0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج الدراسية بواسطة (4.2مليون نقاط)

تعرف النصوص المكتوبة بأنها ما يحدد علاقة المكتوب بالمنطوق ليست حصائل الأداء الفردي للكلام الذي لا يمكن إهمال أهميته ولا التقليل من شأن فاعليته في تداول الخطاب وانتشاره ولكن ثمة مجالا آخر من وجه هذه العلاقة، يمكن وصفه بمستوى ترجمة الحروف مكتوبة للحروف ذاتها منطوقة ففي هذا المستوى يظهر ضبط الحروف، كمعادل موضوعي للنص بصفته الصيغة التي سيعتمد في كتابته كتابة حرفية صحيحة مسألة أساسية فهي تحيط به في حيز محيط دائرة قطباها اتفاق ظريف وتأول طريف من جهة، وقدرة على الاحتمال من جهة ثانية. 

وقد ذهبت نصوص التراث إلى تسجيل مكونات التسجيل الخطي اللغوي على التالي:

ذكر سهل بن هارون صاحب بيت الحكمة أن عدد حروف العربية ثمانية وعشرون حرفاً على عدد منازل القمر وغاية ما تبلغ الكلمة منها مع زيادتها سبعة أحرف على عدد النجوم السبعة فقال: وحروف الزوائد أثناء عشر حرفاً على عدد البروج الاثني عشر، وقال أيضاً: ومن الحروف ما يندغم مع لام التعريف، وهي أربعة عشر حرفاً مثل منازل القمر المستترة تحت الأرض وأربعة عشر حرفاً ظاهرة لا تندغم مثل بقية المنازل الظاهرة وجعل الإعراب ثلاث حركات الرفع والنصب والخفض لأن الحركات الطبيعية ثلاث حركات حركة من الوسط كحركة النار، وحركة إلى الوسط كحركة الأرض وحركة على الوسط كحركة الفلك.

يتوقف تقويم هذا الحصر العددي وما يتضمنه من قسمة توزعها، وحروف زائدة، وأخرى تندمغ، وثالثه لا تندمغ مضافة إليها حركات الإعراب على طريقة في الإحتمال، ولها أهميتها بالمقارنة مع شكل الكلمات المنطوقة، فللكندي رأي في هذا الأحتمال يستند إلى نوعية الحرف العربي وقدرته الصوتية، فهو لا يعلم كتابة تحتمل من تجليل حروفها وتدقيقها ما تحتمل الكتابه العربيه ويمكن فيها من السرعة ما لا يمكن في غيرها من الكتابات.

لا يفيدنا الخوض فيما نحن فيه في درجة الاحتمال التي تفصح عنها المقارنه بين الكتابه العربية والكتابات الأخرى، ومع ذلك نقول؛ إن العرب كانت تسجل نصوصها منذ عصر صدر الإسلام، ويدور التسجيل في رحى ثنائية الدليل الخطي الدال في ذاته والدليل الخطي كبيان أو كصناعه باعتباره الأصل الذي تجري عليه منافع الكتاب، يقول الجاحظ؛ (فأما الخط، فمما ذكر الله عز وجل في كتابه من فضيلة الخط والإنعام بمنافع الكتاب، قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى [اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم]، وأقسم به في كتابه المنزل على نبيه المرسل حيث قال تعالى: {ن والقلم وما يسطرون}، ولذلك قالوا القلم أحد اللسانين، كما قالوا قلة العيال أحد اليسارين، وقالوا القلم أبقى أثرا واللسان أكثر هذرا.

يكشف الإستناد إلى التسجيل الخطي للنص، وأن واسطة الكتابه هي بالأصل واسطة الإنسان إلى العلم والمعرفة بالعالم، ويبنى القياس بينهما من تبادل العلاقة بين ثلاث مرجعيات هي؛ 

١- يكون تقنياً عندما يعتمد عليه في ضبط الكتابة من طريق رسوم حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس.

٢- يكون صناعياً عندما يدخل في علاقة نوعيه مع الإنسان فهو ثاني رتبة من الدلالة اللغوية وهو صناعة شريفة إذ الكتابة من خواص الإنسان التي يميز بها عن الحيوان.

٣- يكون بيانياً عندما يجمع بين فوائد كثيرة فهو يتضمن إلى جانب كفاءة تبيين ما في الضمائر الوظيفة التخزينية التي تسمح بالاتصال المتجاوز للزمان والمكان، وتزود الإنسان بوسيله إضافية فاعلة للتدوين والتذكر بها تتأدى الأغراض إلى البلاد البعيدة فتقضي الحاجات، وقد دفعت مؤونة المباشرة لها ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الأولين وما كتبوه من علومهم وأخبارهم.

لا يخفى علينا أن مجموع هذه العلاقات تفتقد كما يقول محمد الماكري إلى وصف واف للأدلة الخطية كأدلة قائمة الذات، ولا إلى الخوض النظري في القدرة التمثيلية لهذه الأدلة ولكننا مع ذلك نستطيع أن نحتفظ بما قدموه للبرهنة على أن حضور الكتابة، هو حضور معرفي مطبوع بالتضايف بين مختلف العلوم التي بدأت تفرض هيمنتها شيئاً فشيئاً على الذاكرة الثقافية وتستند آلية هذا التضايف كما هو موزع في العلائق السابقة، إلى علاقة تراشح يمكننا إعادة توزيعها على نوعين من الوظائف:

النوع الأول : ويظهر فيه انتقال للغة من المجال المسموع إلى المجال المرئي، وهو انتقال يسمح للكلمات بأن تعالج خارج سياقاتها الأصلية في سياق مغاير جداً وبالغ التجريد. 

تعالج بعض نصوص التراث باحتشام جانباً من الفروق الواقعية بين الاستعمالات الفرديه للكلام واللغة الكتابية الراقيه، مكتفية بالإشارة إلى دواعي التمييز بينهما دون التمكن من التركيز على طبيعتها، وتنبع أهم الفروق من حالة خاصة للغة المحكية التي يمكن أن تشتمل على تفاصيل التقطيع النطقي وما يتضمنه من تضييق للمنطوق واتساع فيه. 

يكون كل من الاستحسان والاسترذال حالات اتساع للأثر الحسي أو النغمي للألفاظ، وحالات تضييق لمجموعة التأثيرات الخاصة بهما ويتم تقويم هذه الحالات وتقديرها تبعا لدرجة تمثيل كل واحد منهما حدود الصوت أو الصرف أو العنصر الشكلي لسياق الكلام. 

وقد اتضح أن تصور هذه الفروق لدى القدماء قائم على أساس التمييز بين فروق صوتية وفروق توثيقية:

الأول: بين درجة من التضييق ودرجة من الاتساع، بل درجات أخرى أشد تطرفا، نستطيع أن نجد جميع مستويات التفاوت بين الشعر والنثر في الأهمية النسبية للصوت، ففي درجات هذا التفاوت تصبح العلاقة بين الصوت والنثر علاقة أقل مباشرة، بينما هي على مستوى علاقة الصوت بالشعر فإن الصوت هو الذي يكمل الدلالة ويحدث التأثير بوصفه واسطة للوزن وركيزته حيث يكون للشعر الموزون إبقاع يطرب الفهم لصوابه، وما يرد عليه من حسن تركيبه، واعتدال أجزائه. 

إن الفهم الذي قام على أساسه تأمل هذه العلاقة التفاعلية نشأ حين نظر إلى سؤال خصوصية اللغة الشعرية من منظور ليس بالتاريخي، كما هو عند الرواة وعلماء اللغة، ولا بالطبقي كما هو عند ابن سلام ومن بعده ابن المعتز بل من منظور متمركز في الطبيعة الحسية للعلامة أو العلاقة بين الشعر وبنيته الصوتية وبين السامع الفاهم، وتحتل هذه العلاقة مكانة متميزة في الإنشاد الشعري كان البحتري إذا شرب وأنس أنشد شعره وقال: ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟ وستكشف اللغة المنطوقة التي ستجعل من الإنشاد الشعري أقوى ركيزة ممكنة لاستمرارية تداوله، أن قوة القصيدة لا تكمن في قدرتها على توظيف اللغة توظيفاً شعرياً وحسب، وإنما أيضاً في تميزها بخصائص جوهرية متعددة يصعب إعادتها في الصيغة المكتوبة، نحو بعض الظواهر الصوتية غير اللغوية كالعطاس والتنفس، ونحو بعض الظواهر النطقية كالتنغيم والنبر، ولا يتدخل الخط إلا بوصفه عنصراً شكلياً خالصاً. 

وفي التعالي على الكتابة تصبح اللغة المنطوقة لحظة تواصل بامتياز، فإلى جانب ما تعرفه من نبر للإعراب عن بعض الدلالات، ثمة إشارات غير لغوية تتخذ وسيلة للتعبير عن دلالة ما كالإيقاع والسرعة في الكلام ورفع الصوت لأن كل ناطق باللغة يعرف ما للصراخ والهمس من وظيفة دلالية. 

الثاني: يتعلق بالأثر السلبي الذي يحدثه الخط فهو يكرس بشكل مباشر فكرة الاستعفاء عن الحروف غير المستحسنة وهي ثمانية: الكاف التي كالجيم، والجيم التي هي كالكاف، والجيم التي كالشين، والضاد الضعيفة، والصاد التي كالسين، والطاء التي كالتاء، والظاء التي كالفاء، لأنها أحرف مسترذلة غير مأخوذ بها في القرآن العزيز ولا في كلام فصيح

وتأسيس الاستحسان على سلسلة من الحروف التي لها صفات في اللغتين وعددها ستة وهي: النون الخفيفة ويقال الخفية، والهمزة المخففة وهي همزة بين بين، وألف الإمالة وهما حركتان لا حرفان، والشين التي كالجيم، والصاد التي كالزاي

النوع الثاني : ويرتبط بالصعوبات التي واجهها التوثيق الكتابي للشعر ومدى علاقته بالثقة في الصحف المكتوبة والرواية عن صحفي لو كان الشعر مثل ما روى الصحفيون ما كانت لنا إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم. 

إن مساءلة الفرق بين الحفظ والرواية من جهة وبين الكتابة والتدوين من جهة ثانية، لا تعني ضرورة تعيين حدود خلافية بصفة نهائية ومطلقة، فهي تمنح صفة الإساءة والإحسان لكل منهما هذا ما نجده خاصة ضمن الموقف الانتقائي لعلماء اللغة من خلال إقامتهم لنوع من التعارض بين كثرة خروجهم إلى البادية ومشافهة الأعراب وكتابة ما يسمعون من جهة، وسبب تريثهم في الأخذ عن الصحف حتى لا يقعوا في الأخطاء الناشئة عن الكتابة من جهة ثانية. 

هل يعني ذلك أن نحمل حسن الطن في الأعراب وسوء الطن في الصحف ضمن علاقات الحفظ والكتابة، أي ضمن النصوص المنطوقة والنصوص المكتوبة ضمن مزايا يتمتع بها الراوية ولا يتمتع بها الصحفي، أم أن الأمر يحملنا إلى إقامة علاقة منطقية محضة بين الرواية الصحيحة للشعر والحفاظ على الترتيب الذي وضعه الشاعر لمنتوجه الشعري. 

إن قراءة متفحصة لطرق مساءلة هذا الفرق تجعلنا إزاء استنتاج لا يستند إلى فكرة التصادم بين النص المروي وبين النص المكتوب بل إن الأمر هو بمثابة بحث خفي عن درجة من التكامل بين الواسطتين، فمن حسنات القلم أننا قد نحصل على ما نريده دون حاجة إلى اللسان والسبب أن:

1- استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب، من استعمال اللسان على تصحيح الكلام. 

2- اللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب. 

3- الدلالة بالخط تمثل جانباً في عملية الكشف والبيان، فالقلم أحد اللسانيين بل هو أبقى أثراً وأوسع أثراً، ذلك بأن اللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب، والكتاب يقرأ بكل مكان، ويدرس في كل زمان واللسان لا يعدو سامعه، ولا يجاوزه إلى غيره.

1 إجابة واحدة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
شرح النصوص المكتوبة؟

اسئلة متعلقة

مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...