أم القول المبتذل الهادف إلى الإفادة والمتداول بين الناس المحدد لوظيفة الاتصال في طورها الأول، فأوضح القول يرى ابن سينا أيضا وأفضله ما يكون بالتصريح والتصريح هو ما يكون بالألفاظ الحقيقية المستولية، وسائر ذلك يدخل لا للتفهيم بل للتعجيب مثل المستعارة، فيجعل القول لطيفا كريما، واللغة تستعمل للإغراب والتحيير والرمز، والنقل أيضاً كالاستعارة وهو ممكن، وكذلك الاسم المضعف، وكلما اجتمعت هذه كانت الكلمة ألذ وأغرب وبها تفخيم الكلام وخصوصاً الألفاظ المنقولة، فلذلك يتضاحكون بالشعراء إذا أتوا بلفظ مفصل أو أتوا بنقل أو استعارة يريدون الإيضاح، ولا يستعمل شيء منها للإيضاح.