0 تصويتات
في تصنيف اسلامية بواسطة (4.2مليون نقاط)

أثارت أحكام القيمة السابقة قضايا نقدية من طريق أسلوب التلميح بدلا من التصريح، وكنا قد لاحظنا في الفصل الأول من الباب الأول أن مثل هذه القضايا ليست غريبة على معرفة وذوق السامع المثالي، وبقي لنا أن نثبت أنها بقيت تراود ذهن القارئ العالم، وأنه قد حاول الارتفاع بها إلى مصاف القراءة النقدية من طريق أوصاف تجربة شعرية يمكن أن تؤول في مجملها عن طريق ثنائية ضدية تتبنى بداخلها كل صفة علاقة ضدية مع أخرى، وتبعاً للتصور المتكون في الأحكام القيمية التقديرية داخل الثقافة الكتابية عن ذات القضايا فإن العلاقة الممكن قيامها بينها وبين ثنائية الجودة والرداءة من صنف الفعل النقدي المنسجم مع المفاضلات الشعرية داخل الثقافة الشفاهية، وهذا الفعل النقدي حتى في شكله الأكثر سذاجة أي التقييم، معنى بالانسجام مع أصل أو خصوصية أي أننا حين نصف فنا بأنه جيد أو رديء، فإننا في الحقيقة نحتكم إلى درجة معينة من الانسجام مع مقصد أصلي نسميه فنا، وتفيد علاقة الانسجام كونها مسندة إلى صفتين متضادتين يصح وجود واحدة منهما مع عدم وجود الأخرى، لكن كل واحدة منهما تكون سبباً في إثبات صفة ونفي أخرى، ومن مميزاته كونه يثبت مايلي:

أولاً: بوصفه بلاغة نقد ترتبط بصفات يجمعها شيء مشترك هو الإشارة التدريجية إلى النوع لاحتمال كون الشعر حسن أو أحسن، واحتمال كونه قبيح أو أقبح، وهذا يعني التعبير التدريجي بالصفات عن الجودة الشعرية أو رداءتها. 

ثانياً: أن هذه الممارسة تحتكم بصورة مضمرة إلى فكرة أن المجاز أبلغ من الحقيقة وأحسن موقع في القلوب والأسماع. 

ثالثاً: أدت المقابلة بين الشعر القديم الجيد والشعر الحديث الموزع بين والرداءة إلى إجراء مقابلة موازية بين الطريقة الشعرية الجاهلية كأساس في تمجيد الماضي الشفاهي فالشعر القديم الجاهلي وما سلك به ذلك المنهج، وأجري على هذه الطريقة وبين طريقة شعرية ترتبط ارتباطا وثيقا بشعر بشار بن برد سئل الأصمعي عن بشار ومروان أيهما أشعر، فقال: بشار فسئل عن السبب في ذلك، فقال: لأن مروان سلك طريقا كثر من يسلكه، فلم يلحق من تقدمه وشركه فيه من كان في عصره، وبشار سلك طريقا لم يسلك وأحسن فيه وتفرد به، وهو أكثر تصرفا وفنون شعر وأغزر وأوسع بديعا، ومروان لم يتجاوز مذهب الأوائل. 

فهذه ثلاثة أساليب شعرية تنص عليها عملية التصنيف على أنها مسالك لقياس درجة من التميز الشعري وفرادته ليس من شك في أن للقراءة العمودية ضلعاً في هذا التصنيف، وأن استدعاؤها بخصائصها الفارقة يكون قد بين للقارئ العمودي أن النهج التصوري الطاغي لدى شاعر معين يكون نتاجاً لبنية معرفية قابلة للكشف من جهة، ومزدوجة الدلالات من جهة أخرى، وهي غاية سيميائية تجلو بنى سائدة في سياق مكاني وزماني محدد وتجسد في الوقت نفسه رؤية شخصية للعالم في إطار هذه البنى وعلاقته من نمط وآخر بها، وحين تبرز هذه الأنهاج المتباينة في عمل الشاعر الفرد في مراحل تاريخية مختلفة أو أعمال شعراء مختلفين في اللحظة التاريخية ذاتها فإنها تسمح لنا بالتقاط الخيوط المكونة للشخصية الفردية الفنية. 

وتمر محاولة إدراك خصائص نهج شعري ما عبر فقه وحدة النسق الأسلوبي الفردي، وتبتدئ هذه المحاولة بإسقاط بنية معرفية حققت خصوصيتها الشعرية بين الخصوصيات الشعرية المهيمنة في زمن سابق، إذا يشتغل التصنيف عن طريق إسقاط علاقة بين مكونات شعرية ووظائف متداولة في الثقافة الشفاهية على مكونات شعرية ووظائف تبلورت معالمها في الحداثة الشعرية والمفاهيم المؤدية إلى أوصاف النهج المعروف والسنن المألوف ومذاهب الأوائل، ومذاهب العرب في تأسيس الشعر والتصرف في معانيه، والطريقة المعهودة هي أوصاف مهمة في تكوين منهج قراءة تحاول أن تشمل المقارنة خاصيتين أساسيتين هما؛ 

1. خاصية استثمار الموروث الشعري التراثي الذي يفرض نفسه على إجراءات القراءة، ويرسم لها إجراءات تناولها خصائص لغة شعرية طريقها هو طريق الشعراء مثل امرئ القيس وزهير والنابغة من صفات الديار والرحل والهجاء والمديح والتشبيب بالنساء ووصف الخيل والافتخار. 

2. للنهج الشعري في حسن الحديث خصائص يتشابه بعضها مع تلك للشعرية التراثية، ويختلف في بعضها الآخر عنها، وتدرك مقولة الاختصاص في نهج مخصوص من خلال معرفة محل بشار في الشعر وتقدمه طبقات المحدثين بإجماع الرواة. 

تصح مثل هذه المقارنة المضمرة مرة والصريحة أخرى على وجهة نظر نقدية تعتقد في درجة عالية من التأثير للشعرية التراثية على الشعرية الحداثية، وتصح على فرادة شعرية واقعة في شراك النحول وبالتالي يمكننا القول إن هناك إعجاب في مرحلة أولى بطريقة شعرية تراثية، وأن هناك في مرحلة لاحقة إعجاباً بطريقة شعرية حداثية، وأن نستنبط العلاقة بينهما ولهما في أن عن طريق التأكيد على إن التأثير الشعري يأتي بوصفه تحريفاً للشاعر الأول وهو فعل تصحيح إبداعي، وإن تاريخ التأثير الشعري الخلاق هو تاريخ القلق أو الرغبة، أو تاريخ الخلاص الذاتي، والتميز، واستكمال الشعر السابق الذي بدونه لا يمكن للشعر الحديث بوصفه كذلك أن يوجد. 

لم يجد ابن طباطبا المنشغل باختيار شعري أية صعوبة في الإشارة إلى المطابقة الحميمية بين فرادة الجودة الشعرية التراثية ولطافة الشعرية الحداثية، ففي كتابه عيار الشعر تصحب قراءة أمر العلاقة التناصية على مستوى هذا التصنيف جميع الأعراف التي يمتصها ويخزنها حسن أنتج في زمن متقدم، ويستند تحديد الأصل التاريخي لهذه العلاقة إلى عدد من الشواهد الشعرية التي يعتقد في تأسسها على عدم الخلط بين الكلام البدوي الفصيح والحضري المولد، وعدم الخلط بين الألفاظ السهلة، والألفاظ النافرة صعبة القيادة، وهو تأسيس يحقق قاعدة شروط حاول أن يبين لزومها لحسن ينتج في زمن لا حق، وقد كان هذا الإلزام مكرساً لمركزية أن يطلع الشاعر على شواهد شعرية اختارها ويديم النظر فيها لتلصق معانيها بفهمه، وترسخ أصولها في قلبه، وتصير مواد لطبعه، ويذوب لسانه بألفاظها فإذا جاش فكره بالشعر، أدى إليه نتائج ما استفاده مما نظر فيه من تلك الأشعار فكانت تلك النتيجة كشبكة مفرغة من جميع الأصناف التي تخرجها المعادن، وكما قد اعترف من واد قد مدته سيول جارية من شعاب مختلفة، وكطيب تركب من أخلاط من الطيب كثيرة، فيستغرب عيانه ويغمض مستبطنه. 

من الواضح أن هذا التصور للعمل الشعري في الشكل الذي تبين عنه قيود ابن طباطبا على الشعراء تصور يرضي تماماً توجها نقدياً بدأ يفرض هيمنته مع الجاحظ، وإنه تصور قائم على العلاقة القائمة بين نصين لاحق وسابق دون شك، ومميزة هذا التصور أنه يحاول أن يبرر لنا كون بعض التجارب الشعرية شديدة الشبه بالظرف التي مرت بها الشعرية العربية، أو هي النقل لتعبيرات سابقة أو متزامنة، وبالعلاقة بين أشعار منتجة ومختارة وأخرى لم تنتج بعد، وهو أهم تصور يؤدي بالشاعر القارئ إلى الإيمان بوجوب وضع التجربة الشعرية في المجموع الشعري التاريخي، وهو يقدم تصوراً يستعير أسسه من الأساليب الشعرية المألوفة التي يطرقها الشعراء الذين ينتمون إلى التراث أو التقاليد الأدبية، ومن الواضح أن مثل هذا التصور على علاقة وثيقة بالاعتقاد المتجدر في قراءة نقاد القرن الثالث للهجرة، كما في قراءة عدد غير قليل من نقاد القرن الرابع للهجرة وبعده، في كون تعويل الشاعر على غيره واتباعه في نهجه الشعري عرفاً إبداعياً يعيد إنتاج المعروف، ويؤكد أن الشعر ليس شيئاً سوى ما يستأنس به الشاعر الأخذ من غيره ويألف اتباعه. 

وسيكون لهذا التعويل من جهة أخرى دلالة على تفنن في سرقة تفصح عن اقتدار حاذق إذا علق المعنى المختلس عدل به عن نوعه وصنفه وعن وزنه ونظمه، ومن الواضح أن هذه المكونات التناصية بامتداداتها التاريخية لا بد أن تشمل الموسوعة العامة للشعر، وليس من المهم أن يتفق النقاد جميعاً في درجة تمثل الشاعر لها طالما هم يتفقون على العلاقة بين زمن شعري ماض وزمن شعري حاضر داخل هذه الموسوعة. 

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
أزواج الصفات ومنهج المقاربة؟

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...