0 تصويتات
في تصنيف منوعات بواسطة (4.2مليون نقاط)
إن القصد إلى تحسس وعي أعلام التراث النقدي والبلاغي العربي بإشكال اللفظ والمعنى، وما يترتب على ذلك من تبصر ببنية الخطاب عموماً يستدعي العنايه بالأصول اللغوية وتأثيرها في المسائل الأسلوبيه لما للعلائق بين المجالين من صلات حميمة، وتتأكد هذه الصلات الحميمة بين المباحث الأسلوبية والنقدية والآراء اللغويه لدى بعض النقاد والبلاغيين خاصة كالجاحظ الذي بالإضافة إلى رأيه في أقسام البيان عامه وملاحظاته المتعلقة بالظاهرة اللغويه خاصة مما يشكل إطارا عاما لهذه المباحث تمتد تصوراته الأسلوبية ومقاييسه البلاغية في رسوخ في نظريته في الكلام، إذ هو أول مفكر عربي نقف في تراثه على نظرية متكاملة تقدر أن الكلام، وهو المظهر العملي لوجود اللغة المجرد ينجز بالضرورة في سياق خاص يجب أن تراعى فيه بالإضافة إلى الناحية اللغوية المحضة جملة من العوامل الأخرى كالسامع والمقام وظروف المقال وكل ما يقوم بين هذه العناصر غير اللغوية.

ولئن كان تفاعل هذه العناصر سيكون المسؤول عن تحديد خصائص الكلام فإن المرور إلى معاينة هذه الخصائص يستوجب الاقتراب من تصور الجاحظ أوجه استعمال الظاهرة اللغوية، وسنجد في محتوى الحدود الضابطة مضامين مصطلح البلاغة، وما يدور في مجالها، أو يتقاطع مع فعاليتها كالفصاحة والبيان حين تترادف دلالته مع دلالة البلاغة والفصاحة ما يقرب من هذه الحقيقة.

وهذا ما نجلوه من استقراء كل من عبد السلام المسدي وحمادي صمود إذ رغم اتفاقهما على تنوع المضامين المستخلصة من تلك المصطلحات نجد المسدي يؤكد وعي الجاحظ بثنائية توظيف الظاهرة اللغوية بين دلالة غايتها البث كما تتبدى في الاستعمال اللغوي العادي، ودلالة أسلوبية غايتها الخلق الفني كما تظهرها خصائص النص البنائية في حين يتحفظ صمود إزاء هذا الفصل مبوئا وظيفة الفهم والإفهام الصدارة لكنه لا يلبث وهو يتعقب دلالات مصطلح بيان حين يتطابق مع مصطلحي فصاحة وبلاغة أن يقر بما يتوافق مع الوظيفة الشعرية للخطاب، وذلك حين يرى أن مضمون بيان يتجاوز مرتبة الكشف عن المعنى من أي طريق كان إلى كيفية في بلوغ تلك الغاية وهيئة مخصوصة يكون عليها الخطاب تجعله معطى حضوريا قائما بذاته بينما كان في الفعل اللغوي العادي غائبا وراء ما يؤديه.

ولقد أشار غير حمادي صمود إلى مكانة وظيفة الفهم والإفهام في بلاغة الجاحظ حيث يرى أمجد الطرابلسي أنه من أجل هدف تسهيل إفهام الفكرة فقط يكون من الضرورة الاعتناء بشكل الخطاب لدى الجاحظ طبعاً إلا أنه ورغم وجاهة الإقرار بتبوء وظيفة الفهم والإفهام مكانة متقدمة لدى الجاحظ وفي التراث النقدي العربي كله إذ إن جدوى الخطاب وفائدة القول ركنان مكينان في كل مباشرة كلامية، ولا أدل على ذلك من مكانة المعنى في كل محاولة نقدية وتعدد ما أسند إلى هذه الدلالة من مفاهيم فإن الإلحاح على تعهد الصياغة بالعناية البالغة وترسيخ مفهوم الصنعة في الشعر خاصة مع الإشارة إلى حضور الأنواع الأدبية المختلفة وخاصة الخطابة والشعر، وكذلك القرآن باعتباره قمة البيان المعجز في كل محاولة تقنين لظاهرة الأسلوب يفسح المجال للإقرار بأن القدماء واعون بتحرك القول ضمن مسار الاستعمال المألوف الهادف إلى الاتصال أساساً، ومسار الاستعمال غير المألوف، وإن لم ينتف منه القصد إلى الفائدة ذلك أنه مع الإشارة إلى أن استخلاص مقاييس الأسلوب كان شاملا لكل كلام بليغ إلا أن ذلك لا يعدو من منظور أولي ضبط الأسس والقواعد العامة التي تأخذ طابعها المتخصص عندما يتعلق الأمر بنوع أو بآخر، ولا أدل على ذلك من إقرارهم أن القرآن صيغ بأسلوب العربية غير أنه معجز فوق مقدور البشر، ومعنى ذلك أن عملية التشكيل الفني للظاهرة البلاغية في القرآن الكريم ترتقي درجة الإعجاز وتتفرد من ثمة بحكم طريقة الصياغة وأساليب تشكيلها، وكذلك الشعر إذ يجمعون على تميز خطابه بخصوصية في تشكيل المعنى حيث يترسخ الوعي بخصوصية هذا الخطاب في مقابلة الشعر بالنثر علما بأن الوعي بالخواص البنيوية للغة كل نوع متفاوتة لدى النقاد لكنها حاضرة بكل وضوح لدى البعض كالجاحظ وأبي حيان التوحيدي، وشديدة الوضوح لدى الفلاسفة الإسلاميين.

فالخطاب الشعري في الثقافة العربية الإسلامية قديماً لا يعدو من منظور أصول المعاني أن يكون مكروها إذ إن ترسيخ القيم التي أفرزتها قناعات ثقافية شتى، وربط الشعر بالقديم الراسخ في الجاهلية حصر للفعل الإبداعي في الشعر في الإخراج المتجدد للمألوف، وفي هذا الإخراج مفارقة إذ إنه إذ يظل أميناً للخطوط العريضة لمسارات المعنى في كل تفرعاته ينحت الشاعر لنفسه التفرد والتميز في الصورة المخرجة للمعنى المتميزة بخصوصية العبارة، أو الاختراع الجزئي المتمثل في التفريع والتوليد، من هنا لم يكن المتلقي يبحث عن الجديد بالدرجة الأولى بقدر ما كان يستهدف اللذة الحاصلة من التجدد الطارئ على المعروف.

ولقد تبدى الوعي بتفرد بنية القصيدة الشعرية مبكراً إذ يكفي استطلاع آراء اللغويين من أمثال الخليل بن أحمد القائل الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أني شاءوا ويجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده ومن تصريف اللفظ وتعقيده ومد المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته، واستخراج ما كلت الألسن عن وصفه ونعته والأذهان عن فهمه وإيضاحه فيقربون البعيد ويبعدون القريب ويحتج بهم ولا يحتج عليهم ويصورون الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، وابن الجمحي في تأكيده دور الضرورة الشعرية النابعة من قيود الوزن والقافية في قوله، والمنطق على المتكلم أوسع منه على الشاعر والشعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافي، والمتكلم مطلق يتخير الكلام للتأكد من حضور مفهوم النوع الأدبي في التقنين لبنية النص ومقاييس الأسلوب هذا الحضور الذي يأبى اختزال خصوصية الشعر في اعتباره نثرا تزينه موسيقى على حد عبارة حمادي صمود إلى الإقرار بأنه حسب رأيه أيضا مغاير للنثر منفرد ببنية لغوية متميز بلغة لا تخضع لنفس القوانين التي تترتب حسبها اللغة والأشياء في النثر، وهذا الوعي بتميز البنية اللغوية في كل نوع ليس إلا انعكاسا لتباين الوظائف المسندة إلى كل واحد منها.

أما شأن هذه المسألة عند الجاحظ فإننا نراه قد أفرد بلاغة النثر بقسم من البيان والتبيين واستشهد عليها بأنواع النثر المتداولة في عصره حيث أقام بذلك الدليل على أنه يعتبر النثر الفني ندا للشعر كفوا، فإذا أدركنا أنه حاد الوعي بتفرد الشعر ببنية مخصوصة تجعله مستعصيا على الترجمة أصبح بالإمكان الإقرار بأن حضور هذه الأنواع في بلاغته سيطبع تصوره المشكلة اللفظ والمعنى، والبنية العامة بطابع التداخل، أو ازدواجية النظرة وسيغلب هيمنة نوع أو نوعين في استخلاص مفاهيم هذا المستوى أو ذاك، فحديث الجاحظ عن البنية العامة الذي ينحصر بين درسه النظم وإلحاحه على تلاحم الأجزاء وحسن الوصف نابع من استقراء بنية النص القرآني والشعر أساساً.

هذا الإطار العام مكن الجاحظ من تحقيق الوعي بمرتبتي الكلام العادي والأدبي والفصل بينهما، ذلك أنه يرى أن كلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام الجزل والسخيف والمليح والحسن، والقبيح والسمج، والخفيف والثقيل، وكله عربي وبكل ماقد تكلموا، وبكل ماقد تمادحوا وتعايبوا، هذه المساحة العامة للكلام الواقعة بين قطبي السخيف السوقي الصادر عن طبقة العامة دون شك والمليح الحسن الذي يكون محصلة الصنعة والاعتناء الذي يضعه أهل القول البليغ تتحدد بخواص في الكلام ذاته ذلك أن العامة ربما استخفت أقل اللغتين أو أضعفهما، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا وتدع ما هو أظهر وأكثر في حين يكون البصر بجوهر الكلام البليغ عند رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر هذا الجوهر المتحقق بالاعتماد على الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجية الكريمة، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني.

وهذا الصنف من الكلام المتميز بالخصائص الفنية يقتضي الإخراج المتأني الواعي كما يتحقق في التنقيح والصنعة وحذف فضول الكلام حسب ما تشخصه مقولة خير الشعر الحولي المنقح، أو العناية البالغة بالخطابة وتدبير القول خاصة إذا دعت المقاصد إلى ذلك، وعلى العموم يحتاج البيان في هذا المستوى الفني إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، من هنا يتحقق للمستويين السابقين ضوابط تتنزل في مجرى المقابلة التي أقامها الجاحظ بين البيان وحسن البيان، فالمستوى العادي يلح على الإفهام لمجرد الإبلاغ والإخبار في حين يتحقق في المستوى الثاني من توظيف الظاهرة اللغوية تحسين الإبانة كما يتمثل ذلك في سياق تعليق الجاحظ على قول العتابي حين زعم أن كل من أفهمك حاجته فهو بليغ إذ يرى الجاحظ أنه لم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه أنه محكوم له بالبلاغة كيف كان، بعد أن نكون قد فهمنا عنه فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل جعل الفصاحة واللكنة، والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة، والملحون والمعرب كله سواء، وإنما عني العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجاري كلام العرب الفصحاء.

وتأسيساً على ما سلف يكون تحرك الجاحظ لضبط خصائص الصياغة الجميلة المخرجة للقول وفق معايير البلاغة شاملاً يطول اللفظة في مستواها الإفرادي ثم في علائقها بالمعنى إلى غاية فهم لحمة الوحدات في السياق الواحد في ما أسماه بالنظم أو حسن التأليف والنسج، ونكتفي بالإشارة إلى رصد الجاحظ مبدأ الاختيار الأول المتجسد في اللفظة والمنطلقات المؤسسة لهذا الاختيار حيث يترسخ اشتراط الجاحظ في اللفظة المفردة انسجام وحداتها الصوتية المشكلة لبنيتها كما يتحقق ذلك في ائتلاف هذه المكونات مما ينتج عنه صفات يجمل بعضها في ما رق وعذب وخف وسهل، أو غيرهما مما أجمله أيضاً في حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وأوصاف أخرى تبدو انعكاس لتصور أخلاقي من مثل قوله أن يكون اللفظ كريما في نفسه، ونكتفي بهذه الإشارة رغم تأكيد أهمية شرط الاختيار الأول المتمثل في اللفظ المنتقى وفق الشروط المحددة ودوره في بلاغة النص عامة لنمر إلى العنصر الأهم في موضوعنا الذي يتجسد في علاقة اللفظ بالمعنى.

فرغم إشارة الجاحظ إلى إمكان وجود معنى بدون لفظ فإنه يرى مستحيلاً أن يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمن بمعنى، وقد يكون المعنى بلا اسم، ولا يكون اسماً إلا وله معنى، والتمييز بين الحقلين لم يمنع من الدعوة إلى إحداث أشكال من الائتلاف بينهما أو تطابقهما، ويتحقق هذا الائتلاف في مستويات شتى منطلقها أساس وجودي إن صح الوصف يقوم على مقابلة المعنى واللفظ بالروح والجسد إذ إن الأسماء في معنى الأبدان والمعاني في معنى الأرواح اللفظ للمعنى بدن، والمعنى للفظ روح، وتتبدى عملية الاحتواء اللفظي للمعنى كتضمن البدن للنفس فالنفوس المضمنة كالمعاني المضمنة.

هذا المستوى الكوني يضيق ليتلبس بلبوس الأصول الاجتماعية والمنظور الأخلاقي ذلك أن من أراد معنى كريما فيلتمس له لفظا كريمان، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف ثم تتبسط المقابلات في أزواج ثنائية تمتد لتحكم صلة المعنى باللفظ خارج أطر المعتقدات الاجتماعية والأخلاقية لتتأسس وفق خواص في المعنى ذاته من حيث الوضوح والالتباس وذلك في قوله، إنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها، والمعاني المفردة البائنة بصورها وجهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقل مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، والجهات الملتبسة، فإذا كان بدء العلاقة بين الطرفين يقوم في الملاحظة السابقة على أساس كمي فإن تفاعلهما تعمقه طبيعة المعنى ذاته، ذلك أن الغموض والالتباس يحتاجان إذا قصد التوضيح إلى الإطالة والشرح حيث إن عملية التفاعل محكومة بخصوصية في المعنى ذاته، ويتأكد هذا المجرى من منظور الكم أيضاً، فالمعاني إذا كثرت والوجوه وإذا افتنت كثر عدد اللفظ، وإن حذفت فضوله بغاية الحذف.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
وانطلاقاً من هذه العلاقة بين المعنى واللفظ القائمة على أسس وجودية واجتماعية، ومحكومة بفكرة الإبداع يكون إيلاء أحد الطرفين الأولوية في التعبير مسا وتشويها لعملية التعبير نفسها فشر البلغاء من هيأ رسم المعنى قبل أن يهيئ المعنى عشقا لذلك اللفظ وشغفا بذلك الاسم حتى صار يجر إليه المعنى جرا ويلزقه إلزاقا ذلك أن عدم إيفاء المعنى الغامض في ذاته حقه في اللفظ الملائم والمطابق والتعلق ببراعة اللفظ ونشدانه إحداث لعدم التوازن بين طرفي الدلالة فاختر من المعاني ما لم يكن مستوراً باللفظ المنعقد مغرقا في الإكثار والتكلف فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع براعة اللفظ وغموضه على السامع بعد أن يتسق له القول وما زال المعنى محجوباً لم تكشف عنه العبارة فالمعنى بعد مقيم على استخفائه وصارت العبارة لغوا وظرفا خالياً، وتأسيسا على ما سبق تكون القاعدة الأولى والعامة لعلاقة اللفظ بالمعنى تقوم عنده على مطابقة اللفظ للمعنى، والجاحظ صريح في استخلاصه هذا المبدأ إذ يقول من علم حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا، وتلك الحال له وفقاً، ويكون الاسم له لا فاضلاً ولا مفضولاً ولا مقصراً ولا مشتركاً ولا مضمناً، وعدم إيفاء هذا الأصل حقه من العناية يؤدي إلى اختلال التوازن بين الألفاظ والمعاني فيمتد أحد الطرفين على حساب الآخر، فالزنادقة أصحاب ألفاظ في كتبهم وأصحاب تهويل، لأنهم حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم منها طائل مالوا إلى تكلف ما هو أخصر وأيسر وأوجز كثيراً.

ويأخذ مبدأ المطابقة والمشاكلة بين المعنى واللفظ مدى أوسع يصبح بمقتضاه تلازم المعنى واللفظ انعكاسا للوظيفة المبتغاة أو تمشيا مع خاصية في اللغة كقيامها على غزارة الدلالات، أو محكوما بمفهوم للنوع الأدبي فمبداً الوضوح واعتماد الدلالة التصريحية في علاقة اللفظ بالمعنى مشروطان بتحقيق وظيفة تبليغية مباشرة إفهامية، كما يستشف ذلك من قول الجاحظ معرفا البيان بأنه الدلالة الظاهرة على المعنى، وأن أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه هذه الضوابط التي تجد سندها في مقياس التزامن الذي يجسد التقبل الآني للدال والمدلول وهو ناتج عن مراعاته للمقامات ولا سيما المقام الخطابي يظهر ذلك في مثل قوله ملخصاً نتيجة إيفاء كثير من شروط التطابق بين المعنى واللفظ ضوابطها التي تكون محصلتها امتناع أن يكون اللفظ أسرع إلى السمع من المعنى إلى القلب، وأن الاسم لا يستحق اسم البلاغة حتى يطابق معناه لفظه ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك لكن إذا كان هذان المبدأن يجسدان أثر العناصر الحافة بالخطاب في بنية الخطاب نفسه تدعمهما مقتضيات الخطابة كنوع يقتضى خصائص منها الوضوح والتزامن باعتبارها عوامل تكفل للخطاب نجاعته وجدواه، وتتمشى مع الدلالة الصريحة للغة، إلا أن هذا الموقف المؤسس على الاهتمام بفعالية الدلالة المباشرة ينافسه الإقرار بثراء الدلالة اللغوية المتأتية من إمكان التعبير المتعدد والمتنوع عن المتصور الواحد، إذ إن من مميزات لغة الأسلوب الأدبي عند الجاحظ اعتمادها على الطاقات الإيحائية في الظاهرة اللغوية أكثر من اقتصارها على طاقاتها التصريحية، فإذا كان لابد من الإقرار بأن العدول عن التصريح إلى الإيحاء كان في بلاغة الجاحظ محكوماً بمقتضيات المقام والمواضعات الاجتماعية من ناحية، وأصول الاعتقاد الاعتزالي من ناحية أخرى، فإنه لابد من الإشارة أيضاً إلى أن للنوع الأدبي كما يتجسد في الشعر هنا والكتاب المعجز دوران حاسماً في تأكيد دور الطاقة الإيحائية في كسر مبدأي الوضوح والتزامن باعتبارها مميزاً رئيسياً للأسلوب الأدبي، والامتداد بالدلالة إلى مدى أوسع تحتاج بمقتضاه إلى تعميق النظر لتحقيق الفهم، هذا الفهم الذي يكون محصلة تفاعل المتلقين مع الطاقات الكامنه في النص حيث يتيح لها هذا الكمون الانفتاح على مبدأ التأويل لاستجلاء خفاياه.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...