0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة (4.2مليون نقاط)

يبدو أن سبيل الكلام الذي يدخله التفاضل باعتباره أحد الأوصاف الواجب إسنادها إلى النصوص الموصوفة أدبية، تؤلف علما له اختصاص بالبلاغة وهي:

أ- الوحدات المعجمية مثل يخص حدوده وحد موضوعي المتقدمين من العرب، وحد لاحق المتأخرين من الخطباء والبلغاء عن زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان الاقتداء يقع بالضرورة ضمن إطار من الاختيار يسند فيه اللاحق إلى السابق، فإن المقارنة يجب أن تحتكم إلى تفاعل ممتد، كما يقول ياوس عبر التاريخ. 

ب- إذا استقام الخطاب على وجه مخصوص من النظم والتأليف انتقل ثانياً إلى أعراف القراءة البصيرة بجوهر الكلام فعند هذه النقطة يلتقي الشعر والنثر من جهة القدرة على التأثير والإقناع، وفي تحقيق ترتيبات التفاضل بالعودة إلى أساليب ادبية وقوانينها البلاغية المشتركة من جهة ثانية، ويفسره عبد القاهر الجرجاني على وفق مفاهيمه عن البلاغة و الفصاحة و البيان و البراعة، وكل ما شاكل ذلك مما يعبر به عن فضل بعض القائلين على بعض من حيث نطقوا أو تكلموا، وأخبروا عن الأغراض والمقاصد، وأرادوا أن يعلموهم ما في نفوسهم، ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم، تنطوي آلية مثل هذا التفاضل على أولوية تذوق النصوص الأدبية الأنموذجية ومعرفتها ومن جملة ما يدعمها

أولاً : إسناد فكرة الفضيلة والتفاوت إلى مفاهيم جامعة استوعبت سائر أنواع الكلام وتجلياتها، وتفترض هذه المفاهيم خضوع قسمتها على مستوى الكلام الفصيح قسمين: قسم تغزى المزية والحسن فيه إلى اللفظ، وقسم يغزى فيه إلى النظام

1- قسم أول تتضمنه الكناية والاستعارة والتمثيل الكائن على حد الاستعارة، وكل ما كان فيه على الجملة مجاز واتساع وعدول باللفظ على الظاهر، ويتبين من هذا التضمن أن المتكلم مجبر على اختيار أحد الأسلوبين الإفصاح أو التعريض الحقيقة أو المجاز، لاختيار إحدى الغايتين التداول العادي للخطاب، أو التداول المنجز لفعل الوقع والتأثير. 

وبما أن العلاقة التفاعلية من هذه الزاوية أو تلك علاقة تجري فيها الفضيلة، وأن تتفاوت التفاوت الشديد، فإن خيار المتكلم يقع ضرورة ضمن تعاقب جدلي للأشكال يشغل معنى المعنى مكانة مركزية في الدراسات البلاغية النقدية لتاريخ الأجناس الأدبية، حيث أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح والتعريض أوقع من الإفصاح وأن للاستعارة مزية وفضلا، وأن المجاز أبلغ من الحقيقة، وأما السؤال عن كيفية تعالق الفضيلة والتفاوت من جهة الكناية والاستعارة والتمثيل من جهة ثانية، فإننا نستطيع الاستنارة بقول للتهانوي ذكر فيه إن المعاني الأول هي مدلولات التراكيب والألفاظ التي تسمى في علم النحو أصل المعنى والمعاني الثواني الأغراض التي يساق إليها الكلام. إن الخاصية الرئيسة لهذه هي قدرتها على الانتقال من أدبي إلى آخر، ويشهد لهذا الانتقال في منهج عبد القاهر الارتباط الناجم عن وجود علاقة بين معاني النحو والتداولي، وهو ارتباط يحصل من تدخل أصل من أصولها من أجل تقييد شرط من شروط النحو وتفعيل حكم من أحكامه المتنوعة، ومن مظاهر تلك الخواص اللغوية والأسلوبية والدلالية اشتراك الشعر والنثر فيها جميعاً 

سالت عَلَيْهِ شَعَابُ الحي حين دعا

أنصاره بوجوه كالدنانير

فهو دليل على ترتيب يتسابق حداه الاستعارة على لطفها وغرابتها، وبما توخى في وضع الكلام من التقديم والتأخير ونجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها. 

وغني عن البيان أن عبد القاهر الجرجاني ينفذ هذا التفاوت بين المستويات اللغوية بشبه هذه الشواهد على طول كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وأنه يضع دائماً الشعر في درجة من التميز تسبق النثر ولا تلحق القرآن، وأن هذا النفاذ هو سبيل تأكيده المستمر على مركزية الشعر في فهم بلاغة القرآن، وهو من أقوى القيود الضامنة لمنظومة بلاغة جعلته مثالا في البراعة، أو يحتج به في تفسير الكتاب والسنة، وينظر إلى نظمه ونظم القرآن، فيرى موضع الإعجاز ويقف على الجهة التي منها كان، ويتبين الفضل والفرقان.

ونعتقد أن هذه الكيفية في استيعاب بلاغة الشعر هي التي أراد أبو عبيدة وآخرون أن يحدثنا عنها، لاستجابته لحاجات الفهم والتفسير والتأويل، فقد كان المجاز القرآني واستعاراته وتشبيهاته وكناياته وغيرها، تتمتع بفهم أفضل عندما يتم تناولها في ضوء التقابل بينها وبين شبهها أو ما يفسر وظيفتها على مستوى الشعر. 

ثانياً : نهوض مقولة تفضيل الشعر على النثر في منظومة الفكر الأشعري ممثلاً في الباقلاني، على مسار ثلاثي الأبعاد

١- أن معظم براعة العرب في الشعر.

٢- هو الشعر إذا تهذب في بابه، ووفي له جميع أسبابه، لم يقاربه من كلام الآدميين كلام، ولم يعارضه من خطابهم خطاب.

٣- أن الفصحاء منهم حين ورد عليهم القرآن، لو كانوا يعتقدونه شعرا، ولم يروه خارجا على أساليب كلامهم، لبادروا إلى معارضته، لأن الشعر مسخر لهم مسهل عليهم، ولهم فيما علمت من التصرف العجيب، والاقتدار اللطيف.

يؤسس القول بتفضيل الشعر على النثر في موقع البحث عن الإعجاز البلاغي للقرآن على جهة أخرى من التفضيل، يدل على ذلك ما حكاه القرآن عن من قوله إنه شاعر وإن هذا شعر لابد أن يكون محمولا على أنهم نسبوه إنه يشعر بما لا يشعر به من الصنعة اللطيفة في نظم الكلام لا أنهم نسبوه في القرآن إلى أن الذي أتاهم به من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة. 

وإذا تأملنا منطق الحمل على المفاهيم الشفاهية للشعر والشاعر أمكننا أن ندرك السبب الذي من أجله تمت فيه المقابلة بين الشعر والقرآن الكريم مرة، وبين الشاعر والرسول صلى الله عليه وسلم أخرى، ففيها نكتشف تفسيرا لكيفية تأثير الكفاءة الشعرية في تصور المتلقي الخصائص المقابلة وقوانينها، ذلك أنه من المؤكد أنه بإمكاننا اللجوء إلى قول القرآن إنه شاعر وإن هذا شعر حتى نصف الفارق بين الشعر والنثر، لكونه فكرة بلاغية مفترضة مسبقاً، لقد ظهرت في أفق النظرية النقدية العربية القديمة مقولتان في تحديد أهمية الشعر هي

تتعلق المقولة الأولى بكلمة شعر في اللغة، فهو العلم وفي الاصطلاح كلام مقفی موزون على سبيل القصد والقيد الأخير يخرج نحو قوله تعالى الذي أنقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك فإنه كلام مقفى موزون، لكن ليس بشعر لأن الإتيان به موزونا ليس على سبيل القصد، وهو في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم ليت شعري، وصار في التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام، والشاعر للمختص بصناعته ومن خلال قراءة التعريفين، يمكننا أن نسجل المرتكزات التالية:

١- ربط الراغب الأصفهاني بين ماهية الشعر والقصد إليه من خلال الالتزام بعناصره الشكلية كالوزن والقافية.

٢- يأتي الاهتداء إلى خصوصية نظمية وتأليفية من طريق نماذجه الموسومة بصناعة شعرية، وهي صناعة يعرفها كوهين على أنها علم موضوعه الشعر.

وترتبط المقولة الثانية بكلمة شاعر، والشاعر من شعر يشعر شعرا فهو شاعر، ولا نستطيع الاستضاءة بوصف تفصيلي لدقة المعرفة المنسوبة إلى الشاعر في النص السابق ولكننا مع ذلك نستطيع أن نقدر تعطينا هذه المعرفة نظرة أخرى بصدد ماهية تسمية الشاعر التي تبين ابن رشيق فيها أنه سمي كذلك لأنه يشعر بما يشعر غيره، فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة فيما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله من الألفاظ، أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر، كان اسم الشاعر مجازا لا حقيقة. 

ليست هذه القدرة التعيينية في علاقتها بشكل القصيدة الشعرية أو مضمونها، وإنما تمتد لتشمل بنية كلية متعمدة في تكوينها على ركائز أربع هي؛ 

1- تناصية : أنه لا يقاس إلا بالابتكار والاختراع، والمعاني الخاصة، وأنها سمات خاصة بالشعر.

2- إلهامية : وتخص امتلاك الشاعر ملكة الإبداع الشعري، وتشكل هذه الملكة علامات فارقة لشكل الأسلوب وفرادته، إبداعا، واثراء، وتكثيفا إيجابيا، واقتدارا على صرف المعنى من أسلوب إلى أسلوب آخر.

3- لسانية : في دوران العلاقة بين الشاعر وشعره، ينتج تصاهرا بين الزاوية اللسانية للوظيفة الشعرية، وبين سياق وظيفته في الشعر على وجه الخصوص.

4- شعرية : تظهر الشعرية في حلبة هذه العلاقات، علما لا يعني بالشعر الحقيقي بل بالشعر الممكن ويعنى بتلك الخصائص المجردة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي أي الأدبية. 

إن الأمر الأكثر وضوحا في حد هذه التسمية على النقيض، هو الأكثر خفاء عند ترتيب العلاقة بين الشاعر والشعر فقد اعتمدت تسميتهم للشعر من قولهم شعرت، بمعنى فطنت، والشعر الفطنة، كأن الشاعر عندهم قد فطن لتأليف الكلام. 

وإن التسمية المعبر عنها بوساطة الفطنة تخضع لعلاقة متعدية بين الشعر والشاعر والشعرية باعتبارها سبيل ترتيب قاعدة إحدى وظائف الفجوة أو مسافة التوتر، وهذا معناه أن مقولة الفطنة كانت على قدر كبير من الأهمية، فهي وإن لم تكن كذلك في التمييز بين القرآن والشعر، فقد كانت كذلك في إقامة حد فاصل بين الشعر واللاشعر، ويسجل الشعر درجة انتمائه إلى الشعرية تبعا لدرجة فطنته بالغوامض من الأسباب، وهذا التعالق بين الفطنة والغموض هو ما خلق أوالية التجربة الخيالية من طريق المشابهة، حيث يرتبط التشبيه بالفطنة والبراعة وكل ما كان المشبه منهم في تشبيهه ألطف كان بالشعر أعرف، كلما كان بالمعنى أسبق كان بالحذق.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
سبيل الكلام الذي يدخله التفاضل باعتباره أحد الأوصاف الواجب إسنادها إلى النصوص الموصوفة أدبية؟

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...