ملخص؟
كان تأسيس الدولة السعودية سنة (1139هـ / 1727م) علامة فارقة في تاريخ الجزيرة العربية حيث بدأ عصر جديد في تاريخ هذه المنطقة، لاسيما حينما بدأت في تكوين وحدة الأقاليم الجزيرة العربية، لقد تمخض عن هذه الدولة وسعيها إلى تكوين وحدة فاعلة أثر في التدوين التاريخي المحلي، ظهر أثره في المدونات التاريخية التي تم تصنيفها منذ توحيد أقاليم الجزيرة العربية على يد الدولة السعودية الأولى، وهو ما لاحظه المؤرخون على مختلف مشاربهم، لقد ناقشت الدراسة أثر تأسيس الدولة السعودية الأولى وتمددها على التواريخ المصنفة منذ سنة (1139هـ / 1727م) وحتى سقوطها سنة (1233هـ / 1818م)، في الأقاليم التي خضعت للدولة، فرصدت وحللت مواد المدونات التاريخية المحلية التي ظهرت في هذه الحقبة الزمنية وفي هذه البقعة الجغرافية المحددة، فكان عددها ست عشرة مدونة تاريخية محلية، كان للدولة السعودية أثر في هذه المدونات التاريخية، سواء عند النظر في أسباب تدوينها وإنشائها أو في تناولها لأحداث الدولة السعودية الأولى، وناقشت الدراسة مظاهر هذا التأثير وموقف مدونو هذه المدونات من الدولة السعودية، ونظرتهم إليها.
مقدمة؟
تأسست الدولة السعودية الأولى في مدينة الدرعية وما حولها سنة (1139هـ / 1727م)، ولم تلبث أن بدأت في الظهور على مسرح الأحداث في أقاليم الجزيرة العربية، وتنتشر أخبار توسعها، وسعيها لبناء دولة موحدة، انطلاقاً من قاعدتها الدرعية، فكانت انطلاقة قوية تدفع لتكوين وحدة في الجزيرة العربية، فبدأت جهودها في هذه الخطوة الملهمة تؤتي ثمارها سريعاً، حيث تمخضت هذه الجهود بتوحيد الأقاليم النجدية، تلاها توحيد المناطق الشرقية ثم الشمالية، ثم الجنوبية والغربية. فتوحدت كل هذه الأقاليم في دولة واحدة قوية، سميت بالدولة السعودية الأولى التي استطاعت أن تنشر الأمن والسلام والرخاء في هذه المناطق، وتعيد لهذه المنطقة المنسية من قبل الدول التي كانت تحتل أجزاء من العالم العربي ذاكرتها نحوها، لكنها كانت ذاكرة العداء، فلم تدعها وشأنها، واجتهدت في محاربتها، وسعت إلى وأد هذه الدولة التي شكلت النموذج الحي في زمنها للدولة العربية الناهضة، فمن ثم كانت حملات الدولة العثمانية المعتدية المتكررة على الدولة السعودية الأولى، التي انتهت بانتهاء الدولة السعودية الأولى عام (1233هـ / 1818م).
ولا شك أن قيام الدول وتأسيسها علامة فارقة في التاريخ السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، فكل دولة تتأسس تقوم أركانها على رؤية مُوَجَّهَة، وأهداف مستهدفة وشرعية مكتسبة، وكل هذا يكون تأثيره ظاهراً في سيرورة الدولة منذ النشأة، مروراً بالاستقرار، ثم التمكن، فيطبع الدولة طابعاً خاصاً تمتاز به، وتوصف به.
ويصاحب نشوء الدولة وتأسيسها حراك عسكري، ما يلفت انتباه صاحب الحاسة التاريخية، الذي يبحث عما يهتم به، ليتابعه وينظر في مآله، ولن يلبث هذا التأمل أن يتمخض عن رؤية جديدة للأحداث التاريخية التي تتوالى في محيط المؤرخ، حيث يجد فيها المؤرخ مساراً مختلفاً عما ألفه من أحداث محيطه، ما يحفزه على تدوين الأحداث التي تحيط به، ولا تلبث تلك الورقات أن تتزايد حتى تصبح تاريخاً مدونـاً، سواء كان الذي ألفه عالماً، أو شبه عالم، أو عامي، وسواء كان تاريخاً مختزلاً أو مبسوطاً.
وتنبع هذه المدونة التاريخية من مؤرخ يجد لزاما عليه أن يشارك في توثيق التاريخ بتدوين أحداثه، من خلال رؤيته لها، وقد يضع بصمته فيعلل الأسباب، ويدرس النتائج، ويقيم المرويات التاريخية، وبالمقابل قد تكون الرغبة في التدوين التاريخي نابعة من شخصية لها حضور اقتصادي أو عسكري فيبحث عن مؤرخ يدون الأحداث التاريخية، وكلا الأمرين لا يمكن أن يكونا بمعزل عن الحدث التاريخي.
إن هذه الدراسة تحاول الكشف عن حركة التصنيف التاريخي من خلال دراسة وتحليل أسباب التصنيف التاريخي المحلي في الدولة السعودية الأولى (1139هـ / 1727م 1233هـ / 1818م) وما تماس معها من الأقاليم والبلدان، ومدى تأثير قيام الدولة وتمددها على حركة التدوين التاريخي وثرائها التدويني.
هدف الدراسة؟
تهدف الدراسة إلى التحقيق من أن تأسيس الدول وتمددها له أثر ظاهر في حركة التدوين التاريخي، من خلال دراسة أسباب هذا التدوين، وكشف مدى ارتباطه بقيام الدولة وتمددها، وأثره على هذه المدونة التاريخية سواء في التناول أو الموقف.
حدود الدراسة؟
النطاق الجغرافي : يختص هذا النطاق بالمناطق والأقاليم التي وحدتها الدولة السعودية الأولى، إضافة إلى المواضع التي تماست مع الدولة تماساً مباشراً، وكان لها أثر فيها، مثل مدن الزبير البصرة، البحرين الكويت، وسواحل عمان الشمالية الشرقية.
ويعود وضع هذا الحد إلى أن الدراسة تُعنى بدراسة أثر تأسيس الدولة السعودية الأولى وامتدادها على المجتمع المحلي، الذي نشأت وتأسست فيه، فأصبحت قاعدة صلبة للدولتين السعوديتين الثانية والثالثة، فقياس أثر قيام الدولة السعودية الأولى في التصنيف التاريخي قائم على هذا الحد لأنه مناط التغيير والتأثير.
لقد وجدت الدراسة أن هذا الحد أو الضابط لازم؛ لأن كثيرا من المدونات التاريخية العربية تناولت بعض الأحداث التاريخية داخل مناطق نفوذ الدولة السعودية الأولى لكنها لا تعد مصادر محلية، فهي مجال بحث آخر، يدرس أثر قيام الدولة السعودية الأولى على المدونات التاريخية خارج مناطق دعمها، وللتدليل على ذلك فإننا نرصد بعض المصنفات.
تناولت بعض أحداث الدولة السعودية الأولى في تضاعيف سياقها للأحداث التاريخية، مثل كتاب: درر نحور الحور العين بسيرة الإمام المنصور علي للطف الله بن أحمد جحاف ت 1243هـ / 1827م)، فإنه تناول شذرات من أحداث الدولة السعودية الأولى، والتقى بالرسل الذين قدموا إلى الدرعية، ونقل عنهم معلومات مهمة، وغيره من المدونات التاريخية.
وتخرج بهذا الحد كتابات الرحالة والمستشرقين الذين تناولوا تاريخ الدولة السعودية الأولى، منطلقين من بواعث استكشافية للشرق العربي، وبواعث استعمارية، وليس الباعث الرئيس منها التدوين التاريخي الذي يرصد نشوء هذه الدولة وتاريخها مثل: كتاب هارفرد جونز بريدجز (ت 1263هـ / 1847م) موجز لتاريخ الوهابي الذي كان دراسة وافية في ذلك الزمان عن الدولة السعودية الأولى باللغة الإنجليزية والفصل الذي خصصه بوركهارت في رحلته إلى أراضي الدولة السعودية الأولى، وتناول جزءا من تاريخها وغير ذلك من المصادر.
النطاق الزماني : أما النطاق الزماني للبحث فإنه يقصر البحث على الحقبة الممتدة من بداية تأسيس الدولة السعودية الأولى سنة (1139هـ / 1727م)، وحتى انتهائها سنة (1233هـ / 1818م).
ذلك أن ما كتب من مدونات تاريخية عن الدولة السعودية الأولى كثير، كتب من قبل مؤرخين محليين وعرب وأجانب، ومن داخل الدولة وخارجها، في الحقبة الممتدة من ظهور الدولة السعودية الأولى وحتى زمننا الحاضر، ومن الصعوبة بمكان الإحاطة بجميع ما كتب عنها، سواء بالعربية أو باللغات الأجنبية فكان هذا الحد الزماني مهماً كي لا تتشعب هذه الدراسة، فإن هذا التشعب والاستطراد الزماني لن يخدم الهدف الذي تتطلبه الدراسة في الوصول إلى أثر تأسيس الدولة السعودية الأولى على التدوين التاريخي المحلي.
منهج الدراسة؟
سلكت الدراسة المنهج المسحي التحليلي وذلك برصد التصنيف التاريخي في النطاقين الزماني والجغرافي. وهذا الرصد مقدمة لوصف موجز لتلك المصنفات، وعماد تصنيفها، وتحليل أسباب ودواعي تدوينها، فإن دراسة أثر الدولة السعودية الأولى وظهورها على مسرح الأحداث يُتَوَسَّلُ إليه بالبحث عن دواعي وأسباب التصنيف التاريخي، الذي حض مؤرخي تلك الحقبة على إنشاء المدونات التاريخية، سواء من أدركها في أواخر حياته أو عاش في ظلالها، أو عاش شطراً من حياته تحت سلطتها.
أهمية الدراسة؟
تنطلق أهمية البحث من النقاط التالية:
1. نتوصل من خلال هذا البحث إلى سيرورة التدوين التاريخي في المجتمع المحلي، وسبر التغييرات في المنهج والمضمون الذي طرأ على المدونات التاريخية مجال البحث.
2. ملاحظة ورصد تأثير التغيرات على إنشاء المدونات التاريخية المحلية وشبه المحلية والعلاقة بينهما من باب التأثير والتأثر من خلال دراسة بواعث إنشاء المدونات التاريخية.
3. التمييز بين مسببات التدوين التاريخي وتصنيفها، ودراسة مدى تأثير بعضها على بعض، وتداخلها.
4. رصد وتحليل النمو في التصنيف التاريخي المحلي، من خلال بواعث تصنيفه ودواعيه.
5. دراسة مسببات ودواعي التدوين التاريخي وعلاقته.
الدولة السعودية الأولى؟
تأسست الدولة السعودية الأولى في سنة (1139هـ / 1727م) وهي السنة التي تولى فيها الإمام محمد بن سعود الحكم في الدرعية وما يتبعها قال ابن بشر : فاستقل محمد بن سعود بعد هذه بولاية الدرعية كلها، ومعها غَصيبة، ومع وصول الإمام محمد بن سعود إلى الحكم في الدرعية، بدأ عهد جديد، فإن الإمام محمد بن سعود وحد مناطق الدرعية المختلفة تحت سلطته، ووضع الدولة السعودية الأولى في مسار التوسع والتمدد، والسعي لتكوين وحدة سياسية واسعة.
استطاع الإمام محمد بن سعود أن ينهض بالدولة السعودية الأولى لتكون صاحبة النفوذ واليد العليا في نجد، فشرعت الدولة السعودية الأولى في توحيد أقاليم شبه الجزيرة العربية في دولة واحدة، واستطاعت في نصف قرن أن تضم معظم أقاليم الجزيرة العربية تحت لوائها، وتنشر السلم والأمن والاطمئنان في ربوعها.
رافق تأسيس الدولة السعودية الأولى وتمددها حركة اقتصادية نشطة، يعود ذلك إلى ما حققته الدولة من الأمن والأمان في البلدان والقرى والطرق بينها، والطرق التي تربط أقاليم الدولة بالأقاليم الخارجية، والقضاء على قطاع الطرق على طرق التجارة، كل ذلك أسهم في نشاط التبادل التجاري بين الداخل والخارج، وكان له أعظم الأثر في النهوض باقتصاد الدولة المجتمع.
كما أسهمت الدولة السعودية الأولى في بناء حركة علمية في المجتمع من خلال الاهتمام بالتعليم والعلماء، والانفاق على ذلك بسخاء، وتمثل هذا الازدهار في زيادة أعداد العلماء والمتعلمين، وتنوع العلوم والمصنفات المؤلفة في حقبة الدولة السعودية الأولى، والاهتمام بالتدوين التاريخي، والاهتمام بتعليم العامة وأبناء البادية.
استطاعت الدولة السعودية أن تضم معظم أقاليم شبه الجزيرة العربية في مدة وجيزة حتى بلغت أقصى اتساع لها قبيل ظهور حملة طوسون باشا سنة (1226هـ / 1811م)، وما تبع وصمود وبسالة من قبل السعوديين امتدت حتى تدمير الدرعية سنة (1233هـ / 1818م).
التصنيف التاريخي المحلي؟
عندما ننظر إلى المصنفات التاريخية التي ظهرت في الدولة السعودية الأولى نجدها تنقسم إلى أربعة أقسام، وذلك من ناحية
التقسيم الزماني؟
القسم الأول: مصنفات سبقت الدولة السعودية، وقطعت شوطاً طال أو قصر من التدوين في ظلالها متخذة المنهج نفسه في تدوين الأحداث التاريخية، مثل: تاريخ ابن عباد، تاريخ ابن يوسف.
القسم الثاني: مصنفات ظهرت في زمن الدولة أو بعيد انتهائها، ولم تجاوزها كثيرا في رصد الحوادث التاريخية مثل: روضة الأفكار والأفهام، مطالع السعود.
القسم الثالث: مصنفات بدأ تدوينها في زمن الدولة السعودية الأولى، واستمرت بعدها بزمن على نفس النمط والمنوال مثل تاريخ عبد الوهاب بن تركي، عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر.
القسم الرابع: مصنفات عاش مؤرخوها شطرا من حياتهم في ظلال الدولة السعودية الأولى، ولا يُعلم على التحديد متى بدأوا في تدوين مصنفاتهم التاريخية مثل : تاريخ ابن لعبون تاريخ الفاخري.
والناظر في هذه المصنفات التي قسمناها على الحقب الزمانية، يجد أننا يمكن أن نقسمها بحسب مناهجها في التدوين التاريخي إلى ثلاثة أقسام، هي:
القسم الأول: تواريخ مختزلة تسجل الحوادث التاريخية على المنهج الحولي غير المنتظم، وهي على قسمين:
الأول: يكون تأريخ الحوادث التاريخية حوليًا غير منتظم، والمعلومة التاريخية مختصرة اختصاراً مخلاً في بعض المواضع، ويُطلق على بعضها مجازاً تاريخ، وإنما هي تقييدات أو نبذ تاريخية، وهي: تاريخ ابن عباد تاريخ ابن يوسف، تاريخ ابن لعبون تاريخ الفاخري.
الثاني: تنهج المنهج الحولي شبه المنتظم وتبسط القول في كثير من الأحداث خاصة ما بعد قيام الدولة السعودية الأولى، وتضيف بعض المعلومات التي لها علاقة بالأحداث التاريخية، وقد تعني بالوصف الحضاري، وتراجم بعض الحكام والعلماء، وهي: روضة الأفكار والأفهام تاريخ أشراف وأمراء مكة المكرمة، عنوان المجد في تاريخ نجد.
القسم الثاني: مصنفات تنهج منهجاً موضوعياً، لا يعني بالتأريخ للحوادث، وإنما يعني ببعض تفاصيل الحوادث التاريخية وتحاول أن تنهج منهجاً تكاملياً، يُعنى بعضها بالنواحي الجغرافية، والاقتصادية والاجتماعية، وهما: لمع الشهاب في سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكتاب كيف كان ظهور شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب.
وأخرى تهتم بالنواحي القبلية والجغرافية وهو كتاب الدرر المفاخر في أخبار العرب الأواخر.
القسم الثالث : مصنفات زاوجت بين المنهج الحولي والمنهج الموضوعي، وهو كتاب مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود.
ويبقى مصنفان من المصنفات التاريخية لا نعلم منهجهما لأنهما لم يصلا إلينا، وهما: تاریخ راشد ابن خنين، وتاريخ محمد ابن سلوم. وترجع الدراسة إلى أنهما من التواريخ الموجزة.