تنوعت فنون النثر العربي وأجناسه عبر العصور بتنوع قوالبه وأشكاله، وان هاته الفنون تتمايز فيما بينها من حيث مفهومها وطبيعتها وتقاليدها وعناصر تكوينها، ولعل من أهم هاته الفنون النثر القصصي، فما حظ أدبنا العربي من فن التأليف القصصي وهل عرف العرب فن القصة.
قبل الإجابة عن هاته التساؤلات وغيرها، لابد أولا أن نحدد مفهوم القصة، ذلك أنه إذا أردنا القصة بمفهومها اليوم، فهي لم تكن معروفة قديما، و إذا أردناها بمعناها الذي كان سائدا قبل منتصف القرن الثامن عشر، فإنها قد تكون معروفة عند العرب وغيرهم قديما، ومارسوها في وقت مبكر، إذ إنها نتاج أدبي بدأ مع الإنسان القديم يوم أحس بحاجته إلى معرفة أحوال الناس وأخبارهم، ويقول الباحثون إنها نشأت بنشوء الإنسان، فكان بدء الخليقة قصة وكان الإنسان الأول بطلها الأول، ومنذ أن نظر الإنسان إلى الطبيعة وعجز عن فهمها وإدراك كنهها، أخذ خياله يحيك حولها القصص وينسج الأساطير، ويقول د عبد الملك مرتاض إن القصة في العربية قديمة قدم هذه الكلمة، ولست أريد هنا القصة المشتملة على العناصر الفنية، والمصطلَح عليها حديثا بين النقاد في مختلف الآداب الإنسانية الراقية من زمان ومكان ما ولكن أقصد الأقصوصة، أو القصة البسيطة التي انبنت على الواقع طورا وعلى الخيال طورا ثانيا، وعلى الواقع الممزوج بالخيال طورا ثالثا، ومن هنا لابد أن نبحث.
مفهوم القصة؟
أ. لغة ورد في الصحاح القِصَّةُ الأمر والحدث وقد اقْتَصَصْتُ الحديث رويته على وجه، وقد قَصَّ عليه الخبر قصصا، والاسم أيضا القَصَصُ بالفتح، وُضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، القصص بكسر القاف جمع قِصَّة، وجاء في القاموس المحيط قَصَّ أثره قَصَّا وقَصَصًا تَتَبَّعَهُزوالقَاصُّ من يأتي القِصَّةَ وهي أيضا الخبر والأمر والحديث والقص اتباع الأثر ويقال خرج فلان قصصا في أثر فلان وقصا وذلك إذا اقتص أثره وقيل القاص يقص القصص لاتباعه خبرا بعد خبر، وسوقه الكلام سوقا ويقال تقصصت الكلام إذا حفظتة وقص علي خبره أورده، والقصص الخبر المقصوص.
ب. اصطلاحاً، هي مجموعة الأحداث مرتبة ترتيبا نسبيا تنتهي إلى نتيجة طبيعية لهذه الأحداث، وتلك الأحداث المرتبة تدور حول موضوع عام هو التجربة الإنسانية نفسية أو اجتماعية وعُرفت كذلك بأنها حكاية تحكي حياة في زمن يرويها الكاتب.
نشأتها وتطورها عبر العصور.
يبدو أن سوء الطالع والغبن قد رافقا القصة العربية منذ نشأتها، فقد تواطأ بعض الدارسين المجحفين على أن التراث العربي لم يهتم بفن القصة، كما اهتم بغيره من الفنون الأخرى،زكالشعر والخطابة، والمناظرة والرسائل.
يقول الدكتور محمد غنيمي هلال على سبيل المثال في هذا المجال أما في الأدب العربي السطر للمؤلف، فلم يكن في قديمه للقصة شأن يذكر، وكان لها مفهوم خاص لم ينهض بها، ولم يجعلها ذات رسالة اجتماعية أو إنسانية على أن القصة في الأدب العربي القديم لم تكن من جوهر الأدب كالشعر والخطابة والرسائل مثلا، بل يتخلى عنها كبار الأدباء لغيرهم من الوعاظ وكُتَّاب السير والوصايا، يوردونها شواهد قصيرة على وصاياهم وما يسوقون من حكم، غير أننا لن نستكين لهذا الرأي أو غيره من الآراء المجحفة، التي أساءت الظن بالقصة العربية، والتي نظرت إليها من زاوية ضيقة ولن ننساق بحثا عن إثبات وجود قرائن ودلائل وحجج نسفّه بها آراءهم أو نرد عليها، ذلك أن فئة من النقاد والدارسين العرب المقتدرين قد تصدت لهذه المهمة، وردت على هذه الفئة ردودا مفحمة، وكانت النتيجة التسليم بوجود قصة عربية قديمة، وسنقوم بإيراد شواهد من عيون أدبنا القصصي، تبين أسبقية العرب في هذا المضمار.
أ. العصر الجاهلي؟
لقد عرف الأدب العربي فن القصة في مختلف عصوره، وهي قديمة في التراث العربي، وكان الجاهليون ولوعين بهذا الفن ولا ينكر كاتب متمرس أو ناقد حصيف ذلك، يقول د، طاهر أحمد مكي شاهدا على هذه الحقيقة التاريخية في تصورنا إن القصة موجودة في التراث العربي، لا بمواصفات القصة الفنية الحديثة بالطبع، ولكن بمميزات خاصة فرضتها طفولة هذا الفن، وبداياتها في العصور الوسطى متأثرة بأصول عربية واضحة كقصص السندباد، وكليلة ودمنة، وحي بن يقظان، بل وجدت أشكال مختلفة للقصة في التراث العربي، ولكل شكل مميزاته الخاصة فالقصة في السير تختلف عن القصة في بخلاء الجاحظ، وهذه تختلف عن القصة في المقامات.
أما الدكتور، شوقي ضيف فقد استفاض في الحديث عن هذا الموضوع تقريبا في كل مؤلفاته التي أرّخ فيها لتاريخ الأدب العربي، يقول على سبيل المثال في كتابه الفن ومذاهبه في النثر العربي من المحقق أنه وجدت عندهم أي عند العرب ألوان من القصص، والأمثال، وسجع الكهان، ومن المؤكد أنهم كانوا يشغفون بالقصص شغفا شديدا وساعدتهم على ذلك أوقات فراغهم الواسعة في الصحراء، فكانوا حين يرخي الليل سدوله يجتمعون للسمر، وما أن يبدأ أحدهم في ضرب خيامهم بقوله كان يا ما كان حتى يرهف الجميع أسماعهم إليه، وقد يشترك بعضهم معه في الحديث، وشباب الحي وشيوخه، ونساؤه وفتياته المخدرات وراء الأخبية، كل هؤلاء يتابعون الحديث في شوق ولهفة، ومن غير شك كان يفيض القصاص على قصصه من خياله، حتى يبهر سامعيه وحتى يملك عليهم قلوبهم وقد دون الكُتاب العباسيون ما انتهى إليهم من هذه القصص مع تغيير في الصياغة، وإن كان من الحق أنها تحتفظ بكثير من سمات القصص القديم وظلت تنبض بروحه وحيويته، وربما كان أكثر ألوان القصص شيوعا على ألسنتهم أيامهم وحروبهم، وما سجَّله أبطالهم من انتصارات مروعة، وما منيت به بعض قبائلهم من هزائم منكرة، وكانوا.
يقصون كثيرا على ملوكهم من المناذرة والغساسنة، ومن سبقوهم أو عاصروهم من ملوك الدولة الحِمْيَرِيَّةِ وينبغي أن نقرأ رأي د، فاروق خورشيد، الذي يصر على أصالة وعراقة هذا الفن، لأن الكثير من الشواهد تدل على ذلك، فحسبه إن العرب كانوا شغوفين بالتاريخ والحكايات وكانت لهم قصص كثيرة، وقد عرفوا في الجاهلية ألوانا من القصص، وكان لهم تراثهم الأسطوري، مستدلا على ذلك بما ورد في القرآن الكريم من قصص، إذ أشار إلى أنه إدراك لخطر القصة وأثرها في نفوس العرب، وقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فأكد أن القصة كانت تحظى بالمقام الأول، وأنها كانت الفن المفضل عند الغالبية العظمى، بينما حفلت أقلية خاصة بأمر الشعر والخطابة، وربما كان السر حسبه في انصراف المسلمين عن القصص أنهم اعتبروها من الخرافات الجاهلية، فأهملوها خوفا على دينهم إذن، فقد أجمع الدارسون على أن العرب في جاهليتهم كانت لهم قصص كثيرة، فقد كانوا مشغوفين بالتاريخ والحكايات التي تدور حول أجدادهم وملوكهم وفرسانهم وشعرائهم، وإن مجموعة من الكتب العربية التراثية تدل على ذلك، نذكر منها الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الذي يكاد يكون ذخيرة حية من القصص عن الشعراء ومجالسهم مع الملوك، والأمالي للقالي، و صبح الأعشى للقلقشندي، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وكتب الأعلام والتراجم والسير، مما لا يدع للشك مجالا في أن هذا الفن القصصي تناول الحياة الجاهلية بكل مظاهرها ومعتقداتها، وكان هذا القصص متنوعا، فمنه قصص العبرة والاتعاظ والقصص الجاري على ألسنة الحيوانات، على غرار كتاب كليلة ودمنة، وقصص الأسفار، وقصص المجون والخلاعة، وقصص النوادر والطرائف، وهذا الغنى والتنوع يؤكد أنه فن أصيل قديم متجذر مر بمراحل كبرى، كما أن كتب التاريخ التي عادت إلى المرحلة الجاهلية، أشارت إلى وجود عدد ممن تصدوا لمهمة القص، يقول الـ د، ناصر الدين الأسد في ذلك كان في الجاهلية من ينصب نفسه لتعليم الأخبار وقصص التاريخ، فيقصده من يقصده يستمليها ويكتبها وقد أنبأنا النبأ اليقين بذلك كتاب الله، نذكر منها قوله تعالى «وَقَالُوْا أَسَاطِيْرُ اَلْأَوَّلِيْنَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَّ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيْلاَ، وقوله: (وَإِذْ تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيْرُ اَلْأَوَّلِيْنَ).
ب. العصر الإسلامي؟
وفي بداية أخبار الدعوة المحمدية أن من الناس من اعتقد أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قاص، وقد جاءت فيه صورة كاملة تحمل هذا الاسم، وهي سورة القصص، كما وردت في القرآن الكريم لفظة قَصَّ واشتقاقاتها في عدة مواضع منه، نذكر منها قوله تعالى
«تِلْكَ اَلْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا»
«وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ»
«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ»
«وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيْهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمِ لَا يَشِعُرُوْنَ»
«قٌلْ إِنِّيْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبّْي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِيْ مَا تَسْتَعْجِلُوْنَ بِهِ إِنِ اَلْحُكْمُ لِلَّهِ يَقُصُّ اَلْحَقَّ وَهُوَّ خَيْرُ اَلْفَاصِلِيْنَ»
«لَقَدْ كَانَ فِيْ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِيْ اَلْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيْثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيْقَ الَّذِيْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُوْنَ» إذن، فاستخدامات هذا الفعل وردت متعددة المعاني، فهي تارة بمعنى النبأ والإخبار وطورا بمعنى تقصي الأثر وتتبعه، وأحيانا بمعنى العدل والفصل، وأحيانا أخرى بمعنى العبرة والاتعاظ، ولولا وجود القصة قديما في العصر الجاهلي ما خاطب الله مشركي مكة بكثير من القصص المؤثر وقد ساق القرآن الكريم كثيرا من القصص منها القصة، القصيرة، كقصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، وفي السورة نفسها جاءت قصة أهل الكهف، وقصة موسى والخضر، وقصة ذي القرنين، وجاءت قصة سليمان والهدهد، و سليمان والملكة بلقيس ملكة سبأ، وقصة سليمان والنملة في سورة النمل، وجاءت قصة أصحاب الجنة في سورة القلم، كما ساق القرآن القصة المتوسطة الطول، كقصة مريم مع قومها، وجاءت القصة الطويلة التي تشبه الرواية في سورة يوسف، كما ساق القصة البالغة الطول المتعددة المواقف كل موقف في موضع، ولكن المواقف يتمم بعضها بعضا حتى تكتمل كما حدث في قصتي موسى وإبراهيم عليهما السلام.
وكان هذا القصص القرآني متعدد الفوائد والأهداف، نذكر أهمها؟
إن إيراد أخبار الأمم الماضية إنما هو إظهار لنبوته، ودلالة على رسالته، ذلك أن النبي لم يختلف إلى مؤدب ولا إلى معلم، ولم يفارق وطنه بمدة يمكنه فيها الانقطاع إلى عالم يأخذ عنه الأخبار.
إن الله قص عليه تلك القصص ليكون أسوة وقدوة بمكارم أخلاق الرسل والأنبياء المتقدمين والأولياء الصالحين فيما أخبر الله عنهم.
قص عليه تثبيتا له وإعلاما بشرفه وشرف أمته.
قص عليه تأديبا وتهذيبا لأمته.
قص عليه أخبار الماضين من الأنبياء والأولياء إحياء لذكرهم وآثارهم، كما أن إيراد تلك القصص في القرآن الكريم كان أحد مظاهر إعجازه، ذلك أن لكل نبي معجزة خصه بها الله، فكان من بين تلك المعجزات إنباء الرسول بأخبار الأمم السابقة وحتى البائدة كعاد وثمود، ذلك أنه كان أُميا لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، وكذلك كان معروفا عن حاله أنه لم يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتى بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير، من حيث خلق الله آدم عليه السلام إلى حين مبعثه، ولما كان الأمر مستحيلا إلا عن تعلم، وهو لم يكن كذلك، وجب ألا يكون ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي، وقد حفظت لنا كتب التراث العربي أسماء عدد من القصاص، نذكر منهم النضر بن الحارث بن علقمة 2ھ/624م القاص القرشي، وله اطلاع على كتب الفرس وغيرهم وهو أول من غنّى على العود بألحان الفرس آذى الرسول كثيرا مع أنه ابن خالته وقد أسره المسلمون في وقعة بدر وما لبث أن قتل، ونفّذ فيه أمر القتل الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومما يُروى عنه في هذا المجال أنه كان يجلس مجلس النبي ص بعد قيامه منه ويقول لقومه إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، أحدثكم بحديث رستم وأسفنديار، ثم إذا انتهى من مروياته يقول بماذا محمد أحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما أكتتبها، وفي هذا إشارة واضحة إلى وجود عدد من القصص المحفوظة والمدونة في محفوظات أو كتب، وكان هذا القاص يعود إليها لينافس الرسول الأعظم، وفيه نزلت الآية الكريمة «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوْا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنَّ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيْرُ اَلْأَوَّلِيْنَ، وكذلك قوله تعالى «وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيْمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ إِذْ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعذَابٍ أَلِيْمٍ».
نذكر كذلك القاص الثاني الذي ذكرته كتب الأخبار والسير وهو تميم بن أوس بن خارجة الداري 40 ھ/660م، ولم يتوجس الرسول من هذا القاص، بل إنه قربه إليه، وقام برواية قصة رواها، وهي قصة الجساسة والدجال، كما سمح له الخليفة عمر بن الخطاب، فكان يقص في يوم الجمعة عقب كل صلاة، وكان يحضر مجلسه، وكان أيضا بعد ذلك يقص يومين في الأسبوع بدلا من اليوم الواحد في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، أما علي بن أبي طالب فكان يراقب القصاص و يتحقق من كفاءتهم الوعظية، وممن خاضوا غمار هذا الفن الصحابي الجليل وحبر الأمة عبد الله بن عباس بن عبد المطلب 68ھ /687م، حيث كان يخصص يوما للفقه، ويوما للتأويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر وأيام العرب.