منذ العشرينيات من القرن العشرين وفهمنا المجرة درب التبانة يزداد بدرجة كبيرة، وهو ما يرجع بالأساس إلى التطوير المتواصل لطرق وتقنيات الرصد فبالإضافة إلى امتلاكنا تليسكوبات أكبر وأفضل لرصد الضوء المرئي بما في ذلك تليسكوب هابل الفضائي فإننا نملك بيانات حصلنا عليها من التليسكوبات الراديوية العاملة في نطاق الأشعة تحت الحمراء من الطيف، ومن لاقطات الأشعة السينية وغيرها من المعدات المحمولة إلى الفضاء على متن الأقمار الصناعية.
إن اللاقطات الإلكترونية الحساسة قادرة على الحصول على معلومات أكثر بكثير عن مصادر الضوء الخافت مقارنة بما هو متاحمن الصور الفوتوغرافية أو أنواع معدات التحليل الطيفي الموجودة على متن التليسكوب هابل وأشباهه، وقوة أجهزة الكمبيوتر الحديثة تجعل عملية مقارنة التنبؤات النظرية بالمشاهدات عملية أيسر بكثير مما كان الحال عليه في وقت هابل نفسه وكان أهم اكتشاف توصلنا إليه بشأن مجرة درب التبانة منذ عشرينيات القرن العشرين هو أن كل النجوم الساطعة إنما تؤلّف نسبة ضئيلة من إجمالي الكتلة الموجودة في المجرة.
فمن الطريقة التي تدور بها المنظومة كلها من الجلي أن القرص الساطع أسير قبضة الجاذبية الخاصة بهالة شبه كروية من مادة مظلمة تفوق كتلتها بسبع مرات كل ما ظن هابل أنه يؤلف مجرة درب التبانة إجمالاً، ولهذا الأمر تبعات عميقة على فهمنا للكون عمومًا نظرًا لأن نفس النسبة بين المادة العادية والمادة المظلمة يبدو أنها تنطبق على الكون بأسره.
وقد ناقش بيتر كولز هذه التبعات الكونية في كتاب علم الكونيات: مقدمة قصيرة جداً الصادر عن نفس السلسلة، لكن أهم نقطة إلى جانب وجود المادة المظلمة نفسها، هي أن هذه المادة ليست مجرد غاز بارد أو غبار فهي لا تتألف من نفس نوعية الجسيمات، الذرات وغيرها، التي تتألف منها الشمس والنجوم أو حتى التي تتألف منها نحن البشر، وإنما تتألف من شيء آخر مختلف تماماً.
وبما أنه لا أحد يعرف تحديداً ماهية هذه المادة، فإنه يشار إليها ببساطة بالاسم: (المادة المظلمة الباردة) شمسنا نجم عادي وبعض النجوم يحتوي على كتلة أكبر من كتلة شمسنا وبعضها أقل لكن النجوم جميعًا تعمل بالطريقة عينها إذ تحول العناصر الخفيفة الهيدروجين تحديدا إلى عناصر أثقل الهليوم تحديدًا بداخلها عن طريق عملية الاندماج النووي مطلقة الطاقة التي تحافظ على سطوع النجم.
وإجمالاً يقدر أن هناك عدة مئات الملايين من النجوم ما لا يقل عن ثلاثمائة مليون نجم في مجرة درب التبانة، وهي منتشرة عبر قرص يبلغ قطره نحو ۲۷ كيلو فرسخًا فلكيا ما يربو قليلا على ٩٠ ألف سنة ضوئية، ثمة قدر من عدم اليقين بشأن الحجم الدقيق للمجرة إذ من العسير قياس حجم الغابة وأنت داخلها لذا عادة ما يجبر هذان الرقمان إلى ۳۰ كيلو فرسخًا فلكيا و ١٠٠ ألف سنة ضوئية.
ثمة تركيز كبير للنجوم في مركز القرص وهذا ما يجعله يبدو إذا نظر إليه من الخارج من جهة الحافة الجانبية كأنه بيضتان مقليتان ملتصقتان ظهرا بظهر القرص كله محاط بهالة كروية من النجوم القديمة والعناقيد الكروية التي تحتوي أقدم النجوم في المجرة، هناك نحو ۱٥۰ عنقودًا كرويا معروفًا، ولا بد أن هناك نحو ٥٠ عنقودًا آخر أو نحو ذلك لا يمكننا رؤيتها لأن شريط الضوء الساطع المجرة درب التبانة يوجد بيننا وبينها يستطيع الفلكيون دراسة الطريقة التي تتحرك بها النجوم في الفضاء باستخدام تأثير دوبلر، وهذا التأثير يسبب إزاحة خطوط الطيف الخاصة بنجم ما نحو الطرف الأحمر من الطيف إذا كان النجم آخذا في الابتعاد عنا، ونحو الطرف الأزرق إذا كان آخذا في الاقتراب منا، وحجم التأثير يكشف لنا سرعة النجم.
وهذا الأمر مكافئ تماماً للطريقة التي ينخفض بها الصوت الصادر عن مصدر متحرك بوق سيارة إسعاف مثلاً، إذا كان المصدر آخذا في الابتعاد عنا، ويرتفع إذا كان آخذا في الاقتراب منا.
وقد تنبأ كريستيان دوبلر بهذا التأثير عام ١٨٤٢ ثم قاسه من خلال جعل مجموعة من عازفي البوق يعزفون نغمة ثابتة وهم على متن قطار يتحرك بهم أمامه من الظاهر يبدو هذا التأثير مشابها لتأثير الإزاحة الحمراء الذي رأيناه في الضوء الصادر عن المجرات بيد أن الإزاحة الحمراء الكونية لا تسببها الحركة داخل الفضاء ومن ثم هي ليست تأثير دوبلر
تقع الشمس على بعد ثلثي المسافة أقل قليلا من ۱۰ كيلو فرسخ فلكي بين مركز مجرة درب التبانة وحافة القرص المرئي.
ومثل النجوم الأخرى الموجودة في القرص تتحرك الشمس حول مركز المجرة بسرعة تناهز ٢٥٠ كيلومترًا في الثانية في مدار شبه دائري، وتستغرق أقل من ۲٥۰ مليون عام لإكمال دورة واحدة من الممكن تحديد أعمار النجوم من خلال مقارنة مظهرها الكلي (خاصة اللون والسطوع) بالنماذج النظرية الخاصة بالكيفية التي تتغير بها النجوم بينما تستهلك وقودها النووي، وفي حالة الشمس يتأكد هذا من خلال استخدام قياسات النشاط الإشعاعي في الصخور والنيازك من أجل الاستدلال على عمر المجموعة الشمسية.
يبلغ عمر الشمس والمجموعة الشمسية نحو ٤,٥ مليارات عام، وهو ما يكفي لإكمال نحو عشرين دورة حول مركز المجرة، ومنذ أن ظهر أوائل البشر الإنسان العاقل الحديث على كوكب الأرض، لم تكمل المجموعة الشمسية إلا أقل من واحد على الألف من دورتها الحالية.
أما أقدم النجوم عمرا في المجرة فيبلغ عمره أكثر من ١٣ مليار عام أي أكبر من عمر الشمس ثلاث مرات خارج الانتفاخ المركزي لا يزيد سمك قرص المجرة على حوالي ۳۰۰ كيلو فرسخ فلكي نحو ألف سنة ضوئية، تقع المجموعة الشمسية أعلى مركز سطح القرص بحوالي ٦ أو ٧ فراسخ فلكية فقط، وبالنظر إلى المجرة من أعلى فإن شكل المجرة الشبيه بالبيضة المقلية لا يشوهه إلا ذلك القضيب البالغ طوله ٨ أو ٩ كيلو فرسخ فلكي الممتد عبر المركز المنتفخ، لكن من الممكن تمييز أربع أذرع حلزونية متقاربة عن كثب تمتد من المركز إلى الخارج.
وكما الحال في المجرات القرصية الأخرى تكون الأذرع الحلزونية ساطعة لأنها تحتوي على العديد من النجوم التي لا تزال في بدايات شبابها، وهذه النجوم كبيرة الحجم وساطعة أيضًا، وكلما كان النجم أكبر أضخم، تعين عليه أن يحرق وقوده النووي بقوة أكبر كي يحافظ على تماسكه ضد قوى الجاذبية، وأن يستنفد وقوده بشكل أسرع.
إن الأذرع الحلزونية هي مواضع تكون النجوم والنجوم الأصغر حجما والأطول عمرا كشمسنا، تتكون أيضًا في الأذرع الحلزونية بيد أنها لا تسطع بقدر كبير.
ومجموعتنا الشمسية تقع حالياً داخل نتوء أصغر من النجوم يعرف باسم ذراع الجبار، أو ببساطة الذراع المحلية، الذي يشكل جسرا بين ذراعين رئيسيتين، لقد كان شابلي محقا عندما ظن أننا موجودون داخل تجمع محلي كبير من النجوم.
النجوم الشابة التي توجد بالأساس داخل الأذرع الحلزونية وسطح مجرة درب التبانة وفي أقراص المجرات الأخرى تُعرف باسم نجوم التصنيف ١، والشمس تنتمي لهذه الفئة من النجوم، وهذه النجوم تحتوي على مواد معاد تدويرها من أجيال سابقة من النجوم منها العناصر الثقيلة التي تتكون منها الكواكب ككوكب الأرض.
أما النجوم الأقدم الموجودة داخل هالة المجرة في العناقيد الكروية والانتفاخ المركزي فتعرف باسم نجوم التصنيف ٢، وهذه النجوم الأقدم تميل إلى أن تكون أكثر احمرارًا من نجوم التصنيف ١، وقد تكونت هذه النجوم منذ فترات طويلة حين كانت المجرة فتية، وهي تتركب في الأساس من الهيدروجين والهليوم البدائيين اللذين ظهرا من الانفجار العظيم الذي أذن بمولد الكون والعناصر الثقيلة الموجودة داخل نجوم التصنيف ١، وداخل أجسادنا تكونت في أجيال سابقة من النجوم.
وتتألف المجرات البيضاوية بالأساس من نجوم التصنيف ٢، إذا لم يتم الحفاظ بصورة ما على النمط الحلزوني الذي يرى في المجرات على غرار مجرة درب التبانة، فسريعا ما يطمس في غضون مليار عام تقريباً بينما تتحرك النجوم حول المجرة في مداراتها.
لكن هذا النمط الحلزوني يستمر لأنه عبارة عن موجة من تكون النجوم تحافظ عليها سحب الغاز والغبار التي تتحرك حول المجرة في مداراتها الخاصة وتنضغط بينما تعبر الأذرع الحلزونية، فالنجوم الفتية ببساطة هي الملمح الأوضح لموجة صدمية تتحرك حول المجرة، على نحو أشبه بالموجة الصدمية الخاصة باختراق حاجز الصوت.
يشبه الموقف هنا عادة بحالة من الاختناق المروري تحدث على طريق سريع مزدحم حين تشغل مركبة كبيرة الحجم بطيئة الحركة الحارة الوسطى للطريق فمع مجيء السيارات الأسرع من وراء المركبة الكبيرة، فإنها تدفع نحو الحارتين الخارجيتين مكونة اختناقا مروريا سريعًا ما يتبدد بعد تجاوز المركبة الكبيرة.
يتحرك الاختناق المروري على امتداد الطريق السريع بسرعة ثابتة بيد أنه في حالة تغير مستمر مع انضمام سيارات جديدة من الخلف ومغادرة سيارات أخرى من الأمام، وبالطريقة عينها تتحرك الذراع الحلزونية حول المجرة في سرعة ثابتة، لكن سحب الغاز والغبار تنضم إليها على نحو مستمر ثم تنضغط ثم تمضي في طريقها.
وبعض هذه السحب ينضغط إلى درجة كافية بحيث يطلق عملية تكون النجوم، وهي عملية مستدامة ذاتيا لكن مع أن عملية تكون النجوم مستدامة ذاتيا، فإنها ليست عملية بالغة الكفاءة فلو أنها كانت كذلك لكانت مجرة درب التبانة بحلول وقتنا الحالي قد حولت كل ما بها من غاز وغبار إلى نجوم في الواقع، فقط كمية تبلغ بضعة أضعاف المادة الموجودة في الشمس بضع كتل شمسية من المادة هي التي يتم تحويلها إلى نجوم جديدة كل عام في مجرتنا، وهذا يوازن على نحو تقريبي مقدار المادة التي تتبدد في الفضاء حين تموت النجوم القديمة وبذا تتواصل عمليات مولد النجوم وحياتها وموتها لمليارات عديدة من الأعوام في المجرة القرصية.
هذا يعني أيضًا أن النجوم العديدة ذاتها لا بد من أنها قد ولدت في فترة زمنية قصيرة حين تكونت مجرة درب التبانة قبل أن تستقر، ومثل هذه الأحداث الرائعة، المعروفة باسم الانفجارات النجمية، ترى بالفعل في مجرات أخرى.
من الصعب على سحابة من الغاز والغبار أن تنهار بمعنى أن تنضغط وتتكثف كي تكون نجما أو عدة نجوم وذلك لسببين؛
الأول : هو أن كل السحب تدور حول نفسها وإن كان الدوران بسيطاً، ومع انكماشها فإنها تدور أسرع مقاومة قوة الجاذبية فلا بد أن تتفتت السحابة بحيث يتبدد زخمها الزاوي بصورة ما.
السبب الثاني : هو أن السحابة المنهارة ستزداد حرارة مع تحرر طاقة الجاذبية، وإن لم تتمكن من تشتيت هذه الحرارة بعيدًا، فإن هذا سيمنع أي انهيار آخر. تُحَلُّ مشكلة الزخم الزاوي من خلال تفتت السحابة إلى عدة نجوم، بحيث يتحول الزخم الزاوي للسحابة إلى الزخم الزاوي للنجوم التي يدور بعضها حول بعض.
وفي المتوسط من بين كل ١٠٠ نظام نجمي حديث المولد يكون ٦٠ منها نظامًا ثنائيًا و ٤٠ نظامًا ثلاثيًا، أما الشموس المنفردة كشمسنا فإنها طردت في وقت لاحق من النظم الثلاثية التي تكونت بهذه الطريقة.
وتحل مشكلة الحرارة لأن السحب تحتوي على جزيئات كأول أكسيد الكربون التي تسخن وتشع الحرارة بعيدًا في نطاق الأشعة تحت الحمراء من الطيف، لكن لا تزال عملية تكون النجوم عملية صعبة، ومن قبيل العجب أن هناك نجوما تتكون من الأساس تبدأ عملية تكون النجوم في تجمعات كبيرة من الغاز، قد تمتد لآلاف الفراسخ الفلكية عرضا، وتحتوي من المادة ما يفوق كتلة الشمس بعشرة ملايين مرة، وداخلها قد تبلغ السحابة الفردية بضع عشرات من الفراسخ الفلكية عرضًا، وتحتوي من المادة ما يفوق كتلة الشمس ببضع مئات آلاف المرات.
وقد يأتي الانضغاط المبدئي الذي يسبب انهيار السحابة على الأرجح من انفجار لنجم ضخم مستعر أعظم، إن الاضطراب الحادث داخل السحابة المنهارة يؤدي إلى تكون قلوب نجوم يبلغ قطرها نحو خمس سنة ضوئية، تحتوي على نحو ٧٠ بالمائة من المادة التي تحتوي عليها شمسنا.
لكن نسبة مئوية ضئيلة فقط من كتلة السحابة كلها يتم تحويلها إلى قلوب نجمية بهذه الطريقة، فحين يتكون أحد النجوم، فإنه يبدأ كقلب نجمي أصغر كثيرًا، ذي كتلة لا تزيد عن واحد على الألف من كتلة الشمس، ويصل إلى الكثافة اللازمة لتحويل نفسه إلى نجم.
أما بقية كتلة النجم فتضاف إليه مع انجذاب المادة الموجودة في السحابة المحيطة، والقريبة بما يكفي بحيث تنجذب بفعل جاذبيته إلى قلبه وبذا تعتمد الكتلة النهائية للنجم على مقدار المادة الموجود في الجوار، وما إن يبدأ النجم في السطوع حتى يطرد الإشعاع الصادر عنه بقية المادة المحيطة، تنتهي العملية كلها بسرعة كبيرة فتنهار إحدى السحب لتكون نجوما وتطرد النجوم الصغيرة الحارة المادة المتخلفة بحيث يتبقى عنقود من النجوم، وكل هذا يحدث في غضون عشرة ملايين عام.
ومن الممكن رؤية المراحل الأخيرة من هذه العملية في سديم الجبار القريب، لكن بعضًا من النجوم الشابة في بعض العناقيد سيكون أضخم كثيرا من الشمس، وسيستهلك كل وقوده النووي بسرعة كبيرة.