سيتم تحويل منظور منطق السؤال والجواب المستند إليه في 1 و 2 و 3 من جمالية الإنتاج والتواصل البداهي إلى؛
١- قابلية للتكيف مع طريقة في الاختيار.
٢- مساءلة نصوص التواصل الشعري والتقعيد النظري لها عبر مقولة الشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات.
ويفسر هذا النمط من الجمع، خير تفسير عملية التحول من الرواية إلى الكتابة، فهو يضاعف عند هذه النقطة خط الاستدلال المستعمل في المقارنة بين مختلف الصناعات، أي أن المدارسة من طريق الرواية، لا تضع الشعر في مقام المشافهة مسألة خالصة من أي أثر للكتابة، لكنها تستبطن الصورة العامة التي يرسمها الراوية الناقد لشاعر لا يعد صانعا بمعنى الصانع اليدوي بل هو ذلك بمعنى أسمى.
ولكي ينجح التوصيل لا بد أن يشترك الموصل والمستقبل كما هو مبنين في (1) و (2) و (3) و (4)، وبالرغم من أن المشافهة قد أخذت القسط الأكبر عند مختلف أنواع متلقيها، فإنها تقبل للتكيف مع الكتابة، وستؤدي المعرفة الكافية بها إلى ترتيب مسار انتقال النصوص الشعرية بدرجة من الثبات والتشابه لدى معظم النقاد والبلاغيين العرب القدماء.
وهي الوضعية التي تفسر لنا أسبقية الرغبة في سماع الكلمة المنطوقة على النظر إلى الكلمة المكتوبة، مما أسهم في وقوع نسبة محددة من التشويش أدت إلى تعدد روايات الشاهد الشعري الواحد، وفي مثل هذه الحالات يتعين على المتلقي فقه مكامن خلل قد يشوب الأنساق الموصوفة من وجهة نظر التواصل كما هو مبين في (1) و (2) و (3) و (4)، ودليلها على ذلك:
أولاً : لا يقف التعامل مع النصوص الشعرية عند حدود السماع والرواية، إنما يمتد إلى اللغة المكتوبة أيضاً، ذلك لأن النقاد العرب القدامى على اختلاف اتجاهاتهم يعدون التواصل من طريق الكتابة مع الرواية مهمة أساسية لسببين رئيسين هم:
1- يحتل التواصل بين الأجيال المتلاحقة مكانة متميزة في جميع مراحل اختيار الشعر والتنظير له، حيث أنه لا يمكن للوسطاء ولمساعدي التحويل أن يمارسوا وظيفتهم إلا إذا تواصلوا مع آخرين بصدد النصوص الأدبية، وهو غالباً ما كان ينظر إليه من خلال الوظيفة الأكثر دلالة للمعرفة والذوق الشعريين الأصيلين، ويمكن المواقع العالم بطرق هذا التواصل أن يتميز تميزاً كبيراً، وهي في حاله عند العرب كانت الحاجة ماسة إليه، والكتب المصنفة فيه كثيرة، وكان أكبرها وأشهرها كتاب البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو الجاحظ.
2- أن الشعراء يكتبون لجمهور يعرفونه، وجعلت من حركة الاستماع إليه في الأسواق والنوادي ومجالس الخلفاء جزءاً مكملاً لمفهوم رئيسي عن الطبيعة المميزة للغة الشعرية التراثية، فقد كان العرب علماء في أشعارهم، وسبيل هذه الأشعار عندهم سبيل كل علم يحتاج إلى درس وتلقين، وإلى الأخذ عن أهله أو القوام عليه، وتنبع معرفة العرب بالشعر مواجهة فئة خاصة منها مع شواهده واختيار الأفضل منها، مع وعي كامل بالتعقيدات التي ينطوي عليها مثل هذا الاختيار.
وتتحول العلاقة الحضورية الموجبة له ضمنا لدى النقاد إلى علاقة غيابية مبنية على الكتابة والقراءة والتأمل، وهذا يعني أن التواصل بين الرواية والكتب المصنفة في اختيار الكلام والتنظير له، هي أحد أهم الركائز، بل أهمها على الإطلاق، التي تم بوساطتها التنظير للبلاغة العربية.
ثانياً : عندما رجع قدامة بن جعفر إلى الأبيات والمقطوعات الشعرية المستشهد بها بوصفها اختياراً تمثيلياً، ظهر له أن نمطاً من الشعر يكتسب وضعاً تواصلياً أفضل من آخر، ويقوم هذا التفضيل على وجهة نظر في العلاقة بين الطبع واللغة الشعرية التراثية، يدل على ذلك أن جميع الشعر الجيد المستشهد به إنما هو لمن كان قبل وضع الكتب في العروض والقوافي، ومما لا يخلو من دلالة أن تكون مقولة الباقلاني عن الأشعار المتفق على جودتها التي يتحقق عبرها في البلاغة النقدية ما يعتبره شركاء التواصل المندرجين في أنساق التواصل بوساطة النصوص أدبياً بالاستناد إلى معايير أدبية صالحة بالنسبة لهم في وضعية من وضعيات التواصل، هي على وجه الدقة شرف يعود إلى علم الشعرية التراثية نفسها، لأن محبته مركوزة في الطباع، وأن الغيرة عليه لازمة للجبلة، وموضوعة في القطرة.
وهكذا حين انسحب التواصل جزئياً من الحفظ بمفهومه البداهي إلى الكتابة بمفهوم البصيرة، كان ذلك بمثابة حصر له في مجال التخصص في علم الشعر بمفهومه في البلاغة النقدية، وما يصاحبه أو ينوب عنه في مجال محدد هي خصائص بصيرة القارئ العالم.
وأن آلية الحفظ والرواية يمكن أن تزود الثقافة الكتابية بأساس من وظيفته التي تعين خصائص تواصل يؤدي عن واحدة أو أكثر من علم الشعر.
المستمع البريء؟
المستمع البريء: فهو يمتلك الحفظ والرواية طابع السمة الكاشفة للسامع المثالي، ويحقق النص الشعري ذاته انطلاقاً من قابليته أن يكون محدداً ومعترفاً به من جانب الاستعمال الجماعي عندما يقرر القارئ أن يواجهه أو يستعد لذلك، إنها إثباتات لعلاقات بداهية، وهنا تكمن قوتهما استمرارية التأثير في النظرية النقدية والبلاغة العربية القديمة.
وتشكل إثباتات هذه العلاقات في واقع الأمر جانباً هاماً من خصائص السامع المثالي، وسيتضح امتيازها بقدرات قابلة للتصنيف ضمن أنواع متعددة قابلة للتخصيص بصفات يعتقد ادعاؤها التحدث باسمه داخل الثقافة الكتابية.
ولو أتينا إلى النصوص القديمة نستخيرها عن هذه الكفاءة أو تلك، لأخبرتنا أن العرب كانت تختزن مفاهيم شفاهية المنبع لهذا الذوق أو ذاك وهذه المعرفة أو تلك، يمكن حصر مميزاتها في ثلاث رئيسية هي؛
1- تبين نصوص التراث أن الإنتاج الأدبي فعلاً واستقبالاً، لم يكن يبسط في ذهن الجماعة على أنه مسألة عفوية أو ترفاً فكرياً عارضاً، وإنما شارف في تقدير الثقافة الكتابية كفاءة استحضار أعرافه وثوابته المتعارف عليها، ذكر القرطاجني أن العرب لم تكن تستغني بصحة طباعها، وجودة أفكارها عن سديد طباعها، وتقويمها باعتبار معاني الكلام بالقوانين المصححة لها، وجعلها ذلك علما تتدارسه في أنديتها، ويستدرك به بعضهم على بعض، وتبصير بعضهم بعضا في ذلك، وقد نقل الرواة من ذلك الشيء الكثير، ولكنه مفرق في الكتب، لو تتبعه متتبع متمكن من الكتب الواقع فيها ذلك لأستخرج منه علما كثيراً موافقاً للقوانين التي وضعها البلغاء في هذه الصناعة.
لا مكان لإثبات نمط من المعرفة النظرية في الثقافة الشفاهية يقترب أو يوافق تلك المعرفة التي وضعها البلغاء في هذه الصناعة، ولكننا مع ذلك نستطيع أن نزعم مع حازم القرطاجني أن النص والسامع القارئ كانا في وضع يسمح لهما بإنجاح التواصل الشعري، إن تواصلا شعريا يتأسس على العلاقة الحضورية ليس بالطبع، تواصلاً صالحاً لذكر عناصره اللازمة لبناء الموقف، لأنه موقف ليس له وجود خارج العمل، إلا أنه من الأشياء المتعارف عليها في الثقافتين الشفاهية والكتابية، افتراض إمكان الاستجابة المطلقة للنص وفق ثلاثة شروط رئيسية، وهي، كما كتب وايزر (الأعراف المشتركة بين المتكلم والمتلقي، والثوابت المتعارف عليها لدى كل منهما، واستعدادهما للمشاركة في فعل الكلام).
وتتفاوت الأهمية النسبية لهذه الشروط تفاوتاً ملحوظاً، إذ كان الوعي بها يتجه رأسا نحو وفاء الشاعر والمتلقي بشرط الاستعداد، وإذا نظرنا إلى الشرطين الآخرين وجدناهما مضمنين من جهة الأعراف والثوابت التي يجب أن يقرها النص.
وبما أن شرط الاستعداد رصيد من الثقافة الشعرية، فإن فيه من الأعراف والثوابت المتعارف عليها ما يصله بالنص الشعري، من حيث علاقة كل منهما بالطريقة التي ينتج بها نص ما ويقرأ بها.
2- في محاولة الجاحظ التأكيد على تلاحم الهوية الثلاثية للنتاج الأدبي في الثقافة الشفاهية على أنها بلاغة المتكلم وبلاغة النص وبلاغة السامع، يستعين بالكفاءة الجماعية القائمة على القدرة على تصريف الكلام و الكفاءة العائدة إلى الافتخار الشديد بالبيان، ويمكن لنا أن نقترب من هذه الكفاءة انطلاقاً من القناعة السائدة داخل الثقافة الكتابية بأن:
أولاً : بأن لهذه الكفاءة تفسيراً في البلاغة العربية، إذ يستطيع أن يربطها بقدرة خارقة على القول طبقا لوصف تراثي يبرر تميز الشاعر بتميز عمله الشعري ومداره على استشهاد القرائح الصافية، والطبائع السليمة، التي طالت ممارستها للشعر، وأثبتت عياره، وقويت على تمييزه، وعرفت خلاصه.
ثانياً : يمكن لأعمال أدبية مختلفة أن تبنين خصائص بلاغية متنوعة في كفاءة جماعية مشتركة، فهي تتحقق في هيئة جدلية تعمل على المستويين الفردي والجماعي بين؛
أ - متكلمين وهم ما هم عليه من الذرابة والسلاقة، والمعرفة بوجوه الفصاحة.
ب- ومستمع يعرف وجوه الخطاب جامعا للمعرفة بوجوه الفصاحة.
وحسب هذا التميز فإن مثل هذه العلاقة التواصلية من العلاقات العادية المألوفة التي يحرص على ديمومتها أولئك الذين ينتمون إلى التقاليد الشعرية، وغالباً ما تثمن هذه العلاقة باستجابة أكثر امتلاء، وأعمق إدراكاً بقيمة شعر يقدر على تذوقه مستمعون أنت تراهم ينزلون الكلام تنزيلا، ويعطونه، كيف تصرف حقوقه ويعرفون مراتبه، فلا يخفى عليهم ما يختص به كل فاضل تقدم في وجه من وجوه النظم، ومن الوجه الذي يشاركه فيه غيره، ولا يساهمه فيه سواه، وهذا معناه أنهم كانوا يلقنون بعضهم البعض كل شيء يتعلق بالشعر إذا لم يكونوا قد تعلموا كل شيء يختص به.
والأمر هنا يتعلق بذائقة شعرية متميزة تلعب على فعل القدرة الشعرية، وتقدير هذه القدرة ونجاح الحكم عليها، وأن هذه الممارسة الحضورية هي في النتيجة علامات فارقة في الذوق الأدبي في كليته، إذ تضبط شرائطه ومبادئه معايير فنية وجمالية ليست بعيدة عن متناول شاعر سامع ينتمي إلى فئة من إذا ذاق الكلام عرف قائله من قبل أن يذكر، ويسمع أحدهم البيت قد استرفده الشاعر فأدخل في أثناء شعر له، فيعرف موضعه وينبه عليه إلى ضروب من دقيق المعرفة يقل هذا في جنبها.
3- يتجلى التحول من الشفاهية إلى الكتابية في مجالات عدة متعلقة بنشاط الأجناس الأدبية، كالشعر والمقامة والترسل والتأليف، ومن بين هذه النشاطات كلها كان التأليف أكثرها عناية بجهود العلماء، ويمكننا أن نموقعه انطلاقا مما عرف بمجمل الثقافة التي أنجبت الجاحظ وأشباهه والتي لخصها عبد القاهر الجرجاني في الرسالة الشافية كتب: وإذا كنا نعلم أن استمداد الجاحظ وأشباه الجاحظ من كلام العرب والبلغاء الذين تقدموا في الأزمنة، وأنهم فجروا لهم ينابيع القول، فاستقوا، ومثلوا لهم مثلا في البلاغة، فاحتذوا، إذن لم يبلغ شأو ما بلغ، ولم يدر لهم من ضروع القول ما در، لو أن طباعا لم تشرب من مائهم، ولم تغذ بجناهم، ولم يكن حالهم في الاكتساب منهم، والاستمداد من ثمار قرائحهم، وتشمم الذي فلح من روائحهم، حال النحل التي تغتذي بأريج الأنوار وطيب الأزهار، وتملأ أجوافها من تلك اللطائف، ثم تمجها أريا وتقذفها ماذيا، إذن لكان الجاحظ وغير الجاحظ في عداد عامة زمانهم الذين لم يرووا ولم يحفظوا، ولم يتتبعوا كلام الأولين، من لدن ظهر الشعر، وكانت الخطابة إلى وقتهم الذي هم فيه، ولم يعرفوا إلا ما يتكلم به آباؤهم وإخوانهم ومساكنوهم في الدار والمحلة، أو كانوا لا يزيدون عليهم إن زادوا بمقدار معلوم. فمن أعظم الجهل أشد الغباوة، أن يجعل تقدم أحدهم لأهل زمانهم من باب نقض العادة، وأن يعد معد المعجز.
يكتسب هذا النص على طوله لغرض تفحص الماضي الشفاهي في علاقته بالحاضر الكتابي، وأهمية خاصة في فهم الحلقة التي تربط الأجيال المتلاحقة، ففي هذا النص ثلاث نقط تقيم حدوداً لهذا الترابط:
أولاً : تتشكل دينامية الإرسال والتلقي بحسب النص السابق، من تضافر ثلاثة مكونات هي: العرب الأولون، اللسان الخطابات اللغوية التفصيلية، الأجيال المتلاحقة مرسل إليه، وقد أدى اهتمام الأجيال المتلاحقة بمصادر هذه الكفاءة وأهدافها، إلى تمتين علاقتها بنصوص هذه اللغة، وأن هذه الأجيال تواكبت على هذا اللسان فأنضجته.
ثانياً : أدت حيوية النشاط الأدبي إلى حيوية في نشاط تفاعلي يشترك فيهما المرسل والمستقبل، ومن الواضح جدا أن نشاطا تفاعليا على هذا المستوى من التميز كان يصدر عن رؤية منسجمة ومحددة بالطريقة الأكثر شفاهية، يمكن افتراضها كالتالي: أنها تمارس بانتظام، وقبول بمراسم النص وحدوده، دون انكسار في الشروط الحضورية اللازمة لمسافة زمانية وفضائية بين المرسل والمرسل إليه.
وتجد ملامح استمداد الجاحظ وأضرابه من هذا النشاط تعبيرا عنه في بداية البلورة المفهومية للبلاغة النقدية، وسيرورة مستمرة، تتضمن مستويات من الاستعداد والفهم والاستنباط متداخلة ومندمجة.
ثالثاً : تعبر النتائج المترتبة عن الانسجام المتميز بين المرسل والنص والمرسل إليه، عن حذق أدبي استلزم حذقاً تفاعلياً نوعياً، وليس لهذا الحذق كيان مستقل بنفسه كلية، فهو ينبني على فكرة صدور المعرفة بالبلاغة من ينبوع كلام العرب البلغاء الذين تقدموا في الأزمنة وأن بلاغة تغتني باحتذاء بلاغة هذا الكلام، هي بلاغة تسعى إلى التحقق من الخصائص النوعية الضابطة لهذا الكلام عبر نشاط تفاعلي غير منفصل عن النشاط الإبداعي في الثقافة الشفاهية، لأن الآليات المتحكمة في البلاغتين متراشحة ومتفاعلة، وهذا يعني أن محاولة فهم طرق التأثير يجب أن ترتكز أساساً على العودة إلى الإرث الشفاهي.