الحكمة، هي لون من ألوان النثر الفني وهي خلاصة نظر معمق إلى الحياة وما يضطرب فيها من ظواهر، تصدر عن ذوي التجارب الخصبة والعقول الراجحة والأفكار النيرة وقائلها حكيم ينظر إلى الأمور نظرة شاملة ويحللها تحليلا دقيقا ثم يصدر في شأنها حكما يظل سائرا مذكورا يعلق بالأذهان والقلوب فيجري على الألسن عبر العصور والأزمان لأن الناس يجدون في هذه الحكم هداية وإرشادا وتوجيها إلى ما يعينهم على الفلاح في حياتهم إنها أقوال من جوامع الكلم.
وكانت الحكمة في الجاهلية تصدر عن اختبار شخصي وتستخلص من التجارب الحياتية الكثيرة وليس فيها أي أثر للتأمل العميق وأغلب حكم الجاهليين كانت بسيطة فكل معانيها لا تتعدى الفطرة والسليقة وتدور حول تقلبات الأيام والزمان وظروف الدهر.
وهي إضافة إلى ذلك قول بليغ موجز صائب يصدر عن عقل وتجربة وخبرة بالحياة ويتضمن حكما مسلما به في أمر بخير أو نهيا عن شر.
وقد وردت لفظة الحكمة في القرآن الكريم عشرين مرة في تسع عشرة آية وفي اثني عشر سورة وذلك بعدة معان وقد اختلف المفسرون في تفسير الآيات الواردة بلفظ الحكمة الرازي على سبيل المثال يرى أن تفسير الحكمة في القرآن الكريم يتم على أربعة أوجه.
1- الحكمة بمعنى مواعظ القرآن قال الله تعالى «وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الكِتَابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ».
2- الحكمة بمعنى الفهم والعلم ومنه قوله تعالى «وَلقَد ْآتَينَا لُقْمَانَ الحِكْمَةَ».
3- الحكمة بمعنى النبوة ففي سورة النساء «فَقَدْ آتَيْنَا أَهْلَ إبْرَاهِيْمَ الكِتَابَ والحِكْمَةَ».
4- القرآن بما فيه من عجائب الأسرار كقوله تعالى «ادْعُ إِلَى سَبِيْلِ رَبكَ بِالحِكْمَةِ».
2. أركان الحكمة؟
أ. التجرد والإخلاص والتقوى هذا هو الأساس لكل عمل والمنطلق لكل هدف وغاية فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول «إِنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إلَى أَجْسَامِكُمْ ولَا إلَى صُوَّرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلىَ قُلُوبِكُمْ».
ب. التوفيق والإلهام إن الحكمة مطلب عزيز وغاية سامية ورتبة رفيعة ينال صاحبها سمة من سمات الأنبياء والرسل ولذلك فهي ليست متاحة لكل فرد بل هي مع بذل الأسباب وتوافر الأركان فضل من الله ونعمة يقول تعالى «يُؤْتِيْ الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ومَنْ يُؤْتِ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوْتِيَ خَيْرًا كَثِيْرًا ومَا يَذَكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا اَلْأَلبَابِ».
جـ. العلم الشرعي العلم من أهم قواعد الحكمة ودعائمها فكما أن الجهل من موانعها فالعلم سبب من أسبابها وركن من أركانها ولهذا قال تعالى «قُلْ هَلْ يَسْتَوِيْ الذيْنَ يَعْلَمُوْنَ وَالذِيْنَ لاَ يَعْلَمُوْنَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوْا اَلْأَلْبَابِ» لا يستوون في أشياء كثيرة ومنها إدراك الحكمة كما قرن الله سبحانه وتعالى بين الحكم و العدل في عدة آيات يقول الله تعالى عن لوط عليه السلام «وَلُوطًا أَتَينَاهُ حُكْمًا وعِلْمًا» ويقول عن موسى عليه السلام «وَلَما بَلَغَ أشُدﱠهُ وَاسْتَوَى أَتَيْنَاهُ حُكْمًا وعِلْمًا» هذه الآيات أقوى دلالة على اقتران العلم بالحكمة.
د. التجربة والخبرة وهما من أهم أسباب التوفيق للحكمة فقد ورد لَا حَكِيْمَ إْلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ لذلك فالتجربة عامل مهم في حصول الحكمة وتحققها.
ھ. رجاحة العقل إن العقل مكان الحكمة وبيتها وبين العقل والحكمة اشتراك لفظي ومعنوي وقد يطلق العاقل على الحكيم والحكيم على العاقل والحكمة أعم من العقل وأشمل.
و. العدل أمر الله بالعدل في عدة مواضع ولا يمكن أن تجتمع الحكمة مع الظلم والجور وقد جعل الله العدل أساس الحكم فالعدل من لوازم الحكمة وركن من أركانها؟
3. خصائص الحكم وسماتها؟
أغلبها مستمد من تجارب وخبرات الحياة فالحكمة التي قالها المنتصر بالله هي خلاصة تجربة مريرة خاضها وهو يريد الاستئثار بالخلافة دون أخويه المعتز و المؤيد فاضطر لقتل أبيه المتوكل وكان والده يشعر أنه يدبر مكيدة له فلما تمكن المنتصر من الحكم ندم على تلك الجريمة فقال لَذَّةُ العَفْوِ أَطْيَبُ مِنْ لَذَّةِ التشَفَّيْ وذَلِكَ أَنَّ لَذَّةَ العَفْوِ يَلْحَقُهَا حَمْدُ العَاقِبَةِ ولَذَّةُ التَشَفَّي يَلْحَقُهَا ذَمُّ العَاقِبَةِ.
تعتمد الحكم على الوجازة في التعبير فبعضها يوشك أن يكون أمثالا.
السهولة في الآداء والتعبير.
حسن الصياغة بألفاظ مأنوسة تزينها الصور البانية والبديع أحيانا.
التوجيه والإرشاد إضافة إلى ذلك كله فهي تكسب الكلام سحرا وحلاوة وتجعله مقبولا في الذوق قريبا إلى القلب مسلما به من العقل والشعور والوجدان وإذا اشتهرت الحكمة صارت مثلا.
4. نماذج من أشهر الحكم؟
كان العباسيون يقولون كلمات في الحكمة تعبر عن مواقفهم من الحياة والناس وتشتمل على توجيه وإرشاد لحاشيتهم وقد روي الكثير من الأقوال المأثورة لخلفائهم مثل أبي العباس السفاح الذي صدرت عنه مجموعة من الحكم البليغة سنذكر بعضا منها مَا أَقْبَحَ بِنَا أَنْ تَكُوْنَ الدُّنْيَا لَنَا وأَوْليَاؤُنَا خَالُوْنَ مِنْ أَثَرِهَا إذَا كَانَ الحِلْمُ مَفسَدَةً كَانَ العَفْوُ مُعْجِزَةً.
أما المأمون فقد أثرت عنه أقوال كثيرة من الحكمة وكان يطيل فيها ويتوسع في موضوعاتها ويتعمق في بعضها منها مَا أَقْبَحَ اللَّجَاجَةَ بِالسُّلْطَانِ وأقْبَحَ مِنْ ذَلِكَ الضَّجَرُ مِنَ القُضَاةِ قَبْلَ التَفَهُّمِ وأقبحَ مِنْهُ سَخَافَةُ الفُقَهَاءِ بالدِّينِ وأَقْبحَ مِنْهُ البُخْلَ بِالأَغْنِيَّاءِ والمُزَاحَ بِالشُّيُوْخِ والكَسَلَ بِالشَّبَابِ والجُبْنَ بالمُقَاتِلِ وقوله أيضا أَظْلَمُ النَّاسِ لِنَفْسِهِ مَنْ يقترِبُ إلى مَنْ يُبْعِدُهُ ويَتَوَاضَعَ لِمَنْ لا يُكْرِمُهُ ويقبلَ مَدْحَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ.
أما التي قالها الأدباء فقد كثرت كثرة بالغة واتسعت مجالاتها فمن الحكم التي قيلت في المجال الديني نذكر قول ابن المقفع المَغْبُوْنُ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ وكذلك قول ابن المعتز طَلاقُ الدُّنيَا مُهْرُ الجَنَّةِ وقول الخوارزمي التَّقْوَى هِيَّ العُدَّةُ البَاقِيَّةُ والجَنَّةُ الوَاقِيَّةُ وقوله أيضا ظَاهِرُ التَّقْوَى شَرَفُ الدُّنْيَا وبَاطِنُهَا شَرَفُ الآخِرَةِ.
ومما جاء في الملك والسلطة قول ابن المقفع مِنَ الحَقَّ عَلَى السُّلْطَانِ رَفْعُ ذِيْ الفَضِيْلَةِ وأنْ يَسُدَّ فَاقَتَهُ وقول ابن المعتز مَن شَارَكَ السُّلْطَانَ فِي عِزِّ الدنْيَا شَاركَهُ فِيْ ذُلِّ الآخِرَةِ.
5. الفرق بين المثل والحكمة؟
الحكمة عامة في الأقوال والأفعال أما المثل خاص بالأقوال.
المقصود من المثل الاحتجاج ومن الحكمة التنبيه والإعلام والوعظ.
الحكمة عصارة خبرة في الحياة وخلاصة فهم لأسرارها يدبجها ذهن ذكي فطن فهي جمل مرصوصة رصا محكما تستخدم في المناسبات فقولك مَقْتَلُ الرَّجُلِ بَيْنَ فَكَّيْهِ أو مَصَارِعُ الرِّجَالِ تَحْتَ أَلْسِنتِهَا وأمثالها من جوامع الكلم هي حكم تنم عن فهم عميق لفلسفة الحياة والمجتمع.
المثل قول يشبه الحكمة في إيجازه ورصه ولكنه يختلف عنه بعمقه فأنت تستخدمه كما روي بحروفه فقولك في من ضيع فرصة وقد أمكنت ثم حاول استردادها بعد فواتها الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ.
قد ينشأ المثل من حادث أو حديث أو تشبيه أو قصة أو حكمة أو شعر أما الحكمة فتنشأ من إعمال الفكر والتعمق في درس الحياة والتفلسف في مفاهيمها واستكناه أسرارها.
قائل المثل مجهول في الغالب على عكس الحكمة.
المثل يقوم على تشبيه حال الثاني الذي يضرب له المثل بحال الأول الذي يضرب به المثل أما الحكمة فإنها لا تقوم على مثل هذا التشبيه إلا نادرا.
نستنتج مما سبق أن الحكم بالمثل تعد أقوالا مأثورة تعبر عن بعض المواقف التي يصادفها الإنسان في حياته فتعمل على توجيهه وإرشاده لما فيه خيره وصلاحه وهي تعتمد على الإيجاز والاختصار مما جعلها تتقارب مع المثل وتشترك معه في بعض الخصائص الفنية والأسلوبية ومع ذلك تبقى الحكمة فنا قائما بذاته نبيل المقصد والغاية والهدف.
فن التوقيعات في الأدب العربي؟
التوقيعات فن أدبي بليغ من فنون النثر العربي ولون رائع من ألوان الكتابة النثرية وهو عبارة موجزة بليغة يكتبها الخليفة أو الوزير أو الأمير ردا على ما يصل إليهم من رسائل تتضمن مختلف القضايا وقد كانت توقيعاتهم آية قرآنية أو حديثا نبويا شريفا أومثلا أو بيتا شعريا أو إبداعا شخصيا ذاتيا لذا فهي بحاجة إلى سرعة البديهة والمهارة.
1. معنى التوقيع في اللغة والاصطلاح؟
أ- في اللغة للتوقيع لغة عدة معان، فقد جاء في لسان العرب وَقَعَ ضَنُّهُ على الشيء قدره وتوهمه و التَّوْقِيْعُ الإصابة وتنظر الأمر وتوهم الشيء ومن معانيه التأثير يقال جنب هذه الناقة مُوَقَّعٌ أي فيه تأثير خفيف من الحبال التي تشد عليها.
ويقول الزمخشري 538 ھ /1144م الوَقْعُ مصدر وَقَعَ الشيء يَقَعُ وُقُوْعًا وَوَقْعًا فهو وَاقِعٌ ووَقَعَ الطائرُ وَقْعًا ووُقٌوْعًا ومَوْقِعَه موضعه الذي يستعيده هكذا قال الأصمعي ووقعت الحديد أقعها وقعا إذا ضربتها بالمطرقة والمَيْقَعَةُ المطرقة والحجر الذي يحد عليه ووقع الرجل يوقع ويَيْقَعُ وَقْعًا إذا اشتكى لحم قدميه من الحفي وهو وقع.
وَقَعَ الشيءُ على الأرض وُقُوْعًا وأَوْقَعْتُهُ إِيْقَاعًا ووَقَعَ الطائرُ على الشجرة وهذه مَيْقَعَةُ البازي يكندرته وتَوَقَّعْتُهُ ترقبت وقوعه ووَقَعَ الربيع في الأرض وانتجعوا مَوَاقِعَ الغيث ومساقطه وأصفى من ماء الوَقِيْعَةِ والِوقَاعُ وهي المناقع.
وتقول في فم الوِقَاعِ الوَقِيْعَةُ أعذب من ماء الوقيعة واسْتَوْقَعَ السيف أني له أن يشحذ من المجاز حافر موقع وقعته الحجارة ووقعت الدابة بكثرة الركوب سحجت فتحاص عنها الشعر فنبي أبيض قال ولم يوقع بركب حجبه وإنه لموقع الظهر ووَقَّعَ في كتابه تَوْقِيْعًا وهذه النعل لا تقع على رجلي ووَقَعَ الأمر حصل ووجد ووَقَعَ في قلبي السفر وفلان يسف ولا يَقَعْ إذا دنى من الأمر ثم لا يفعله.
أما الفيروزأبادي 817 ھ -1415م فيكتب وَقَعَ يَقَعُ بفتحهما وقوعا سقط والقول عليهم وجب والحق ثبت والإبل بركت والدواب ربضت وربيع بالأرض حصل ولا يقال سقط والطير إذا كانت على شجر أو أرض فهن وُقُوْعٌ ووَقْعٌ وقد وَقَعَ الطائر وُقُوْعًا وأنه لحسن الوقعة بالكسر والوَقْعُ وَقْعَة ُالضرب بالشيء والمكان المرتفع من الجبل.
ووَقَعَ يَقَعُ وَقْعًا ووقُوْعًا سقط الدواب ربضت والإبل بركت يقال وَقَعَ الطير على أرض أو شجر والمطر بالأرض حصل الحق ثبت القول عليه نفسه وجب الكلام في نفسه أثر فيها فلان في فلان وَقِيْعَةً ووقُوْعًا سبه واغتابه وعابه في العمل وُقُوْعًا أخذه وأصاب الرفق فيه في الشرك حصل فيه في أرض فلاة صار فيها إلى كذا وقعا أسرع وحسنا أو سيئا ثبت لديه عنده مَوْقِعا حسنا نال منه حظا ومنزلة فلان البعير وقَعَا كواه على أم رأسه وبالتدريج اكتسب المعنى الاصطلاحي الذي نحن بصدده.
ب. في الاصطلاح التوقيع هو ما يعلقه الرئيس على كتاب وطلب برأي فيه وتوقيع العقد أو الصك ونحوه أن يكتب الكاتب اسمه في ذيله إمضاء له أو إقرارا به نوع من الخط.
وتوقيع الكاتب في الكتاب المكتوب أن يجمل تضاعيف سطوره مقاصد الحاجة ويحذف الفضول وهو مأخوذ من توقيع الدبر ظهر البعير فكان الموقع في الكتاب يؤثر في الأمر الذي كتب فيه ما يؤكده ويوجبه.
إن التوقيعات عبارات موجزة كان يكتبها الخليفة أو الوالي أو عماله في أسفل الشكاوي أو المطالب والحاجات التي كانت ترفع إليهم بما يتضمن الرأي فيها كأن يكتب إلى الوزير في غرض ما فيكتب الرئيس عنه بما يفيد وجوب الفحص أو قضاء المأرب وقد ظهرت التوقيعات في عهد الراشدين وازدهرت في عهد بني أمية وهي ما يعلقه الخليفة أو الأمير أو الوزير أو الرئيس على ما يقدم إليه من الكتب في شكوى حال أو طلب نوال ميزتها الجمع بين الإيجاز والجمال والقوة وقد تكون آية أو مثلا أو بيت شعر.
وبالتالي فالتوقيعات اصطلاحا تعني تلك الأقوال البليغة الموجزة التي يكتبها المسؤول في الدولة أو يأمر بكتابتها على ما يرفع إليه من قضايا وشكاوي متضمنة ما ينبغي اتخاذه من إجراء نحو كل قضية أو مشكلة ويكون التوقيع عادة في أسفل الرسالة وفي بعض الأحيان خلفها أو في أعلاها بمداد مغاير للون الكتاب أو الرسالة جوابا على ما يكتبه رعايا الدولة فيما يحزنهم من خطوب وما يعروهم من مظالم ويكون الرد أمرا أو نهيا ترغيبا أو ترهيبا بذلا أو منعا وتسمى الظلامات والشكاوي هذه بالقصص على سبيل المجاز من باب تسمية الشيء بما ينطوي عليه إذ تحكي قصة الشاكي وظلامته.