0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

التوثيق من خلال التغيير: وصلنا فيما سبق إلى نتيجة عامة مفادها أن العرب القدامى كانوا يتعرفون على النص الشعري بسبب الحفظ والرواية، ومن هنا أنت أسبقية المنطوق على المكتوب والمسموع على المقروء، لأن كليهما يتجه نحو مبدأ بساطة التواصل القائم على مبدأ غلبة حفظ ورواية يستسلمان لغلبة السمع، وستكشف بقية هذا المبدأ كيف أن الكتابة ستعمل جنباً إلى جنب مع الرواية، وأن الكتابة لا يمكن أبدا أن تستغني عن الشفاهية، وإذا وضعنا هذه الفرضية نصب أعيننا، وجدنا ممارسة توثيق الشعر تحاج في تدرجها العودة إلى ثقة الكتابة في الرواية، ووظيفة كل واحدة منهما إنما هي درجة الثقة في الشعر المروي وفي راويته. 

ومن هنا اكتسبت بعض الشواهد الشعرية ثقة الناقد على الرغم من علمه في اختلاف رواياتها، وقد تم تنظيمها من حيث تماثلها الأساسي من خلال ملاحظة بعض من الفروق بين رواية ورواية أخرى مثل حالات استبدال لفظة بأخرى والحركة بالحركة، وكل منها يتطابق مع نية حسنة إذ إن تصحيح البيت مساهمة في الصيانة إلى حد الكمال، وهكذا يصير الشاهد الشعري بمنزلة: شاهد شعري يروى على وجهين، ومقتضاهما التسليم بأن السماع يكون ممن يوثق به عن العرب، ولا سبيل إلى رد رواية ثقة. 

شاهد شعري يروى سماعاً وينقل من الدواوين، ولما كان العلماء الأوائل يعملون على ترك الشواهد المخالفة لمجال التداول المنقول من جهة عربي يحتج بقوله صار الأخذ من الصحف قضية مشروطة بتخير منها ما يحمل أسباب التشابه والائتلاف مع من يكون عندهم حجة في كلامه، وممن يستشهد بقوله.

وقد أرجع السيوطي سبب اختلاف الروايات لبيت من الشعر إلى سببين رئيسين هما:

١- احتمال أن يكون الشاعر أنشده مرة هكذا ومرة هكذا.

٢- أن العرب كانو ينشدو بعضهم شعر بعض، وكل يتكلم على مقتضى سجيته. 

بإجراء المهارة الشعرية المكتسبة في مجال التغيير، أمكن ملاحظة أن الفاعلية الكامنة في مستويات الرسالة الشعرية التي لحق التغيير بعضا منها، هي ثابتة من ثوابت الثقة في الراوية الحجة، ومن هنا يسهل على المتلقي القادر على فقه العلاقة بين عناصر التشويش والرسالة الأصل إدراك أن الدقة في التحري والتشدد في الرواية وسائل علم يسعى إلى وصف صحيح لما أسماه براون ويول بالجمل النظامية، فهو مبني في كامل نصوص النظرية النقدية العربية القديمة بطريقة توحي بفحص شمولي ودقيق وضمن أنموذج قراءة هي دليل على كرم هذا الأمر ونزاهة هذا العلم ألا ترى إذا سبق أحدهم ظنة، أو توجهت نحوه شبهة، سب بها، وبرئ إلى الله منه لمكانها، ولعل أكثر من يرمى بسقطة في رواية أو غمز في حكاية محمي جانب الصدق فيها، برئ عند الله من تبعتها لكان أخذت عنه أما لاعتنان شبهة عرضت له، أو لمن أخذ عنه، وأما لأن ثالبه ومتعيبه مقصر عن مغزاه مغموض الطرف عن مداه.

يترتب على اتخاذ الثقة في المثاقفات الموجودة بين السلف والخلف مبدأ منظم لفهم اختلاف خاص بهم. وإذا كان هذا الاختلاف يعني على وجه العموم ضبط علم العرب أو تصحيحه الذي لا يخلص جميعه للدين خلوص الكلام والفقه، ولا يكاد يعدم أهله الأنق به والارتياح المحاسنه، فإن موضع الخلاف بين روايتين كامن في موضع الجهد الذي كان على العالم أن يبذله. 

ويظهر موضع الإشادة بهذا الجهد بوضوح لدى السيرافي، مثلا، وهو يعترف بوجود إمكانيات أخرى للاستبدال تسمح به الخصائص التي تميز المعرفة والذوق المؤسسين على الشفاهية، ومن هنا أمكنه التشديد على ما يتمتع كل من الراوية الحجة والعالم عموما من قدرة في التفطن إلى مواقع التشويش في المرسلة الشعرية، وبمقتضاها يرفض الشك في اضطراب سيبويه في رواية شاهد يخالفه فيه، فأقام قواعد التركيب على رواية تختلف في الإنشاد الشعري بين ما سيبويه ينشد على بعض الروايات التي فيها حجة، فينشده على ما سمعه، وبين ما يرويه راو آخر على وجه آخر لا حجة فيه، لمنع أي التباس بينهما فالتغيير في الإنشاد واقع من جهتهم والشواهد في كل رواية صحيحة. 

لأن العربي الذي غير الشعر وأنشده على وجه دون وجه قوله حجة، ولو كان الشعر له، لكان يحتج به،ألا ترى أن الحطيئة راوية زهير، وكثيرا راوية جميل، والراوي والمروي عنه كلاهما حجة.

وتبعا لما يخططه علماء اللغة في ترتيب حدود سلامة الشاهد الشعري ونحوه، وضبط مكونات الرسالة الشعرية وتوثيقها، فإنه يمكن إلحاق حدود التغيير بمعرفة دلالية ولغوية بحاجة إلى معرفة دقيقة بكلام أهل الجاهلية وكلام أهل الإسلام.

التماسك الدلالي في فهم التغيير والتصحيف؟ 

يمكن إرجاع بعض مصاعب التوثيق إلى ما يتولد عن عملية الفصل عن قصد أو دون قصد بين أصل المرسلة الشعرية وبين مختلف رواياتها الناتجة عن التعيير والتصحيف ويعتمد هذا الفصل في جانب منه على صورة مشوهة لحروف اللفظة الشعرية التي تفصل قصد الشاعر عن قصد النص، وتصبح لكل منها سلطة على قصد القارئ، ويصف الصولي مثل هؤلاء بالجهلة من الناسخين الذين يصحفون أيضا على أبي تمام، ووجوه الخسارة في هذا التصحيف كثيرة، أبرزها انغلاق شعر أبي تمام مع أنه لم يؤثر عنه، وأقل من ذلك وضوحا تغيير الحركة بالحركة وحينما تتناقل الضعفة من الرواة، والجهلة من الناسخين، يحتمل أن يغادر القارئ الفهم خبط عشواء لأن تغيير الضمة إلى الفتحة والكسرة ينشب الفطن في الحبالة، فأما نقل الحاء إلى الخاء، والدال إلى الذال فيحدث عنه الباس، تقرن به بلادة وانتكاس. 

إن وصفنا من هذا القبيل لا ينبني إلا على سوف الفهم الذي خص بعضاً من شعر أبي تمام وكثرة ما طرأ عليه من تصحيف وتحريف، ومن أبرز مسببات سوء فهم آفة تشابه الحروف واختلاط الخطوط، وشيوع اللحن، فضلا عن نسيان الرواة. 

وهكذا توسع الكتابة مجال عناصر التشويش التي قد تلحق القصيدة الشعرية، فتخلق بذلك سبيل تقاطع بين فكرة خلف الأحمر والأصمعي وابن الأعرابي عن التغيير، وفكرة المعري عن فساد الرواية، وهو تقاطع يمكن توضيحه على النحو التالي

يسعى الصولي ومن بعده المرزوقي والتبريزي وآخرون، طبقا لهذا الاختلاف في الرواية الموثقة، إلى أن لا يجعل انحراف فعالية القصيدة الشعرية عما يرغب فيه الشاعر عملية اختيارية منوطة بالناسخ أو رواية فاسد. 

ولما كانت الرغبة في توفير تفسير يستنجد بالرواية بجهاز تلق هو الذاكرة والحفظ والكتابة مشفوعة بثقافة تستوعب الشعرية العربية، ولما كانت المعايير النقدية تحتكم في مجموعها إلى المقصد اللغوي الذي يقف وراء المرسلة الشعرية على أساس من التعليل المسند إلى مبادئ عمود الشعر، فإن معرفة القارئ مواطن التصحيف والتحريف والتغيير تنطوي، إذن، على معرفة بشعر العرب، ونكون بذلك إزاء فعل قرائي يحاول أن يجمع بين منهج في التفسير والشرح وبين إدراك يحقق جملة من ردود الفعل التي تسعفه في أن يستجيب الفعالية الرسالة ويقيم معها علاقة تفاعلية يسعى عن طريقها إلى تبرير دهشته الجمالية ومتعته الفنية.

ويرد القدامي تمازج هذا الجمع إلى أصول ثقافية تمتزج داخلها الثقافة الشفاهية بالتدوين والعلم، ومن هنا أمكن الحديث عن تداخل الحفظ والذاكرة من جهة والكتابة من جهة ثانية، وأنه قد تمت مباشرتهما انطلاقاً من عدم التناقض بينهما. 

وأن خلاصة هذا التداخل هي من أجل تبرير الطابع التوثيقي أحادي الاتجاه في تدارك عناصر التشويش، وهو عينه المسند إلى معيار لغوي ودلالي هو الحد الذي تولده ثقة في الراوية أو عدم الثقة فيه. وأصل هذه الثقة هو استقرار الشاهد الشعري على سرد بعينه، ويتحدد بترتيب وينتهي لغاية تقعيد نحوي أو بلاغي.

يظهر الشكل البياني السابق أن المرسلة الشعرية تمر عبر قناة ناقلة تمتد زمانا ومكانا، وضمن هذا الامتداد يمكن أن ندرج عناصر التشويش الثاوية وراء القناة الحاملة للرسالة الشعرية، وينقسم هذا التشويش حسب بلمليلح إلى نوعين متميزين؛ 

أ- تشويش يتعلق بالقناة الأساسية، والمصطنعة في الرسالة الشعرية على أساس انتمائها إلى تواصل من نوع، وهو يخص علاقة المرسل بهذه لقناة.

ب- تشويش ثان يخص قناة متفرعة عن القناة الأولى، وهي التي تتكفل بنقل الرسالة بحسب التواصل من قبيل أنا أنا. 

خضعت القناتان حسب نصوص التراث إلى أنواع من التشويش، وهي في كلتا الحالتين لم تستقر على حالة بعينها، ويمدنا حديث عن التنقيح والتثقيف والتكلف في إصلاح الشعر وشغل به حواس الشاعر وخواطره، بأمثلة توضح الفرق بين ما يرغب فيه الشاعر المرسل وبين ما يرغب فيه الشاعر المتلقي، وهو في مجمله يعد سيرورة ثقافية لأنها تحدد كثيرا من خصائص الشعر ومن شروط استمرارية تداوله وانتشاره فالتنقيح، بناء على ممارسة شعرية معروفة وميسرة، يمكن أن يفضي إلى تشويش يتعلق بالقناة الأساسية يقوم به الشاعر نفسه. 

ويشتغل التقويم والتليين بطريقة يختص به الشاعر في إذلال الشعر وتسهيله، مما يؤدي إلى هيمنة مقومات أسلوبية ناتجة عن هذا التغيير، وتكرار هذا التغيير هو الذي يحقق الانسجام الذي نلاحظه في شعر هؤلاء الشعراء؛ 

1- فهو ينظم العلاقة بين العمل الأول والعمل الثاني، وفق علائق تضمر عن فشل أولاهما ونجاح ثانيهما، ولهذا قيل: خير الشعر الحولي المنقح، وكان الحطيئة يعمل القصيدة في شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها، وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها فيلقي أكثرها ويقتصر على العيون منها، وكان البحتري يلقي من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا. 

2- يتعدى التنقيح هذا الإطار، وذلك لتنظيم علاقات نوعية مع جمهور يتوقعه الشاعر، ويتحقق التشاكل بين المرسل والعمل الشعري والمرسل إليه، بفعل التراكم المتكرر المقومات أسلوبية وسياقية متداولة، ومرتبطة بذائقة جمهور متجانس، مما يؤدي إلى تكريس مقصود لدور المستمع في تحقيق الصياغة النهائية للقصيدة.

نجسد تشعبات هذا التنقيح بالخطاطة التالية مكملة ببعض التوضيح الذي سنوردها في صفحات لاحقة وبالموازاة مع ذلك، استند التشويش الثاني الخاص بالقناة المتفرعة عن القناة الأولى، إلى فكرة تركيب بنية لغوية فرعية لا تتطابق مع البنية اللغوية الأصلية. 

ويجد هذا التشويش ضالته في اختلاف الرواة في رواية شواهد شعرية، وخاصة تلك المأخوذة من شعر أبي تمام لأن في شعره صنعة لا يكاد يخلو منها وموضع مشكلة تصعب على كثير من الناس، ولا سيما على من لا يستأنس على القارئ التوصل إلى معرفة معانيه وألفاظه. 

إن الذي يميز هذا النوع من التشويش سيكون بالتأكيد هو: إن اختيار الراوية الناسخ لبنية صوتية خطية، سيسمح بتجاوز مقصود، أو غير مقصود للمرسلة الشعرية الأصلية، وسيصبح مرتعا لسلسلة من التغييرات في الصورة الأصلية للعمل، مما يؤثر، وبشكل أساس في الوضع التواصلي بين الشاعر والمرسلة الشعرية الأصلية من جهة وبين معطيات التصحيح والمتلقي من جهة ثانية، خاصة إذا علمنا أن القناة الثانية قد خضعت فيما يخص النص الشعري العربي القديم إلى أنواع من التشويش لا يمكن مجاوزته إلا بفعالية قصوى للمستوى التقني الذي تتميز به الرسالة الشعرية، ومدى قدرة هذا المستوى على أن يؤثر في سلوك المتلقي بحسب ما يرغب فيه المصدر. 

تتمثل مهمة الراوية الثقة لدى أبي تمام في الإمساك، حقا، بالمرسلة الشعرية الأصلية ففي قصيدة له مدح فيها عبدالله بن طاهر سائلاً أبا العميئل شاعره عن شيء وقع له به عبد الله بن طاهر فتأخر، يضمنها الشاعر افتراضاته الأساسية الخاصة بفهمه للرواية، وأثر التصحيف والتحريف في تزييف التجربة الأصلية المستوى الدلالي الكامن في المرسلة الشعرية الأصلية، يقول:

ليت الظباء أبا العميثل خبرت خبراً يروي صاديات الهام. 

ولخفت في تريقه ما بيننا .... ما قيل عمرو وفي الصمصام. 

لولا الأمير وأن حاكم رأيه في الشعر أصبح أعدل الحكام. 

لثكلت أمالي لديه بأسرها أو كان إنشادي خفير كلامي. 

يسمح تأكيد الشاعر على وجود مستويين صميم الرسالة الشعرية واختلاف الرواية الموثقة مستقلين منفصلين إمكانية إعادة بناء العلاقة بينهما تبعا للفاعل الذي ينتجه العمل أو الفاعل الذي يرويه، ومن هنا يصبح التفاعل مع مستوى حركة الإعراب وحروف الألفاظ في شواهد أبي تمام، إزاء تفاعلين منفصلين، يرتبط أحدهما بالمستوى الحرفي للمرسلة الشعرية الأصلية، ويرتبط الآخر بمختلف رواياتها بعد التغيير وتوثيقه ويسعفنا هاهنا، منهجيا أنموذج جاكبسون التواصلي في تحليل التفاوت في فقه درجة من الاختلاف اعتمادا على ملاحظة الشاعر بعضا من الفروق الأساسية بين أصل المرسلة الشعرية، والمرسلة الشعرية المنقولة من قبل الراوية الناسخ. 

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
تأثيرات أخرى للحفظ والرواية والكتابة؟

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...