0 تصويتات
في تصنيف حل المناهج التعليمية بواسطة (4.2مليون نقاط)

تنوعت فنون النثر العربي وأجناسه عبر العصور بتنوع قوالبه وأشكاله، وان هاته الفنون تتمايز فيما بينها من حيث مفهومها وطبيعتها وتقاليدها وعناصر تكوينها، ولعل من أهم هاته الفنون النثر القصصي، فما حظ أدبنا العربي من فن التأليف القصصي وهل عرف العرب فن القصة. 

قبل الإجابة عن هاته التساؤلات وغيرها، لابد أولا أن نحدد مفهوم القصة، ذلك أنه إذا أردنا القصة بمفهومها اليوم، فهي لم تكن معروفة قديما، و إذا أردناها بمعناها الذي كان سائدا قبل منتصف القرن الثامن عشر، فإنها قد تكون معروفة عند العرب وغيرهم قديما، ومارسوها في وقت مبكر، إذ إنها نتاج أدبي بدأ مع الإنسان القديم يوم أحس بحاجته إلى معرفة أحوال الناس وأخبارهم، ويقول الباحثون إنها نشأت بنشوء الإنسان، فكان بدء الخليقة قصة وكان الإنسان الأول بطلها الأول، ومنذ أن نظر الإنسان إلى الطبيعة وعجز عن فهمها وإدراك كنهها، أخذ خياله يحيك حولها القصص وينسج الأساطير، ويقول د عبد الملك مرتاض إن القصة في العربية قديمة قدم هذه الكلمة، ولست أريد هنا القصة المشتملة على العناصر الفنية، والمصطلَح عليها حديثا بين النقاد في مختلف الآداب الإنسانية الراقية من زمان ومكان ما ولكن أقصد الأقصوصة، أو القصة البسيطة التي انبنت على الواقع طورا وعلى الخيال طورا ثانيا، وعلى الواقع الممزوج بالخيال طورا ثالثا، ومن هنا لابد أن نبحث. 

مفهوم القصة؟ 

أ. لغة ورد في الصحاح القِصَّةُ الأمر والحدث وقد اقْتَصَصْتُ الحديث رويته على وجه، وقد قَصَّ عليه الخبر قصصا، والاسم أيضا القَصَصُ بالفتح، وُضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، القصص بكسر القاف جمع قِصَّة، وجاء في القاموس المحيط قَصَّ أثره قَصَّا وقَصَصًا تَتَبَّعَهُزوالقَاصُّ من يأتي القِصَّةَ وهي أيضا الخبر والأمر والحديث والقص اتباع الأثر ويقال خرج فلان قصصا في أثر فلان وقصا وذلك إذا اقتص أثره وقيل القاص يقص القصص لاتباعه خبرا بعد خبر، وسوقه الكلام سوقا ويقال تقصصت الكلام إذا حفظتة وقص علي خبره أورده، والقصص الخبر المقصوص. 

ب. اصطلاحاً، هي مجموعة الأحداث مرتبة ترتيبا نسبيا تنتهي إلى نتيجة طبيعية لهذه الأحداث، وتلك الأحداث المرتبة تدور حول موضوع عام  هو التجربة الإنسانية نفسية أو اجتماعية وعُرفت كذلك بأنها حكاية تحكي حياة في زمن يرويها الكاتب.

نشأتها وتطورها عبر العصور. 

يبدو أن سوء الطالع والغبن قد رافقا القصة العربية منذ نشأتها، فقد تواطأ بعض الدارسين المجحفين على أن التراث العربي لم يهتم بفن القصة، كما اهتم بغيره من الفنون الأخرى،زكالشعر والخطابة، والمناظرة والرسائل.

يقول الدكتور محمد غنيمي هلال على سبيل المثال في هذا المجال أما في الأدب العربي السطر للمؤلف، فلم يكن في قديمه للقصة شأن يذكر، وكان لها مفهوم خاص لم ينهض بها، ولم يجعلها ذات رسالة اجتماعية أو إنسانية على أن القصة في الأدب العربي القديم لم تكن من جوهر الأدب كالشعر والخطابة والرسائل مثلا، بل يتخلى عنها كبار الأدباء لغيرهم من الوعاظ وكُتَّاب السير والوصايا، يوردونها شواهد قصيرة على وصاياهم وما يسوقون من حكم، غير أننا لن نستكين لهذا الرأي أو غيره من الآراء المجحفة، التي أساءت الظن بالقصة العربية، والتي نظرت إليها من زاوية ضيقة ولن ننساق بحثا عن إثبات وجود قرائن ودلائل وحجج نسفّه بها آراءهم أو نرد عليها، ذلك أن فئة من النقاد والدارسين العرب المقتدرين قد تصدت لهذه المهمة، وردت على هذه الفئة ردودا مفحمة، وكانت النتيجة التسليم بوجود قصة عربية قديمة، وسنقوم بإيراد شواهد من عيون أدبنا القصصي، تبين أسبقية العرب في هذا المضمار. 

أ. العصر الجاهلي؟ 

لقد عرف الأدب العربي فن القصة في مختلف عصوره، وهي قديمة في التراث العربي، وكان الجاهليون ولوعين بهذا الفن ولا ينكر كاتب متمرس أو ناقد حصيف ذلك، يقول د، طاهر أحمد مكي شاهدا على هذه الحقيقة التاريخية في تصورنا إن القصة موجودة في التراث العربي، لا بمواصفات القصة الفنية الحديثة بالطبع، ولكن بمميزات خاصة فرضتها طفولة هذا الفن، وبداياتها في العصور الوسطى متأثرة بأصول عربية واضحة كقصص السندباد، وكليلة ودمنة، وحي بن يقظان، بل وجدت أشكال مختلفة للقصة في التراث العربي، ولكل شكل مميزاته الخاصة فالقصة في السير تختلف عن القصة في بخلاء الجاحظ، وهذه تختلف عن القصة في المقامات. 

أما الدكتور، شوقي ضيف فقد استفاض في الحديث عن هذا الموضوع تقريبا في كل مؤلفاته التي أرّخ فيها لتاريخ الأدب العربي، يقول على سبيل المثال في كتابه الفن ومذاهبه في النثر العربي من المحقق أنه وجدت عندهم أي عند العرب ألوان من القصص، والأمثال، وسجع الكهان، ومن المؤكد أنهم كانوا يشغفون بالقصص شغفا شديدا وساعدتهم على ذلك أوقات فراغهم الواسعة في الصحراء، فكانوا حين يرخي الليل سدوله يجتمعون للسمر، وما أن يبدأ أحدهم في ضرب خيامهم بقوله كان يا ما كان حتى يرهف الجميع أسماعهم إليه، وقد يشترك بعضهم معه في الحديث، وشباب الحي وشيوخه، ونساؤه وفتياته المخدرات وراء الأخبية، كل هؤلاء يتابعون الحديث في شوق ولهفة، ومن غير شك كان يفيض القصاص على قصصه من خياله، حتى يبهر سامعيه وحتى يملك عليهم قلوبهم وقد دون الكُتاب العباسيون ما انتهى إليهم من هذه القصص مع تغيير في الصياغة، وإن كان من الحق أنها تحتفظ بكثير من سمات القصص القديم وظلت تنبض بروحه وحيويته، وربما كان أكثر ألوان القصص شيوعا على ألسنتهم أيامهم وحروبهم، وما سجَّله أبطالهم من انتصارات مروعة، وما منيت به بعض قبائلهم من هزائم منكرة، وكانوا. 

يقصون كثيرا على ملوكهم من المناذرة والغساسنة، ومن سبقوهم أو عاصروهم من ملوك الدولة الحِمْيَرِيَّةِ وينبغي أن نقرأ رأي د، فاروق خورشيد، الذي يصر على أصالة وعراقة هذا الفن، لأن الكثير من الشواهد تدل على ذلك، فحسبه إن العرب كانوا شغوفين بالتاريخ والحكايات وكانت لهم قصص كثيرة، وقد عرفوا في الجاهلية ألوانا من القصص، وكان لهم تراثهم الأسطوري، مستدلا على ذلك بما ورد في القرآن الكريم من قصص، إذ أشار إلى أنه إدراك لخطر القصة وأثرها في نفوس العرب، وقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فأكد أن القصة كانت تحظى بالمقام الأول، وأنها كانت الفن المفضل عند الغالبية العظمى، بينما حفلت أقلية خاصة بأمر الشعر والخطابة، وربما كان السر حسبه في انصراف المسلمين عن القصص أنهم اعتبروها من الخرافات الجاهلية، فأهملوها خوفا على دينهم إذن، فقد أجمع الدارسون على أن العرب في جاهليتهم كانت لهم قصص كثيرة، فقد كانوا مشغوفين بالتاريخ والحكايات التي تدور حول أجدادهم وملوكهم وفرسانهم وشعرائهم، وإن مجموعة من الكتب العربية التراثية تدل على ذلك، نذكر منها الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الذي يكاد يكون ذخيرة حية من القصص عن الشعراء ومجالسهم مع الملوك، والأمالي للقالي، و صبح الأعشى للقلقشندي، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وكتب الأعلام والتراجم والسير، مما لا يدع للشك مجالا في أن هذا الفن القصصي تناول الحياة الجاهلية بكل مظاهرها ومعتقداتها، وكان هذا القصص متنوعا، فمنه قصص العبرة والاتعاظ والقصص الجاري على ألسنة الحيوانات، على غرار كتاب كليلة ودمنة، وقصص الأسفار، وقصص المجون والخلاعة، وقصص النوادر والطرائف، وهذا الغنى والتنوع يؤكد أنه فن أصيل قديم متجذر مر بمراحل كبرى، كما أن كتب التاريخ التي عادت إلى المرحلة الجاهلية، أشارت إلى وجود عدد ممن تصدوا لمهمة القص، يقول الـ د، ناصر الدين الأسد في ذلك كان في الجاهلية من ينصب نفسه لتعليم الأخبار وقصص التاريخ، فيقصده من يقصده يستمليها ويكتبها وقد أنبأنا النبأ اليقين بذلك كتاب الله، نذكر منها قوله تعالى «وَقَالُوْا أَسَاطِيْرُ اَلْأَوَّلِيْنَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَّ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيْلاَ، وقوله: (وَإِذْ تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيْرُ اَلْأَوَّلِيْنَ). 

ب. العصر الإسلامي؟ 

وفي بداية أخبار الدعوة المحمدية أن من الناس من اعتقد أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قاص، وقد جاءت فيه صورة كاملة تحمل هذا الاسم، وهي سورة القصص، كما وردت في القرآن الكريم لفظة قَصَّ واشتقاقاتها في عدة مواضع منه، نذكر منها قوله تعالى 

«تِلْكَ اَلْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا»

«وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ»

«نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ»

«وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيْهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمِ لَا يَشِعُرُوْنَ»

«قٌلْ إِنِّيْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبّْي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِيْ مَا تَسْتَعْجِلُوْنَ بِهِ إِنِ اَلْحُكْمُ لِلَّهِ يَقُصُّ اَلْحَقَّ وَهُوَّ خَيْرُ اَلْفَاصِلِيْنَ»

«لَقَدْ كَانَ فِيْ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِيْ اَلْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيْثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيْقَ الَّذِيْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُوْنَ» إذن، فاستخدامات هذا الفعل وردت متعددة المعاني، فهي تارة بمعنى النبأ والإخبار وطورا بمعنى تقصي الأثر وتتبعه، وأحيانا بمعنى العدل والفصل، وأحيانا أخرى بمعنى العبرة والاتعاظ، ولولا وجود القصة قديما في العصر الجاهلي ما خاطب الله مشركي مكة بكثير من القصص المؤثر وقد ساق القرآن الكريم كثيرا من القصص منها القصة، القصيرة، كقصة صاحب الجنتين في سورة الكهف، وفي السورة نفسها جاءت قصة أهل الكهف، وقصة موسى والخضر، وقصة ذي القرنين، وجاءت قصة سليمان والهدهد، و سليمان والملكة بلقيس ملكة سبأ، وقصة سليمان والنملة في سورة النمل، وجاءت قصة أصحاب الجنة في سورة القلم، كما ساق القرآن القصة المتوسطة الطول، كقصة مريم مع قومها، وجاءت القصة الطويلة التي تشبه الرواية في سورة يوسف، كما ساق القصة البالغة الطول المتعددة المواقف كل موقف في موضع، ولكن المواقف يتمم بعضها بعضا حتى تكتمل كما حدث في قصتي موسى وإبراهيم عليهما السلام. 

وكان هذا القصص القرآني متعدد الفوائد والأهداف، نذكر أهمها؟ 

إن إيراد أخبار الأمم الماضية إنما هو إظهار لنبوته، ودلالة على رسالته، ذلك أن النبي لم يختلف إلى مؤدب ولا إلى معلم، ولم يفارق وطنه بمدة يمكنه فيها الانقطاع إلى عالم يأخذ عنه الأخبار. 

إن الله قص عليه تلك القصص ليكون أسوة وقدوة بمكارم أخلاق الرسل والأنبياء المتقدمين والأولياء الصالحين فيما أخبر الله عنهم. 

قص عليه تثبيتا له وإعلاما بشرفه وشرف أمته. 

قص عليه تأديبا وتهذيبا لأمته. 

قص عليه أخبار الماضين من الأنبياء والأولياء إحياء لذكرهم وآثارهم، كما أن إيراد تلك القصص في القرآن الكريم كان أحد مظاهر إعجازه، ذلك أن لكل نبي معجزة خصه بها الله، فكان من بين تلك المعجزات إنباء الرسول بأخبار الأمم السابقة وحتى البائدة كعاد وثمود، ذلك أنه كان أُميا لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، وكذلك كان معروفا عن حاله أنه لم يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتى بجمل ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير، من حيث خلق الله آدم عليه السلام إلى حين مبعثه، ولما كان الأمر مستحيلا إلا عن تعلم، وهو لم يكن كذلك، وجب ألا يكون ذلك إلا بتأييد من جهة الوحي، وقد حفظت لنا كتب التراث العربي أسماء عدد من القصاص، نذكر منهم النضر بن الحارث بن علقمة 2ھ/624م القاص القرشي، وله اطلاع على كتب الفرس وغيرهم وهو أول من غنّى على العود بألحان الفرس آذى الرسول كثيرا مع أنه ابن خالته وقد أسره المسلمون في وقعة بدر وما لبث أن قتل، ونفّذ فيه أمر القتل الصحابي الجليل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومما يُروى عنه في هذا المجال أنه كان يجلس مجلس النبي ص بعد قيامه منه ويقول لقومه إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، أحدثكم بحديث رستم وأسفنديار، ثم إذا انتهى من مروياته يقول بماذا محمد أحسن حديثا مني، وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما أكتتبها، وفي هذا إشارة واضحة إلى وجود عدد من القصص المحفوظة والمدونة في محفوظات أو كتب، وكان هذا القاص يعود إليها لينافس الرسول الأعظم، وفيه نزلت الآية الكريمة «وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوْا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنَّ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيْرُ اَلْأَوَّلِيْنَ، وكذلك قوله تعالى «وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيْمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ إِذْ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعذَابٍ أَلِيْمٍ». 

نذكر كذلك القاص الثاني الذي ذكرته كتب الأخبار والسير وهو تميم بن أوس بن خارجة الداري 40 ھ/660م، ولم يتوجس الرسول من هذا القاص، بل إنه قربه إليه، وقام برواية قصة رواها، وهي قصة الجساسة والدجال، كما سمح له الخليفة عمر بن الخطاب، فكان يقص في يوم الجمعة عقب كل صلاة، وكان يحضر مجلسه، وكان أيضا بعد ذلك يقص يومين في الأسبوع بدلا من اليوم الواحد في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، أما علي بن أبي طالب فكان يراقب القصاص و يتحقق من كفاءتهم الوعظية، وممن خاضوا غمار هذا الفن الصحابي الجليل وحبر الأمة عبد الله بن عباس بن عبد المطلب 68ھ /687م، حيث كان يخصص يوما للفقه، ويوما للتأويل، ويوما للمغازي، ويوما للشعر وأيام العرب. 

2 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
جـ. العصر الأموي؟

وفي العصر الأموي شهد هذا الفن تطورا ملحوظا، فقد كان الخليفة معاوية بن أبي سفيان يستمع إلى الأخبار والسير، ويستقدم القصاص والإخباريين إلى قصره، ويوليهم عناية كبيرة، كما يخصص لهم وقتا، فقد كان ينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد، فيحضر الدفاتر فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرأ عليه ذلك غلمان مرتبون قد وكلوا بحفظها وقراءتها، فيمر بسمعه كل ليلة جُمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات ثم يخرج فيصلي، فإذا صلى الفجر جلس للقاص حتى يفرغ من قصصه.

ومن أشهرالقصاص الذين جالسهم واستمع إليهم معاوية بن أبي سفيان، نذكر الخطيب وعالم الأنساب النخار بن أوس بن أُبير، ويقال إنه دخل على معاوية وهو ملتف بعباءة فازدراه معاوية فقال يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك وإنما يكلمك من فيها، ثم كان من ندمائه ومحدثيه، نذكر كذلك الحكيم والخطيب عٌبيد بن شرية الجرهمي، ويقال إنه أول من صنف الكتب من العرب استحضره معاوية من صنعاء إلى الشام، فقص عليه أخبار الماضين، وأمر معاوية بتدوينها أملى كتاب الملوك وأخبار الماضي وكتاب الأمثال، وهذا معناه أن من كان يتصدى لمهمة القص في هذا العصر أشخاص متميزون ومعنيون، وعلى قدر كبير من الثقة والزهد والورع والثقافة، وعلى علم بأمور الدين والفقه والحديث.

إذن، فقد كان للقصص في تلك الفترة مكانة عظمى، ذلك أنه بدأ يشارك في الحياة السياسية والفكرية، ويقوم كالشعر بالتأثير في النفوس، وتجييشها خلف هذا الحزب أو ذاك وبلغ من مكانة القصص وقوة فعله في النفوس أن القصاص صاروا يرافقون الجيوش إلى الفتوح ليقصوا عليهم ويحرضوهم على القتال، كما أن تلك القصص عكست في كثير من الأحيان عقلية الإنسان العربي، يقول طه حسين في ذلك سنجد فيها أي القصص إشارة إلى أيام العرب، يضطر المفسرون والشراح إلى تفسيرها، وأن يقصوا علينا أخبار هذه الأيام التي كان العرب يقولون إنها وقعت بسبب داحس والغبراء، وفي حرب البسوس، وفي يوم الكلاب، وما كان بين عامر وتميم أوأيام الفُجَّارِ وغيرها كل هذه القصص كانت تُروى وتُحكى في مدينتي البصرة والكوفة، عندما استقر العرب في هذين المصرين وكان الذين يتحدثون بها إلى الناس هم الأعراب والذي يظهر في هذه القصص ليست العقلية الفارسية ولا اليونانية، بل العقلية العربية التي تريد أن تثبت للنابهين من القبائل أعظم حظ من الشجاعة في هذه القصص، التي تقص أيام العرب، ومغازي النبي وأوائل الفتح الإسلامي هذه هي القصص العربية الخالصة التي ترى فيها النثر العربي الخالص.

د. العصر العباسي؟

عندما قامت الدولة العباسية امتد سلطان النثر شيئا فشيئا، واتسعت موضوعاته إلى أكثر مما كانت عليه في آواخر العصر الأموي وكان من أسباب هذا اشتداد الاتصال بين العرب والفرس وغيرهم من الموالي في الشام والجزيرة العربية والعراق، فظهرت ألوان جديدة من القصص نذكر منها

ألف ليلة وليلة، المقامات، كليلة ودمنة، رسالة التوابع والزوابع، رسالة الغفران، قصة حي بن يقظان، فأما كتاب كليلة ودمنة لصاحبه عبد الله بن المقفع 714-759م، فـ ينطوي على حكايات وأقاصيص على ألسنة الطير والبهائم التي تمثل الحياة البشرية في نواحيها المختلفة، لما نجده فيها من النزعات والأهواء والتيارات الفكرية ما نجده بين البشر كما نجد في الحوارات التي يديرها ابن المقفع ببراعة بين أطرافها الجدل والفقه والمنطق وعلم الاجتماع والسياسة، إنه ببساطة خرافة تنطوي على مجموعة من الحكم والأمثال ذات طابع تعليمي صيغت على ألسنة الحيوان، وهي تدور حول اثنين من بنات آوى اسم الواحد كليلة واسم الآخر دمنة، وقد اختلف الأدباء والمؤرخون في أصل الكتاب، فبعضهم يرى أنه مترجم عن الفهلوية القديمة، وبعضهم الآخر يرى أنه من وضع ابن المقفع نفسه، في حين رأى فريق ثالث أنه كتاب هندي عربي فارسي، هندي باعتبار أصله، فارسي لأنه انتقل إلى أيدي الفرس فترجموه إلى لغتهم وزادوا فيه أبوابا، عربي لأن الترجمة العربية التي أخذت عن الفارسية صارت هي الأصل والمصدر بعد أن ضاعت الترجمة الفارسية، وقد صيغت حكاياته في قالب رمزي لأنه يعظ فيه الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور، و يدعوه إلى العدل واللين في معاملة الرعية، والكف عن الاستبداد والتعسف وإذا كان الكتاب السابق مدار خلاف، فإن رسالة التوابع والزوابع للشاعر الكاتب الأندلسي أحمد بن شهيد 382-462ھ، لا يرقى إليها الشك، وهي رحلة خيالية في عالم الجن يحكي فيها كيف التقى بشياطين الشعراء السابقين من توابع مفرده تابع و تابعة أي ما يتبع الإنسان من الجن والزوابع جمع زوبعة، اسم شيطان أو اسم رئيس الجن وتجري بينه وبينهم مناظرات ومساجلات أدبية، وكذلك بينه وبين ما يجده من مخلوقات في عالمهم، وهو ينتصر في هذه المساجلات الأدبية دائما وتسود هذه الحكاية روح فكهة مع سخرية سطحية.

وفي السياق نفسه نشير إلى رسالة الغفران للشاعر أبي العلاء المعري، وهي رسالة نثرية كتبها في موضوع خيالي عن زيارة للعالم الآخر، وما جرى في هذه الزيارة من الحوار بينه وبين شعراء الجاهلية والإسلام وغيرهم من الأدباء، وقد كانت هذه الرسالة مثار وحي في القرون الوسطى للشاعر الإيطالي العظيم دانتي ألليجيري 1265-1331م في أهم آثاره وهي الكوميديا الإلهية، ومن القصص العربية القديمة قصة حي بن يقظان للفيلسوف والطبيب ابن طفيل 500 ھ -1106م، وهي من أهم القصص التي ظهرت في العصور الوسطى في نظر كثير من النقاد، فهي رائدة فن القص إلى جانب ألف ليلة وليلة، وهي ذات طابع فلسفي على طريقة الصوفية، حي يقصد به العقل الفعال أو النفس الملكية المفكرة، وهذا العقل حي دائما، غير متغير لا يهرم أبدا، وابن يقظان كناية عن صدوره عن القيوم الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم، والقصة السابقة تحتوي على جوانب نضج كثيرة، وقد تأثر بها الروائي والشاعر الأمريكي دانييل دوفو 1660-1731م فكتب رواية روبنسون كروزويه، وهي سيرة ذاتية تخييلية محاكيا فيها ابن طفيل، هذه هي أهم الخطوط العريضة للقصة العربية التراثية، التي وجدت في كل عصوره، كما وجدت تبعا لذلك فئة من القاصين تصدت لهذه المهمة، كما أثَّرت تلك القصص في غيرهم من الشعوب والأمم الأخرى.

سجع الكهان؟

يعد السجع من مميزات البلاغة الفطرية، فهو يجري على ألسنة البشر في أكثر اللغات، بصورة فطرية ومضطردة، في أمثالهم وحكمهم وخطبهم، لما فيه من موسيقى رائعة، لا ينكر دورها في التأثير على العقول والقلوب، بل هو علامة من علامات رقة الأسلوب ونصاعته، ورونقه وجزالته، وكلما كانت الألفاظ المسجوعة ذات رقة ورنين، ومعنى كريم، وأناقة وحسن ترنيم، فإن النفس الإنسانية تشتاق لسماعها، والأذن ترتاح إلى إيقاعها، وقد ظهرت في العصر الجاهلي طائفة من العرب احترفت الكهانة، وادَّعت معرفة الغيب، واتخذت الأسلوب البلاغي السابق وسيلة لإيصال رسالتها، أطلق عليهم الكهان وأسمي أسلوبهم بـسجع الكهان.

1. مفهومه؟

أ. لغة يقول ابن منظور سَجَعَ يَسْجَعُ سَجْعًا استوى واستقام وأشبه بعضه بعضا، قال ذو الرمة قطعت بها أرضا ترى وجه ركبها إذا ما علوها ملفا غير ساجع، والسَّجْعُ الكلام المقفى والجمع أَسْجَاعٌ وأَسَاجِيْعٌ وكلام مُسَجَّعٌ، وسَجَعَ يَسْجَعُ سَجْعًا وسَجَعَ تَسْجِيْعًا تكلم كلاما له فواصل كفواصل الشعر من غير وزن وصاحبه سَجَّاعَة وهو من الاستواء والاستقامة والاشتباه كأن كل كلمة تشبه صاحبتها.

ب. اصطلاحا يتضح من التعريف اللغوي أن السجع من المحسنات البديعية، وهو يقابل القافية في الشعر، والفاصلة في القرآن الكريم، تقول هدى عطية عبد الغفار معرفة إياه سجع الرجل إذا نطق بكلام له فواصل كقوافي النثر من غير وزن، بمعنى أوضح هو أن تتفق الفواصل في الحرف الأخير من الكلام المنثور.

2. الإسلام وسجع الكهان؟

ظهرت في الجاهلية طائفة من العرب تزعم أنها تطلع على الغيب، وتعرف ما أتى الغيب بما يلقى إليها توابعها من الجن، وكان واحدها يسمى كاهنا كما يسمى تابعه الذي يوحي إليه باسم الـ رئي وأكثرهم كان يخدم بيوت أصنامهم وأوثانهم، فكانت لهم قداسة دينية، وكانوا يلجؤون إليهم في كل شؤونهم، وقد يتخذونهم حكاما في خصوماتهم ومنافراتهم، على نحو ماكان من منافرة هاشم بن عبد مناف و أمية بن عبد شمس واحتكامهما إلى الكاهن الخزاعي وقد نفر هاشما على أمية، وكانوا يستشيرونهم ويصدرون عن آرائهم في كثير من شؤونهم الخاصة.

وقد نقلت لنا كتب التاريخ والسير أسماء مجموعة كبيرة ممن احترفوا الكهانة، نذكر منها؟

ورقة بن نوفل، قس بن ساعدة الإيادي، شق بن أنمار بن نزار، أكثم بن صيفي، أمية بن أبي الصلت، سطيح بن مازن بن غسان، مسلمة بن حبيب، ربيعة بن ربيعة، عراف اليمامة رباح بن عجلة، عراف نجد الأبلق الأسدي، زيد بن عمرو بن نفيل، المأمور الحارثي، الكاهن الخزاعي، علاف بن شهاب التميمي، زهير بن أبي سلمى، زبراء كاهنة بني رئام، كاهنة سهم، الكاهنة سجاح التميمية، سويد بن عامر المصطلقي، وكيع بن سلمة بن زهير الأيادي، أبو قيس صرمة بن أبي أنيس، عامر بن الضرب العدواني، المتلمس بن أمية الكناني.

غير أن النصوص التي حفظتها كتب التاريخ والأدب قليلة مقارنة مع عددهم الكبير، إذ ضاعت واندثرت بموت أصحابها، كما أن الإسلام شن حملة كبيرة على سجع الكهان، ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد نهى عنه، فمما روي أن اقتتلت امرأتان من هزيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول اللهۖ فقضى رسول الله أن دية جنينها غرة عبد أو وليد، وقضى بدية المرأة فقال الرجل يا رسول الله، أنغرم من لا أكل ولا شرب، ولا صاح، ولا استهل، فمثل هذا يطل فقال رسول الله إنما هذا من إخوان الكهان.
0 تصويتات
بواسطة (4.2مليون نقاط)
ويرجع الباحثون أسباب قلة نصوص سجع هؤلاء الكهان إلى عدة أسباب منها.

عدم تدوين هذه النصوص، وإنما تداولها الناس شفويا.

عدم إقبال الناس عليها لأنها تخالف الكثير من المعتقدات الدينية، وخاصة ما يتعلق بالأمور الروحية.

محاربة الإسلام لسجع الكهان والكهنة الحروب التي شنت ضد محكم اليمامة و مسلمة بن حبيب وكهنة اليمن والنهايات التي آل إليها هؤلاء معروفة في كتب التاريخ والسير حروب الردة.

3. نموذج عن سجع الكهان؟

نلاحظ أن هاته الأسجاع تشبه القرآن الكريم إلى حد بعيد، غير أن الثابت تاريخيا أن معظم ما وصل إلينا من الأدب الجاهلي أصابه الانتحال، لذا فإننا نرى أن تلك الأسجاع وغيرها مما تتداوله الكتب، وتنسبه لقس بن ساعدة، أو شق بن صعب إنما هو مردود، وألف في عصور لاحقة لأغراض عدة، فالقرآن الكريم لون متميز من ألوان الكلام، لم يأت شيء مثله قبله ولن يأتي بعده.

4. أسلوبه؟

لسجع الكهان أسلوب خاص يقوم على مجموعة من المبادئ، كانوا ينتهجونها للتأثير في السامع وحمله على التصديق، من ذلك اعتمادهم على.

المعاني المقتضبة التي تتكون غالبا من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، أو سؤال قطعي، أو وصف لبعض الأحداث، أو التغييب المعنوي للظاهر، وتعميق المعنى الباطن في تلافيف الكلام.

القوالب المتقابلة والمتناظرة التي تعتمد على شدة الوقع والجرس، والنهايات الحادة التي تغلق المعنى بقسوة ليبدأ بعدها معنى جديد آخر يناظر الأول أو يعاكسه، وهذا ما يفتح المعنى على احتمالات مختلفة.

التركيز على الأفكار، وهذا ما يعطي الكلام بعدا معرفيا أو لغويا، يرفعه من مرتبة الكلام العادي المباشر إلى نوع من الإنشاد الديني، متوسلا لذلك تضمين كل المخزون الروحي والمعرفي والثقافي والاجتماعي والسياسي، الذي يميز الكاهن عن غيره ولا سيما الشاعر، وعلى هذا الأساس نقول، إن هذا اللون النثري من ألوان الأدب العربي شهد تطورا كبيرا في العصر الجاهلي، لعناية القبائل به ورؤساء العشائر، فالكهان يمثلون بالنسبة لهم رموزا روحية ومدافعين عنهم، غير أنه لما جاء الإسلام تراجعت مكانة السجع والكهنة، ووقف الدين  وقفةعدائية ضد محترفي الكهانة وأسلوبهم السحري القائم على الغموض والإبهام.

الأمثال في الأدب الجاهلي؟

أبدع العرب في ضرب الأمثال في مختلف المواقف والمناسبات، إذ لا يكاد يخلو موقف أو حادث، أو خطبة أو قصيدة شعرية من مثل، يعكس عاداتها وتقاليدها ونظرتها إلى المجتمع، بل إنها تجري على ألسنة الخواص والعوام، وذلك لخفتها وسهولتها على النطق وسرعة حفظها، فهي تتوفر على مزايا وخصائص جعلتها لغة الجميع، ومع ذلك فهي تشتمل على خلاصة خبرة الشعوب، وذلك بأسلوب بلاغي فيه سلاسة وخفة وسهولة وإيجاز، غير أنه يختلف عن لغة العامة، وقد حفظت لنا كتب الأدب والتاريخ الكثير من أمثال العرب، التي كانت بالفعل مرآة صادقة لحياتهم وتجاربهم الخاصة.

1. تعريف المثل؟

أ. لغة يطلق المثل في اللغة على الشيء الذي يُضرب لشيء مثلا، فيجعله مثله، يقال تَمَثَّلَ فلان ضرب مَثَلاً، وتَمَثَّل بالشيء، ضرب مَثَلاً، والمِثْلُ، كالمَثَلِ، والجمع أَمْثَالٌ، قال تعالى «وَلِلَّهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلَى» النحل/الآية60، يريد أن الله سبحانه يأمر عباده بتوحيده، ونفي كل إله سواه، فالمثل الأعلى هنا التوحيد الخالص والصفات الإلهية العليا التي لا ينازعه فيها أحد، والمِثْلُ بكسر الميم الشَّبَهُ، يقال مِثْل ومَثِيْلٌ وشَبِيْهٌ بمعنى واحد، كما ورد في قوله تعالى «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هُوَّ السَّمِيْعُ اَلْبَصِيْرُ » الشورى/الآية11، أراد ليس كذاته شيء، فالنفي المطلق، يؤكد على حقيقة وحدانيته وبتنزهه عن النظير والمثيل جل وعلا، وقيل إنما سمي مثلا، لأنه ماثل لخاطر الإنسان أبدا، يتأسى به، ويعظ به، ويأمر به، ويزجر به، ومن ثم فهو أبلغ من الحكمة، لأن الناس لا يجتمعون على ناقص أو مقصر في الجودة، أو غير مبالغ في بلوغ المدى.

ب. اصطلاحا المثل اصطلاحا قسم من الحكم، يرد في واقعه لمناسبة اقتضت وروده فيها، ثم يتداوله الناس في غير واحد من الوقائع التي تشابهها، دون أدنى تغيير لما فيه من وجازة وغرابة ودقة في التصوير، فالكلمة الحكيمة على قسمين سائر منتشر بين الناس ودارج على الألسن فهو المثل، وإلا فهي كلمة حكيمة لها قيمتها الخاصة، وإن لم تكن سائرة، وقد توقف المرزوقي 421ھ/1030م عند طبيعة المثل وحقيقته وسيرورته، فاعتبر أن المثل جملة من القول مقتضبة من أصلها أو مرسلة بذاتها، فتتسم بالقبول وتشتهر بالتداول فتنقل عما وردت فيه إلى كل ما يصح قصده بها، من غير تغيير يلحقها في لفظها، وعما يوجبه الظاهر إلى أشباهه من المعاني، فلذلك تضرب وإن جهلت أسبابها التي خرجت عليها، واتسع ابن عبد ربه 328ھ /940م بتعريفه وتعداد صفاته، فقال عن الأمثال هي وشي الكلام وجوهر اللفظ وحلي المعاني والتي تخيرتها العرب وقدمتها العجم ونطق بها في كل زمان وعلى كل لسان، فهي أبقى من الشعر وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عم عمومها حتى قيل أسير من مثل، كما يعني باختصار القول السائر أو المأثور، فرضي أو خرافي، يتميز بخصائص ومقومات يرسله لذاته، وينقل ما ورد فيه إلى ما يحاكيه في معنى أو مبنى وهو يدل في صميمه على ما يمثل به الشيء دون تغيير في المعنى، مع مخالفة لفظه للفظ المضروب الذي قام مقامه على وجه تشبيه حاله الذي حكي فيه بالحال الذي قيل لأجله إذن، فالأمثال نوع من أنواع الأدب يمتاز بإيجاز اللفظ وحسن المعنى ولطف التشبيه وجودة الكناية، ولا تكاد تخلو منها أمة من الأمم ومزية الأمثال أنها تنبع من كل طبقات الشعب، وليست في ذلك كالشعر والنثر الفني، فإنهما لا ينبعان إلا من الطبقة الأرستقراطية.

2. نشأة المثل وسيرته؟

ذهب الكثيرون إلى أن المثل يمر بعدة مراحل، إذ يكون فرديا ثم يصبح بالتداول جماعيا، فقد حفظت لنا كتب الأدب والتاريخ وقائع ومناسبات عديدة أكدت فيها أن قائل المثل فرد قالها في مناسبة أو واقعة معينة، ثم سرت بالتدريج، وقد أكثر الناس منذ القديم من ضرب الأمثال، وبلغ العرب في ذلك شأوا بعيد المنال، حتى اتخذوا منه زينة وزخرف القول، وجمعوا منه الكثير وأولوه الترتيب والتفسير، فتحدد في ذلك التأليف، وتنوعت الروايات فيها، وكثرت الاستشهادات بها، وهذا لبلاغتها وفصاحتها ووفرتها، وتنوعت بين القديم والمولد والحديث.

وأقدم كتب ألفت في الأمثال: الأمثال ومعاني الشعر للمفضل الضبي 168 ھ/784م، الأمثال لابن السكيت 244 ھ /858م، و البيان والتبيين للجاحظ، و الأمثال وعجائب القرآن لابن الأنباري 328 ھ /940م، أمثال القرآن لنفطويه 332 ھ /935م، مجمع الأمثال للميداني 518 ھ /1124م، المستقصي من أمثال العرب للزمخشري 467 ھ /1075م.

ويمكن التأريخ للمثل بمعرفة قائله، ومن تمثل بالمثل بعد ذلك، يقول طلال حرب في ذلك والذي نراه أن الأمثال متنوعة، منها ما هو من تأليف رجل واحد يتوافق قوله مع تفكير الناس، ويعبر عن شيء ما لديهم فيتداولوه، وقد يحملونه معاني إضافية من غير أن يعدلوا لفظه ومن الأمثال ما يطلقه مؤلف معين، فلا يلبث الناس أن يغيروا فيه ويعدلوا وفق بعض المعطيات الخاصة.

ولذلك يراعى في المثل الجوانب الثلاثة الآتية؟

مورد المثل يشمل القائل والمناسبة التي قيل فيها المثل وقصته، والأشخاص والأشياء المشهورة بصفات مقبولة أو مرذولة.

مضرب المثل أي الحالة المشابهة لقصته الأولى، أو الشخص أو الشيء المشابه للشخص أو الشيء الوارد في المثل.

دلالة المثل على البيئة أي ما يمكن استشفافه من المثل من دلالات بيئية أو اجتماعية أو ثقافية أو غير ذلك.

3. أنواع المثل؟

في الاصطلاح عرف العرب ثلاثة أنواع من الأمثال هي:

أ. المثل السائر هو المراد عند التعميم والإطلاق ينبثق عن تجربة شعبية بلا تكلف أو تصنع بحيث يمليه الواقع في الحياة فيستعمله كل من يمر بنفس التجربة تعبيرا عن موقفه في مناسبة معينة، أو إبرازا لفكرة أو شعور يتملكانه، ولا يقتصر ضرب المثل السائر على تجربة شعبية، بل قد يأتي به أهل العلم والمعرفة، كقول الرسولۖ إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرَا، أو كقول أحدهم رُبَّ أَخٍ لَكَ لَمْ تَلِدْهُ أُمُّكَ أو أن يكون شعبيا لا تعلم فيه، ولا تكلف بقواعد النحو، وإما كتابي صادر عن ذوي الثقافة العالمية كالشعراء والخطباء، كقولهم كالمُسْتَجِيْرِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ.

ومن هاته النوعية أيضا بعض القصص الحقيقية التي أدت في النهاية إلى ضرب أمثلة كقولهم.

وَافَقَ طَبَقَة رجل من العرب خرج ليبحث عن امرأة يتزوجها، فرافقه رجل في الطريق إلى القرية التي يقصدها، وام يكن يعرفه من قبل قال أتحملني أو أحملك فسكت حتى قابلتهما جنازة، فقال أصاحب هذا النعش حي أم ميت فقال الرجل  ما رأيت أجهل منك، ترى جنازة وتسأل عن صاحبها أميت أم حي، فسكت شن، ثم أراد مفارقته، فأبى الرجل وأخذه إلى منزله وكانت له بنت تسمى طبقة فسألت أباها عن الصيف فأخبرها بما حدث منه، فقالت يا أبت ما هذا بجاهل، إنه أراد بقوله أتحملني أم أحملك أتحدثني أم أحدثك وأما قوله في الجنازة فإنه أراد هل ترك عقبا يحيا به ذكره فخرج الرجل وجلس مع شن وفسر له كلامه، فقال ما هذا بكلامك، فصارحه بأنه قول ابنته طبقة، فتزوجها، ويضرب للمتوافقين.

لَا تُؤَخِّرْ عَمَلَ اليَوْمِ إِلَى الغَدِ قائل هذا المثل هو أبو مسلم الخراساني أحد كبار قادة الدولة العباسية، وقد كتبه لعامل مدينة بلخ كتوقيع ويضرب هذا المثل في الحث على المبادرة على آداء الواجبات في حينها، لكي لا تفوت الفرص السانحة، أو تتراكم الأعمال فتثقل، أو يعجز الإنسان عن آدائها.

الطَّمَعُ الكَاذِبُ يَدُقُّ الرَّقَبَةَ قائل هذا المثل هو خالد بن صفوان التميمي 134ھ وكان من المقربين إلى أبي العباس السفاح، وكان له أخبار وأحاديث في مجلس هذا الخليفة.

كان خالد بن صفوان بخيلا، فبنى دكانا مرتفعا لا يسع غيره، ولا يصل إليه الراجل، فكان إذا تغذى قعد عليه يأكل وحيدا لبخله، فجاء أعرابي على جمل، فساوى الدكان، ومد يده إلى الطعام، وبينما هو يأكل هبت ريح، فنفر البعير وألقى الأعرابي، فاندقّت عنقه، فقال خالد الطمع الكاذب يدق الرقبة فذهب قوله مثلا، يضرب هذا المثل لمن يطمع في أشياء الناس وهو في غنى عنها وليس مضطرا إليها، فالأعرابي لم يكن جائعا، ومع ذلك تطفل على مائدة خالد، وهذا هو الطمع الكاذب، فمثل هاته الأمثال نتجت عن تجارب معينة، وبات الشعب يرددها عند مروره بتجارب مشابهة، مقتطعا إياها من سياقها، ليستخدمها في التعبير عن خلجات نفسه.

ب. المثل القياسي هو سرد وصفي أو قصصي أو تصويري لتوضيح فكرة، عن طريق تشبيه شيء بشيء، لتقريب المعقول من المحسوس، لغرض التأديب، أو التهذيب أو الإيضاح، أو غير ذلك ويمتاز هذا النوع عن النوع الأول بالإطناب، وعمق الفكرة وجمال التصوير وهو مبثوث في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وغيرهما.

ويمكن أن نسوق هاته الأمثلة من القرآن الكريم؟

« إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِيْ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوْضَةً فَمَا فَوْقَهَا ».

« وَمَثَلُ الذِيْنَ كَفَرُوْا كَمَثَلْ الذِيْ يَنْعَقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُوْنَ ».

« ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيْهَا رِزْقُهَا رَغَدَا فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوْعِ والخَوْفِ بِمَا كَانُوْا يَصْنَعُوْنَ »
بواسطة (4.2مليون نقاط)
أو كمثل هاته المجموعة من الأمثال التي توضح ذلك.
- تَزَاوَرُوا ولَا تَجَاوَرُوا.
- الرِّفْقُ يُمْنٌ والخَرْقُ شُؤْومٌ.
- الخَيْرُ عَادَةٌ.
- خَيْرُ المَالِ عَيْنٌ سَاهِرَةٌ لِعَيْنٍ نَائِمَةٍ.
- شَرُّ إِخْوَانِكَ مَنْ لاَ تُعَاتِبْ.
- رُبَّ سَاعٍ لِقَاعِدٍ.
جـ. المثل الخرافي هو في الغالب قصة رمزية بسيطة، تعزى فيها الأفعال إلى الحيوانات، كقصص كليلة ودمنة التي وضعها عبد الله بن المقفع 142 ھ /759م، أو كقصص الشاعر الفرنسي لافونتين، بحيث تستبدل الشخصيات الآدمية بمخلوقات أخرى، كالطير والبهائم وغيرها ويكون الهدف دائما تربويا تثقيفيا تعليميا ومن القصص الخرافية التي وردت على ألسنة الحيوانات، وأدت في النهاية إلى ضرب أمثلة نذكر.
قصة الغراب والديك في الكثير من الروايات من أحاديث العرب أن الديك كان نديما للغراب، وأنهما شربا الخمر عند خمار ولم يعطياه شيئا، وذهب الغراب ليأتيه بالثمن حين شرب، ورهن الديك فخاس به، فبقي محبوساً.
قصة احتكام الأرنب والثعلب إلى الضب من هاته القصة برر العرب الكثير من الأمثال الشائعة، وهي على هذا النحو، زعمت العرب على ألسن البهائم، قالوا إن الأرنب التقط ثمرة فاختلسها الثعلب فأكلها، فانطلقا يختصمان إلى الضب.
فقال الأرنب يا أبا الحسل كنية الضب
فقال الضب سميعا دعوت
فقال أتيناك لنختصم إليك
قال عادلا حكمتما
قالت فاخرج إلينا
قال في بيته يؤتى الحكم
قالت إني وجدت ثمرة
قال حلوة فكليها
قالت فاختلسها الثعلب
قال لنفسه بغى الخير
قالت فلطمته
قال بحقك أخذت
قالت فلطمني
قال حر انتصف أي اقتص لنفسه
قالت فاقض بيننا
قال قد قضيت
فذهبت أقواله كلها أمثالا.
4. أسلوب المثل وخصائصه؟
من الأقوال التي تلخص وصف أسلوب الأمثال ما جاء في قول إبراهيم النظام 231ھ، حيث قال يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة، ويلاحظ أن كل من درس المثل توقف عند ناحية معينة، ولعل من أهم النواحي التي توقفوا عندها.
الشيوع والانتشار الخبرة البلاغة الإيجاز الإيقاع وبهذا، فهو يمتلك إضافة إلى ذلك خصائص معينة، بحيث.
يستخدم المثل الألفاظ المعبرة عن واقع الحياة المعاشة، بحيث تتم المشاكلة بين اللفظ والمعنى، والمشاكلة تمنحها المعاني الخليقة بها والموحية بطريقة المنشئ أو القائل في تعبيره عن تجربته أو معاناته أو معرفته، ومن ثم تتعدد أشكال التعبير وتتنوع ضروب التصوير أو التفكير، وتتباين صيغ التراكيب.
تتنوع تراكيب المثل بين الطول والقصر، والإنشاء والخبر، والإرسال والتوقيع والتسلسل والانقطاع، والإيجاز والتكرار، وبربط النتيجة بالمقدمة، وكان العرب يميزون في أمثالهم بين عدة أنواع، أهمها الأمثال الحكيمة كالتي نجدها في قولهم الجار قبل الدار، الحرب خدعة، العتاب قبل العقاب، ونحوها مما تتناقله الألسن وترويه الأمم بعضها عن بعض، وأقدم مجموع لها أمثال سليمان وأكثر الأمم أخذت عنها، وهي عند العرب مقتبسة من التوراة، كذلك أمثال الهند والفرس والروم.
وكان العرب ينسبون الكثير من الأمثال لأصحابها ومبدعيها، فمن حكماء العرب عدد كبير اشتهر بابتكاره الأمثال، يقول الجاحظ ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي وربيعة بن حذار وهرم بن قطيعة وعامر بن الضرب ولبيد بن ربيعة، وأحكمهم أكثم بن صيفي وأمثلته تجري على هذا النسق رُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبْ رَيْثًا ادْرَعُوا الَّليْلَ فَإْنَّ اللَّيْلَ أَخْفَى لِلْوَيْلِ المَرْءُ يَعْجَزُ لاَ مَحَالَةَ لاَ جَمَاعَة َلِمَنِ اخْتَلَفَ لِكُلِّ أمْرِيء سُلطَانً عَلَى أَخِيْهِ حَتَّى يَأْخُذَ السِّلاحَ، فَإنَّهُ كفَى باِلمَشْرَفيَّةِ وَاعِظا أسْرَعُ العُقُوبَاتِ عُقُوبُةُ البَغْي، وليست كل الأمثال مقصورة على النثر، وإنما كان لها حظها من النظم، كقولهم أحق الخيل بالركض المعار، قاله عبيد بن الأبرص 25 ھ /600م الشاعر الجاهلي المشهور عندما هم المنذر بن امرئ القيس بالفتك به، وهو عجز من بيت تمامه وجدنا في كتاب بني تميم أحق الخيل بالركض المعار والبيت للشاعر بشر بن أبي خازم 22 ھ /598م ونسب لـ الطرماح بن حكيم 125 ھ /743م، كما أن بعض الأمثال تمتاز بإيقاع واضح من السجع، لعله مقصود لتيسير انتشاره وسهولة حفظه وترداده، وبأسلوب موجز وبسيط وبليغ كقولهم العود أحمد، السر أمانة، جزاء سنمار، عشب ولا بعير، أما عن لغة الأمثال فهي تمتاز بجودة الكناية، وبحسن التشبيه والمبالغة، باستخدام صيغ معينة طغيان أفعال التفضيل مثل قولهم أسير من مثل، أعز من كليب وائل، أكذب من مسيلمة، أسخى من حاتم، أبلغ من سحبان بن وائل، أحلم من الأحنف بن قيس.
ولكن أمثال العرب لم تأت كلها على هاته الدرجة من الرقي والانضباط الأسلوبي، بل إن كثيرا من الأمثال الجاهلية تخلو من التفنن التصويري، وهذا بطبيعة الأمثال فإنها ترد على الألسنة عفوا وتأتي على ألسنة العامة لا محترفي الأدب، فلم يكن من الغريب أن يخرج بعضها عن القواعد الصرفية والنحوية دون أن يعيبها ذلك مثل أَعْطِ القَوْسَ بَارِيْهَا بتسكين الياء في باريها والأصل فتحها، وأيضا أَجْنَاؤُهَا أَبْنَاؤُهَا جمع جان وبان، والقياس الصرفي جناتها وبناتها، لأن فاعلا لا يجمع على أفعال، وهذا يثبت أن المثل لا يتغير، بل يجري كما جاء على الألسنة وإن خالف قواعد النحو وقواعد التصريح.
والأمثال في الأدب الجاهلي يصعب تمييزها عن الإسلامي، لاختلاطهما ببعض عند الرواة والمؤلفين، ولكن ما يشير إليه من حادث أو قصة أو خبر مما يتصل بالجاهلية، يساعد على معرفة الجاهلي وتمييزه من الإسلامي مثل مَا يَوْمُ حَلِيْمَةَ بِسِرٍّ وحليمة بنت ملك غسان ويضرب هذا المثل للأمر المشهور الذي لا يكاد يجهل، وقد يدل على جاهلية المثل أن يكون مخالفا لتعاليم الإسلام ومبادئه مثل اليَوْمَ خَمْرٌ وَغَدًا أَمْرٌ، وقائله امريء القيس في قصة ثأره لأبيه.
هذه نظرة عن حالة هذا الفن النثري، وما امتاز به من خصائص وسمات فنية، وما احتواه من دقة وصواب رأي، جعل بعضا من تلك الأمثال متداولا حتى عصرنا الحالي.

اسئلة متعلقة

0 تصويتات
1 إجابة
مرحبًا بك إلى أثير الثقافة، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...