مروان بن ابي حفصة؟
مولده ونسبه : شاعر مخضرم اسمه مروان بن سلیمان بن ابي حفصة ولقبه ذو الكمر، ولد في الیمامة سنة خمسة ومئة للهجرة كنیته ابو الهیذام او ابو الهندام ویكنى ایضا بابي السمط لأن السمط اسم لأحد ابنائه كما جاء في قوله أهلاً بطیف لأم السمط أرقنا ونحن لا صدود منا ولا كثب.
أما نسبه فهو موضع خلاف بین الرواة الذین ترجموا له في أصله فقد ذهب بعضهم إلى أن جده یزید المكنى بأبي حفصة كان طبیباً یهودیاً أسلم على ید عثمان بن عفان، وقیل على ید مروان بن الحكم وادعت قبیلة عكل العربیة أن أبا حفصة ینتمي إلیها وقد أجمع أهل الیمامة، وغیرهم على صحة هذا الادعاء إلا أن أبا حفصة نفسه لم یقر لهم بذلك حتى في عهد عبد الملك بن مروان.
كما أن حفید أبي حفصة وهو محمد بن ادریس بن یحي بن أبي حفصة ینكر زعم قبیلة عكل أن جده أبا حفصة منهم، ویصرح بأنه من سبي فارس نشأ في عكل وهو صغیر والأرجح أنه فارسي الأصل وكان من سبي اصطخر التي هاجمها المسلمون مرتین وأصابو ا منها ما شاءوا وقد یكون أبو حفصة أحد من أصابوه فنشأ في قبیلة عكل وهو غلام ثم اشتراه عثمان بن عفان ووهبه فیما بعد إلى مروان بن الحكم.
ولئن اختلفت الروایات في أبي حفصة، فإنها أجمعت على أنه كان مولى لمروان ابن الحكم، وقف أبو حفصة إلى جانب مولاه یوم الفتنة المعروف بیوم الدار الذي انتهى بمقنل عثمان بن عفان، وقد أبلى أبو حفصة البلاء الحسن في ذلك الیوم ودعا رفاقه من المقاتلین إلى الصبر والثبات وعدم القبول بالصلح مع الخصوم فقال؟
وما قلت یوم الدار للقوم صالحوا : أجل لا ولا اخترت الحیاة على الموت.
ولكنني قد قلت للقوم جالدو : بأسیافكم لا یخلصن إلى الكهل.
وقد جرح مروان بن الحكم في هذه المعركة فحمله أبو حفصة إلى دار امرأة من عنزة وظل یداویه حتى تماثل للشفاء فأعتقه مروان عرفاناً لجمیله والى ذلك یشیر أبو حفصة بقوله بنو مروان قوم أعتقوني وكل الناس بعد لهم عبید.
وزاد مروان في تكریمه إذ نزل له عن أم ولد تدعى بكر كانت له منها بنت اسمها حفصة فحضنها و كني بها، جاء في الأغاني فحفصة على هذا بنت مروان بن الحكم.
أسرته : كان مروان بن أبي حفصة من أسرة توارثت الشعر فأكثر أهل هذا البیت رجالاً ونساء یقولون الشعر، وأولهم أبو حفصة الذي قال یوم معركة الجمل؛ لست على الزحام بالأصر؛ إني لوراد حیاض الشر.
یقول ابن خلكان في هذه الأسرة: إنهم أهل بیت كل واحد منهم شاعر یتوارثونه كابر، عن كابر وورث یحیي الشعر عن أبیه یزید فكان شاعراً كبیراً نظم في المدح والرثاء، والفخر والهجاء وقال مفتخراً بعطائه؛
وقائلة ما بال مالك ناقصا - فقلت لها إني أجود بما حوت.
وأموال أقوام سواك تزید - یداي وبعض القوم لیس یجود.
ومن شعراء هذه الأسرة، السمط بن مروان بن أبي حفصة، وابنه أبو الجنوب یحي الذي ورث الشعر عن أبیه السمط ولكنه لم یكن محلقا مثله ولأبي الجنوب ولد یدعى مروان، وقد سلك مسلك جده مروان بن أبي حفصة في معارضته للعلویین، وكان یتمتع بمنزلة رفیعة لدى المتوكل، وقد مدح المامون والمعتصم قبل خلافة المتوكل، وورث الشعر عن مروان بن أبي الجنوب أبناؤه محمد ومحمود ویحیي.
ومن شعراء هذه الأسرة متوج بن محمود بن مروان بن أبي الجنوب وكذلك ادریس ابن أبي حفصة وابنه محمد، وعاصم بن أبي حفصة واخته آمنة وعبدالله ابن السمط، والمؤمل ابن جمیل بن یحیي بن أبي حفصة، والرزین بن سلیمان وابنه علي.
ولاشك في أن شاعرنا مروان ابن أبي حفصة هو أشعر شعراء أسرته یقول الكسائي؛ انما الشعر سقاء تمخض فدفعت الزبدة إلى مروان ابن أبي حفصة، وقال دعبل الخزاعي؛ كل من قال الشعر من آل أبي حفصة بعد مروان وأخوته وولده وولد ولده فما تكلف، وجهدنا أن نجد لهم بیتاً نادراً فلم نجده.
شخصیته : كان مروان بن أبي حفصة بخیلاً جشعاً حریصاً على جمع المال وخزنه، وعاش بكفاف، وحرم نفسه ملذات الدنیا وأطایبها، ولم ینتفع من ماله الوفیر الذي حصل علیه من الخلفاء والأمراء، الذین مدحهم، وقد تحدث عن نفسه قائلاً؛ ما فرحت بشيء قط فرحي بمئة ألف درهم وهبها لي أمیر المؤمنین المهدي، فوزنتها فزادت درهماً فاشتریت به لحماً.
امتازت حیاة الشاعر بالبساطة والاعتدال والبعد عن اللهو والمجون، والاسراف فلم یتعرض لفتاة، وكان مروان بشع المنظر ولا یعتني بمظهره، یحافظ على لباسه البدوي الخشن، قال المرزباني في بشاعته؛ وكان شیخاً متدانیاً یستبشع منظره.
علاقته ببني أمیة : كانت العلاقة وثیقة بین جد الشاعر أبي حفصة ومروان بن الحكم الذي أعتقه وولاه خراج الیمامة، نظراً لما یبذله في سبیل إنقاذه حین جرح في یوم الدار، وكان لابد أن یحافظ شاعرنا مروان بن أبي حفصة على هذه العلاقة ویعمل على تطويرها، فكانت أول زیارة له إلى الشام في عهد الولید بن یزید بصحبة أعمامه، وزاره ثانیة بصحبة الحسین بن مطیر، وطریح بن اسماعیل الثقفي، وكان ذلك عام ١٢٥ للهجرة، نظم مروان الشعر ولم یبلغ العشرین من عمره.
وقد مدح خلفاء بني أمیة وأمراءهم، إلا أن أشعاره في بني أمیة ما زالت مفقودة، وقد أضاعتها الحروب، وربما أخفى مروان بعض مدائحه إثر سقوط الدولة، وذلك خوفا من الحكام الجدد.
علاقته بمعن بن زائدة الشیباني وببني العباس : بعد سقوط الدولة الأمویة، لازم الشاعر الیمامة حتى عام ١٤١هـ، حیث ولى أبو جعفر المنصور معن بن زائدة الشیباني الیمن، تقدیراً منه لنجدته له یوم الهاشمیة، إذ هاجمته جماعة من أتباع أبي مسلم الخراساني، وكاد المنصور أن یقتل قي ذلك الیوم، أكرم المنصور معناً وآمنه، وكان معن فارساً مقداماً وجواداً سخیاً، وكان من طلیعة المدافعین عن ملك بني أمیة.
ذاع صیت معن في الیمن إثر تكریم المنصور له، وراح الشعراء یقصدونه مادحین، فیجزل علیهم من عطائه، وهذا ما دفع مروان بن أبي حفصة إلى أن یفد الیمن مادحاً معناً بقصائد تعتبر من آیات المدیح العربي خلدت الشاعر وخلدت ذكر معن الذي حباه بسخائه، وفي خبر شرائه بیت امتدح به معن؛ اجتاز مروان بن أبي حفصة برجل من باهلة من أهل الیمامة وهو ینشد قوماً كان جالساً إلیهم شعراً مدح به مروان بن محمد، وإن قتل قبل أن یلقاه وینشده إياه أوله؛ "مروان یابن محمدٍ أنت الذي : زیدت به شرفاً بنو مروان".
فأعجبته القصیدة فأمهل الباهلي حتى أقام من مجلسه، ثم أتاه في منزله فقال له إني سمعت قصیدتك وأعجبتني، ومروان قد مضى ومضى أهله وفاتك ما قد رمته عنده أتبیعني القصیدة حتى أنتحلها فإنه خیر لك من أن تبقى علیك وأنت فقیر, قال نعم، وقال بكم، قال "بثلثمائة درهم" قال ابتعتها، فأعطاه الدراهم وحلفه بالطلاق ثلاثاً وبالأیمان المحرجة ألا ینتحلها أبداً ولا ینسبها إلى نفسه ولا ینشدها وانصرف بها إلى منزله، فغیر منها أبیاتاً وزاد فیها وجعلها في معن وقال في ذلك البیت [معن بن زائدة الذي زیدت به - شرفاً إلى شرف بنو شیبان].
ووفد بها إلى معن بن زائدة فملأ یدیه وأقام عنده مدةً حتى أثرى واتسعت حاله فكان معن أول من رفع ذكره ونوه به قال <وله فیه مدائح بعد ذلك شریفة ومراثٍ حسنة> ونال من معن ما لم ینل أحد من الشعراء وظلت علاقة الشاعر بمعن متینة حتى مقتل معن على ید الخوارج سنة (١٥٣هـ)، حزن علیه الشاعر حزنا شدیدا ورثاه بقصیدة ضمنها فواجعه وآلامه، وعدد فیها مآثر معن وفضائله الجمة.
وبقي مروان على صلة بأبناء معن یمدحهم دون أن یحظى منهم ما حظیه من والدهم، فقرر التوجه إلى بغداد طمعاً بعطایا بني العباس وأمرائهم وكان اسمه وشعره قد سبقاه الى هناك، وكانت رحلته الأولى إلى بغداد في عهد الخلیفة محمد المهدي، الذي مدحه الشاعر في قصیدة مطلعها: (صحا بعد جهل فاستراحت عواذله - وأقصرن عنه حین أقصر باطله).
وبقي الشاعر في كنف بني العباس یمدح خلفاءهم وأمراء هم حتى لمع نجمه في عهد الخلیفة هارون الرشید، وحظي منه ما تمناه من مال ومن رفعة المنزلة وأصبح شاعره المفضل الأمر الذي دفع ببعض الشعراء إلى مدح الخلیفة وبني العباس بغیة الظفر ببعض ما ظفر به مروان.
ولم ینج شاعرنا من حسد الحاسدین وكیدهم، وكان سلم الخاسر أكثر الشعراء حسدا لمروان، وقد تباهى یوما أمام مروان بجائزة نالها من الخلیفة وقبضها دفعة واحدة، في حین كان مروان یقبض جوائزه مقسمة، فرد مروان على سلم هازئا ساخرا في قصیدة مطلعها:
أسلم بن عمرو قد تعاطیت خطة - تقصر عنها بعد طول عنائكا.
ومما قاله في رده على حساده؟
ما ضرني حسد اللئام ولم یزل - ذو الفضل یحسده ذوو التقصیر.
وكذلك قوله؟
وحسدت حتى قیل أصبح باغیا - في المشي مترف شیمة مختالها.
ولم یقتصر الشاعر في مدحه على الخلفاء فقط بل مدح البرامكة ووزراء الرشید منهم یحیي بن خالد البرمكي وولدیه الفضل وجعفر، كما مدح عبدالله بن طاهر وغیره، یعتبر مروان شاعر الدولتین الأمویة والعباسیة.
وفاته : اغراق الشاعر في مدیح خلفاء بني العباس والمجاهرة بالدفاع عن حقهم في الخلافة، ومعارضته العلویین بشدة زادت من حقد العلویین علیه، فتربصوا به شراً سیما بعد قوله:
أنى یكون ولیس ذاك بكائن - لبني البنات وراثة الأعمام.
ویذكر أن أحدهم ویدعى صالح بن عطیة الأضجم، وكان قد عاهد االله على أن یقتل الشاعر انتقاماً منه لموقفه المعادي للعلویین، وقد استطاع أن یوهم مروان بصداقته، وظل یلازمه طوال وقته مبدیاً له كل لطف ومحبة، حتى مرض الشاعر من حمى ألمت به، فزاد من إظهار مودته له وملازمته إیاه، وذات یوم خلا به، وأمسك بعنقه ولم یتركه حتى قضى علیه.
ثم انبرى یتباكى مع أهله علیه ولم یفطنوا لفعلته. وكانت وفاته زمن الخلیفة الرشید سنة (١٨١ ه) لما وردعن ادریس بن سلیمان بن أبي حفصة قوله: ( إن وفاة مروان كانت سنة ١٨١ ه)، بید أن الجاحظ یحدد تاریخ وفاته بسنة ١٨٢ ه.
وكذلك یقول المرزباني إن وفاة مروان كانت في شهر ربیع الأول سنة ١٨٢ ه، وأنه دفن في مقابر نصر بن مالك الخزاعي، وهي المعروفة بالمالكیة.
أغراض شعره؟
المدیح : یعتبر المدیح أهم أغراضه الشعریة، وقد اتصفت مدائحه غالبا بالمعاني التقلیدیة، وقد تحول الشاعر بمدحه العباسیین إلى الدفاع عن سیاستهم والترویج لحقهم في الخلافة، ومعارضا خصومهم العلویین، وعلى الرغم من أن شاعرنا كان یتنقل بین قصور الخلفاء والأمراء مادحا ومتكسبا، وضروب الحضارة تحف به من كل جانب، إلا أنها لم تؤثر في أسلوبه التقلیدي وطریقته في كتابة الشعر واتباعه لمذهب الاوائل، فنجده یتبع المنهجیة القدیمة في نظم قصائده من حیث استهلالها بالغزل والطلل، ثم الاستطراد الى وصف الناقة وصولاً الى الغرض الشعري.
فالشاعر یصف رحلته في ذلك الیوم شدید الحرارة، حتى یصل إلى ممدوحه، مستخدما الكثیر من الألفاظ البدویة ذات المعاني الصعبة التي نجدها عند شعراء العصر القدیم، ومن هذه العبارات التي تدل على بداوة الشاعر وتمسكه بنهجه القدیم، (الآل) بمعنى السراب، (عصائب) مفردها عصابة أي ما عصب به من مندیل ونحوه أو ربط به، (أسمال) جمع سمل وهو الرث من الثیاب، (تنائف) مفردها تنوفة وهي الأرض القاحلة، تلقب، تحف وتضعف في وصفه للریح، كذلك وصفه للأرض سهوب مفردها سهب وهو البعید السهل من الأرض، والمعنى أنه لا احد یقوى العیش على تلك الأرض حتى أن دلیل القوم یأنف البقاء فیها وتراه یفر منه كالقاتل المطارد.
ویستمر الشاعر في وصفه لرحلته على تلك الأرض، ویصف لنا ناقته التي أقلته في هذا الطریق، فینتقي من الاألفاظ (عجارف) جمع عجرفة أي سریعة الجري (تتقاذ) بمعنى تسرع، (صعر) إمالة الخد تهاونا وكبرا، (البرى) جمع برة وهي الحلقة في أنف البعیر، (تجذب) بمعنى تجد في السیر، ووصفها عندما وصلت صنعاء وخفضت من سرعتها (حلوما) وقد كانت تبدي الممانعة (تشعب).
وأول ما یصف به ممدوحه بعد وصوله صفة الكرم، وهي الصفة الغالبة على الممدوح والمعروف بها بین قبائل العرب، والذي ینتهي الى بابه كل راغب في العطاء، وكل خائف یطلب الأمان، ووصفه بأنه موضع فخر للقبائل المتحالفة أو المتخاصمة أمثال بكر وتغلب.
فكان في الصدارة دائما حتى لا یستطیع أحد أن یجاریه وینافسه، ثم یصفه في ساحة القتال بأنه محالف صولات (والصولة) هي السیطرة في میدان القتال (بریش فما ینفك یرجى ویرغب) وبریش بمعنى یسخو، ویرعب بمعنى یراع، فأثبت الشاعر صفات المدح والكرم والشجاعة لممدوحه، بأنه المرتجى في العطاء والمهاب في ساحة القتال، ومدح الفضل ابن یحیي يقول؛
ما الفضل إلا شهاب لا أفول له - عند الحروب إذا ما تأفل الشهب.
إن الجواد ابن یحیى الفضل لا ورق - یبقى على جود كفیه ولا ذهب.
قد فاض عرفك حتى ما یعادله - غیث مغیث ولا بحر له حدب.
شبه الممدوح بالشهاب، وهو الكوكب شدید اللمعان الذي لایغیب، وبعد أن وصفه لنا في ساحة القتال، یتحدث لنا عن كرمه مستخدما من العبارات (اللها) جمع اللهوة وتعني الجزیل والجید من العطاء، ویؤكد كرمه وعطاءه حین یعجز أهل الكرم من العطاء، فإن الفضل یعطي أفضل ما یملك، وكذلك سیفه یبقى مسلولا جاهزا للقطع، ویعني الشاعر أنه كریم وشجاع في كل الظروف والأحوال، ثم یشبه كرمه الفیاض أنه أقوى من المطر الغزیر والبحر مرتفع الأمواج، ونلاحظ أن الشاعر استخدم في وصف ممدوحیه التشبیهات من البیئة التي یعیش فیها، الشهاب - البحر - المطر، وكذلك الألفاظ كلها من بیئته البدویة وقال یمدح الخلیفة الهادي:
فما بلغت حتى حماها كلالها - اذا عریت أصلابها أن تقیدا.
تشابهتما حلما وعدلا ونائلا - وحزما اذا أمر أقام وأقعدا.
تنازعتما نفسین هذي كهذه - على أصل عرق كان أفخر متلدا.